81 المبحث الثاني ضعف الوازع الإيماني والأخلاقي وقلة روح المسؤولية المطلب الأول الغيبة والنميمة،وفيها مسألتين المسألة الأولى:أن الغيبة والنميمة هما من أخطر الأفات التي يقع فيها كثير من الناس فتجدهم يتحدثون بأحاديث لا واقع لها –زعموا -أنها خوض ولعب كما حكى الله لنا قصة أولئك النفر من المنافقين في عهد الرسول في قوله تعالى ﭽﭰ ﭱ ﭲ ﭳ إيضاً طبقات المفسرين للداوودي (1 /161) ن/ دار الكتب العلمية– بيروت ،راجع النسخة وضبط أعلامها: لجنة من العلماء بإشراف الناشر/لمحمد بن علي بن أحمد، شمس الدين الداوودي المالكي (المتوفى: 740هـ).،وينظر كذلك تأكيدا لما ذكره البغدادي، تفسير السمرقندي بحر العلوم ( 1 /03.)
عدد الصفحات ٨١81 ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ1.جاء في تفسيرها حديث عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أك ذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله فبلغ ذلك النبيونزل القرآن قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله ع ليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول : يا رسول الله:( إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﭽﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ2. وأمثال هؤلاء من الطاعنين والمشهرين بالناس ظلما وعدوانا يوجدون في كل عصر ومصر ولابد لردعهم من سلطان تقوم به حجة الله على الناس، وينزجر به من شاء الله هدايته . و لقد حث الإسلام أتباعه على حفظ الجوارح إلا من خير،فقال سبحانه ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ3،وقال سبحانه: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ4 وقال ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ5،وقال الرسول :(إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وا ن اعوججت اعوججنا)6 1 سورةالتوبةالآية 64-66. 2.تفسير ابن أبي حاتم ،(ج30 / ص411)مرجع سابق ، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ،ج 7 /ص33)مرجع سابق ، والمعجم الكبير للطبراني - (ج 3 / ص113.) 3[.114.] 4[.17.] 5 . [36]. 6 . سنن الترمذي 4 /656) حديث رقم 1451)، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،باب ما جاء في حفظ اللسان،ت/شاكر ،محمد بن عيسى الترمذي (الم توفى: 117هـ)مرجع سابق، مسند أحمد 17 / 451)حديث رقم 11757)،من حديث أبي سعيد الخدري ، ط /الرسالة
عدد الصفحات ٨٢82 وجاء في كلاممن حكم الشافعي1: وجدْتُ سكوتي متجراً فلزمتهُ ... إِذا لم أجدْ ربحاً فلسْتُ بخاسرِ وما الصمتُ إِلا في الرجالِ متاجرٌ ... وتاجرُهُ يعلو على كلِّ تاجرِ الإمام الشافعي2 رضي الله عنه إذا رمت أن تحيا سليما من الردى ... ودينك موفور وعرضك صين فلا ينطقن منك اللسان بسوأة ... فكلك سوءات وللناس ألسن وعيناك إن أبدت إليك معائبا ... فدعها وقل يا عين للناس أعين وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ودافع ولكن بالتي هي أحسن ولقد أحسن من قال3: إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا ولئن ندمت على سكوتك مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا و من أصغى إلى الغيبة فقد وقع في الإثم والريبة، فصن سمعك عن الغيبة والأذى، فإنك مسئول عن سمعك وبصرك ولسانك، فلا تكن من الغافلين، وفي الذكر الحكيم: ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ فأحسن استخدام سمعك قبل فوات وقتك وحلول سؤالك، وتب عما سمعته من القبيح؛ تستقم وتسترح : وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه 4،5). 1 . ديوان الإمام الشافعي (ص47). 2 . ديوان الإمام الشافعي (ص 157)مرجع سابق . 3.نسب هذا الشعر إلى/ إبراهيم بن المهدي،انظر إلى/ ،الموشى = الظرف والظرفاء (ص: 7 ) المؤلف: محمد بن أحمد بن إسحاق بن يحيى، أبو الطيب، المعروف بالوشاء (المتوفى 310هـ)،ت/ كمال مصطفى،ن/ مكتبة الخانجي، شارع عبد العزيز، مصر - مطبعة الاعتماد،ط/1،1311 هـ- 1703 م 4.من شعر محمود الوراق 5.صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال 1 /471 )الفصل الثامن عشر،الغيبة، الأعذار المرخصة في الغيبة،القاضي/حسين بن محمد المهدي ،،ن/سُجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة، بدار الكتاب برقم إيداع (447) لسنة1557م،راجعه ،الأستاذ العلامة عبد الحميد محمد المهدي،مكتبة المحامي، أحمد بن محمد المهدي.
