المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة القرآن الكريم من العبث والامتهان

محمد بن عبد العزيز المسند

صفحة ٥ من ٦

267 أعناقهم أو يعلّقونها في أعضادهم أو في غير ذلك؛ فهذا لا يجوز، ولكن الرقية بأس بها. وكذلك إذا قرأ في ماء ثمّ شرب الماء فهذا أيضاً لا بأس به، فقد ورد عن النبيّ ﷺ بعض هذا، كما في سنن أبي داود عن النبيّ ﷺ أنّه قرأ في ماء لثابت بن ، فهذا لا بأس به، رواه أبو داود. وأمّا التعليق فلا يعلّق لا القرآن ولا غيره. (((قيس لا في الرقبة، ولا في اليد، كلّ هذا ليس بعلاج وليس مشروعاً، والله المستعان ولا .(2(حول ولا قوة إلا با الصورة الرابعة: كتابته على جسد المريض لاستشفاء: اختلف علماؤنا الأجلاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، وهو اختيار شيخنا العلامة ابن باز - رحمه الله - كما سبق أحدها: قريباً في فتواه في الصورة السابقة. الجواز مطلقاً، وهو اختيار جمع من أهل العلم منهم الشيخ عبد الله بن الثاني: ، ومستندهم في ذلك قول بعض أهل العلم كشيخ الإسلام (3(جبرين - رحمه ا ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم - عليهما رحمة الله -. الجواز بضوابط، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن البرّاك - حفظه الله -، الثالث: فقد سئل عمّا انتشر في بعض المنتديات في مسألة كتابة بعض الآيات على جسم المريض لإخراج الجن من الجسد، وقول أحد الرقاة: اكتب على بطنك: ، ويستشهدون ]35،34[﴾ * ﴿ بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم.. فما حكم هذا العمل؟ )، وضعّف إسناده الألباني في ضعيف سنن أبي 3885)، برقم403/2 أخرجه أبو داود في سننه ((( (.3387)، برقم384داود: (ص (.326/( فتاوى نور على الدرب (2( www.ibn-jebreen.vom ينظر موقع الشيخ رحمه ا (3(

عدد الصفحات ٦٦

268 فأجاب الشيخ - حفظه ا الأدعية على بعض بدن المريض أصلاً من فعل السلف؛ أعني الصحابة والتابعين. ومن يفعل ذلك يعتمد على ما ذكرتَ عن ابن القيّم وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -، ولا أذكر مستنداً لهما من النقل في العلاج بهذه الطريقة. والذي يظهر أنّ تعويلهما على التجربة، وعلم الطبّ أساسه التجربة. فإذا ثبت بالتجربة أنّ كتابة بعض الآيات تنفع في حالات؛ فلا أعلم مانعاً يمنع من كتابتها، وهو يشبه الرقية بالآيات التي تناسب المقام ممّا لم يرد تخصيصه. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ ، وقوله: ﴿]82[﴾ ، إلى غير ذلك. أمّا الرقية بالفاتحة وآية الكرسي ](7[﴾ وسورة الإخلاص والمعوذتين، فقد دلّت السنّة على الاستشفاء بها. وممّا يدلّ على التوسعة في الرقية قوله ﷺ: (اعرضوا عليّ رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم تكن ، ويمكن أن يستدلَّ لذلك أيضاً بالإطلاق في قوله تعالى: ﴿ (((شركاً) ، ولكن يجب ألا يترتب على كتابة الآيات ]82[﴾ على بدن المريض محظور، كالامتهان بكتابة الآيات في مواضع غير لائقة كالقُبل والدبر والآباط وأسفل القدم، ومن الامتهان: كتابتها على الظهر إن كان يستلقي عليه. وينبغي أن يراعى عند غسل الكتابة أن تكون في موضع طاهر. وكذا ترك سبب الجنابة إذا كانت الكتابة باقية، والمبادرة لغسلها إذا حصلت، فإنّ بقاء الآيات مع .(2(الجنابة يتضمّن نوعاً من الامتهان، هذا والله أعلم والذي تطمئنّ إليه النفس: المنع مطلقاً، صيانة للقرآن عن الامتهان، ولأنّ فتح الباب يؤدّي إلى توسّع الناس - ولا سيما العامّة - في مسألة الكتابة، والخروج بها عن مقصودها، وربّما تَعَمُّدُ امتهان القرآن كحال بعض الدجاجلة والمشعوذين، والله تعالى أعلم. سبق تخريجه قريباً. ((( .هـ430/3/29 نُشرت هذا الفتوى في موقع الشيخ بتاريخ (2(

