48 يقول ابن كثير رحمه 1 (:يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق؛ من الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان ) وجاء في مسند أحمد2: عن صفوان بن مُحْرِز قال ( كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمع ت رسول الله :يقول: "إن عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنَفَه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟حتى إذا قَرَّره بذنوبه،ورأى في نفسه أنه قد هلك قال:فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وا ني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته،وأما الكفار والمنافقون فيقول: ﭽﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ و يقول الرازي 3 اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم ، منها:كونهم مفترين على الله ، وهي قوله: ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ ﯬ ومنها: أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال وهي قوله:(أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ). والصفة الثالثة : حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله:(وَيَقُولُ الاشهاد هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ ).والصفة الرابعة : كونهم ملعونين من عند الله ، وهي قوله:( أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ). ويقول سيد4:إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة: ( هؤلاء ) (هؤلاء الذين كذبوا ). وعلى من؟ (على ربهم )لا على أحد آخر! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد ، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة: (ألا لعنة الله على الظالمين). يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون ، أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير إذن في ساحة العرض الحاشدة! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد : ) ألا لعنة الله على الظالمين (. وهنا شبهة يجب أن تزال وهي أن بعض الناس يعتقد أنّ منهج النبي هو دائما الستر وعدم الكشف،ويرون أن التشهير مخالف لهدي الستر النبوي المتمثل في قوله :من حديث 1 . تفسير القرآن العظيم 4 /313)مرجع سابق 2.مسند أحمد7 /317.) 3.مفاتيح الغيب11 /164) لفخر الدين الرازيّ ،مرجع سابق. 4 . في ظلال القرآن 4 /151 )مرجع سابق
عدد الصفحات ٤٩49 عائشة، قالت: كان النبي إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا)1 وأمر بالستر فقال:( من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته ) 2 والرد ع لى هذه الشبهة أنّ هذا ليس منهجا مضطردا للنبي ؛ وا نما كان منهجه حكيما يضع الأمور مواضعها، فحيث يقول هذا يصرح حينا آخر بالعقاب كما جاء في قصة الغال الذي أخذ الشملة من الغنائم قبل القسمة،جاء بيان ذلك من حديث عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، إلا الأموال: الثياب والمتاع. قال: فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله غلاما أسود، يقال له مدعم. فوجه رسول إلى وادي القرى، حتى إذا كنا بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحل رسول الله إذ جاءه سهم عائر. فأصابه فقتله. فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال رسول الله : كلا والذي نفسي بيده، «إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا »، قال: فلما سمع الناس ذلك، جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله فقال رسول :«شراك أو شراكان من نار » 3. كما أن الستر يكون في أمر دونأمر،وليس في كل الأحوال، وليس في كل مسألة،لوجود مسائل كثيرة أشهرها الإسلام مثل باب العقوبات وعيرها مما نجده من مباحث هذه الرسالة. و قول البعض إن في التشهير بالعصاة فضيحة وا ساءة بالمشهّر به ومن حوله من الأقارب ،فإنّ هذا القول لا اعتبار له ولو قلنا بهذا ما طبقنا حدا ولا تعزيرا ولأمن أصحاب الأهواء والشهوات وانتهكت محارم الله، كما أن هذا القول مخالف لهدي النبي ؛حيث لم 1 سنن أبي داود1 /166 )،كِتَاب الأَْدَبِ،بَاب فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ ،مرجع سابق. 2 . سنن ابن ماجه3 /075) أبواب الحدود ،باب الشفاعة في الحدود،حديث رقم ( 1046)مرجع سابق 3 الموطأ (1 /407)للإماممالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 117هـكتاب الجهاد ، باب ما جاء في الغلول ، ،صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي .،ن/ دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان ــ 1456 هـ- 1770 م.انظر لترجمته: الطبقات الكبرى - متمم التابعين (ص: 433)لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (المتوفى: 135هـ،ت/ زياد محمد منصور ،ن/ مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة ،ط/1،1457،وكذلك الطبقات (ص: 417) لخليفة بن خياط .و التاريخ الأوسط ( 1 /115 )لأبي عبد الله محمد بن إ سماعيل البخاري(المتوفى: 106هـ،ت/ تيسير بن سعد،الناشر: دار الرشد - الرياض ،ط/1،1416 - 1550.
