- 186 - 2- شجاعته–عليه السلام-في تحطيم الأصنام: لقد كان إبراهيم صادعاً بالحق، وداعياً لأبيه وقومه لعبادة الله، وترك كل ما ي عب د من دون الله، ولكن كعادة أهل الباطل، لم يلق منهم إلا التعنيف والتكبر والإصرار على الكفر، فقا ل م ناظراً كما في القرآن الكريم ع ل يْه مْ ن ب أ إ بْر اه يم (69 )إ ذْ ق ال لأ ب يه و ق وْم ه م ا ت عْب د ون (00 ) ق ال وا ن عْب د أ صْن امًا ف ن ظ لُّ ل ه ا ع اك ف ين (01 )ق ال ه لْ ي سْم ع ون ك مْ إ ذْ ت دْع ون (02 )أ وْ ي نْف ع ون ك مْ أ وْ ي ض رُّون (03 )ق ال وا ب لْ و ج دْن ا آب اء ن ا ك ذ ل ك ي فْع ل ون (04 )ق ال أ ف ر أ يْت مْ م ا ك نْت مْ ت عْب د ون (05 )أ نْت مْ و آب اؤ ك م الأْ قْد م ون (06 )ف إ ن ه مْ ع د و ل ي إ لا ر ب الْع ال م ين (00[ })الشعراء : 69 -00]. وبعد كل الجهد الم ضن ي، وبذل الو سْع، فإن أي اً من هذه الوسائل لم ت جد نفعاً، مع تلك الآذان الصماء، والأ عْي ن العمياء، والأنفس البكماء، والأشخاص التي لم تبلغ رتبة الحيوانات في العقل والفهم والاستدلال. انتقل عليه السلام لآخر الوسائل التي قد تكون سبباً في ردهم عن السجود لأحجار وصخور. وهذه الوسيلة لها من العواقب وفيها من المخاطر ما ليس في غيرها. فاعتصم بالله وتوكل عليه {ف ج ع ل ه مْ ج ذ اذًا إ لا ك ب يرًا ل ه مْ ل ع ل ه مْ إ ل يْه ي رْج ع ون (58 )ق ال وا م نْ ف ع ل ه ذ ا ب آل ه ت ن ا إ ن ه ل م ن الظ ال م ين (59 )ق ال وا س م عْن ا ف تًى ي ذْك ر ه مْ ي ق ال ل ه إ بْر اه يم (60 )ق ال وا ف أْت وا ب ه ع ل ى أ عْي ن الن اس ل ع ل ه مْ ي شْه د ون (61 )ق ال وا أ أ نْت ف ع لْت ه ذ ا ب آل ه ت ن ا ي ا إ بْر اه يم (62 )ق ال ب لْ ف ع ل ه ك ب ير ه مْ ه ذ ا ف اسْأ ل وه مْ إ نْ ك ان وا ي نْط ق ون (63 )ف ر ج ع وا إ ل ى أ نْف س ه مْ ف ق ال وا إ ن ك مْ أ نْت م الظ ال م ون (64 )ث م ن ك س وا ع ل ى ر ء وس ه مْ ل ق دْ ع ل مْت م ا ه ؤ لا ء ي نْط ق ون (65 )ق ال أ ف ت عْب د ون م نْ د ون الل ه م ا لا ي نْف ع ك مْ ش يْئًا و لا ي ض رُّك مْ (66 )أ ف ل ك مْ و ل م ا ت عْب د ون م نْ د ون الل ه أ ف لا ت عْق ل ون (60}). [الأنبياء: 58 -60] . قال الإمامالقرطبي: " أ ن إبراهيم ل مْ ي كْت ف ب الْم ح اج ة ب الل س ان ب لْ ك س ر أ صْن ام ه مْ ف عْل و اث قٍ ب الل ه ت ع ال ى، م و ط نٍ ن فْس ه ع ل ى م ق اس اة الْم كْر وه ف ي الذ ب ع ن الد ي ن " (464). لقد أثبت ابراهيم بالدليل القاطع، والبرهان الساطع لكل من م ل ك ل ب ا، أو ح از عقلاً، أن تلك الآلهة لا تعدو أن تكون حجارة، وأثبت لقومه أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق، فكيف )464( تفسير القرطبي 11 /290). بتصرف يسير
عدد الصفحات ١٩٣- 180 - ترجون منها نفعاً أو ضراً، وهي لم تدفع عن نفسها التحطيم والتكسير، ولم تستطيع معاقبة من قام بتحطيمها أو الإشارة لعبيدها عن هويته ليعقبوه. ولقد كان إبراهيم يخاطب قوماً لا يعقلون، بل لا يريد وا أن يعقلوا -عدا من آمن منهم- ، فبعد كل هذه البراهين، كان جزاؤه دون شكره، أو الإيمان بإله غير هذه الأصنام، أن حسموا أمرهم بأن يعاقبوه نصرة لآلهتهم، ويحرقوه قرباناً لأصنامهم، فذكر الله قولهم: {ح ر ق وه و انْص ر وا آل ه ت ك مْ إ نْ ك نْت مْ ف اع ل ين (68 )ق لْن ا ي ا ن ار ك ون ي ب رْدًا و س لا مًا ع ل ى إ بْر اه يم (69 )و أ ر اد وا ب ه ك يْدًا ف ج ع لْن اه م الأْ خْس ر ين (00 )و ن ج يْن اه و ل وطًا إ ل ى الأْ رْض ال ت ي ب ار كْن ا ف يه ا ل لْع ال م ين (01}) .[الأنبياء: 68 -01]. بعد كل هذه الشجاعة في الدعوة إلى الله، و الب س ال ة المقطوعة الن ظير في م حاج ة المشركين، وفي البراءة منهم و من آلهتهم التي يعبدون، كان إبراهيم بطلاً ثابت الأركان ، مستقر الجنان، لم يستجدي، ولم يطلب العفو والمغفرة، أو يدعي التوبة والندم على ما فعل ولو ت ق ية، وهو يرى أشد أنواع العذاب الذي ينتظره، لم يفكر –عليه السلام- في فعل شيءٍ من ذلك ولكن كان قلبه مطمئناً بالله، فع ن ابْن ع ب اسٍ قال: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِ يلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ " (465). في شدة الكرب، كان قلب إبراهيم معل قاً بالله، ولسانه ذاكر اً له، إن فعل إبراهيم -عليه السلام-يجب أن يفعله كل أبطال أمتنا، وخصوصاً الدعاة والغ ز اة، حين ي نزل الكرب، أو تشتد الحرب. )465) صحيح البخاري 6 /39) حديث4563 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا أ حْم د بْن ي ون س ، أ ر اه ق ال : ح د ث ن ا أ ب و ب كْرٍ، ع نْ أ ب ي ح ص ينٍ، ع نْ أ ب ي الضُّح ى، ع ن ابْن ع ب اسٍ: الأثر.
