المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة القرآن الكريم من العبث والامتهان

محمد بن عبد العزيز المسند

صفحة ٤ من ٦

251 .](6[﴾- الرجل: ﴿ .](7[﴾- المرأة: ﴿ إلى آخر ما ذكروه.. وهذه القصّة لا تقلّ شناعة عن الأولى من حيث ابتذال القرآن بهذه الطريقة المتكلّفة، ولهذا حذّر علماء الإسلام قديماً وحديثاً من هذا المسلك. - رحمه ا( ((قال المرداويّ ذكره ابن عقيل، وتبعه غيره. وجزم في التلخيص والرعاية: أنّه يكره ولا يحرم. وقال الشيخ تقي الدين: إن قرأ عند الحكم الذي أنزل له أو ما يناسبه فحسن، كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه: (ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك)، وقوله عند ما أهمّه: (إنّما .(2(أشكو بثّي وحزني إلى ا وقال ابن قدامة - رحمه ا لأنّه استعمال له في غير ما هو له، أشبه استعمال المصحف في التوسّد ونحوه. وقد جاء: (لا تناظروا بكتاب الله) قيل: معناه لا تتكلّم به عنه الشيء تراه كأن ترى رجلاً .(3(قد جاء وقته فتقول: (ثمّ جئت على قدر يا موسى) أو نحوه وقد سئل شيخنا العلاّمة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -؛ هل يجوز التكلّم بالقرآن، فمثلاً إذا سلّم بعض الناس أجيب بقوله: (سلام قولاً من ربّ رحيم)، كما فعلت المرأة في القصّة التي حكاها عبد الله بن المبارك؟. هو علي بن سليمان بن أحمد المرداوي الدمشقي، فقيه حنبلي معروف، له العديد من المصنفات منها ((( (.292/4التنقيح وشرح التحبير.. مات سنة خمس وثمانين وثمانمائة. ينظر: الأعلام للزركلي (.383/3 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (2( .((48/3 المغني (3(

عدد الصفحات ٥٠

252 فأجاب الشيخ .(((الكلام، بل الكلام له شأن، والقرآن له شأن. وأقلّ أحواله الكراهة وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه ا القرآن بدلاً من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصّة في جواهر الأدب عن امرأة لا تتكلّم إلا بالقرآن، وتعجّب الناس الذين يخاطبونها، وقالوا: لها أربعون سنة لم تتكلّم إلا بالقرآن، مخافة أن تزلّ فيغضب عليها الرحمن!، نقول: هي زلّت الآن، فالقرآن لا يجعل بدلاً من الكلام لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضيّة وقعت، كما يُذكر عن النبيّ ﷺ أنّه كان يخطب، فيخرج الحسن والحسين يعثران بثياب لهما، فنزل فأخذهما، وقال ، فالاستشهاد بالآيات على الواقع إذا كانت (2(»](5[﴾ .(3(مطابقة تماماً لا بأس به الصورة الثانية: جعله نغمة للهاتف النقّال: يعمد كثير من الناس إلى تغيير نغمة الهاتف النقّال من الرنين المعتاد ليظهر صوت القرآن، وكذا في الانتظار في الهاتف النقّال والثابت، وهم يفعلون ذلك طلباً للخير فيما يظهر، ليَسمعوا ويُسمعوا غيرهم آيات القرآن، ولكن ربّ مريد للخير لم ينله، فإنّهم بفعلهم هذا قد عرّضوا القرآن للامتهان من حيث لم يشعروا، فإنّ الإنسان قد يتلقى اتصالاً في مكان غير لائق كالحمّام، أو في وقت غير مناسب كأوقات الصلوات، فيظهر صوت القرآن في ذلك المكان أو الزمان، فإن تركه كان (.38/4 فتاوى إسلامية جمع وترتيب محمّد المسند ((( ). 4(3)، برقم 08/3)، والنسائي 09)، برقم 358/3 الحديث أخرجه أبو داود (2( .(6(59)، برقم344/3وصحّحه الألبانيّ كما في مشكاة المصابيح (.532،53(/6 الشرح الممتع على زاد المستقنع (3(