عدد الصفحات ٨٣83 وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: (قالوا: يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)1 وعن أبي هريرة قال: سئل رسول عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق »، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال «الفم والفرج »2 وهما محرمتان في ديننا الإسلامي الحنيف بل لا يوجد اليوم على وجه الأرض قانون يحرم أو يجرم الغيبة فالحمد لله على نعمة على الإسلام، ففي التنزيل يقول الله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ3 . وقال تعالى: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭼ 4 ،وقال:ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ5.ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ6 ففي هذه الآيات ينهى عباده المؤمين عن الهزء والسخرية بالمؤمنين وعن احتقارهم وا زرائهم وهمز هم ولمزهم بالقول والفعل،(والهمَّاز اللَّماز من الرجال مذموم ، كما قال تعالى ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ7 1 .الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه للإمام/ محمد بن إسماعيل البخاري، (1 /11) ،كتاب الإيمان باب: أي الإسلام أفضل؟،حديث رقم 11) المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله (1 /60) ، للإمام مسلم بن الحجاج (المتوفى161هـ). كتاب الإيمان ، باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل ،حديث رقم( 64.) 2.سنن الترمذي ت/شاكر 4 /363)لأبي عيسى الترمذي، (المتوفى 117هـ)مرجع سابق.وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص (4 /365) المستدرك على الصحيحين،المؤلف/ محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري،ن/ دار الكتب العلمية - بيروت،ط/1 ،1411 - 1775،ت/ مصطفى عبد القادر عطا. 3(.سورة الحجرات الآية 11). 4 (سورة الحجرات 11 ). 5 (.سورة القلم/الآيتان 15_11 ). 6(.سورة الهمزة الآية رقم 1) . 7(.سورة الهمزة الآية رقم 1) .
عدد الصفحات ٨٤84 فالهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ1أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي: اللمز بالمقال؛ ولهذا قال هاهنا: ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ 2 وأمّا احاديث في ذلك فكثيرة منها ما عن أبي هريرة، أن رسول الله ، قال«أتدرون ما الغيبة؟»قالوا: الله ورسوله أعلم، قال «ذكرك أخاك بما يكره »قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وا ن لم يكن فيه فقد بهته»)3. في أكل أكل لحم البشر و الاستطالة عليهم قال القائل4: ويحييني إذا لاقيته ... وا ذا يخلو له لحمي رتع ومن باب التشنيع على آكلي لحوم البشر ورد في الحديث (إِنَّ أَرْبَى الربا استِطالةُ الرجل في عِرْضِ أَخيه) عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ الله : (لما عُرج بي مررتُ بقوم لهم أظفارٌ من نُحاس يخمُشونَ بها وجُوهَهُم وصدُورَهُم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلُون لحومَ الناس، ويقعونَ في أعراضِهِم) 5فهنا صور لنا رسول مشهدا من مشاهد أهل النار نسأل الله السلامة والعافية وهو مشهد رهيب ومخوف وحتى ينجى المسلم مما وصف في الحديث فعليه بالمحافظة على جوارحه،ولا سيما اللسان الذي كان يخاف غوائله كبار الصحابة مثل عمر وأبي بكر، عن أبي برزةَ الأسلمىِّ، قال: قال رسولُ الله (:يا معشرَ من آمنَ بلسانِهِ ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَهُ، لا تغتابُوا المسلمين، ولا تتبِعوا 1 (.سورة القلم/الآيتان 51_11 ). 2.تفسير القرآن العظيم (1 /316) لابن كثير،مرجع سابق. 3. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله - (ج11 / ص416)، باب تحريم الغيبة ، كتاب البر والصلة والآداب ،للإمام مسلم، وانظر سنن أبي داود ( 1 /131) ت /الأرنؤوط ، باب ما جاء في الغيبة،كتاب الأدب ،مرجع سابق ، ومسند أحمد - مسند أحمد (1 /0) من حديث أبي هريرة .، ت/شاكر ،مرجع سابق. 4 .القائل هو: الأخنس بن شهاب التغلبي،انظر المفضليات (ص153) المفضل بن محمد بن يعلى بن سالم الضبي (المتوفى: نحو 167هـ)،ت/ وشرح: أحمد محمد شاكر و عبد السلام محمد هارو ن،ن/ دار المعارف – القاهرة،ط/ 6.،وقيل إنهاسويد بن أبى كاهل،انظر. نهاية الأرب في فنون الأدب ( 3 /67)لأحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري (المتوفى: 133هـ،ن/ دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة ،ط/1،1413 هـ. 5. سن ن أبي داود ت الأرنؤوط ( 1 /145)كتاب الأدب، باب في الغيبة ،حديث رقم( 4717 /1)،ت، الأرنؤوط ،مرجع سابق .