عدد الصفحات ١٩٤- 188 - 3- ثبات إبراهيم –عليه السلام-أمام النمرود: لقد كان النمرود (466) من أكبر الجبابرة، وأعظم القياصرة، وقال في ذلك مجاهد: " لم يملك الأرض كلها إلا أربعة : مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود ، وذو القرنين، والكافران : نمروذ بن كوش، وبختنصر" (460). مع شدة بأس ذلك الطاغية، وكثرة ظ لْم ذاك الطاغوت، إلا أن إبراهيم–عليه السلام- لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يرضى بالدون، فأبى إبراهيم كعادته إلا الجهر بالتوحيد، والكفر بكل ما ي ع بد من دون الله، ورد على النمرود رداً صار مضرب م ث لٍ على الر دو د المفحمة، فألجم الطاغية إلجاماً، وأفحم مدعي الألوهية إفحاماً، ولقد قال الله تعالى ت ر إ ل ى ال ذ ي ح اج إ بْر اه يم ف ي ر ب ه أ نْ آت اه الل ه الْم لْك إ ذْ ق ال إ بْر اه يم ر ب ي ال ذ ي ي حْي ي و ي م يت ق ال أ ن ا أ حْي ي و أ م يت ق ال إ بْر اه يم ف إ ن الل ه ي أْت ي ب الش مْس م ن الْم شْر ق ف أْت ب ه ا م ن الْم غْر ب ف ب ه ت ال ذ ي ك ف ر و الل ه لا ي هْد ي الْق وْم الظ ال م ين[ }البقرة : 258]. وذكرابن عطية الاندلسي قول الأصوليون في هذه الآية: " أن إبراهيم وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة، ففزع نمرود إلى المجاز وموه به على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه، ف ب ه ت ال ذ ي ك ف ر ، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق، لأن ذوي الأسنان يكذبونه " (468). و ق الالس د ي : " إ ن ه ل م ا خ ر ج إ بْر اه يم م ن الن ار أ دْخ ل وه ع ل ى الْم ل ك -و ل مْ ي ك نْ ق بْل ذ ل ك د خ ل ع ل يْه -ف ك ل م ه وقال له: من ربك؟ فقال: ر ب ي ال ذ ي ي حْي ي و ي م يت . ق ال النمرود: أ ن ا أ حْي ي و أ م يت ، )466( اختلف المفسرون في الملك الذي حآج إبراهيم عليه السلام، فقد قيل إن ه نمروذ وقيل هو ص اح ب الص رْح ب ب اب ل . ي نظر تفسير القرطبي ( 3 /284.) )460( تفسير مجاهد (ص: 450 .) )468( تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1 /346.)
عدد الصفحات ١٩٥- 189 - و أ ن ا آخ ذ أ رْب ع ة ن ف رٍ ف أ دْخ ل ه مْ ب يْتًا و لا ي طْع م ون ش يْئًا و لا ي سْق وْن ح ت ى إ ذ ا ج اع وا أ خْر جْ ت ه مْ ف أ طْع مْت اثْن يْن ف ح ي ي ا و ت ر كْت اثْن يْن ف م ات ا. ف ع ار ض ه إ بْر اه يم ب الش مْس ف ب ه ت " (469). لقد كان إبراهيم شجاعاً في الصدع بالحق، و ج ر يئاً في مخاطبة الظلمة، و كانت حجته واضحةً كوضوح الشمس في كبد السماء، ولكن يأبى الظلمة الرجوع للحق، ويستنكف الطغاة عن الإقرار بالخطأ، ويستكبر الجبابرة عن عبادة الله، ف ح اج ه بالشمس فدمغت هذه الحجة باطله، وكشفت زيف إفكه وكذبه. 4- إقدام إبراهيم ، وثبات إسماعيل امتثالاا لأمر الله: إن الله –جل وعلا-لم ي ثني على إبراهيم بكل تلك المكارم والمفاخر، ولم يستفرد إبراهيم بكثير من المناقب، إلا لأنه كان عظيماً ثابتاً بطلاً، لا تزعزع عزمه الزلازل، ولا تزيده الكوارث إلا رسوخاً. ومن أشد هذه الن و از ل التي تهد الجبال، ولا يصمد أمامها الحديد، هي أمر الله له بذبح ابنه إسماعيل ق رباناً لله. ويقص القرآن هذه القصة و ابتدأ ها بدعوة إبراهيم {ر ب ه بْ ل ي م ن الص ال ح ين (100 )ف ب ش رْن اه ب غ لا مٍ ح ل يمٍ (101 )ف ل م ا ب ل غ م ع ه الس عْي ق ال ي ا ب ن ي إ ن ي أ ر ى ف ي الْم ن ام أ ن ي أ ذْب ح ك ف انْظ رْ م اذ ا ت ر ى ق ال ي ا أ ب ت افْع لْ م ا ت ؤْم ر س ت ج د ن ي إ نْ ش اء الل ه م ن الص اب ر ين (102) ف ل م ا أ سْل م ا و ت ل ه ل لْج ب ين (103 )و ن اد يْن اه أ نْ ي ا إ بْر اه يم (104 )ق دْ ص د قْت الرُّؤْي ا إ ن ا ك ذ ل ك ن جْز ي الْم حْس ن ين (105 )إ ن ه ذ ا ل ه و الْب لا ء الْم ب ين (106 )و ف د يْن اه ب ذ بْحٍ ع ظ يمٍ (100 )و ت ر كْن ا ع ل يْه ف ي الآْخ ر ين (108 )س لا مٌ ع ل ى إ بْر اه يم (109[ })الصافات: 100- 109]. إََّ سبب وصف ا هذه المصيبةب " البلاء المبين" أََّ إبراهيم كاَ شيخاا كبيراا وكانت امرأته عاقراا، فسأل الله الولد فوهب الله له ولداا، فلما بلغ الغلام (470) السعي، هي )469) تفسير القرطبي 3 /285.) )400 )اختلف العلماء اختلافاا شديداا في الذبيح، هل هو إسحاق أم إسماعيل؟