عدد الصفحات ٥٠51 تأخذه في الله لومة لائم ،كائنا من كان حسبه ونسبه،بل حذّر من سلوك المحابات في هذا، كما في قصة المخزومية التي كانت تجحد العارية ورفع شأنها للنبي ص لى الله عليه وسلم، وعندما أراد الرسول إقامة الحد عليها انزعج أهلها من ذلك، فكان ما روت أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا حيث قالت :(أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسام ة بن زيد، حب رسول الله فكلمه أسامة، فقال رسول : " أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وا ذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )1 ولذا يوجد إساءة ولاتفضيح بالأقارب والأحباب ولقوله : ﭽ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭼ 2وقوله( ﭽ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﰇ ﭼ 3 الآية،.والمسؤولية في الإسلام على الوجه الأغلب أنها فردية . ثم إنّ ما أمر الله به لا يمكن أن يتضمن فسادا أو ا ساءة لأحد من الناس، والله أمر بالقصاص، وبإيقاع العقوبة بالجناة والعصاة، و يجب تعليم المجتمعات وتبصيرها، بدين الله تعالى ،فإن السلامة كل السلامة ،كل السلامة في الاستقامة على دين الله. والهلاك ،كل الهلاك في البعد عنه،وفي بحث الحلول في غيره . المطلب الرابع الرفق عند إنكار المنكر. الرفق مطلب شرعي في كل شؤون الحياة، لا سيّما في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت في هذا نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ومنها قوله تعالى: ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ 4 وعَنْ جَرِير عَنْالنَّبِيِّ 1.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه4 /110 .)كتاب الحدود ،باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع ، و كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلط ان ،حديث رقم( 6177) و6171). 2. المدثر الآية/38. 3 (سورة الأنعام الآية 164.) 4.(سورة النحل الآية 110.)
عدد الصفحات ٥١51 قَالَ:(مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ 1. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ قَالَ:(يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَََّّ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْ طِي عَلَى مَا سِوَاهُ)2ومن أقوال السلف القيمة في هذه المسألة ما روى الخلال قال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قرأت على أبي عبد الله بن الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان بالبصرة، فقلت: يا أبا عبد الله إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على هؤلاء الخبيثين ، ونت سلق على الحيطان؟ قال: أليس لهم أبواب؟ قلت : بلى، ولكن ندخل عليهم لكيلا يفروا ، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وعاب فعالنا، فقال رجل: من أدخل ذا ؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي، فانتفض سفيان وقال: «إنما أهلكنا أنا نحن سقمى، ونسمى أطباء. ثم قال يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى»3ومما بات يشوش على هذا المنهج النير ما يقوم به بعض الشباب المتحمسين للإسلام والذب عنه من أعمال شغب وتدمير وتفجير للممتلكات المنشآت وقتل للأنفس التي حرم الله قتلها، إلا بالحق و رمي الناس بما ليس فيهم،وهؤلاء يجب أن يؤخذ على أيديهم، ولا يسمح لهم بالتشويش على الإسلام وأهله،وأنبه بهذه المناسبة إلى عدم إعطاء الذريعة لبعض الحكام الظلمة الذين يحاربون الإسلام باسم الإرهاب،ويستفيد ون في حربهم من بعض الأخطاء التي أشر ت إليها. وهنا ثمة مسألة يجب التنبه لها وهي الفرق بين المنهج القويم وبين البشر المطبقين له، فالبشر يخطؤن ويصيبون بينما المنهج الشرعي المعتمد على نصوص الكتاب والسنة هو أمر ثابت لايتغير. وبعد هذه الإشارة لموضوع الرفق يتأكد لدينا أن الرفق هو الأصل في حيات المسلم ولذا فلا يجوز لأحد أن يتقول على المنهج الإسلامي ورميه بأعمال العنف لوضوح الأمر . 1.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه–كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين ،حديث رقم (7 /11)وفي المسند الصحيح المختصر بنقل العد ل عن العدل إلى رسول الله (4 / 1553) للإمام مسلم. ،كتاب الأدب / باب فضل الرفق، حديث رقم (1071). مرجع سابق 2.المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول - كتاب الأدب / باب فضل الرفق، للإمام مسلم. 3 .الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ج 1/ ص31)،تأليف/ أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلاَّل البغدادي الحنبلي (المتوفى: 311هـ،ت/الدكتور يحيى مراد ،ان/دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان،ط/1، 1414 هـ- 1553 م.