عدد الصفحات ٥١

253 ذلك امتهاناً له وتشويشاً على الآخرين، وإن قطعه كان ذلك امتهاناً له أيضاً، وقد بحث المجمع الفقهيّ الإسلاميّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ مسألة تعظيم كتاب الله - عزّ وجلّ -، وكان ممّا ورد في قراره ما يلي الكريم للتنبيه والانتظار في الهواتف الجوّالة وما في حكمها؛ وذلك لما في هذا الاستعمال من تعريض القرآن للابتذال والامتهان بقطع التلاوة وإهمالها، ولأنّه قد .(((تتلى الآيات في مواطن لا تليق بها الصورة الثالثة: جعله مادّة للنكت والطرائف: يعمد بعض الناس - عن حسن قصد - إلى الإساءة إلى النصّ القرآني وامتهانه بإدخاله في بعض النكت والطرائف لإضحاك الناس، ومن ذلك: ما يحكى أنّ رجلاً اشترى لحمة، فعَدَتْ هرّة على اللحمة فأكلتها فقتلها، فلمّا ذهب لصلاة المغرب، ، فصرخ قائلاً]9[﴾ووقف في الصفّ، كان الإمام يقرأ ﴿ أكلت لحمتي ومثل هذه النكت والطرائف كثير، ومتداول بين الناس، بل موجود مثله في بعض كتب الأقدمين، ولا سيّما كتب الأدب والحمقى والمغفّلين، ولعلّ أوّل من ابتدأها من الزنادقة، ثمّ راجت بين العامّة عن حسن نيّة، ثمّ أضافوا إليها غيرها، ومهما حسنت النيّة، فإنّ ذلك لا يسوّغ العبث بالنصوص وامتهانها بهذه الطريقة، وخطورتها تكمن في ارتباط النصّ القرآني في ذهن الراوي أو السامع بألفاظ تلك النكت والطرائف أو بعضها، ممّا يسبّب له تشويشاً عند قراءتها للتعبّد، وربّما سبق لسانه إلى التلفّظ ببعض تلك الألفاظ مع النصّ، ولا يخفى ما في ذلك من الإخلال بقدسية القرآن وجلاله. ينظر: موقع بحوث ودراسات. (((

عدد الصفحات ٥٢

254 الصورة الرابعة: التكسّب وسؤال الناس بتاوته وترتيله هذه الصورة رأيتها بنفسي في الحرمين الشريفين وغيرهما؛ يجلس أحدهم في مكان بارز، ويرتّل القرآن بصوت رخيم منتظراً ما تجود به أيدي الناس، وربّما كان هذا القارئ كفيفاً أو به عاهة، فيجعل القرآن وسيلة للتكسّب وسؤال الناس وجمع المال في أقدس البقاع، وما لهذا أنزل القرآن، ولا لهذا بنيت المساجد، والمسلم مطالب بالعمل والتكسّب بالطرق المشروعة، لا أن يكون عالة على غيره عاطلاً بطالاً من غير عمل. وقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنّه مرّ على قاصٍّ يقرأ ثمّ يسأل، فاسترجع، ثمّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون .(((القرآن يسألون به الناس) قال الحسن البصريّ - رحمه ا . قال ابن الجوزيّ - رحمه الله - معلّقاً على كلام الحسن (2(تلاوته عملاً .(3(أنّهم اقتصروا على التلاوة، وتركوا العمل به ومن ذلك: قراءته في المآتم وأوقات العزاء بأجرة، وهذا من البدع المحدثة، والأجر المكتسب منه حرام، وفيه امتهان للقرآن بحيث يُجعل وسيلة للتكسّب، وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعوديّة هذا السؤال: حافظ القرآن يصلّي بالناس أو يقرأ للميت بأجرة، يستوفيها قبل القراءة، فهل يجوز ذلك؟ ). وصحّح إسناده الألبانيّ في السلسلة 29(7)، برقم 79/5 أخرجه الترمذي في سننه ((( (.257)، برقم5(7/(الصحيحة (.233 تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (2( .((37 تلبيس إبليس (3(