عدد الصفحات ٦٧

269 ويُلحق بذلك: كتابة بعض آيات القرآن في أوراق وإلصاقها بالبدن، وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية عن حكم كتابة أوراق فيها القرآن والذكر وإلصاقها على شيء من الجسد، كالصدر ونحوه، أو طيّها ووضعها على الضرس، أو كتابة بعض الحروز من الأدعية الشرعية وشدّها بجلد وتوضع تحت الفراش أو في أماكن أخرى؟ فأجابت اللجنة على الجسم، أو على موضع منه، أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك؛ لا يجوز لأنّه ، وقوله(((من تعليق التمائم المنهي عنها بقوله .(3 (2(الرقى والتمائم والتولة شرك الصورة الخامسة: كتابته في إناء ليشرب منه المريض: فيُكتب بالزعفران ونحوه في إناء، أو في أوراق ثم يغسل فيشربه المريض، وقد اختلف علماؤنا في ذلك فأجازه بعضهم كشيخنا ابن باز - رحمه الله -، واشترط . وهو قول جماعة من (4(أن يكون القائم بذلك من المعروفين بالخير والاستقامة .(6(، ومنعه آخرون(5(السلف والذي تطمئنّ إليه النفس: المنع مطلقاً، صيانةً للنصّ القرآني من الامتهان لا سيّما في هذا العصر الذي كثر فيه الدجّالون وتجّار الرقية، ولأنّ كتابته بهذه الطريقة سبق تخريجه قريباً. ((( )، وصحّح إسناده الألباني كما في السلسلة 3883)، برقم 402/2 أخرجه أبو داود في سننه (2( .(33()، برقم648/(الصحيحة (.244/( ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جمع وترتيب أحمد الدويش (3( .(30/( ينظر: فتاوى إسلامية (4( .(2(95/6 منهم: الحسن ومجاهد وأبو قلابة والأوزاعي. ينظر: الإتقان للسيوطي (5( منهم: النخعي والعز بن عبد السلام وغيرهما. ينظر: المصدر السابق (6(

عدد الصفحات ٦٨

270 ثم غسله قد يعرّضه للتلوّث والتجرثم، مع كثرة الملوّثات البيئية في هذا الزمن. وفي الرقية الشرعية المعروفة غنى عن مثل هذه الطريقة، والله تعالى أعلم. الصورة السادسة: كتابته على السيارات: يعمد بعض الناس إلى كتابة نصّ من القرآن على الهيكل الخارجي لسيّارته، وهم يفعلون ذلك لأغراض، منها: تزيين السيّارة بذلك. ومنها: التكسّب ودعوة الناس ، ]42[﴾إلى الركوب، فيكتب قوله تعالى: ﴿ وهذا يفعله بعض أصحاب سيّارات النقل والأجرة. ومنها: دفع العين وجلب الرزق كالتمائم ونحوها. إلى غير ذلك من الأغراض. وكلّ ذلك محرّم شرعاً لاشتماله على مفاسد كثيرة منها: ) امتهان النصّ القرآني بكتابته في غير محلّه اللائق به، وقد روي أنّ عمر بن ( .(((عبد العزيز - رحمه الله - رأى ابناً له يكتب آية في حائط فضربه ) تعريضه للتلوّث بالغبار والأتربة والطين وغير ذلك من القاذورات. 2 ) تعريضه للتلف والتمزق والسقوط على الأرض إن كان مكتوباً في ملصق 3 ونحوه، وهذا يتنافى مع وجوب صيانة النصّ القرآني الكريم والمحافظة عليه إلى غير ذلك من المفاسد التي سبقت الإشارة إليها. الصورة السابعة: كتابته على المابس الداخلية لاسترقاء به: وما كنت أظنّ أنّ الأمر يصل عند بعض الناس إلى هذا الحدّ، حتى اطّلعت على استفتاء ورد إلى لجنة الفتوى بالأزهر يقول فيه السائل: ما حكم الدين في كتابة آيات من القرآن الكريم على الملابس الداخلية للمرأة بغرض الرقية والعلاج؟ فأفتت اللجنة بأنّ هذا العمل لا يحلّ شرعاً لأنّ به إهانة للقرآن الكريم. فهل وصل الجهل ببعض الناس إلى هذا الحدّ!. )، وفي سنده ضعف كما أفاد المحقق. 650/2 أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (((