عدد الصفحات ٥٢52 المطلب الخامس رعاية المصالح عند إنكار المنكر . وفي مثل هذا أورد بن الأزرق قوله: (قيل لبعضهم: من أرجح الملوك عقلاً وأكملهم أدباً وفضلاً. قال: من صحب أيامه بالعدل، وتحرز جهده من الجور، ولقي الناس بالمجاملة، وعاملهم بالمسالمة، ولم يفارق السياسة مع لين في الحكم، وصلابة في الحق، فلا يأمن الجريء بطشه، ولا يخاف البريء سطوته) 1.فانطلاقا من هذه الحكمة نقول لا بد للحاكم أن يكون ذا أفق واسع يرعى في تصر فاته مآلات الأمور وتبعاتها المستقبلية ، وأن يضع الأمور في نصابها ،وأن يعلم أن لكل حادثة حديث ولكل مقام مقال ، فالأكابر من أي صنف كانوا لهم أسلوب خاص للإنكار عليهم ونصحهم ، وردعهم عن المنكرات، ومن دونهم كذلك. ذلك أن الشريعة الإسلامية مبناها على رعاية المصال ح وحمايتها، كما هو معروف لأنّ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْ مَصَالِحِ ،وَدَفْعُ أَعْلاَهَا ،بِأَدْنَاهَا) يَعْنِي أَنَّ الأَْمْرَ إذَا دَارَ بَيْنَ دَرْءِ مَفْسَدَة وَجَلْبِ مَصْلَحَة ، كَانَ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَ حَةِ 2.وكذلك في درر الحاكم جاء قوله : إذا تعارضت مفسدة ومصلحة يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة ، فإذا أراد شخص مباشرة عمل ينتج منفعة له، ولكنه من 1 بدائع السلك في طبائع الملك (ج1/41) تد.علي سامي النشار،ن/ وزارة الإعلام – العراق .،المؤ لف/محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق( 555 - 776 هـ555 - 1471 م عالم اجتماعي سلك طريقة ابن خلدون. من أهل غرناطة. تولى القضاء بها إلى أن استولى عليها الإفرنج، فانتقل إلى تلمسان ثم إلى المشرق ، وحج ورجع إلى م صر، وتوفي بالقدس. له كتب، منها (الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك ،و(تخيير الرياسة وتحذير السياسة) قال الحوات: بأسلوب عجيب لم يؤلف فيه مثله. و (بدائع السلك في طبائع الملك في الرباط ، قال التنبكتي: لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تأريخه مع زوائد كثيرة لا يستغنى عنها بوجه.،انظر الأعلام (6 /177) للزركلي ،معجم المؤلفين (11 /43) عمر كحالة الدمشق (المتوفى 1457هـ. 2 الموافقات 0 /355) المؤلف/إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى 175هـ)،تلمشهور بن حسن آل سلمان،ن/ دار ابن عفان،ط/1،1411هـ1771م،وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 71 )لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 711هـ،ن/ دار الكتب العلمية،ط/1،1411هـ- 1775م، والأشباه والنظائر للسبكي (1 /150) تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: 111هـ،ن/ دار الكتب العلمية،ط/1، 141،هـ- 1771م.