قال ابن كثير في البداية: " و ق دْ ق ال ب أ ن ه إ سْح اق ط ائ ف ةٌ ك ث ير ةٌ م ن الس ل ف و غ يْر ه مْ. و ا ن م ا أ خ ذ وه و الل ه أ عْل م م نْ ك عْب الأْ حْب ار أ وْ ص ح ف أ هْل الْك ت اب و ل يْس ف ي ذ ل ك ح د يثٌ ص ح يحٌ ع ن الْم عْص وم ح ت ى ن تْ ر ك لأ جْل ه ظ اه ر الْك ت اب الْع ز يز و لا ي فْه م ه ذ ا م ن الْق رْآن ب ل الْم فْه وم ب ل الْم نْط وق ب ل الن صُّ ع نْد الت أ مُّل ع ل ى أ ن ه إ سْم اع يل ". ي نظر البداية و النهاية ط الفكر
عدد الصفحات ١٩٦- 190 - أحب أعمار الْبناء للآباء، لَْ فيها يُرجى خيره ونفعه،ويزيد تعلق القلب به. وفقد الو لد لن يكوَ موتاا، بل قتلاا، وليس كأي قتل، فإَ قتله سيكوَ ذبحاا بالسكين، وهي من أشد أنواع القتل على النفس، ولن يكوَ الذبح بيد أي، أحد يريد الله منه أَ يكوَ الذبح بيده هو –عليه السلام-فيريد الله منه أَ يضحى بثمرة فؤاده، وفلذة ك بده، نحراا بيده. ولكنَّ إبراهيم ثبت ثبات الجبال الر و اسي في كل الَختبارات والفتن والَبتلاءات، لِيَصير بذلك أباا للأنبياء، وقدوة للعالمين. (1 /159). وقالشيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج: والذبيح على القول الصحيح ابنه الكبير إسماعيل، كما دلت على ذلك سورة "الصافات" وغير ذلك. ي نظر منهاج السنة النبوية (5 /353.)
عدد الصفحات ١٩٧- 191 - المطلبُ الثَّاني: بطولة يوسف -عليه السلام- أولاا : نَسَبُ يوسف –عليه السلام-وثناءُ الله عليه: ولم يكن أحدٌ أعز نسباً من يوسف -عليه السلام-فلم يجتمع لأحد أربع آباء من الأنبياء إلا له، فهو يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم -عليهم السلام-وقال في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم «يُوسُفُ نَبِي اللَّهِ، ابْنُ نَبِي اللَّهِ، ابْنِ نَبِي اللَّهِ ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ » (401) .وهو من عباد الله المحسنين (402). وهو من الْم خْل ص ين لله (403). وهو من الأنبياء المرسلين (404) . ثانياا: شجاعة يوسف–عليه السلام-في رفض الرذيلة: إننا في هذا المقام نقف أمام شجاعة ليست كأي شجاعة، إنها بطولة من نوع نادر، وشكل غير مألوف، وفروسية ليست معهودة على فرسان العرب فضلاً على أن تكون عند فرسان العجم، وا نْ وجدت فهي عزيزة. قال الله تعالى عن يوسف –عليه السلام-: { و ل م ا ب ل غ أ ش د ه آت يْن اه ح كْمًا و ع لْمًا و ك ذ ل ك ن جْز ي الْم حْس ن ين (22) و ر او د تْه ال ت ي ه و ف ي ب يْت ه ا ع نْ ن فْس ه و غ ل ق ت الأبو اب و ق ال تْ ه يْت ل ك ق ال م ع اذ الل ه إ ن ه ر ب ي أ حْس ن م ثْو اي إ ن ه لا ي فْل ح الظ ال م ون (23 )و ل ق دْ ه م تْ ب ه و ه م ب ه ا ل وْلا أ نْ ر أ ى ب رْه ان ر ب ه ك ذ ل ك ل ن صْر ف ع نْه السُّوء و الْف حْش اء إ ن ه م نْ ع ب اد ن ا الْم خْل ص ين (24}). [يوسف22، 24]. لقد وقع يوسف في بحر هائج، من يوم عاصف، يلطم الموج سفينته من كل جانب، ولقد اجتمع عليه في هذا الإعصار ما يتعذر اجتماعه على أحد غيره، فلقد كان فتيً في )401) صحيح البخاري 4 /140) حديث3353.) قال الإمام البخاري ح د ث ن ا ع ل يُّ بْن ع بْد الل ه ، ح د ث ن ا ي حْي ى بْن س ع يدٍ، ح د ث ن ا ع ب يْد الل ه ، ق ال : ح د ث ن ي س ع يد بْن أ ب ي س ع يدٍ، ع نْ أ ب يه ، ع نْ أ ب ي ه ر يْر ة ر ض ي الل ه ع نْه : الحديث. )402( { ح كْمًا و ع لْمًا و ك ذ ل ك ن جْز ي الْم حْس ن ين22.] )403) {24.] )404( {لْت مْ ل نْ ي بْع ث الل ه م نْ ب عْد ه ر س ولاً ك ذ ل ك ي ض لُّ الل ه م نْ ه و م سْر فٌ م رْت ابٌ 34.]