عدد الصفحات ٨٥85 عوراتِهم، فإنَّه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعِ اللهُ عورتَهُ، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَهُ يفضَحْهُ فى بيتِه) 1 إذا فآفة اللسان المطلق من قيود وضوابط الشريعة خزي وندامة في الدن يا ،ثم يكب صاحبها على وجهه أو على مناخره كما أخبر الصادق المصدوق في حديث معاذ . وفي النميمة وقالة السوء والسعي بين الناس بالفساد: جاء فيها ما روى الترمذى وغيره عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا يُبَلِّغُ الأُْمَرَاءَ الْحَدِيثَ عَنْ النَّاسِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللََِّّ يَقُولُ(لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ).قَالَ سُفْيَانُ وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ 2. وللغبية صورا شتى في أحاديث الناس ذكرها أبو العباس ابن تيمية رحمه الله قال: (فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم. ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى. تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب؛ وا نما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت. وربما يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله؛ وا نما قصده استنقاصه وهضم لجانبه. ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا؛ وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه. ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت لير فع نفسه ويضعه عند من يعتقده. أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم؛ وقصده مدح نفسه وا ثبات معرفته وأنه أفضل منه. و منهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. وا ذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغ ار المستهزأ به. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل 1.سنن أبي داود1 /114 )كتاب الأدب ،باب في الغيبة،حديث رقم:( 4775)،ت الأرنؤوط ،المرجع السابق . 2. سنن الترمذي 4 /310) أبواب البر والصلة عن رسول ،باب ما جاء في النمام، حديث رقم:( 1516)، ت، شاكر ،مرجع سابق .
عدد الصفحات ٨٦86 كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في معرض تعجبه. ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به ولو قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه. ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وا نكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر. (والله المستعان) 1.ومن هذه النصوص يتجلى لنا اهتمام الإسلام الكبير بالآداب الجميلة والأخلاق الرفيعة ووضعه السياج وراء السياج للحفاظ على أعراض الناس ودمائهم وأموالهم وانظر إلى رسول المرحمة والفضيلة الذي أرسله ربه ليتمم صالح الأخلاق ومكارمه، حيث يقول في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي قال«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه » 2.وعن أبي هريرة ، قال قال رسول الله :«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم »وفي النمي مة تخبيب للناس بعضهم على بعض ، وفاعل هذا ليس على نهج النبي ، فعن أبي هريرة ، قال : قال رسول . ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده 3 امرأة على زوجها ، أو عبدا على سيده )4. 1 . مجموع الفتاوى 17 /131) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 117هـ)ت/ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ن/ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،المدينة النبوية،عام/ن، 1416هـ1770م 2 الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه1 /11)،كتاب الإيمان- باب المسلم من سلم المسلمون، حديث رقم 7،مرحع سابق،المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول (1 / 60) لمسلم بن الحجاج ،كتاب الإيمان- باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل ، مرحع سابق. 3 معنى خبب: أَيْ خَدَعَ وَأَفْسَدَ انظر عون المعبود - (ج 0 / ص65)والنهاية في غريب الأثر ، تأليف/أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ، تحقيق : طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي ،الناشر/المكتبة العلمية - بيروت ، 1377هـ- 1717م. 4 المستدرك على الصحيحين للحاكم - (ج 6 / ص410)، سنن أبي داود (ج13 / ص370.)