عدد الصفحات ٥٣53 الجهة الأخرى يستلزم ضررا مساويا لتلك المنفعة أو أكبر منها يلحق بالآخرين، فيجب أن يقلع عن إجراء ذلك العمل درءا لل مفسدة المقدم دفعها على جلب المنفعة؛ لأن الشرع اعتنى بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمور بها) 1.ويقول شيخ الإسلام رحمه الله مؤكدا قاعدة المصالح والفاسد: وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت ، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد .فإن الأمر والنهي - وا ن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له ، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر ، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما ، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته .لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وا لا اجتهد برأيه إذا كان من أهل الاجتهاد لمعرفة الأشباه والنظائر. وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالاتها على الأحكام2 .فمن المصالح التي يرعاها الداعي إلى الله،أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر،أو المربي ،أو القاضي ،عدم التدخل في خصوصيات الناس والتطفل عليهم ،باختراق حواجز بيوتهم،والتجسس عليهم ،وذلك لنهي الله عن التجسس؛المفسد على الناس أمنهم واستقرارهم،بالإضافة لما فيه من إ حداث التشويش على النهج القويم الذي أمر الله به،لا سيما في عصرنا هذا الذي كثر فيه دعاة (العلمنة،واللي برالية) ،أولئك النفر من أدعياء الإصلاح،ورعاية الحقوق والحريات،التي يقصدون بها الترك لتعاليم الإسلام في السياسة،و الاقتصاد،والشؤون الاجتماعية:من مناكح، ومآكل،و مشارب،بل كل مناحي الحياة والممات التي أمر الله أن تكون وفق شرعه المطهر ،الذي ارتضاه لعباده. قال الله تعالى:ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ3 وهو الشرع الذي لا يأتيه الباطا من بين يديه ولا من خلفه،ذلك لأنه تنزيل من عند الحكيم العليم ،فما يسمونه حريات إنما هي أهواء ،والله تعالى يقول في شأن الأهواء: 1 درر الحكام في شرح مجلة الأحكام - (ج 1 / ص07)مرجع سابق . 2. الحسبة (ص111)، لابن تيمية (المتوفى: 117 هـ،حققه وعلق عليه: علي بن نايف الشحود،ط/1، في 11جمادى الأولى1410 هـ- الموافق 0 /1/1554 م. 3[.116 - 163.]
عدد الصفحات ٥٤54 ﭽﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ1.،والفرد المسلم عبد لله تعالى يجده حيث أمره،ولا يراه حيث نهاه،وحياته مضبوطة بأوامر الله ونهيه،ثم إن الحريات المزعومة ليس لها حدود تقف فيه إلا أن يكون تنحية لشريعة الله بالأهواء ،وعلى فرض التسليم بكلمة الحريات يجب أن يكون لها حدود تقف فيها وليست مطلقة ،فحرية كل إنسان تنتهي حيث شرع الله لنا ولا يجوز التعدي والخروج عما أمر الله باسم الحرية، أو أي صنم آخر،ثم إن مصطلح الحرية مصطلح وافد إ لى الأمة من خارج محيطها وليس في هذا بأس أن نأخذ من الآخرين،ولكن المشكلة ألاّ يتفق الوافد مع ديننا ،والمسلمون لهم ديانة، وعقائد، وأخلاق وقيم يؤمنون بها،وهي منزلة من قبل صاحب العرش ولا يسمح بالمساس بها لأهواء الناس التي يسمونها حريات ،قال الله تعالى:ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭼ2. ففي هذه الاية أمر لنبيه عليه السلام ولأمته بإلتزام الدين الحنيف ،دين الفطرة التي فطر الناس عليها،يقول السعدي رحمه الله 3:يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحن يف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين . 1[.17.] 2.[161 - 163.] 3.تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان(ص 171 )1316هـ)،ت/ عبد الرحمن بن معلا اللويحق،ن مؤسسة الرسالة،ط/ 1،1415هـ-1555 م.المؤلف/ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السَّعْدي التميمي1351 - 1316 هـ1775 - 1706 م: مفسر، من علماء الحنابلة، من أهل نجد.مولده ووفاته في عنيزة (بالقصيم) وهو أول من أنشأ مكتبة فيها (سنة 1307) له نحو35 كتابا، منها غير التفسير :(تيسير اللطيف المنان في خلاصة مقاصد القرآن) و(القواعد الحسان في تفسير القرآن) و(طر يق الوصول إلى العلم المأمول من الأصول)و غيرها. .انظر: الأعلام للزركلي ( 3 /345).
عدد الصفحات ٥٥55 الفـصل الثــاني التشهير غير المشروع ، بواعثـه، وعـلاجـه إن حكم التشهير في شرعنا الحنيف ليس على منوال واحد بل فيه تفصيل ؛وذلك لأنه شرع تتجلى فيه أسمى صور العدالة، ذلك أن مصدره أحكم الحاكمين، القائل سبحانه تعالىﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ1 .وقال أيضاًﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ2.فهو يدور بين المشروع ديانة وعقلا و فيه رعاية لل مصالح العامة بالأمة والخاصة بالأفراد ومنه غير المشروع الذي لا يجوز الولوج فيه ولا تعاطيه بين الناس عامة وبين المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر بوجه خاص، وهذا هو الذي فيه تعدي وظلم،وانتهاك لحرمات الله وله أسباب كثيرة ،ويقع في خمسة مباحث: المبحث الأول الدعاية ضد الخصم في الدين والخلق والعلم والشرف 1 سورة الأنعام الآية 101. 2 سورة المائدة الآية 7.