عدد الصفحات ٦٩

271 الصورة الثامنة: كتابته بشكل متقطع وقد شاع مثل ذلك في بعض المنتديات، فيكتبونه بهذه الطريقة: (إن اللـ هـ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بـ أنفسهـ م)، وهذه طريقة محدثة ليس لها ما يسوّغها سوى معاملة النصّ القرآني معاملة غيره ممّا يكتبه البشر، دون مراعاة لقدسية هذا النصّ وجلاله، ويخشى مع مرور الزمن أن يؤدّي ذلك إلى خلل في النصّ القرآني، أو تحريف أو زيادة أو نقص، لذا وجب سدّ هذا الباب، وكتابة النصّ متصلاً غير متقطع صيانة له عن التحريف والامتهان، والله تعالى أعلم. الصورة التاسعة: كتابته على شكل صورة إنسان أو حيوان: يعمد بعض الرسّامين والخطّاطين إلى التفنّن في كتابة النصّ القرآني، فيجعله على شكل صورة إنسان أو حيوان، ولا يخفى ما في ذلك من امتهان النصّ والاستخفاف به، مع ما في رسم صور ذوات الأرواح من المحظور الشرعي عند جمع من أهل العلم، وقد ناقش المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة، وصدر عنه القرار التالي من لا نبي بعده، سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم. أمّا بعد: فإنّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة، المنعقدة فبراير 0 الموافق هـ4(0رجب5بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت م قد نظر في 990 فبراير7 الموافقهـ4(0رجب22م إلى يوم السبت990 موضوع كتابة آية أو آيات القرآن الكريم على صورة طائر، وقرّر بالإجماع: عدم جواز هذا العمل، لما في ذلك من العبث، والاستخفاف بكلام الله سبحانه وتعالى والاستهانة به. والله ولي التوفيق... وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه .((( رب العالمينللهوسلّم تسليماً كثيراً، والحمد (.345)، (ص23 مجلّة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد (((

عدد الصفحات ٧٠

272 الصورة العاشرة: كتابته على الدراهم ونحوها وقد كره ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، وذكر أنّ ذلك إلى ابتذال القرآن وامتهانه ووقوعه في المواضع التي ينزّه القرآن عنها « من رخّص في حمل الدراهم المكتوب عليها القرآن فذلك للحاجة، ولم يرخّص في .(((كتابة القرآن عليها، والله أعلم الصورة الحادية عشرة: كتابته بالذهب: وقد كره ذلك بعض السلف، فقد أخرج ابن أبي داود بسنده عن إبراهيم النخعي . بل ذهب بعضهم إلى (2(- رحمه الله - أنّه كان يكره أن يكتب المصحف بالذهب .(3(التحريم، وقالوا يؤمر بحكّه وأجازه آخرون، منهم الإمام الغزالي - رحمه الله - فإنّه قال .(4(المصحف بذهب فقد أحسن، ولا زكاة عليه ولعلّ سبب التحريم أو الكراهة - عند من قال بهما -: ما في ذلك من إضاعة المال، وقد ورد النهي عن ذلك، أو لأنّه من الزخرفة المنهي عنها. وقيل: لئلا ينشغل الناس بمثل هذه الأمور الشكلية الظاهرة عن الغرض الأساس من القرآن وهو تدبّره وفهمه والعمل به، والله تعالى أعلم. ومن ذلك تحليته بالذهب أي تزيينه به، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّه ). وممّن كره ذلك أيضاً: عطاء والقاسم والشعبي. ينطر: المغني: 67،66/25 مجموع الفتاوى ((( (.69/(( .(542/2 كتاب المصاحف (2( .((93/( ينظر: الفروع لابن مفلح (3( .(392/( مغني المحتاج للشربيني (4(