عدد الصفحات ٨٧87 المسألة الثانية: ما يخرج من باب الغيبة : يخرج من الغيبة ستة أمور ذكرها العلماء ،وقد نظمها أحدهم في بيتين قال1: القدح ليس بغيبة في ستة ...... متظلم ومعرِّف ومحذر ومجاهر فِسقاً ومستفت ومن...... طلب الإعانة في إزالة منكر وهذه الأمور الستة متفق عليها بين أهل العلم والدين،وبيانها كما يلي: النقطة الأولى:المتظلم :فيجوز له أن يذهب إلى الحاكم أوالقاضي ويذكر له مظلمته من فلان بن فلان فهذا جائز ولا حرج فيه شرعا وله أمثلة فمن القرآن قوله تعالى :ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ2 وقوله تعالى: ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭼ الآية ،وله أدلة كثيرة في زمن النبي وما بعده من الخلفاء والأمراء إلى يومنا هذا؛ ومثال للمتظلم في عهد النبي :ما روى أَبِو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ فَقَالَ اذْهَبْ فَاصْبِرْ فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَ ثًا فَقَالَ اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللََُّّ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ لاَ تَرَى مِنِّي شَيْئً ا تَكْرَهُهُ)3وكذلك قصة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لما اشتكت :لرسول شح زوجها:(إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ قال: «خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف»4 . 1 . انظر كتاب/غذاء الألباب شرح منظومة الآداب - العلمية ( 1 /70) تأليف/ محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي،ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1413 هـ- 1551 م،ط1،،تمحمد عبد العزيز الخالدي،و موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق ( 1 /141 )لياسر عبد الرحمن ،ن/ مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة ،ط/1،1417 هـ- 1551 م. 2 . سورة النساءالآية ١٤٣ 3. سنن أبي داود ت الأرنؤوط 1 /461)كِتَاب الأدب باب فِي حَقِّ الْجِوَارِ،حديث رقم ( 0103). 4.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه 3 /17) للإمام/ البخاري 106) كتاب البيوع ، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم: في البيوع والإجارة والمكيال والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ،حديث رقم( 1111). وانظر المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله (0 /117) للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفى 161هـ) كتاب الأقضية ،باب قضية هند ،حديث رقم( 1114)
عدد الصفحات ٨٨88 النقطة الثانيةالمعر ف: لو ذكر إنسانا بصفة أو اسم يعرف به فليس هذا م ن النقيصة في شيء بل هو جائز مثل أن يقول جاء الأحول أو خرج الأعور أو يقول كنّا في مجلس الأعمش،وهكذا كانت صفتهم ، ولايعرفون إلا بهذا الوصف،فلا حرج في ذلك كما قرره علماء الجرح والتعديل، وغيرهم النقطة الثالثة المستفتي: كذلك ليس بمغتاب وقد روى ما يؤكد ذلك الشيخ ان في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:جاءت امرأة أبي سفيان - هند - إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل لي أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)1، وعدم انكار النبي صلى الله عليه وسلم عليها يعد إقرارا لها على قولها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدا على باطل. النقطة الرابعة المحذر:وهو الناصح للناس من الاعتقادات الفاسدة ،و الأخلاق الماجنة،والأفكار الوافدة على المسلمين مما يخالف ديانتهم ،ويفرق كلمتهم، ويشتت شملهم، فهذا من أفضل الناس قياما بالواجب، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر بل يعدّ هذا من الجهاد في سبيل الله، ومن هذا القبيل ما قام به علماء المسلمين قديما وحديثا بالرد على أهل الباطل من الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، ومن ذلك أيضا جرح بعض الأقران بعضهم لبعض مثل أن يتكلم سني في صاحب بدعة فهذا مقبول منه، لأن هذا من باب البيان والتبليغ،والنصح لأمة الإسلام،ومن صفات النبي أنهالناصح الأمين والحريص على ما يفيد الناس في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم، قال تعالى:ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ2 كماوصف المؤمنين بالصبر والتواصي بالمرحمة ،فليس المقصود من التحذير إشاعة السوء وا نما السح لله ولرسوله وللمؤمنين وهذا واجب شرعي لا ملامة عليه. 1 الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه 1 /66) للإمام/ لبخاري ،كتاب النفقات ،باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف ،حديث رقم ( 0364).،(ج 1 / ص444) المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول (ج7 / ص150) ،كِتَاب الأَْقْضِيَةِ،بَاب قَضِيَّةِ هِنْد ،حديث رقم( 3133). 2[.توبة الآية117.]