عدد الصفحات ٥٦56 ومن هذا مااتهم به الأنبياء من الدعايات الكاذبة تنفيرا للناس من طريق الرسل والدعوة الحقة إلى دين الله، مثل إشاعتهم أن هؤلاء الرسل كذابون، وسحرة ، وكهنة، ومجانين،وأنهم يتكلمون بأساطير الأولين، وسخروا وهزؤوا ونشروا ذلك بين العباد سدا لهم من اتباع الرسل، وكان الله غالب على أمره،وقد حكى الله أقاويلهم في محكم التنزيل فقال: ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ1 وقال تعاﭽﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ2. اجتمع ناس من المنافقين فيهم: جلاس بن سويد بن صامت ومخشي بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي فنهى بعضهم بعضا وقالوا: إنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم فقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا وقالو ا: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير فسمعها الغلام فغضب وقال: والله إن محمدا لصادق وا نكم لشر من الحمير ثم ذهب فبلغها النبي فدعاهم فحلفوا بالله إن عامرا لكاذب وحلف عامر إنهم لكذبة فصدقهم النبي فقال عامر: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق م ن كذب الكاذب وقد كان مخشي بن حمير قال في ذلك المجلس: ويحكم يا معشر المنافقين والله إني لأرى أنا شر خلق الله وخليقته والله لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا فعند ذلك قالوا: والله إن كان محمد صادقا وقالوا: هو أذن قل أذن خير لكم)3. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث، 1 سورة ص الآية 4. 2 . سورة التوبة الآية 61.) 3.تفسير القرآن العظيم 6 /1716)،ت/ أسعد محمد الطيب،ن/ مكتبة نزار مصطفى الباز ـــ السعودية، ط/3 - 1417هـ. المؤلف/ عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم ابن إدريس بن المنذر التميمي الحنظليّ الرازيّ، أبو محمد: حافظ للحديث، من كبارهم. كان منزله في درب حنظلة بالريّ، وا ليهما نسبته.عاش في الفترة ما بين (145 - 311 هـ704 - 737 م) أخذ علم أبيه، وأبي زرع ة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال والحديث الصحيح من السقيم، وله من التصانيف ما هو أشهر من أن يوصف في الفقه، والتواريخ، واختلاف الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمصار.انظر الأعلام( 3 /314) لخير الدين الزركلي و الإرشاد في معرفة علماء الحديث( 1/673 ) للخليليوطبقات الفقهاء الشافعية(1/034)لأبي عمرو ابن الصلاح(المتوفى: 643هـ.