عدد الصفحات ٧١

273 .(2( مساجدكم؛ فعليكم الدبار(((قال وعن برد بن سنان - رحمه الله - قال . ولعلّ المقصود المبالغة في ذلك، أمّا تزيينه بمعنى العناية به وإجادة (3(ومساجدها علاقته حتى لا يتعرّض للتلف، فلا حرج فيه، ولهذا كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يُسأل عن تحلية المصحف فيقول: لا أعلم به بأساً، وكان يحبّ أن يزيّن .(4(المصحف، وتُجاد علاقته وصنعته، وكلّ شيء من أمره المطلب الثالث: (ص كالمصحف ونحوه): وهي بإجمال: السفر به إلى بلاد العدوّ. الصورة الأولى: تصغير لفظه وحجمه.الصورة الثانية: مسّه بغير طهارة. الصورة الثالثة: الدخول به إلى أماكن قضاء الحاجة.الصورة الرابعة: توسّده والاتكاء عليه. الصورة الخامسة: مدّ الرجلين إليه. الصورة السادسة: وضع شيء عليه.الصورة السابعة: أي: بالغتم في تزيينها ونقشها وزخرفتها. وإنّما كُره تزويق المساجد لما فيه من الترغيب في الدّنيا ((( )، 6365/()، وتاج العروس50/(0وزينتها، أَو لشغلها المصلِّى. ينظر: لسان العرب مادة (زوق). ). بإسناد لا بأس به كما قال ابن الملقّن، ينظر: 543/2 أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (2( ، مادة دبر268/4). والدَبار بالفتح: الهلاك. (لسان العرب 577/5البدر المنير (.544/2 كتاب المصاحف (3( ). ورجاله ثقات كما قال المحقق547/2 أخرجه أبو داود في كتاب المصاحف (4(

عدد الصفحات ٧٢

274 وضعه على الأرضالصورة الثامنة: وضعه في السيّارة.الصورة التاسعة: تمكين السفهاء من مسّه. الصورة العاشرة: التفصيل: الصورة الأولى: السفر به إلى باد العدوّ: وقد ورد في ذلك نصّ نبويّ شريف، وهو قوله ﷺ: (لا تسافروا بالقرآن، فإني .(((لا آمن أن يناله العدوّ) والمقصود: السفر به إلى البلاد التي يُخشى عليه من أهلها أن يمتهنوه، إمّا لجهلهم بقدسيته، وإمّا نكاية بالمسلمين وتشفيّاً، كالبلاد الشيوعية والاشتراكية وما شابهها، وقد حدث ذلك من قبل بعض الأعداء في هذا الزمن، وتناقلته بعض وسائل الإعلام، فوجب على المسلمين الحذر، وصيانة كتاب الله أن تمسّه أيدي الأعداء. - رحمه (2( لكن إن أمنهم عليه، إمّا بعهد، أو بعرف سائد، فلا بأس، قال الغنيميّ الله - في اللباب .(3(كانوا قوماً يوفون بالعهد؛ لأنّ الظاهر عدم التعرّض أمّا الكتابة إلى الكفّار بالآية والآيتين ونحوهما في أثناء كتاب للدعوة ، بخلاف (4(وما شابه ذلك فلا بأس، بل حكى النووي الإجماع على جوازه المصحف كاملاً. (.204 سبق تخريجه (ص ((( هو عبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي الدمشقي الشهير بالميداني، من فقهاء الحنفية، له شروح (2( ورسائل في الصرف والتوحيد. ينظر: موسوعة الأعلام، موقع وزارة الأوقاف المصرية، حرف الميم (.0 اللباب في شرح الكتاب: (ص (3( .((34/6)، وفتح الباري3 ينظر: التبيان في آداب حملة القرآن: (ص (4(