عدد الصفحات ١٩٨- 192 - ع نْف وانالش باب، هو غلام وأسير عن د سيدة تدعوه لنفسها، وكان غريب الديار، من قطع الأهل والأحباب، والغريب أجرأ على الرذيلة م ن غيره. واجتمع فيه من صفات الكمال والجمال ما قاله النبي ﷺ في حديث الإسراء (405) «فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا هُ وَ قَدِ اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ...الحديث » .وفيه من الرجولة والفحولة ما يفوق به الرجال (406)، فلقد توفرت كل الأسباب الداعية للرذيلة، فا لأبو اب مغلقة، والمرأة من أجمل النساء وفوق ذلك قد أعدت وهيأت نفسها، وهو المطلوب وليس الطالب، ولكنها الب ط ول ة في الثبات، ولأنه أدرك جيداً، أن الشرف لا يسلم مع الخسة، والعزة لا تكون بالوضاعة، والمجد والعار لا يجتمعان. إن الصبر الإرادي عن الفاحشة التي يستطيع فعلها، هو أعلى مرتبة، وأكبر أجراً، وهو أشد على النفس من الصبر على الأمور اللاإرادية وفي هذا قال عبد الرحمن السعدي: "هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجراً، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعاً أو كارهاً " (400) . ولا أنسى في هذا المقام القول بأن في هذه الآيات من التفاسير والت أ ويْل الكثير، وا ن ج ل ه إن لم يكن ك ل ه لا يساوي ثمن الم د اد الذي كتب به، وسأكتفي هنا بنقل رد الإمام محمد الأمين الشنقيطي على تلك الإسرائيليات والفريات، إذ يقول : " إن ه ذ ه الأْ قْو ال ال ت ي ر أ يْت ن سْب ت ه ا إ ل ى ه ؤ لا ء الْع ل م اء م نْق س م ةٌ إ ل ى ق سْم يْن : ق سْمٌ ل مْ ي ثْب تْ ن قْل ه ع م نْ ن ق ل ه ع نْه ب س ن دٍ ص ح يحٍ، و ه ذ ا لا إ شْك ال ف ي س ق وط ه . و ق سْمٌ ث ب ت ع نْ ب عْض م نْ ذ ك ر ، و م نْ ث ب ت ع نْه م نْه مْ ش يْءٌ م نْ ذ ل ك ، ف الظ اه ر الْغ ال ب )405) صحيح مسلم1 /145) حديث259 .)قال الإمام مسلم ح د ث ن ا ش يْب ان بْن ف رُّوخ ، ح د ث ن ا ح م اد بْن س ل م ة ، ح د ث ن ا ث اب تٌ الْب ن ان يُّ، ع نْ أ ن س بْن م ال كٍ، أ ن ر س ول الله ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ق ال : الحديث. )406) قالالإمام ابن حجر العسقلاني: "لقد خص الأنبياء بالقوة على الجماع الدال ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم ". ي نظ ر: فتح الباري لاب ن حجر (6 / 462.) بتصرف يسير )400( تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص 396.)
عدد الصفحات ١٩٩- 193 - ع ل ى الظ ن الْم ز اح م ل لْي ق ين : أ ن ه إ ن م ا ت ل ق اه ع ن الإْ سْر ائ يل ي ات ؛ لأ ن ه لا م ج ال ل لر أْي ف يه ، و ل مْ ي رْف عْ م نْه ق ل يلٌ و لا ك ث يرٌ إ ل يْه ص ل ى الل ه ع ل يْه و س ل م . و ب ه ذ ا ت عْل م أ ن ه لا ي نْب غ ي الت ج رُّؤ ع ل ى الْق وْل ف ي ن ب ي الل ه ي وس ف اعْت م ادًا ع ل ى م ثْل ه ذ ه الر و اي ات ، م ع أ ن ف ي الر و اي ات الْم ذْك ور ة م ا ت ل وح ع ل يْه ل و ائ ح الْك ذ ب ... و أ ن ا ق د مْن ا د لا ل ة الْق رْآن ع ل ى ب ر اء ت ه م نْ ج ه اتٍ م ت ع د د ةٍ، و أ وْض حْن ا أ ن الْح ق يق ة لا ت ت ع د ى أ ح د أ مْر يْن : إ م ا أ نْ ي ك ون ل مْ ي ق عْ م نْه ه م ب ه ا أ صْلاً، ب ن اءً ع ل ى ت عْل يق ه م ه ع ل ى ع د م ر ؤْي ة الْب رْه ان ، و ق دْ ر أ ى الْب رْه ان ، و ا م ا أ نْ ي ك ون ه مُّه الْم يْل الط ب يع ي الْم زْم وم ب الت قْو ى، و الْع لْم ع نْد الل ه ت ع ال ى " (408). ليس كل من ادعى الفروسية هو فارس، أو من ادعى الكرم هو كريم، ولو كانت الصفات والأشياء ت ثب ت بالدعوى، لثبت للجبناء زعم الشجاعة، ولو صف البخلاء بفرية الج ود. ولأن الفروسية تثبت حين النزال، والمكارم تكتسب بالأفعال، لا بكثرة التشد ق والأقوال، ف كانت العفة من جنس الب ط ول ة، وصارت الشهامة من صفات الرجولة كما قال الشاعر: لَيْسَ الش جَاعُ الَّذِي يَحْمِي مَطِيَّتَهُ ... يَوْمَ الن زَالِ وَنَارُ الْحَرْبِ تَشْتَعِلُ لَكِنَّ فَتاى غَضَّ طَرْفاا أَوْ ثَنَى بَصَراا ... عَنِ الْحَرَامِ فَذَاكَ الْفَارِسُ الْبَطَلُ (479). في هذه الشجاعة النفيسة، والعفة النادرة، والطهارة الع ج يبة قال النبي ﷺ «سَبْعَةٌ يُظِل هُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِل هِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِل هُ : [] (480) وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِب وَجَمَال إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ : إِن ي أَخَافُ اللَّهَ...الحديث» (481) . قالابن رجب الحنبلي: " ويعني بالمنصب: النسب والشرف والرفعة ف ي الدنيا، فإذا اجتمع ذ ل ك م ع الجمال ف ق دْ كمل الأمر وقويت الرغبة، فإن ك ان تْ م ع ذ ل ك ه ي الطالبة الداعية إلى نفسها، ك ان أعظم وأعظم، فإن الامتناع بعد ذ ل ك كله دليل ع ل ى تقديم خوف الله ع ل ى هوى النفس، )408) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( 2 /214). بتصرف يسير )409( ذم الهوى (ص 143.) )480( [ )481) صحيح البخاري 8 /163) حديث6806 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا م ح م د بْن س لا مٍ، أ خْب ر ن ا ع بْد الل ه ، ع نْ ع ب يْد ا لل ه بْن ع م ر ، ع نْ خ ب يْب بْن ع بْد الر حْم ن ، ع نْ ح فْص بْن ع اص مٍ، ع نْ أ ب ي ه ر يْر ة ، ع ن الن ب ي ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ، ق ال : الحديث.