عدد الصفحات ٥٧57 وكان رجلا أد لم ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسقع الخدين مشوه الخلقة، وقد قال النبي :(من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ) وكان ينم حديث النبي إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه، فنقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا، فأنزل الله تعالى هذه الآيات السابقة1.وأيّا كان من نزلت عليه الآيات فردا كان أم جماعة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب،وهو أن الكفرة حالهم دائما السخرية والهز أ بالأنبياء وأتباعهم من الأخيار. وقال سبحانه وتعالى: ﭽﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ2.وقال أيضا:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ3 وجاء عن قتادة4 في تفسير قوله:ﭽ ﭟ ﭠﭡﭼ5،أهل الظنون)6، وعن عطاء 7 1.معالم التنزيل في تفسير القرآن 1 /364) ،لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى 015هـ) مرجع سابق. 2 . سورة الأحزاب الآية 01،07.) 3 سورة الذاريات الآية 01. 4 . قتادة بن دعامة السدوسي البصري الضرير الأكمه،قدوة المفسرين والمحدثين المتوفى سنة 111 هـ رحمه تعالى. كان رأساً في العربية والغريب، وأيام العرب وأنسابها،وانظر طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: 14)مرجع سابق، وطبقات المدلسين = تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص: 43)لابن حجر العسقلاني (المتوفى: 701هـ،ت/ د. عاصم بن عبدالله القريوتي ،ن/ مكتبة المنار – عمان،،ط/1،1453 – 1773.) ،وطبقات النسابين (ص17) بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: 1417هـ)،ن/ دار الرشد، ال رياض،ط/ 1،1451 هـ- 1771 م 5.(سورة الذاريات الآية ٠٣). 6 جامع البيان في تأويل آي القرآن( ج 11/ص455.)لأبي جعفر الطبري ،مرجع سابق 7.هو:عطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم. وكان عطاء من مولدي الجند من مخاليف اليمن. نشأ بمكة. وهو مولى آل أبي ميسرة بن أبي خثي م الفهري، تابعي، ثقة، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. انظر/ الطبقات الكبرى ط العلمية (6 /15) لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (المتوفى: 135هـ).،ت/ محمد عبد القادر عطا،ن/ دار الكتب العلمية- بيروت،ط/1،1415 هـ - 1775 م وانظر/ الثقات للعجلي (ص: 331)ط /الباز
عدد الصفحات ٥٨58 ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭼ1 قالالمشركون من قريش، عضُّوا القرآن فجعلوه أجزاء، فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: مجنون ، فذلك العِضُون2. وقالوا في حق موسى عليه : ﭽﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ3،وقال: ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ4 وكذلك لما أعيت فرعون الحيل بموسى نادى في قومه متكبرا ومتعاليا وساخرا ومشهرا بموسى عليه ذلك أمام شعبه كما حكى الله عنه ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ5.وهذه بعضالنماذج التوضيحية وقد آثرت أن تكون من أرض الواقع ،وهي على مطالب: المطلب الأول اتهام بنو إسرائيل لموسى بالعيب الخلقي هو النبي الحيي المبرئ من العيوب وقد جاء في وصفه عن أبي هريرة ، قال6: قال رسول الله إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء ا منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إلا من عيب بجلده: إما برص وا ما أدرة 7:وا ما آفة، وا ن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وا ن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإ من بني 1 . (سورة الحجر الآية ٣٢). 2 المرجع السابق - (ج 11 / ص146.) 3 سورة الأعراف 157-115. 4 سورة غافر الآيتان 13-14. 5(.سورة الزخرف الآيات 01-04 ). 6.الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه (4 /106) للإمام البخاري،مرجع سابق 7.الأُدْرَةُ بالضم نفخةٌ في الخُصْيةِ يقال رجل آدَرُ بَيْنُ الأَدَرِ، وقيل الأدَرَةُ الخُصْيَةُ والخُصْيَةُ الأَدْراءُ العظيمةُ من غير فَتْق ،انظر لسان العرب ( 1 /44)لابن منظور.وتاج العروس (15 /45) لمحمد بن محمد الزبيد ي،مرجع سابق
عدد الصفحات ٥٩59 إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه، ثلا ثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﭼ1 وقد نهانا الله تعالى عن اقتفاء طرق بني إسرائيل والسير على نهجهم من مآذات الأنبياء وغيرهم من أصناف الناس كما هو موضح في هذه الآية وغيرها من مثل قوله تعالى: ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭼ2.وهذا الذي ذكر الله لنا في كتابه من شأن موسى أنزل للعظة والعبرة والعمل به والحذر من سبل الهالكين،ومع هذا يكرر مثل هذا الموقف مرات عدة . المطلب الثاني اتهام امرأة العزيز يوسف يوسف هوالكريم بن الكريم بن الكريم ،قال الله تعالى:ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ3 وكان ذلك منها كيدا ومكرا تغطية لسوءتها ودفنا لآثار جريمتها، ودافع يوسف عن نفسه ونفي التهمة بقوله: ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ4،وأعانه الله على البراءة بشهادة شاهد من أهلها،وعلم العزيز أن السوء في أهله وليس في يوسف وأمر يوسف بكتمان الأمر إلا أنّ الخبر انتشر في المجتمع لاسيما نساء الملأ، كما أخبر الله عنهن في قوله تعالى:ﭽ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼ5 وحتى تهدأ الإشاعة وانتشار الخبر سجنوا يوسف ، وهذا كان منهم ظلما على ظلم: ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ6 وفي الآية مسائل منها:أن زوج المرأة لما ظهر له 1(.سورة الأحزاب الآية 67). 2(.سورة الصف الآية 4). 3 سورة يوسف الآية 10. 4 . (سورة يوسف الآية 16) 5 سورة يوسف الآية 35. 6 سورة يوسف الآية 30.