عدد الصفحات ٨٩89 وقال الشيخ بكر أبو زيد في:(فالرد على أهل الباطل ومجادلتهم ومناظرتهم حتى تنقطع شبهتهم ويزول عن المسلمين ضررهم مرتبة عظيمة من منازل الجهاد باللسان، و القلم أحد اللسانين)1. وقد ورد إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سؤال مفاده والداعي إلى البدعة والمرجح لها، هل يجوز الستر عليه أم يتأكد إشهاره ليحذره الناس ؟.الجواب: ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاس تفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا، كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنبلية، وغيرهم في كتبهم الكبار والصغار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه أو رآه واستفاض. ما أعلم في هذا نزاعا بين الناس،فإن المسلمين كلهم يشهدون في وقتنا في مثل عمر بن العزيز، والحسن البصري، وأمثالهما والذين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة. ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف، والمختار بن أبي عبيدة، وعمرو بن عبيد، وغيلان القدري، وعبد الله بن سبأ الرافضي، ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة) 2. والحديث بالخير إشادة بذكره وتكريم له وتعزية لأهله أن الناس راضون عنه ، والحديث بالشر تشويه لذكره وا هانة له ، وزيادة ألم على أهله ، وقد يقصد به التشفى الذى يورث الأحقاد التى ربما تؤدى إلى نزاع يحتدم ويشتد وتكون له آثاره السيئة ، والحديث عن الميت بالثناء أو الذم لا أثر له عند الله فهو سبحانه العليم بما يستحقه الميت من تكريم أو إهانة ، وقد يكون حديث الناس عنه دليلا ولو ظنيًّا على منزلته عند ربه ، لكن ذلك لا يكون إلا من أناس على طراز معين من الصلاح والتقوى وقول الحق لوجه الحق ، كالصحابة الذين جعل رسول الله شهادتهم للميت دليلا على منزلته عند الله، واستدل لهذا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ، يقول: (مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت»ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال «وجبت»فقال عمر بن الخطاب رضي الله عن ه: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا 1.الرد على المخالف (ص 37)للشيخ/بكر ابن عبد الله أبو زيد،عضو هيئة كبار العلماء في السعودية، رحمه 2 . الفتاوى الكبرى 4 /173) كتاب الشهادة والأقضية والأموال ، مسألة: في الشهادة على العاصي والمبتدع ،لشيخ الإسلام ابن تيمية،،،ط/1)، دار الكتب العلمية، 1457هـ- 1771م
عدد الصفحات ٩٠91 أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض »1؛فأهل البدع يجب التحذير منهم لأن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.قال ابن تيمية رحمه الله:(والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة ب اتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه - من حبس وغيره - كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم، ولو قُدِّرَ أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلابد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله) 2. فإذا كان التشهير على سبيل نصيحة المسلمين وتحذيرهم: كجرح الرواة،والشهود، والتشهير بمن لا يحسنون الفتيا، أو يكتبون فيما لا يعلمون أو المبتدعة، أو ممن يتظاهرون بالعلم وهم فسقة أصحاب سوء وفتنة فهو واجب.قال القرافي: أر باب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر في الناس فسادهم وعيبهم، وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها ... بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال في المبتدع: إنه يشرب الخمر ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من الرواة.. بشرط أن تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين في ضبط الشريعة، أما إذا كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام) )3.ووينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله ويشهر أمره لئلا 1 . الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه1 /71)، كتاب الجنائز ،باب ثناء الناس على الميت ،حديث رقم( 1361)،للإمام البخاري،مرجع سابق 2 . الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4 /174)المرجع السابق 3 . أنوار البروق في أنواء الفروق ( 4 /151) ن عالم الكتب ،ط/ بدون طبعة وبدون تاريخ ،تأليف/ لأبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين الصنهاجي القرافي (المتوفى: 674هـ،من علماء المالكية نسبته إلى قبيلة صنهاجة (من برابرة المغرب) وا لى القرافة (المحلة المجاورة لقبر الإمام الشافعي) بالقاهرة. وهو مصري المولد والمنشأ والوفاة. له مصنفات جليلة في الفقه والأصول، منها (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام - ط) و (الذخيرة - خ) في فقه المالكية،وغيرها. انظر الأعلام للزركلي ، و معجم المؤلفين (1 /107).