عدد الصفحات ٥٣

255 فأجابت اللجنة تكون خالصة لوجه الله لا يقصد بها سواه، من دنيا يصيبها أو وجاهة يحظى بها، إنّما * يرجى بها الله، ويخشى عذابه، قال الله تعالى: ﴿ ، وقال: ﴿ ]3،2[﴾ ، وفي الحديث عن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - قال: ]5[﴾ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا . فلا (((يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري ومسلم يجوز لقارئ القرآن أن يأخذ على قراءته أجراً يستوفيه قبل القراءة أو بعدها، سواء أكانت هذه القراءة في الصلاة أم على الميّت. ولذا لم يرخّص أحد من العلماء في .(2(الاستئجار على تلاوة القرآن وقال شيخنا العلامة ابن جبرين - رحمه ا القرآن ويهديه إلى روح الميّت، فإنَّ من قرأ بأجرة فقد تعجّل ثوابه، وبطل أجره، فلم يبق به شيء يهديه إلى الميّت. ثمّ إنّ هذا العمل غير مشروع، وهو الاجتماع بعد .(3(الموت للقراءة والإهداء، ولو كان خيراً لفعله السلف الصورة الخامسة: جعله شعاراً في المنافسات الرياضية: يعمد كثير من الناس في المنافسات الرياضية إلى رفع شعارات يشجّعون بها فرقهم، وقد تجرأ بعضهم - بحسن نية كما هو الظاهر - فجعل بعض نصوص القرآن )، ومسلم في ()، برقم: (( أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، (ص ((( (.907)، برقم500كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: (إنّما الأعمال بالنيّة..): (ص (.50/4 فتاوى إسلامية (2( .(44/4 المصدر السابق (3(

عدد الصفحات ٥٤

256 ، وما](26[﴾مادّة لهذه الشعارات، كقوله تعالى: ﴿ شابه ذلك من النصوص، ولا سيّما أنّ بعض ألفاظ النصّ توافق أسماء بعض الأندية الرياضية، فيجعلون ذلك كالرابط بينهما، وقد رأيت مثل هذا بعيني، ولا شكّ أنّ هذا ضرب من ضروب امتهان النصّ القرآني، واستخدامه في غير ما أنزل من أجله، لا سيما في مثل تلك الأماكن الصاخبة التي يكثر فيها اللغو واللغط، فالواجب صَوْنُ نصوص القرآن عن مثل هذا العبث والامتهان. الصورة السادسة: خلط شيء معه: فلا يضاف إليه شيء غيره من كلام البشر، وهو الذي يسمّيه السلف: (التجريد)، وقد روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنّه قال . وذلك أنّ خلط شيء معه يعرّضه للامتهان، وإدخال ما (((تخلطوه به ما ليس فيه ليس منه فيه، وقد جاء في التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبويّة أنّ اللجنة المؤلَّفة لذلك دقيقة وافية، نوقشت فيها سائر الآراء والاتّجاهات، فتوصّلت إلى أنّها تنقسم إلى قسمين: (قسم) يضاف عادة أثناء النصّ القرآني وفي نطاقه، وهو: أسماء السور، وعدد آياتها، والمكّي والمدنيّ، وما يُستثنى من الآيات من ذلك. وبعضهم يزيد: وقت نزول السورة، كلّ ذلك في فواتح السور، ورموز الوقوف، وذلك في النصّ. و(قسم) يضاف في حواشي الصفحات، إمّا في أعلى الصفحة كاسم السورة، ورقم الجزء. أو في جانب الصفحة كرموز الأجزاء والأحزاب والأرباع والأعشار والأخماس، ورموز السجدات، والسكتات. وبعضهم يذكر خلاف الفقهاء في بعض السجدات. (.70/7) بإسناد لا بأس به. ينظر: مجمع الزوائد5(4/2 أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (((