عدد الصفحات ٧٣

275 الصورة الثانية: تصغير لفظه وحجمه وقد كره ذلك السلف، فأمّا تصغير لفظه، فقد أخرج ابن أبي داود أنّ ابن المسيّب - رحمه الله - كان يقول . وهو مروي عن مجاهد وإبراهيم النخعي عليهم جميعاً (((فهو عظيم حسن جميل .(2(رحمة ا وأمّا تصغير خطّه وحجمه، فقد أخرج ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي قال: « .(3(وفي رواية وعلى الرغم من كراهية السلف لذلك ونهيهم عنه؛ إلا أنّ أقواماً لم ينتهوا عنه، فقد رأيت في هذا الزمن مصاحف صغاراً لا يتجاوز حجمها علبة الكبريت!، وهي أصغر ممّا قصده السلف! إذ يتعذّر كتابتها باليد، والظاهر أنّها لم توضع للقراءة لاستحالة .(4(ذلك، وإنّما وضعت للتبرّك ونحوه، وقد سبق الحديث عن هذه المسألة الصورة الثالثة: مسّه بغير طهارة: وقد سبق أنّ ذلك قول جمهور أهل العلم من الأئمّة الأربعة وغيرهم، ودليلهم في ذلك الحديث المشهور: (لا يمسّ القرآن إلا طاهر)، وهذا الحديث وإن كان ، وهو جزء من (5(في سنده مقال، إلا إنّ الأمّة تلقّته بالقبول لشهرته، وعملوا به كتاب طويل كتبه رسول الله ﷺ، لعمرو بن حزم - رضي الله عنه -، وقد رواه مالك )، بإسناد رجاله ثقات كما قال المحقق.55(/2 أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ((( (.55(،550/2 ينظر: كتاب المصاحف (2( .(507/2 المصدر السابق (3( .(267 ينظر: (ص (4( .((8 -(7/4 ينظر كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حول هذا الحديث في تلخيص الحبير (5(

عدد الصفحات ٧٤

276 ، ولهذا رُوي عنه التشديد في مسّ المصحف وحمله لغير المتوضئ (((في الموطأ رحمه ا– حيث قال .(2(في غلافه، إلا وهو طاهر، وليس ذلك لأنّه يدنّسه، ولكن تعظيماً للقرآن وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: هل يجوز مسّ المصحف بغير وضوء أم لا؟. فأجاب قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر. قال الإمام أحمد: لا شكّ أنّ النبيّ ﷺ كتبه له. وهو أيضا قول سلمان الفارسي وعبد .(3(الله بن عمر وغيرهما، ولا يُعلم لهما من الصحابة مخالف وقال شيخنا العلامة ابن باز - رحمه ا وضوء لا يجوز عند جمهور أهل العلم، والذي عليه الأئمّة الأربعة - رحمة الله عليهم -، وهو الذي كان يفتي به أصحاب النبيّ عليه الصلاة والسلام، أنّه لا يمسّ القرآن إلا طاهر، وقد ورد في ذلك حديث صحيح لا بأس به من حديث عمرو بن حزم - رضي الله عنه - (أنّ النبيّ ﷺ كتب إلى أهل اليمن أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر)، وهو حديث جيّد له طرق يشدّ بعضها بعضاً، هذا هو الواجب، وكذلك نقل المصحف أو تحريكه من مكان إلى مكان لا ينقله إلا من كان طاهراً، أو إذا تمّ ذلك بواسطة، كأن يأخذه في لفافة، أو يكون المصحف في لفافة فيأخذه بالعلاقة، أمّا أخذه مباشرة بيديه وهو على غير طهارة، فلا يجوز .(4(على الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم (.396)، برقم73/2( ((( .(227/(7 ينظر؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2( .(266/2( مجموع الفتاوى (3( .(24،23/4 فتاوى إسلامية (4(