عدد الصفحات ٩١91 يغتر به)1،وكذلك الخارجين عن جماعة المسلمين بسيفهم وسنانهم؛مثل الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية والمعتزلة مقدمي العقول على النصوص المنزلة من السماء، وغيرهم،وها هو النبي يحذر أهل بيته ، وهو توجيه لكل أمته ،و هشام بن عروة، أن عروة، أخبره: أن زينب بنت أبي سلمة، أخبرته: أن أم سلمة أخبرتها: أن كان عندها وفي البيت مخنث، فقال لعبد الله أخي أم سلمة: يا عبد الله، إن فتح الله لكم غدا الطائف، فإني أدلك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثما ن، فقال النبي :«لا يدخلن هؤلاء عليكن »)2.ومثل تحذير الرسول لعبد الله ين عمرو من ترك قيام الليل روى عن نفسه قال : قال لي رسول الله « :يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل »)3 وفي هذا السياق قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَب رحمه الله :(ا عْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الإِْنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ إنَّمَا يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدَ الذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَالتَّنْقِيصِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِ ينَ أَوْ خَاصَّةٌ لِبَعْضِهِمْ وَكَانَ الْمَقْ صُودُ مِنْهُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّم بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ .. وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه... ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل ، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه ، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك 1وفي مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 6 /11) ،ن/ دار الكتب العلمية ،ط1،1410هـ- 1774م. للخطيب / محمد بن أحمد الشربيني، شمس الدين: فقيه شافعي، مفسر. من أهل القاهرة ،له تصانيف كثيرة،انظر :معجم المؤلفين (7 /167)،وديوان الإسلام ( 3 /161) تأليف شمس الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن بن الغزي (المتوفى: 1161هـ،ت/ سيد كسروي حسن ،ن/دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط/1، 1411 هـ- 1775 م. 2. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه1 /107)للإمام/محمد بن إسماعيل البخاري ،كِتَاب ا لْمَغَازِي،بَاب غَزْوَةِ الطَّائِفِ ،حديث رقم( 3775)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ،للإمام/ مسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفى 161هـ). كِتَاب السَّلاَمِ،،بَاب مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَْجَانِبِ (ج 11 / ص161)،حديث رقم 4547.) 3 الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه1 /04)كِتَاب الْجُمُعَةِ،بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ ، حديث رقم ( 1574) ،. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ،- (ج 6 / ص43.)
عدد الصفحات ٩٢92 أيضاً ... ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة بالمناظرات وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم1 .ولهذا نرى أنّ ردود العل ماء على أهل الباطل و كتبهم طافحة بذلك قديمها وحديثها، لم يتركوا شاردة ولا واردة مما هو مخالف للشرع إلا دفعوها. النقطة الخامسة المجاهر بالفسق: وهو ألصق ما يكون بموضوعنا، أخبر النبي بأن الأمة في عافية إلاّ المجاهر، فقد روى أَبَو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللََِّّ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَا ِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَ لاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللََُّّ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَ كَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللََِّّ عَنْهُ )2 وَقَالَ الْخَلاَّلُ: أَخْبَرَنِي حَرْبٌ سَمِعْت أَحْمَدَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ يَقُولُ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ فَلَيْسَتْ لَهُ غِيبَةٌ . وَقَالَ أَنَسٌ وَ الْحَسَنُ : مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلاَ غِيبَةَ فِيهِ ، ويدل الحديث على أن ارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها، لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإِلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها لما جاء في هذا الحديث وذلك لأن المجاهرة وق احة وجرأة وانتهاك لحدود الله، واستخفاف بالشريعة وجاء في رواية أخرى عنه (:وا ن من المجانة) 3،بدل المجاهرة، قال ابن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله. ثانياً: أن المجاهر بالمعصية يجوز اغتيابه، لأن النبي - - وصفه بالمجانة، وهي الاستخفاف بمحارم الله، والتباهي بها أمام الناس، ومن كان هذا حاله ينبغي التشهير به فيجوز اغتيابه، لأنه نزع جلباب الحياء، فلا حرمة ولا كرامة له في نظر الإسلام، وأخذ بعضهم جواز غيبة المجاهر من قوله - - " كل أمتي معافى إلاَّ المجاهرون "قال معناه: أن كل واحد من العصاة معافي من الغيبة، فيجب أن يترك عرضه سليماً، ولا يغتابه أحد، إلاَّ المجاهر فإنه يجوز انتهاك عرضه بالغيبة، لأنه غير 1 الفرق بين النصيحة والتعيير(ج 1 ، 7 )لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 170هـ،علق عليه وخرج أحاديثه /علي حسن علي عبد الحميد،ن/ دار عمار، عمان،ط/1،1457 هـ- 1777 م. 2.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه (ج17/ص10) للإمام محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري ، كتاب الأدب، بَاب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ،.حديث رقم:( 0657.) 3.المرجع السابق (7 /14.)