عدد الصفحات ٢٠٠- 194 - وصاحبه داخل ف ي قوله تعالى 40]. وهذا كما جرى ليوسف ع ل يه السلام " (482) . ثالثاا: شجاعة يوسف–عليه السلام-في الدفاع عن عرضه: قال الله تعالى: {و اسْت ب ق ا الْب اب و ق د تْ ق م يص ه م نْ د ب رٍ و أ لْف ي ا س يد ها ل د ى الْب اب ق ال تْ م ا ج ز اء م نْ أ ر اد ب أ هْل ك س وءًا إ لا أ نْ ي سْج ن أ وْ ع ذ ابٌ أ ل يمٌ (25 )ق ال ه ي ر او د تْن ي ع نْ ن فْس ي و ش ه د ش اه دٌ [ }يوسف: 25، 26]. لقد ب يع يوسف بثمن بخس، فصار مملوكاً لعزيز مصر، ومأموراً بأمر زوجة العزيز، فرا و دته عن نفسه تريد الفاحشة، فأبي الرذائل، وترف ع عن الدنايا، وفرّ منها حافظاً لعفته، متمسكاً بطهارته، فألفيا س يد ها عند الباب، فرمته بالفاحشة، واتهمته في عرضه، فتجلت شجاعة يوسف – عليه السلام-فلم يوافقها على ادعائها، أو يلتزم الصمت إ قراراً بما تقول، بل رد إليها كيدها، ورماها بدعواها، وكشف خبيث أفعالها، ولم يسمح لها برميه في عرضه، أو اتهامه في شرفه. فكانت هذه أكبر مثال على الشجاعة، بأن يرد على سيدته كلامها، ويصرح بأنها داعية الفحش، وصاحبة الرذيلة، وهو يعلم أنها صاحبة الأمر والسلطان. رابعاا: البُطُولَة بتمني يوسف –عليه السلام-السجن على الرذيلة: لقد كان يوسف عليه السلام، في حكم العبيد عند الخ لْق، ولكن أخلاقه وشمائله تفوق كل خ ل ق، فقد كان طاهر النفس، نقيّ الع رْض، مصون الشرف، سامي الأخلاق، ومن شدة عفافه فض ل السجن مع الطهر، على الرذيلة مع القصر، والأشد من ذلك أنه رفض الخروج من الس جن إلا بعد اثبات براء ته، وا علان طهره، قال الله تعالى: {و ق ال الْم ل ك ائْت ون ي ب ه ف ل م ا ج اء ه الر س ول ق ال ارْج عْ إ ل ى ر ب ك ف اسْأ لْه م ا ب ال الن سْو ة اللا ت ي ق ط عْن أ يْد ي ه ن إ ن ر ب ي ب ك يْد ه ن ع ل يمٌ (50 )ق ال م ا خ طْب ك ن إ ذْ ر او دْت ن ي وس ف ع نْ ن فْس ه ق لْن ح اش ل ل ه م ا ع ل مْن ا ع ل يْه م نْ س وءٍ ق ال ت امْر أ ت الْع ز يز )482( فتح الباري لابن رجب 6 /48.)
عدد الصفحات ٢٠١- 195 - الآْن ح صْح ص الْح قُّ أ ن ا ر او دْت ه ع نْ ن فْس ه و ا ن ه ل م ن الص اد ق ين (51 )ذ ل ك ل ي عْل م أ ن ي ل مْ أ خ نْه ب الْغ يْب و أ ن الل ه لا ي هْد ي ك يْد الْخ ائ ن ين (52[ } )يوسف: 50 - 52]. لقد أصبح السجن أمنية ليوسف بعدما اقترن السجن، بطاعة الله، بالسلامة في الع رض، والط هر في الشرف، فذكر الله سؤاله لله أن ي سجن في القرآن الكريم، فقال الله تعالى ر او دْت ه ع نْ ن فْس ه ف اسْت عْص م و ل ئ نْ ل مْ ي فْع لْ م ا آم ر ه ل ي سْج ن ن و ل ي ك ونًا م ن الص اغ ر ين (32 )ق ال ر ب الس جْن أ ح بُّ إ ل ي م م ا ي دْع ون ن ي إ ل يْه و ا لا ت صْر فْ ع ن ي ك يْد ه ن أ صْب إ ل يْه ن و أ ك نْ م ن الْج اه ل ين (33 )ف اسْت ج اب ل ه ر بُّه ف ص ر ف ع نْه ك يْد ه ن إ ن ه ه و الس م يع الْع ل يم (34 )ث م ب د ا ل ه مْ م نْ ب عْد م ا ر أ و ا الآْي ات ل ي سْج ن ن ه ح ت ى ح ينٍ (35[ })يوسف: 32 -35]. ولقد كانيوسف –عليه السلام-كما قال الشاعر: النّار لا العار فكن سيّداا ... فرّ من العار إلى النّار (483). لقد هرب عليه السلام فارّاً بدينه، ولكن إلا أين؟ إلى السجن. ومع من؟ مع عبيد وخدم، إن هذه الأمنية لا يمكن لجبان خسيس أنْ يتمناها، بل إن الأبطال يركعون، ويترخ صون عندما لا يكون خيارٌ إلا القصر أو السجن، فلبت الفار س في السجن سنوات طويلة، ولم يرض بالدنية، أو ينتسب إلى الر زي ة. لقد خطَّ يوسف بهذا النور الساطع، على جبهات العز المشرق، قدوة لَ تُنسى، وأُسوة لَ تُمحى، لكل بطل عفيف، ولكل فارس شريف، يُنير بها درب السالكين، ويحيي الْمل في قلوب المتقين، ويُثب،ت الناس على طريق رب العالمين، ويذ،كر الفوارس أَ الشجاعة لَ تكتمل إلَ بالعفة، وأََّ القوة لَ تتعاظم إلَ بالشهامة، وكل شيء في سبيل الدين والعرض يهوَ. وهذا هو كمال الشجاعة، وغاية البُطُولَة. )483( التمثيل والمحاضرة، لأبي منصور الثعالبي (ص 332.)