عدد الصفحات ٥٥

257 أمّا القسم الأوّل: فلم نتردّد في حذفه واستبعاده من المصحف ما عدا أسماء السور، لأنّه يُذكر في موضع خطِر وهو محلّ تحذير السلف، وهو نطاق النصّ القرآني، ولأنّ هذه المعلومات محلّ ذكرها كتب التفسير وعلوم القرآن، ولا يحتمل هذا النصّ القطعي المتواتر أن تثبت خلاله ما يحتمل الخطأ والصواب إلى أن قالوا حذفها لشدّة الحاجة إليها، ولأنّه لا خلاف فيها، فأبقينا عليها مع أنّ النفس تميل إلى حذفها جرياً على قاعدة (التجريد « حواشي الصفحات من أعلى أو من جانبها؛ فإنّ المحذور فيها أهون، والخوف منها أقلّ، لبعدها عن مجال النصّ، فأثبتنا أكثرها مع تصرّف في الإخراج الطباعي يجعل التمييز بينها وبين النصّ واضحاً - قدر الإمكان - إلا ما يشار إليه عادة من خلاف الفقهاء في بعض السجدات؛ فلم نتردّد في حذفه لما فيه من التمادي في إثقال صفحات المصحف بما هو أجنبيّ عنه، ولما فيه من جرأة على كتاب الله بحشر خلاف البشر في صفحاته، وإن كان هذا الخلاف معتبراً، لكن مع ذلك لا ينبغي .(((ذكره في المصحف ومن ذلك - ممّا لم يُذكر -: كتابة تفسير بعض كلمات النصّ بين الأسطر، وقد ذكر السيوطيّ عن الجرجاني أنّه قال .(2(بين أسطره ) وما بعدها.35 التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبويّة: (ص ((( (.2249/6 الإتقان في علوم القرآن (2(

عدد الصفحات ٥٦

258 الصورة السابعة: تحميله ما لا يحتمل ومن ذلك: بعض ما يسمّى بالإعجاز العلمي في القرآن. والإعجاز العلمي يراد به .(((معالمها إلا في قرون متأخّرة بعد توافر وسائل الكشف والبحث والناس في هذا النوع من الإعجاز طرفان ووسط، فطرف غالى في إثباته، وتكلّف لذلك النصوص، وحمّلها ما لا تحتمل. وهو المقصود في هذه الصورة. وطرف آخر بالغ في نفيه وإنكاره، مع ثبوت بعضه ثبوتاً لا يقبل النقض والإبطال. وإنّما حملهم على ذلك ردّ الفعل في مقابل الطرف الأوّل، وغالب ردود الأفعال تكون متطرّفة. وإنّ من أسباب المغالاة في الإثبات: خوض غير المتخصصين في علوم الشريعة في هذا النوع من الإعجاز، ممّا أدّى إلى تحميل بعض النصوص ما لا تحتمل، والواجب في مثل هذه القضايا أن يجتمع لها ثلّة من أهل التخصص الشرعي، مع ثلّة من أصحاب التخصصات الأخرى المتعلّقة بنوع الإعجاز، حتى يصدروا عن رأي راجح رشيد، صوناً للنصّ القرآني عن العبث والامتهان. الصورة الثامنة: الزعم بأنّ فيه كلّ شيء: وقد شاع ذلك عن طائفة من أهل التصوّف، مستدلّين بقوله تعالى: ﴿ ﴾، ففسّروا الكتاب بالقرآن، وحملوا قوله: ﴿ ]38[﴾ على العموم المطلق، فزعموا أنّ القرآن مشتمل على جميع أنواع العلوم الدينيّة، والدنيويّة، بل أعجب من ذلك: زعم بعضهم اشتماله على الحوادث الفرديّة!! وقد ذكر الألوسي في تفسيره خبراً غريباً، تبرّأ فيه من عهدته، قال - رحمه ا (.33 الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية المتواترة للخرّاط: (ص (((