عدد الصفحات ٩٣93 معافى، ولا صيانة لعرضه، ولا كرامة له، وهو استدلال وجيه 1.وَقَدْ احْتَجَّ الإِْمَامُ الْبُخَارِيُّ عَلَى غِيبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ بِقَوْلِهِ فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْن لَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ: حيث روت أم المؤمنين عائشة :أن رجلا استأذن على النبي فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة) فلما جلس تطلق النبي في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله : (يا عائشة، متى عهدتني فحاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره )2 .قال القاضي3 هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن 1.منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري 0 /101) تأليف حمزة محمد قاسم ، راجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ،عني بتصحيحه ونشره: بشير محمد عيون ،الناشر/ مكتبة دار البيان، دمشق - الجمهورية العربية السورية، مكتبة المؤيد، الطائف – السعودية ــ 1415 هـ- 1775 م. 2.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه7 /13)كتاب الأدب،باب«لم يكن النبي فاحشا ولا متفحشا » ،حديث6531.) ،للإمام/ محمد بن إسماعيل البخاري ،وانظر المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ،(4 /1551) كتاب البر والصلة والآداب ،باب مداراة من يتقى فحشه،حديث رقم (1071)،للإمام/ مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 161هـ. 3.القائل هو امام النووي أحد شراح صحيح الإ مام مسلم. وهو/ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني الشافعي:( 631 - 616هـ،1134- 1117م).كان إمامًا بارعًا حافظًا أمَّارًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، تاركًا للملذات ولم يتزوج. أتقن علومًا شتى. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية. له تصانيف كثير منها: تهذيب الأسماء واللغات؛ والمنهاج في شرح مسلم؛ التقريب والتيسير في مصطلح الحديث؛ الأذكار؛ رياض الصالحين وهو كتاب جامع ومشهور؛ المجموع شرح المهذب؛ الأرب عون النووية؛ مختصر أسد الغابة في معرفة الصحابة وغيرها ،ينظر/ تاريخ الإسلام ( 10 /314)، ت/بشار، لشمس الدين الذهبي (المتوفى: 147هـ،و فوات الوفيات ( 4 /160) محمد بن شاكر الملقب بصلاح الدين (المتوفى: 164هـ،ت/ إحسان عباس،ن/ دار صادر - بيروت،ط/1.وطبقات الشافعيين (ص: 715 )لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (المتوفى: 114هـ،،ت/ د أحمد عمر هاشم، د محمد زينهم محمد عزب ،ن/ مكتبة الثقافة الدينية ـــ 1413 هـ- 1773 م.و طبقات الشافعية ـ لابن قاضى شهبة (1 /103)مرجع سابق و هو القاضي: أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي مولد القاضي عياض بمدينة سبتة في النصف من شعبان سنة 416ه وتوفي بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، وقيل في شهر رمضان سنة 044ه، رحمه الله تعالى، ودفن بباب إيلان داخل المدينة؛ وتولى القضاء بغرناطة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.؛ كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم وصنف التصانيف المفيدة منها " الإكمال في شرح كتاب مسلم " كمل به " المعلم في شرح مسلم " للمازري، ومنها " مشارق الأنوار " ذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب " الصلة " فقال: دخل الأندلس طالباً للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيراً، وكان له عناية كبيرة به والاهتمام بجمعه وتقييده. وهو من أهل التفنن في