عدد الصفحات ٢٠٢- 196 - المطلبُ الثَّالِثُ: شجاعة موسى-عليه السلام - أولاا : نسب موسى –عليه السلام-وصِفَتُه ومَكانتُه : 1- نَسبُ موسى–عليه السلام-: قال الكثير من العلماء، مفسرين ومؤرخين (484): أنه هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم -عليهم السلام-. 2- صِفَةُ موسى –عليه السلام-: ق ال ر س ول الله ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م : «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِ ي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ » (485). 3- مَكانةُ موسى–عليه السلام-: هو كليم الله (486)، فلقد اصطفاه الله وفض له على الناس برساته وبكلامه (480)، وهو أحد الأنبياء الخمسة أولي العزم من الرسل، ولقد أنزل الله عليه التوراة، وآتاه الله تسع آيات بينات )484( قال بذلك ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء2 /3). وقاله الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( 1 /195). وقاله أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القرطبي في كتابه الهداية الى بلوغ النهاية (8 /5569). وقاله العيني في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري ( 3 /230). ونسبه أغلبهم إلى سيرة ابن هشام ت السقا ( 1 /21). وهذه النسبة لا دليل عليها لا من الأحاديث أو الأثر صحيحة ولا حتى ضعيفة، إلا من الإسرائيليات. )485( صحيح مسلم1 /151) حديث260 .)قال الإمام مسلم و ح د ث ن ا ع بْد بْن ح م يْدٍ، أ خْب ر ن ا ي ون س بْن م ح م دٍ، ح د ث ن ا ش يْب ان بْن ع بْد الر حْم ن ، ع نْ ق ت اد ة ، ع نْ أ ب ي الْع ال ي ة ، ح د ث ن ا ابْن ع م ن ب ي ك مْ ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ابْن ع ب اسٍ، ق ال : ق ال ر س ول الله ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م : الحديث. )486 ){164.] )480( {ن[ } 144.]
عدد الصفحات ٢٠٣- 190 - (488) ووصفه الله بأنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً(489) ولقد ك ان ع نْد الل ه و ج يهًا (490) وهو أحسن أخ لأخيه فبدعوته جعل الله أخاه هارون وزيراً له، نبياً مرسلاً (491) بعثه الله لطاغية الزمان فرعون (492). ثانياا: شجاعة وثبات موسى وهارون –عليهما السلام-أمام فرعون : أن أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم هو نبي الله موسى ، وا ن أكثر القصص ذكراً هي قصة فرعون مع موسى ، لما فيها من المواعظ والعبر، ولقد برزت جلياً في سيرة الكليم –عليه السلام-شجاعة نادرة، كما هي في كل الأنبياء –عليهم السلام-وا ن أبرز قصة تجلت فيها شجاعة موسى ، هي في قصته مع فرعون –لعنه الله-. لقد كان موسى من بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل عبيد عند الأقباط، و هم آل فرعون، يذب حون صغار أبنائهم، ويستعبدون رجالهم، ويستحيون نساءهم، ولقد قال الله تعالى {إ ن ف رْع وْن ع لا ف ي الأْ رْض و ج ع ل أ هْل ه ا ش ي عًا ي سْت ضْع ف ط ائ ف ةً م نْه مْ ي ذ ب ح أ بْن اء ه مْ و ي سْت حْي ي ن س اء ه مْ إ ن ه ك ان م ن الْم فْس د ين (4[ })القصص: 4]. وأوقع الله في قلب امرأة فرعون حبه ، ونج اه من الذبح تارة، رباه الله في قصر فرعون، ثم نجاة الله من القتل مرة أخرى، وبعد التكل يف يأمر الله موسى أن يذهب إلى أكبر سفاكي الدماء على مر الدهر، وأعتى السفاحين الذين عرفهم التاريخ، فقال الله تعالى في كتابه العزيز {اذْه بْ إ ل ى ف رْع وْن إ ن ه ط غ ى (10[ })النازعات : 10] . لقد كان موسى من أقوى الناس جسداً، وأشدهم شكيمة وبدناً، ولكن الأمر مرعب، والموقف ر هيب، إن الله يأمر موسى أن يدعو من؟ فرعون. إن موسى مطلوب أصلاً لآل فرعون بتهمة القتل. وا ن فرعون وجنوده يقتلون الناس من دون حجة لدليل أو برهان، فقوم موسى عبيد لهم، )488( {101.] )489( {51.] )490( {ر أ ه الل ه م م ا ق ال وا و ك ان ع نْد الله و ج يهًا69.] )491) {29) ه ار ون أ خ ي29،30.] )492( {ت كْب ر وا وك ان وا ق وْمًا م جْر م ين05.]