عدد الصفحات ٧٥

277 ومن ذلك: تمكين الكافر من مسّه، ولو لغرض دعوته إلى الإسلام، للحديث السابق، فإنّه إذا كان المسلم المحدث لا يجوز له مسّ المصحف؛ فإنّ الكافر من باب أولى، لأنّه نجس، ولأنّه لا يعرف قدر المصحف؛ فقد يعرّضه للامتهان بقصد أو بغير قصد. ولا بأس بتمكينه من مسّ تفسير للقرآن، أو ترجمة له بلغة أخرى إن كان أعجمياً، إذ إنّ هذا ليس له حكم المصحف، والله تعالى أعلم. الصورة الرابعة: الدخول به إلى أماكن قضاء الحاجة: يجب تنزيه المصحف عن الدخول به إلى أماكن قضاء الحاجة لما في ذلك من الامتهان الواضح، مع ما قد يتعرّض له من السقوط في موضع النجاسة، فإنّ كثيراً من الناس قد تسقط منه بعض أغراضه التي في جيبه عند رفع ثوبه لقضاء الحاجة، فإذا كان المصحف في جيبه، فقد يسقط ويتعرّض للبلل أو النجاسة، فوجب صيانته عن تلك الأماكن. - رحمه ا(((وقد حرّم ذلك بعض السلف. قال الأذرعي .(2(إدخال المصحف ونحوه الخلاء من غير ضرورة؛ إجلالاً له وتكريماً وقد سئل شيخنا العلامة ابن عثيمين - رحمه الله -: ما حكم الدخول بالمصحف إلى الحمّام؟ فأجاب لأنّ المصحف - كما هو معلوم - له من الكرامة والتعظيم ما لا يليق به أن يدخل به .(3(إلى هذا المكان هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد أبو العبّاس شهاب الدين الأذرعي، فقيه شافعي، مات ((( (.9/(سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة. ينظر: الأعلام (.6/()، وسبل السلام للصنعاني40/( ينظر: مغني المحتاج (2( .(53/4 فتاوى إسلامية (3(

عدد الصفحات ٧٦

278 الصورة الخامسة: توسّده والاتكاء عليه وقد نصّ على ذلك كثير من الأئمّة. قال النووي - رحمه ا .(2( وغيره: لا يجوز توسّد المصحف، ولا غيره من كتب العلم (((حسين وقال الزركشي - رحمه ا . وكذلك قال البهوتي - رحمه (3(وامتهاناً، وكذلك مدُّ الرجلين إلى شيء من القرآن .(4(الله - في شرح منتهى الآداب وقال ابن عبد القوي - رحمه ا .(5(كتب الحديث، وما فيه شيء من القرآن اتفاقاً ومن ذلك: ما يفعله بعض الجهلة والسفهاء في بعض المساجد من جعل المصحف وسادة ينام عليها، وقد سئل شيخنا ابن جبرين - رحمه الله - عن هذا العمل، فأجاب منكراً صيانة المصاحف عن الابتذال، وحفظها عن عبث العابثين، كما يلزم حفظ المساجد عن هؤلاء المفسدين بإغلاقها أو حراستها أو حفظ المصاحف ورفعها في مكان .(6(بعيد عن هؤلاء الجهلة العاصين الصورة السادسة: مدّ الرجلين إليه: إنّ من احترام المصحف وما يحتويه من كلام الله تعالى: ألا تُمَدَّ الأرجل إليه، كما يفعله بعض الناس في المساجد وغيرها، لا سيما في هذه الأزمان، حيث توضع هو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروزي الشافعي، فقيه خراسان في عصره، كان يقال له: ((( (.283/4حبر الأمة، مات سنة اثنتين وستين وأربعمائة. ينظر: الوافي بالوفيات (.88/2 المجموع (2( .(478/( البرهان في علوم القرآن (3( .(78/(( (4( .(297/2 الآداب الشرعية لابن مفلح (5( .(44/4 فتاوى إسلامية (6(