عدد الصفحات ٦٠61 براءة ساحة يوسف ،ولم يتعرض له، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف على موافقتها على مرادها، فلم يلتفت يوسف إليها، فلما أيست منه احتالت في طريق آخ ر وقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه، وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وا ما أن تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة، فهذا هو المراد من قوله: ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ1 لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في الأول، والمراد من الآيات: براءته بقد القميص من دبر، وخمش الوجه، وا لزام الحكم إياها بقوله: ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ2 ومن أدلة برا أته(ولقد راودته عن نفسه فاستعصم).وهذا تصريح بأنه كان بريئا عن تلك التهمة)وأيضا قوله:(ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) والمراد أن يوسف إن لم يوافقها على مرادها يعرض نفسه للسجن والصغار، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر مثل يوسف ) وهذه كلها أدلة بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعيا في إخفاء الفضيحة3، وحينها : ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ4 والحاصل أنّ معانات يوسف عليه الصلاة والسلام كان سببها الظلم والتجني، و هو بريء من هذه الجريمة الأخلاقية، التي نسبت إليه من قبل من يعرفون براءته . المطلب الثالث أذية جريج العابد رحمه الله تندرج هذه القصة تحت قوله تعالى: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ 1 سورة يوسف الآية 30. 2 .سورة يوسف الآية ١٩ ). 3.مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير17 /401)بتصرف،لفخر ا لدين الرازي . 4 [41.]
عدد الصفحات ٦١61 ﮛ ﭼ1 .وهو أحد عباد بني إسرائيل افترت عليه تلك البغي من بغايا بني إسرائيل،وجاء تفصيل قصته في الصحيحين وغيرهما؛ف عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله :(كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه، فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي، ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومس ات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجا، فتعرضت له، فكلمته فأبى، فأتت راعيا، فأمكنته من نفسها، فولدت غلاما فقالت: هو من جريج، فأتوه، وكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين)2وفي صحيح مسلم زيادات منها(..فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لأََفْتِنَنَّهُ لَكُمْ...) 3 فانظر أخي الكريم إلى هذا الكيد، وهذا التش ويه الذي وقع لهذا العابد،ولكن عناية الله فوق كيد الكائدين،حيث أنجاه الله من الكيد. المطلب الرابع اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (حادثة الإفك ) أوذي سيد ولد آدم محمد في عرضه وأحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها في الحادثة المشهورة بحادثة الإفك حيث ا تهمت بصفوان بن المعطل عندما تخلفت عن الركب بسبب ضياع عقد لها، ووجدها صفوان في طريقه، وهو كان من المأمورين بالذهاب في خلفية الجيش لمهام أمنية وغيرها فلحق بها معززة مكرمة مصونة ،وعندما رآها المنافقون في هذه الحالة أشاعوا أذية بلا علم أنها وأنها...فتأذى من ذلك نبي الإسلام الطيب المطيب والطيبة المطيبة ، وأسرتها بل وكل المؤمنين والمؤمنات، وانتشى لمدة شهر الخبيثون والخبيثات، الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا،وبعد فترة للوحي لمدة شهر أنزل الله آيات من 1 [ .01،07.] 2. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه3 /131) لأبي عبدالله البخاري ،كتاب المظالم والغصب ، باب: إذا هدم حائطا فليبن مثله ،حديث رقم( 1471) (ج7 / ص371 .) 3 المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله (4 /1711)، كتاب البر والصلة والآداب ، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها ،حديث رقم ( 1005) ،للإمام مسلم بن الحجاج (المتوفى 161هـ