عدد الصفحات ٢٠٤- 198 - فكيف الحال مع موسى، وقد ثبت عندهم بالدليل أنه قاتل؟ فلن يذهب إلى الأجل المقدور، والموت المحتوم إلا شجاع النفس، رابط الجأش، واثق بربه كل الثقة. ويمضي موسى مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، وبعد أن سأل الله الرفقة الصالحة، وهي في الشدائد خير معين، وفي الك ر ب أقوى نصير، ويقف بكل ثبات أمام غطْرسة فرعون ، ويتكلم مع فرعون بكل رباطة جأش، ويدعوه إلى الله بكل ثبات، فقال: {أ رْس لْ م ع ن ا ب ن ي إ سْر ائ يل (10 }) [الشعراء : 10]. وقال أيضاً{ه لْ ل ك إ ل ى أ نْ ت ز ك ى (18 )و أ هْد ي ك إ ل ى ر ب ك ف ت خْش ى (19 }) [النازعات : 18، 19] . فرد فرعون بجواب على طريقة الطغاة، وعادة المجرمين، بدأه بالتصريح بالفضل والكرم على شخص الداعية ، واتهامه بالكفر، وبالتلميح لهما بإمكانية القتل، فقالفرعون لعنه الله كما ور د في القرآن الكريم { ن ر ب ك ف ين ا و ل يدًا و ل ب ثْت ف ين ا م نْ ع م ر ك س ن ين (18 )و ف ع لْت ف عْل ت ك ال ت ي ف ع لْت و أ نْت م ن الْك اف ر ين [ }الشعراء : 18، 19]. وا ذا لم يرتدع الرسول، ولم يجبن بدأ بالتهديد بالسجن فقال كما في القرآن {ل ئ ن ات خ ذْت إ ل هًا غ يْر ي لأ جْع ل ن ك م ن الْم سْج ون ين (29 }) [الشعراء : 29]. وا ذا لم يجد التهديد بالسجن نفعاً مع الأبطال يكون الحل الأخير عند الجبابرة، القتل بتهمة الفساد في الأرض، أو الكفر وتشويه المتعقدات ، فقال لعنه الله كما و رد في القرآن على لسانه {ذ ر ون ي أ قْت لْ م وس ى و لْي دْع ر ب ه إ ن ي أ خ اف أ نْ ي ب د ل د ين ك مْ أ وْ أ نْ ي ظْه ر ف ي الأْ رْض الْف س اد [ }غافر: 26]. ولكن الشجعان البواسل من المخل ص ين الم خل ص ين، لا يعرفون للجبن سبيلاً ولا للتراجع عن المعتقدات والمبادئ طريق اً . فسيخرج البطل الهمام –عليه السلام-ما في جعبته من الدلائل الساطعة، والبراهين القاطعة {ف أ لْق ى ع ص اه ف إ ذ ا ه ي ث عْب انٌ م ب ينٌ (32 )و ن ز ع ي د ه ف إ ذ ا ه ي ب يْض اء ل لن اظ ر ين [الشعراء : 32، 33]. فرفض الجبان الخائف، والدليل الم رتجف، أن ي ق ر بالحق، ويتراجع عن الباطل، وهذا ديدن مريضي الكبر فقال {ل لْم ح وْل ه إ ن ه ذ ا ل س اح رٌ ع ل يمٌ [الشعراء : 34]. وأراد أن يحرف مسار القضية، وي غي ر عنوان الحرب، فجعلها قتالاً على أرض ، ون زاعاً على ملك، فقال كما في القرآن {أ ج ئْت ن ا ل ت خْر ج ن ا م نْ أ رْض ن ا ب س حْر ك ي ا م وس ى (50[ })طه:
عدد الصفحات ٢٠٥- 199 - 50] وقال الطاغية كما في القرآن {ي ر يد أ نْ ي خْر ج ك مْ م نْ أ رْض ك مْ ب س حْر ه ف م اذ ا ت أْم ر ون (35 }) [الشعراء : 35]. ويجب علىأصحاب الحق، وأبطال الصدق، ألا يسمحوا بهذا التزوير، أو الادعاء بهذا التبر ير. فوافق فرعون على قاصمة ظهر الجبابرة، وممزقة عروشهم، وهي أن يقبلوا بمناظرة علني ة، ويعلنوا الحرب بعنوانها الأصلي جلي ة، فكان الموعد كما في الذكر الحكيم {ي وْم الز ين ة و أ نْ ي حْش ر الن اس ض حًى[ }طه: 59]. وكعادة الجبان الخائف من ظهور الشمس التي أيقن بخروجها، يستغيث ويستنصر ف رْع وْن ف ج م ع ك يْد ه ث م أ ت ى[ }طه: 60]. ويلبي المجرمون النداء، ويعينوا الظالم على المظلوم، والقاتل على المقتول، إذا كان لمصلحة شخصية، ومتعة دنيوية، فجاء { ف رْع وْن ق ال وا إ ن ل ن ا لأ جْ رًا إ نْ ك ن ا ن حْن الْغ ال ب ين (113 )ق ال ن ع مْ و ا ن ك مْ ل م ن الْم ق ر ب ين (114 }) [الأعراف : 113 -114] . إن المجرم إذا تأكد من قرب نهايته، وانتهاء أجله، وظن أنه قد حان زوال مملكته، يريد أن يستعين بالسحرة أو حتى بالشياطين، حتى ي كتم الحق، ويستعبد الخلْق، وهو موقن أن ما أمامه هو الحق، ولما {ج اء تْه مْ آي ات ن ا م بْص ر ةً ق ال وا ه ذ ا س حْرٌ م ب ينٌ (13 )و ج ح د وا ب ه ا و اسْت يْق ن تْه ا أ نْف س ه مْ ظ لْمًا و ع ل وًا [النمل: 13-14]. إن الشيطان الأكبر لا يريد التوبة، ولا ي عترف بالذنب، ولن ي ق رّ بالحق الذي يراه عياناً. ولا عجب لأنها عجرفة الباطل، وصده عن سبيل الله. وتنتقل المعركة لتصبح مع أعوان الطاغية، وصغار جنوده، الذي ن تمرسوا على الك ذب، واعتادوا التزييف، وامتهنوا الإفك، والتدليس على الخلْق، فيذكرهم صاحب الحق، ويحذرهم من عاقبة أمرهم، فق ال ل ه مْ م وس ى {و يْل ك مْ لا ت فْت ر وا ع ل ى الل ه ك ذ بًا ف ي سْح ت ك مْ ب ع ذ ابٍ و ق دْ خ اب م ن افْت ر ى} [طه: 61]. ولكن أن ى يست ج يب من يقتات على الباطل، ويعيش على أمل ما ي ع د ه به كبرائه، أنه كلما ازداد ظلماً، وقلبه قسوة، كلما زادت مكانته، وعلا عندهم شأنه. فأصر الطغاة الصغار، على خوض الحرب، وركو ب الصعب، طمعاً فيما عند إله ه م وما يد عونه رب {ف أ لْق وْا ح ب ال ه مْ و ع ص ي ه مْ و ق ال وا ب ع ز ة ف رْع وْن إ ن ا ل ن حْ ن الْغ ال ب ون [ }الشعراء : 44] . فإنهم–صغار الكفار-يعتقدون دائماً أن كبراءهم لا يضلون، وغير طريق الصواب لا يسلكون، فتقع الكارثة ويحدث ما لا يظنون {ف أ لْق ى م وس ى ع ص اه ف إ ذ ا ه ي ت لْق ف م ا ي أْ ف ك ون [ }الشعراء : 45] . لقد كان هؤلاء العبيد في غفلة، وأعلنوا التحدي لمن لا يمكن تحديه، أو الوقوف في وجهه، أ