عدد الصفحات ٧٧

279 المصاحف في رفوف صغيرة على الأرض، أو على حاملات المصاحف. ولو أنّ أحداً من الناس مدَّ رجليه إلى شخص أمامه، لغضب، وعدَّ ذلك من سوء الأدب، فكتاب الله أولى بالإجلال والتعظيم والاحترام. وقد كان الناس في الماضي يضعون المصاحف في رفوف عالية لا يطالها إلا الرجال، فكانت بعيدة عن مثل هذا الامتهان، ثمّ تخلّى الناس عن هذه العادة، فياليت القائمين على المساجد يعيدون هذه العادة الحميدة؛ صيانة للمصاحف عن الامتهان. وقد سبق قريباً قول الزركشي - رحمه الله - في تحريم مدِّ الأرجل إلى القرآن أو شيء منه. الصورة السابعة: وضع شيء عليه: فكتاب الله - عزّ وجلّ - يعلو ولا يُعلى عليه، حسّيّاً ومعنوياً، فلا يجوز وضع شيء عليه، لما في ذلك من الامتهان والتنقّص. أمّا وضع المصاحف بعضها فوق بعض، فقد أجازه أهل العلم للحاجة إليه، ولأنّ ذلك لا يعدّ امتهاناً عرفاً، إذ جرى عليه عمل الناس عبر الأزمنة بلا نكير. الصورة الثامنة: وضعه على الأرض: إنّ وضع المصحف على الأرض ربّما يكون دليلاً على الاستخفاف به وبما فيه من آيات الله، ولأنّ ذلك قد يعرّضه للتلوّث بالغبار ونحوه، أو الوطء بالأقدام لا سيما في بعض أماكن الازدحام، ولذا أجازه طائفة من أهل العلم بشروط، ولم يجزه آخرون بشروط. وممّن ذهب إلى عدم الجواز: شيخنا عبد الله بن جبربن - رحمه الله - فإنّه قال: « مستوى الأرض، ولا يُعرّض للامتهان، ولا يُوطأ بالأقدام، ولا يُجلس عليه، ودليل

عدد الصفحات ٧٨

280 ، والرفع يعمّ](4،3[﴾ * ذلك قول الله تعالى: ﴿ الرفع الحقيقيّ بأن توضع المصاحف على مكانٍ مرتفع حساً ككرسيّ أو طاولة أو جدار أو رفّ أو نحو ذلك، والرفع المعنوي وهو تنزيهها عن الامتهان والابتذال وعن التعرض للتراب والغبار والنجاسات. ولذلك يتأكّد على من رأى ورقة من المصحف أو فيها ذكر الله وقد ألقيت في الأرض وتعرّضت للامتهان والوطء بالأقدام؛ أن يرفعها .(((وينزهها عمّا تتعرّض له، فقد ورد في ذلك أجرٌ كبير لمن فعل ذلك. والله أعلم وممّن أجازه من المتقدّمين: العلامة ابن مفلح - رحمه الله - فإنّه قال بعد أن ذكر ، ومن (2(كراهية استدباره المتأخّرين: شيخنا العلامة ابن باز - رحمه الله - لكنّه اشترط أن يكون ذلك للحاجة وأن يكون على أرض طيبة. قال - رحمه ا دعت الحاجة إلى ذلك في الأرض الطيّبة لا بأس، وإذا تيسّر مكان رفيع مثل كرسي أو دولاب أو غير ذلك؛ فهذا أولى وأفضل. فإن لم يتيسر ذلك فبدا له وضعه على الأرض أو على الحصير لأسباب دعت إلى ذلك؛ فلا حرج في ذلك، لكن لا يوضع .(3(إلا على أرض طيبة عند الحاجة ولا شكّ أنّ الأكمل والأفضل ألا يوضع على الأرض مطلقاً تعظيماً لشعائر الله، وتربية للأجيال على ذلك، والله تعالى أعلم. الصورة التاسعة: وضعه في السيّارة: يعمد بعض الناس إلى وضع المصحف في سيّارته على المنضدة الأمامية، أو الخلفية تبرّكاً به ودفعاً للعين - بزعمهم - أو تهاوناً به، ولا يخفى ما في ذلك هذه الفتوى نشرت في موقع الشيخ رحمه الله. ((( (.92/( الفروع (2( نشرت هذه الفتوى في الموقع الرسمي للشيخ رحمه ا (3(