عدد الصفحات ٥٧

259 وقع((( سمعت من بعضهم - والعهدة عليه - أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربيّ يوماً عن حماره، فرضّت رجله، فجاءوا ليحملوه، فقال: أمهلوني. فأمهلوه يسيراً، ثمّ أذن لهم فحملوه، فقيل له في ذلك، فقال: راجعت كتاب الله تعالى، فوجدت فيه خبر .(2(هذه الحادثة قد ذكرت في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا ومثل هذا، تمجّه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، لاسيّما مع ما عرف عن هؤلاء المشايخ من الضلال والإلحاد، والعجب أن تضمّن كتب التفسير مثل هذه الخزعبلات التي يأباها الشرع والعقل والمنطق. وقد أنكر الأئمّة المحقّقون القول بأنّ القرآن مشتمل على جميع العلوم، - رحمه الله - فإنّه ذكر (3( الدينية والدنيوية، ومن هؤلاء الأئمّة: الإمام الشاطبيّ « يُذكر للمتقدّمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيّات، والرياضيّات، من الهندسة وغيرها، والمنطق.. إلخ، وهذا لا يصحّ، فإنّ السلف الصالح - من الصحابة والتابعين ومن يليهم - كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه تكلّم في شيء من هذه العلوم، سوى ما ثبت من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، ونحو ذلك، فدلّ ذلك على أنّ القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء ممّا زعموا هو محمّد بن عليّ بن محمّد بن العربي الحاتمي الطائي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، من أئمّة ((( المتكلّمين والمتصوّفة، أنكر عليه أهل الديار المصرية شطحات بل طامّات، فعمل بعضهم على إراقة (.28(/6دمه، وهو قدوة القائلين بوحدة الوجود. ينظر: الأعلام للزركلي ). وقد ذكر هذه القصّة محمّد رشيد رضا في تفسيره (المنار)، وأنكرها أشدّ 44/7 روح المعاني (2( .(395/7الإنكار. ينظر: تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار هو إبراهيم بن موسى بن محمّد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ، من أئمّة المالكية، (3( .(75/(من أشهر مصنّفاته: (الاعتصام) في أصول الفقه مات سنة تسعين وسبعمائة. ينظر: الأعلام

عدد الصفحات ٥٨

260 ثمّ قال ، ونحو ]38[ ﴾﴿ ، وقوله: ]89[﴾ ذلك، وهذه الآيات المراد بها عند المفسّرين: ما يتعلّق بحال التكليف، والتعبّد. : اللوح المحفوظ. ولم ﴾﴿ أو المراد بالكتاب في قوله: .(((يذكروا فيها ما يقتضي تضمّنه لجميع العلوم النقلية والعقلية والأرجح في معنى الكتاب في الآية هو اللوح المحفوظ، وذلك لوجهين: أنّ هذه الآية شبيهة بآية هود: ﴿ أحدها: ، فهي كالتفسير لها. وقد ]6[﴾ اتّفق المفسّرون جميعاً على أنّ المراد بالكتاب المبين في هذه الآية: اللوح المحفوظ. دلالة السياق؛ فإنّه لمّا ذكر الدوابّ والطيور، وأنّها أمم أمثالنا، قال: الثاني: ﴾ ﴾ ثمّ ختم الآية بقوله: ﴿ ﴿ : أحوال المخلوقات، ﴾﴿ ، فدلَّ على أنّ المقصود بقوله: ]38[ من الدوابّ والطير، وأنّها معلومة عنده - سبحانه - ومقدّرة، بما أودع فيها من ، فلا يكون لهم في هذه الآية مستمسك، والله تعالى أعلم.(2(الحكم والآيات الصورة التاسعة: تاوته بالمقامات الموسيقية: انتشر مؤخّراً عن طريق بعض القنوات الفضائية وغيرها الترويج لقراءة القرآن بما يُعرف بالمقامات الموسيقية(!)، ممّا أثار بلبلة في أوساط أهل القرآن من الحفّاظ وغيرهم، ولا يخفى ما في هذا العمل من تشبيه للقرآن بالغناء المحرّم، ممّا يؤدّي إلى امتهانه وابتذاله، وذلك أمر يُنزّه عنه القرآن العظيم، وقد قام المجلس العلمي للهيئة ، هـ43(/2/(3العالمية لتحفيظ القرآن الكريم والمنعقد في مدينة جدة بتاريخ ) (باختصار).8( -79/2 الموافقات في أصول الشريعة ((( (.90/6 ينظر: التحرير والتنوير (2(