عدد الصفحات ٢٠٦- 200 - وهو الحق المبين، ورسول رب العالمين، فتداركوا أمرهم {ف أ لْق ي س ج دًا ق ال وا آم ن ا ب ر ب ه ار ون و م وس ى [طه: 00]. إن صغار القوم وعبيدهم سرعان ما يسلموا إذا رأوا الحق، وعرفوا الصواب ولكن هذا دائماً لا يعجب كبار الطواغيت. وتنتهي قصص الأبطال دائماً بانتصار الحق، ولو بفناء أصحابه، لأنه يكون قد أظهره الله، وتفشل الخطط المحكمة، والتدابير المتقنة، وينقلب السحر على الساحر. ثالثاا: ثبات موسى –عليه السلام-ويقينه بالله: لم ا أذن الله لموسى عليه السلام، وأتباعه من بني إسرائيل بالخروج من أرض مص ر، وحانت ساعة الخلاص من الاستعباد، والنجاة من النقص في الأموال والأنفس والثمرات، فأوحى الله تعالى {إ ل ى م وس ى أ نْ أ سْر ب ع ب اد ي إ ن ك مْ م ت ب ع ون (52[ })الشعراء : 52]. ولكن من يدعي الربوبية، أو من يزعم أنه المتفرد بالألوهية، لن يستكين دون الهلاك، ولن يرضى إلا بالذل والص غ ار في الدنيا قبل الآخرة، في صرُّ على الفناء و يرسل {ف رْع وْن ف ي الْم د ائ ن ح اش ر ين (53 )إ ن ه ؤ لا ء ل ش رْذ م ةٌ ق ل يل ون (54 )و ا ن ه مْ ل ن ا ل غ ائ ظ ون (55 )و ا ن ا ل ج م يعٌ ح اذ ر ون [ }الشعراء : 53 -56]. يريد فرعون وأمثاله في كل زمان، القضاء على الحق الضعيف، لكي يخلوا الزمان من الحق وأصحابه، ويتسع المكان لباطلهم الممجوج. عندما ينظر صادقو الإيمان، لانتفاش الباطل وكثرة عدده، وتطور عتاده، يقولون كما {ق ال أ صْح اب م وس ى إ ن ا ل م دْر ك ون [الشعراء : 61]. ولكن من استيقن بنصر الله، واستشعر معيته، يقول {ك إ ن م ع ي ر ب ي س ي هْد ين (62[ })الشعراء : 62]. فيأتي الفرج للنفوس المطمئنة، أسرع من لمح البصر، وي عجر عقول البشر، فيوحي الله {إ ل ى م وس ى أ ن اضْر بْ ب ع ص اك الْ ب حْر ف انْف ل ق ف ك ان ك لُّ ف رْقٍ ك الط وْد الْع ظ يم (63 )و أ زْل فْن ا ث م الآْخ ر ين (64}) [الشعراء : 63 -65]. وعندما ي نزل الله العذاب لا ينجو إلا المؤمنون، فينجي الله {م وس ى و م نْ م ع ه أ جْم ع ين [ }الشعراء : 65]. إن الله عز وجل يمهل الظالم، وي ري ه الآيات تتلوها المعجزات، ولكن من اعتاد الإجرام، ي صبح على قلبه وبصره غشاوة، فيدخل تحت العذاب، ويتبعهم {ف رْع وْن ب ج ن و د ه ف غ ش ي ه مْ م ن الْي م م ا غ ش ي ه مْ (08 ) و أ ض ل ف رْع وْن ق وْم ه و م ا ه د ى[ }طه: 08، 09]. وتنتهي قصص الظلمة بالعذاب المهين في الدنيا
عدد الصفحات ٢٠٧- 201 - قبل الآخرة، ويجزي الله المؤمنين الصادعين بالحق، الثابتين على أمر الله، الأبطال الذين لم يتنازلوا للطغاة، بالعزة والرفعة جزاء بما كانوا يعملون، في الدنيا قبل الآخرة. لقد كان موسى –عليه السلام-من أقوى الناس بدناً، وأشج ع ه م قلباً، فقد قال النبي ﷺ «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَ قَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَب هِ فَقَالَ : أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْد لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَ قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ : يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْر ، فَلَهُ، بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُل شَعْرَة ، سَنَةٌ، قَ الَ : أَيْ رَب ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ : فَالآْنَ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَْرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْ يَةا بِحَجَر » (493) .ولكن مع ذلك لقد شعر بالخوف في أكثر من موطن-وهي مس ط رة في كتاب الله-ولكنّه في المواطن التي شعر فيها بالخوف، ما جبن وما تراجع وما خارت قواه، بل أقدم واقتحم رغم الخوف، الذي يخالج قلبه، ويدافع فكره. والخوف شعور فطري عند كل الخلْق، ولكن البطل هو من استطاع أن ي ثب ت، وي حس ن التفكير والتدبير رغم الخوف الذي يشعر به. والجبان هو من أطاع نفسه، واتبع هواه في الهرب فز عاً. )493( صحيح مسلم4 /1842) حديث2302) قال الإمام مسلم ح د ث ن ي م ح م د بْن ر اف عٍ، و ع بْد بْن ح م يْدٍ، ق ال : ع بْدٌ أ خْب ر ن ا وق ال : ابْن ر اف عٍ، ح د ث ن ا - ع بْد الر ز اق ، أ خْب ر ن ا م عْم رٌ، ع ن ابْن ط او سٍ، ع نْ أ ب يه ، ع نْ أ ب ي ه ر يْر ة ، ق ال : الحديث.
عدد الصفحات ٢٠٨