عدد الصفحات ٩٤94 أسلم حينئذ وا ن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله) 1. وعن مجاهد 2، عن عائشة، قالت: قال تعني النبي ( :إن من شرار الناس الذين يكرمون لاتقاء ألسنتهم)قلت: فيه دليل على أن ذكر الفاسق بما فيه ليعرف أمره، فيتقي، لا يكون من الغيبة، ولعل الر جل كان مجاهرا لسوء أفعاله، ولا غيبة لمجاهر.وقال إبراهيم: كانوا يقولون: ثلاثة ليست لهم غيبة: السلطان الجائر، وذو الهوى، والفاسق المعلن لفسقه)3.ومثله عن الحسن، وقال الحسن: ليس لأهل البدع غيبة. النقطة السادسة من طلب الإعانة على إزالة منكر: كمن عرف أن شخصا ما ي ريد الولوج في جريمة فاستعدي عليه بالحكام، أو من لديه قدرة أكثر منه لدفع الباطل وأهله؛ فلمثل هذا لابد من الشرح والت فصيل ، حتى يوجه المعين بما يلزم لإيقاف المعتدي إلى حده. المطلب الثاني الإساءة بالآخرين والتشهير بهم على وجه الحسد و من ذلك التشهي الكاذب، الذي يملأ القلوب الفارغة من الإيمان، وقد يكون تعززا حتى لا يرى غيره أحسن منه في المكانة، والصدارة، أوخوفا من المزاحمة له في مجال من مجالات الحياة، مثل ما يجري بين الضرات من تعييب هذه لتلك، أو التنافس الذي بين الإخوان،وذلك طلبا لمزيد إكرام من الوالدين ، وقد يكو ن دافع الحسد،حب الرياسة وطلب الجاه وذلك لمن يريد أن يكون وحيد زمانه،ورفاقه،وقد يكون ناشئا عن خبث النفس،وسوء الطوية،والشح بالخير،بأي خير لأي أحد من الناس،وقد نهى الإسلام عن كلّ ذلك في نصوص كثيرة منها قوله تعالى:ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ4الآية ففيه شح بالخير،وفيه تمني زوال النعمة من المحسود،وفيه مشابهة لأهل الكتاب الحسدة الذين وذكرهم الله في قوله العلم والذكاء واليقظة) ينظر :( وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (3 /473)لابن خلكان، وتذكرة الحفاظ ، طبقات الحفاظ للذهبي (4 /67)، طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 415). 1.المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله (4 /1551) كتاب البر والصلة والآداب ،باب مدارات من يتقى فحشه، مرجع سابق. 2.مجاهد بن جبر ويكنى أبا الحجاج مولى قيس بن السائب المخزومي ،وينظر الطبقات الكبرى 0 /466) لابن سعد ،ط /دار صادر. 3.شرح السنة (13 /141) للبغوي ،مرجع سابق. 4 . (سورة الحشر الآية 7).
عدد الصفحات ٩٥95 تعالى: ﭽﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮱ ﭼ 1.الآية و ما روى أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي قوله( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللََِّّ إِخْوَانًا )2 وعَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيِّ فِيمَا رَوَى عَنْ اللََِّّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:( يَا عِبَادِي إِنِّ ي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا) 3. والتعدّيعلى حرمات الله من الظلم البين الذي نهى الله عنه فلا يجوز قربانه ، والله سبحانه وتعالى بين الحلال وقال بعده :ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ 4 الآيةوذكر المحرمات وقال بعدها:ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﭼ 5 . 1 .(سورة البقرة الآية 157). 2 الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه(ج 17 / ص7) - كِتَاب الأَْدَبِ،بَاب مَا يُنْهَى عَنْ التَّحَاسُدِ وَالتَّدَابُرِ ..حديث رقم ( 0654 )،للإمام/محمد بن إسماعيل البخاري و المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله - كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآْدَابِ،بَاب تَحْرِيمِ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّدَابُر،( 4641 )ِ (ج 11 / ص414) للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري ال نيسابوري (المتوفى: 161هـ. 3 المرجع السابق - كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآْدَابِ، بَاب تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، حديث رقم ( 4614) (ج11 / ص376.) 4 سورة البقرة الآية 117. 5 سورة البقرة الآية 171.
عدد الصفحات ٩٦