عدد الصفحات ٥٩

261 بدراسة هذه المسألة، وأصدر فيها بياناً مطولاً ومفصّلاً ومؤصّلاً بالأدلّة من قام الكتاب والسنّة وأقوال السلف انتهى فيه إلى التحذير من هذه الظاهرة، فقد جاء في آخر البيان طلاب الحلقات القرآنيّة - من الافتتان بأمر المقامات، والسعي لتعلّمها وتطبيقها في تلاوة القرآن، فهذا خروج عن الجادّة، وابتعاد عمّا كان عليه سلف الأمّة من الصحابة .(((والتابعين وتابعيهم إلى عصرنا هذا المطلب الثاني: (صور الامتهان المتعلّقة بكتابته ورسمه): وهي بإجمال: كتابته بغير الرسم العثماني.الصورة الأولى: كتابته في لوحات للتعليق في البيوت والمكاتب والمدارس.الصورة الثانية: كتابته في حروز للتعليق على الرقبة وغيرها كتمائم.الصورة الثالثة: كتابته على جسد المريض للاستشفاء.الصورة الرابعة: كتابته في إناء ليشرب منه المريض.الصورة الخامسة: كتابته على السيارات.الصورة السادسة: كتابته على الملابس الداخلية . الصورة السابعة: كتابته بشكل متقطع. الصورة الثامنة: كتابته على شكل صورة إنسان أو حيوان.الصورة التاسعة: كتابته على الدراهم ونحوها.الصورة العاشرة: كتابته بالذهب.الصورة الحادية عشرة: التفصيل: (.7)، (ص5 مجلّة هدى القرآن، العدد (((

عدد الصفحات ٦٠

262 الصورة الأولى: كتابته بغير الرسم العثماني كتابة النصّ القرآني يمكن تصنيفها في هذا الزمن إلى ثلاثة أضرب: كتابته كاملاً ليكون مصحفاً يقرأ فيه المسلمون. الضرب الأوّل: كتابته في البحوث والرسائل العلمية ونحوها للاستشهاد به. الضرب الثاني: كتابته في سائر المجالات الأخرى كالمقالات الصحفية، الضرب الثالث: والرسائل الشخصية، وفي مجال التعليم وغير ذلك ممّا يتعلّق بعامّة الناس. فالقول الصحيح من أقوال أهل العلم: وجوب التزام الرسم فأمّا الضرب الأوّل، العثماني، وتحريم مخالفته، وهو مذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. فقد سئل مالك - رحمه الله -: هل يُكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ .(((فقال وقال الإمام أحمد - رحمه ا .(2(أو ياء أو ألف أو غير ذلك .(3(وقال الزمخشريّ في تفسيره وقد صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برقم ، تؤكّد التزام الرسم العثماني اقتداءً بعثمان وعليّ هـ399/(0/2(، وتاريخ7( وسائر الصحابة، وعملاً بإجماعهم - رضوان الله عليهم أجمعين -، وأيّد هذه الفتوى: مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمنعقد بمكّة المكرّمة، برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - وعضوية العديد من (.(( أخرجه أبو عمرو الداني في المحكم في نقط المصاحف: (ص ((( (.379/( ينظر: البرهان للزركشي (2( .(82/3 الكشّاف (3(