عدد الصفحات ٦٢62 الذكر الحكيم توضح وبجلاء براءة أم المؤمنين عائشة رضي عنها وأرضاها ، كيف لا وهي، من هي! في علمها وفضلها وشرف نسبها ، واختيار المولى جلّ جلاله لها لتكون زوجة النبي المصطفى في الدنيا والآخرة ، وهي من أبعد الناس عن الريب وهذا ما أكده الله تعالى في سورة النور في الآيات من الحادية عشرة إلى السادسة والعشرين من قوله تعالىﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭼإلى قوله:ﭽﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭼ1 و(الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، والبهتان الذي لا تشعر ب ه حتى يفاجئك، والذي تولى كبره هو زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وقد برأها الله مما قذفها به المنافقون، كما برأ مريم العذراء مما قذفها به اليهود المغرضون، وأقيم حد القذف الشرعي على من روج هذا البهتان العظيم) 2من المؤمنين الذين ضعف ت نفوسهم أمام إشاعة عصبة الإفك والنفاق،حيث وجه إليهم المولى سبحانه وتعالى خطابه يعاتبهم ويبين لهم الموقف السليم الذي يجب أن يقفوه من مثل هذه الإشاعات الملفقة، التي يتحتم البحث عن مصدرها، والغرض المقصود منها، والتحري عنها من جميع الوجوه. ونفس هذا الخطاب موجه إلى جميع المؤمنين، بالنسبة لقصة الإفك ولجميع قصص الإفك الأخرى، التي يمكن أن تصدر عن أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان 3، فقال تعالى: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ 1.(سورة الآية النور الآيات ٣٣ – ٦٩ ( . 2 . التيسير في أحاديث التفسي ر ( 4 /101) لمحمد المكي الناصري (المتوفى 1414هـمرجع سابق ،وانظر التفسير الوسيط (6 /1311 )- مجمع البحوث ، مصر القاهرة. 3 .انظر نفس المرجع 4 /101.)
عدد الصفحات ٦٣63 ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ1 وقد امتن الله على المؤمنين بفضله ورحمته عليهم،وا لا لمسهم عذاب عظيم،وذلك بسبب تداولهم لهذا الخبر السيئ الذي لايليق بعوام المسلمين فكيف بالطاهرة المطهرة المختارة لنبيه وهم يحسبون ترويج الكذب على عرض ابنة الصديق وزوج الرسول أَمرًا خفيفًا سهل العاقبة، والحال أَنه عند الله أمر عظيم في إثمه وسوء عاقبته، فالقدح في الأَعراض شين عظيم، وا ثم كبير، فكيف به في عرض أم المؤمنين، وزوج خاتم المرسلين ،ومن لطائف حادثة الإفك التي تمثل قمة الإيمان السمو الأخلاقي،وع فة اللسان والقلب عما يشين من الخ واطر،وحصائد الألسن،ما دار بين أبي أيوب وزوجه الكريم،حيث سألته عما يدور بين الناس م ن قصة الإفك،فسألها سؤال يتضمن الإجابة: فعن محمد بن عمرو عن أبيه عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا فقال لها : يا أم أيوب أكنت تفعلين ذاك فقالت لا والله فقال فعائشة والله خير منك وأطيب فأنزل الله عز و جل:ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ يعني قول أبي أيوب لأم أيوب وكان أبو أيوب قال لها إن الذين قالوا لها هو إفك)2،واستأذن ابن عباس قبل موتها على عائشة وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثني علي، فقيل: ابن عم رسول الله ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت، قال:(فأنت بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله ، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء )ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت:(دخل ابن عباس فأثنى علي، ووددت أني كنت نسيا منسيا)3وهذا من تواضعها عنها وعن أبيها، وا لا كانت من أحب نساء رسول إليه،وقد جاء الملك إلى رسول الله عندما اختارها له زوجة بصورتها ، فعن ابن أبي مليكة عن عائشة:أن جبريل جاء بصورتها 1 . (سورة النور الآيات ٩٣ – ١٣). 2 . مسند إسحاق بن راهويه 3 /717) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحن ظلي، ن/ مكتبة الإيمان - المدينة المنورة ،ط/ 1 ،1411 - 1771ت/ د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي،وانظر و تاريخ المدينة لابن شبة (1 /330)، عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى 161هـ)ت/ فهيم محمد شلتوت ،ط/ السيد حبيب محمود أحمد – جدة، عام/ن 1377 هـ 3 . الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول وسننه وأيامه 6 /156) للبخاري ، كتاب تفسير القرآن ،باب ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) سورة النور الآية: 16)حديث رقم 4103) ، سابق مرجع
عدد الصفحات ٦٤