عدد الصفحات ٧٩

281 من الامتهان، حيث إنّ المصحف يتعرّض للشمس الحارقة، فيتغيّر لونه، وربّما تمزّق غلافه من شدّة الحرارة، وبعضهم لا يتورّع عن وضع أشرطة غنائية محرّمة بجانب المصحف، وقد رأيت مثل ذلك بعيني في بعض السيارات، ممّا يدلُّ على الاستخفاف بالمصحف وما فيه من كلام الله، والجهل بحقّه من الاحترام والإجلال. أمّا من وضعه في مكان آمن محترم ليقرأ فيه الركّاب فلا بأس، وقد سئل شيخنا العلامة ابن باز عن هذه المسألة فأجاب ليس له أصل، وليس بمشروع. أمّا وضعه في السيّارة ليقرأ فيه بعض الأحيان، أو ليقرأ .(((فيه بعض الركّاب؛ فهذا طيّب ولا بأس، والله ولي التوفيق وقد سبق بيان حكم اتّخاذ المصحف أو بعض الآيات المكتوبة للتبرّك ودفع .(2(العين بما يغني عن الإعادة الصورة العاشرة: تمكين السفهاء من مسّه: المراد بالسفهاء هنا من لا يعرف قدر القرآن وقدسيته كالصبيان غير المميّزين، والمعتوهين، ومن باب أولى المجانين، قال الإمام النوويّ - رحمه ا المجنون والصبيّ الذي لا يميّز من مسّ المصحف مخافة من انتهاك حرمته، وهذا .(3(المنع واجب على الوليّ وغيره ممّن رآه يتعرّض لحمله أمّا الصبيان المميّزون، فلم أقف على أحد قال بحرمة تمكينهم منه مطلقاً، وإنّما الخلاف في مسّهم له بلا طهارة، فرأى بعضهم الجواز للحاجة كما يقولون، ولأنّنا لو اشترطنا الطهارة أدّى ذلك إلى تنفيرهم عن حفظه، وفي الأمر بالتطهير حرج عليهم، قال صاحب الهداية (.29/4 فتاوى إسلامية ((( )، وما بعدها.267 ينظر (ص (2( .(((0 التبيان في آداب حملة القرآن: (ص (3(

عدد الصفحات ٨٠

282 . وحكى ابن قدامة - رحمه ا( ((حفظ القرآن، وفي الأمر بالتطهير حرجاً بهم في هذه المسألة قولين، قال وجهان، أحدهما: الجواز لأنه موضع حاجة، فلو اشترطنا الطهارة أدّى إلى تنفيرهم .(2(عن حفظه. والثاني: المنع لدخولهم في عموم الآية والذي أراه أن يُشجّعوا على الطهارة ليتربّوا على تعظيم هذا القرآن، لكن لا يشدّد عليهم فيه فينفروا، مع عدم تمكينهم من مس المصاحف العامّة - ولا سيما عند الحفظ -، وإنّما يخصّص لهم أجزاء من المصحف كـ وإن كان ينطبق عليها حكم المصحف الشريف، إلا أن تداولها بأيدي الصبيان أهون من تداول المصحف الكامل عملاً بقاعدة ارتكاب أخفّ الضررين لدفع أعلاهما. والمؤسف أنّ امتهان المصاحف لم يقتصر على الصبيان، بل تعدّى ذلك إلى بعض البالغين من طلاب المدارس والجامعات، حيث إنّ بعضهم يأخذون المصاحف من الأماكن العامّة كالمصلّى أو غيره، فإذا فرغوا منها تركوها في القاعات أو في الممرات ليعلوها الغبار!، وهذا يراه كلّ من له صلة بالتعليم، وتعليم القرآن على وجه الخصوص، والحلُّ يكمن في حفظ المصاحف العامّة عن هؤلاء السفهاء، فلا يمكّنون من الوصول إليها، مع إلزامهم بإحضار مصاحف خاصّة بهم يتحمّلون هم مسؤولية المحافظة عليها وحفظها، وبهذا تختفي هذه الظاهرة المقلقة. هذا ما ظهر لي من صور الامتهان، والله تعالى أعلم. (.3(/( الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ((( (.69/( المغني (2(

عدد الصفحات ٨١