عدد الصفحات ٦١

263 .(2(، كما أيّدتها دار الإفتاء بجمهورية مصر العربية(((علماء العالم الإسلامي ومن الوجوه التي ذكرها أعضاء هيئة كبار العلماء في تأييد هذا القول: ) أنّ العدول عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حالياً بقصد ( تسهيل القراءة؛ يفضي إلى تغيير آخر إذا تغيّر الاصطلاح في الكتابة؛ لأنّ الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح قابل للتغيير باصطلاح آخر، وقد يؤدّي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف أو زيادتها أو نقصها، فيقع الاختلاف بين المصاحف على مرّ السنين، ويجد أعداء الإسلام مجالاً للطعن في القرآن الكريم، وقد جاء الإسلام بسدّ ذرائع الشرّ ومنع أسباب الفتن. ) ما يُخشى من أنّه إذا لم يلتزم الرسم العثماني في كتابة القرآن أن يصير كتاب الله 2 ألعوبة بأيدي الناس، كلّما عنّت لإنسان فكرة في كتابته اقترح تطبيقها، فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية أو غيرها، وفي هذا ما فيه من الخطر. ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وهو كتابته في البحوث والرسائل العلمية ونحوها وأمّا الضَّرْبُ الثاني، للاستشهاد به، فالذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنّ ذلك مطلوب ومستحبّ، بل هو متأكّد مع القدرة عليه؛ صيانة للنصّ القرآني واحتراماً له، مع سهولة الالتزام بذلك بفضل التقنية الحديثة لمن يملكها. لكن ذلك لا يصل إلى درجة الوجوب لوجهين: أنّ هذه البحوث والرسائل ليس لها حكم المصاحف باتّفاق. أحدهما: أنّ بعض الباحثين قد لا يتيسّر له ذلك لسبب أو لآخر، ولا سيّما في بعض الثاني: البلاد الفقيرة التي لا يملك بعضهم فيها جهاز حاسوب!. (.35،34/4 ينظر: فتاوى إسلامية ((( ). وقد رجّح الشيخ هذا القول، 49(،490 ينظر: دراسات في علوم القرآن للشيخ فهد الرومي: (ص (2( وأيّده بعشر وجوه

عدد الصفحات ٦٢

264 وهو ما يتعلّق بالمجالات الأخرى المختلفة غير ما سبق، أمّا الضرب الثالث، فإلزام الناس بالرسم العثماني فيه مشقّة لا تخفى، ممّا ينفّر من الاستشهاد بالقرآن، فضلاً عن جهل الكثير من الكُتّاب بكيفية كتابة هذا الرسم، فلا أرى الأمر يصل إلى الاستحباب فضلاً عن الوجوب، والله تعالى أعلم. الصورة الثانية: كتابته في لوحات للتعليق في البيوت والمكاتب والمدارس وغيرها: وهو ضربان: أن يكون الدافع لتعليقها اعتقاد دفع العين ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، الضرب الأوّل: إذ هو في حكم الحروز والتمائم كما سيأتي، مع ما في التعليق ذاته من خلاف. أن يكون الدافع للتعليق التذكير والاعتبار، فهذا فيه خلاف عند الضرب الثاني: -، (((علمائنا، فمنهم من أجازه كشيخنا العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله . وقد أجازه (2(ومنهم من منعه، كشيخنا العلامة ابن عثيمين - رحمه ا بضوابط: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته م، عند بحثه 2007/((/7التاسعة عشرة المنعقدة في مكّة المكرّمة بتاريخ لمسألة تعظيم كتاب الله - عزّ وجلّ -، وكان ممّا ورد في قراره: « تكون وسائل إيضاح لتعلّم القرآن وتعليمه، وللقراءة والتذكير والاتعاظ، وفق الضوابط الآتية: ) أن تعامل اللوحات المكتوب فيها القرآن من حيث الصناعة والنقل معاملة ( طباعة المصحف، وهذا يوجب اتخاذ الإجراءات التي تضمن احترام الآيات المكتوبة، وصيانتها عن الامتهان. (.29/4 ينظر: فتاوى إسلامية ((( (.9/23 ينظر: لقاء الباب المفتوح (2(

عدد الصفحات ٦٣

265 ) عدم التهاون بألفاظ القرآن ومعانيه، فلا تصرف عن مدلولها الشرعي، ولا تبتر 2 عن سياقها ) ألا تُصنع بموادّ نجسة أو يحرم استعمالها. 3 ) ألا تدخل في باب العبث، كتقطيع الحروف، وإدخال بعض الكلمات في بعض، 4 وأن لا يبالَغ في زخرفتها بحيث تصعب قراءتها ) ألا تجعل على صورة ذوات الأرواح، كما لو جُعلت اللوحة القرآنية على شكل 5 إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم. ) ألا تُصنع للتعاويذ المبتدعة، وسائر المعتقدات الباطلة، ولا للصناعات المبتذلة، 6 ولا لترويج البضائع وإغراء الناس بالشراء وفي ختام قراره أوصى المجمع الجهات المسؤولة في الدولة الإسلامية بضرورة مراقبة صناعة اللوحات القرآنية بما يكفل عدم حدوث تجاوزات فيها، ومنع استيراد اللوحات القرآنية وما شابهها من الجهات والدول التي لا تحترم ما في .(((اللوحات من آيات كريمة. والله أعلم الصورة الثالثة: كتابته في حروز للتعليق على الرقبة وغيرها كتمائم: ، وهذا (2(وقد اختلف السلف في ذلك، فرخّص فيه بعضهم، ومنعه آخرون هو الصحيح لما يترتّب على تعليقه من الامتهان. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - بعد أن ذكر الخلاف في ذلك (.345)، (ص23 مجلّة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد ((( (.2( ينظر: كتاب التوحيد للشيخ محمّد بن عبد الوهّاب - رحمه الله -: (ص (2(

عدد الصفحات ٦٤

266 بالمنع الذريعة، فإنّه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث: أنّه إذا عُلّق فلا بدّ أن يمتهنه .(((المعلّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك والمتأمّل في هذه الوجوه يجد أنّها في غاية القوّة والوجاهة، والواقع يشهد بذلك كما في البلاد التي يجيز علماؤها تعليق مثل تلك التمائم. وقد سئل شيخنا العلامة ابن باز - رحمه الله - عن مريض يكتب له رجل صالح القرآن ليعالجه من أي مرض؛ فهل يجوز ذلك، وهل يجوز تعليق هذه الآيات في الرقبة؟. فأجاب - رحمه ا تُعلّق عليه، ولا تكتب على جسده، كلّ هذا غير مشروع، إنما المشروع أن يُقرأ عليه، وأن يُنفث عليه، ويُدعى له بالشفاء والعافية، يقرأ بعض الآيات على جزء من جسده، على صدره أو على يده أو على رأسه، ويدعو له فهذا لا بأس به، وهو من الرقية المشروعة، يرقي الراقي المريض ويدعو له ويقرأ عليه القرآن حتى يشفيه الله. (2(فالنبي عليه الصلاة والسلام قد رقى وقال: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً رواه أبو داود. أمّا أن يكتب آيات تعلّق في رقبته، أو في عضده؛ فهذا ليس من الشرع، أو يكتب له أحاديث، أو كلمات أخرى، أو دعوات أو مسامير أو طلاسم - حروف مقطعة-، أو أشباه ذلك؛ فكلُّ هذا لا يجوز، حتى القرآن لا يعلَّق، والنبي رواه (3(ﷺ قال: (من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله له، ومن تعلّق ودعة فلا ودع الله له أحمد، فالحجب والحروز والجوارب التي يعلّقها بعض الناس على المرضى في (.49 فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد: (ص ((( ). 2200)، برقم57( أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك: (ص (2( ولفظه )، وحسّن إسناده الأرناؤوط في تعليقه 7440)، برقم54/4 أخرجه أحمد في المسند (3( على المسند

عدد الصفحات ٦٥