المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة القرآن الكريم من العبث والامتهان

محمد بن عبد العزيز المسند

صفحة ٣ من ٦

235 ، وقد سلك هذا المسلك (((إلى آيات نزلت في الكفّار فجعلوها على المؤمنين) الإماميّة (الرافضة) مع صحابة رسول الله ﷺ فوضعوا لهم قاعدة نسبوها إلى أحد أئمّة آل البيت حيث يقول فينا وفي شيعتنا. وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ، ولا تسوق إلى النار، إلا وهي ، ومن ذلك - على سبيل التمثيل لا الحصر - ما رووه (2(في عدوّنا ومن خالفنا ﴿ - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (3(عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد ، قال]26[ ﴾ والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله - عزّ وجلّ - الذي نزل به جبرائيل على محمّد ﷺ: (ذلك بأنّهم قالوا للذين كرهوا من نزّل الله في عليّ سنطيعكم في بعض الأمر .(4(»]80،79[ ﴾ * ﴿ وقد سلك هذا المسلك أيضاً بعض متطرفي الحداثة التي تمثّل الوجه الآخر والمقابل للفكر الغالي المتطرّف، ففي مقال لأحدهم بعنوان: (التفكير ، عرّض فيه بالسلفية التي يسمّيها (التقليدية)، يقول (5(وإشكالية الوصاية ما نراه في الخطاب التقليدي - السائد ثقافياً على المستوى الشعبوي(!) خاصّة ذكره البخاري في كتاب استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجّة عليهم.. ((( ). ووصله الطبري في تهذيب الآثار بسند صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: 454(ص (.286/(2( ). وعدوّهم كما هو ظاهر من رواياتهم 6)، الرواية برقم 955/3 الكافي، كتاب الروضة (2( الخلفاء الثلاثة الأُوَل ومن اعتقد خلافتهم وترضَّى عنهم هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو عبد الله المدني (3( .(75،74/5الصادق الإمام المعروف، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال للمزي (.43) الرواية برقم3(8،3(7/( الكافي، كتاب الحجّة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية (4( .هـ(425/2/(()، بتاريخ3065 صحيفة الرياض: العدد (5(

عدد الصفحات ٣٤

236 - من محاولة التقليدية البلهاء - المتلبّسة بصيانة الأعراف والتقاليد و.. إلخ فرض الوصاية على أعين الناس، وعلى آذانهم، وألسنتهم وأقلامهم ليس بدعاً في سلوك المنظومة التقليدية أياً كانت طبيعتها، فهي - دائماً - تسعى لتعطيل هذه الحواس التي هي نوافذ العقل، ومنها يستمد العقل مادته وتجتهد لتقنيتها في أتباعها بفرض الوصاية عليها ليصبح الناس - إذا تعطلت لديهم فاعلية هذه الحواس ومن ثم تعطل العقل - كالأنعام بل هم أضل وهذه الحال شعر الأيديولوجي التقليدي أو لم يشعر منتهى الأماني لديه الناس من الأفكار المضللة، وحمايتهم منها، ضرب من ضروب الوصاية، ويرى أن ترك الناس بلا تحصين كافٍ ليعتنقوا مثل أفكاره المنحرفة التي يدعو إليها، ويدافع عنها، لذا فهو يرى أنّ؛ الرعاية الفكرية/الأمن الفكري/التحصين ضد الأفكار الهدامة/مروجي مفردات تستخدمها (((الشبهات/التغريب/البرامج الهابطة/العهر الفضائي الثقافة التقليدية (السلفية) في وقوفها ضد الفكر الحديث (يعني فكره الحداثة) وصدق والله، فهو تحصين ضد الأفكار الهدّامة ومروّجي الشبهات من أمثاله، وهذا هو سرّ عدائهم للسلفية. والشاهد هنا من مقاله تنزيل الآية التي وردت في الكفار وهي قوله تعالى: ﴿ ، وقد ](79[﴾ أنزلها في الناس السلفيين الذين يفرض عليهم السلفي (التقليدي) - كما يزعم هذا الكاتب - وصايته. المصدر السابق. (((

عدد الصفحات ٣٥

237 ، سخر فيه من بعض (((وفي مقال له بعنوان: (من صور التطرف والاعتدال) ناصحيه من أهل العلم، وأثنى فيه على بعض رموز التغريب؛ لم يكتف بآية واحدة، ﴾ بل ثنّى بآيتين، إحداهما قوله تعالى: ﴿ ، اقتصر على آخرها، وقد أنزلها فيمن يراهم ضحايا للمدرسة السلفية، ](5[ وأطلق عليهم (الأبرياء المذنبون) إذ يجري - بزعمه - توظيفهم من حيث يشعرون(!)، يقول المنظومة التي يجري الترويج لها فعلها بقوة الدفع الذاتي فيها، دون أن يشعر بنوها أنهم في طغيانهم يعمهون ثم يختم مقاله باتهام الناصح له بأنّه تكفيريّ، وأنزل عليه آية نزلت في المنافقين، يقول »] 57[ ﴾ بالآيات التي نزلت في الكفّار، وتارة بالآيات التي نزلت في المنافقين، ثم يرميهم بتهم التكفير والإرهاب(!!!!)، فأي إرهاب فكري أعظم من هذا الإرهاب؟!، مع امتهان النصوص القرآنية بإنزالها على غير من نزلت فيه. ، يذكر فيه (2( وفي مقال له بعنوان: (الاتصال والانفصال بين الديني والمدني إشكالية العلاقة بين الديني والمدني عنده هو، وعلى عادته في التعريض بخصومه من أهل العلم، وتنزيل الآيات التي في الكفّار عليهم، يقول من خلال الوعي بدرجة تعقيده، لا بتبسيطه أو تجاهله في سبيل الأدلجة الماكرة بأصحابها قبل أن تمكر بغيرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال سورة إبراهيم نزلت في المشركين، فجعلها في خصومه المؤمنين!!!. .هـ425/9/2()، بتاريخ3282 صحيفة الرياض: العدد ((( .هـ425/((/4)، بتاريخ3324 صحيفة الرياض: العدد (2(

عدد الصفحات ٣٦

238 والعجيب أنّ كاتباً آخر من كتّابهم كتب مقالاً في الصحيفة نفسها بعنوان: (الشيخ ، اتهم فيه الشيخ العلامة المفسّر عبد الرحمن بن ناصر (((السعدي وميتافيزقيا اللغة) السعديّ - رحمه الله - بإنزال الآيات الواردة في أذى المشركين والكفّار للمؤمنين الصالحين، على قومه الذين ثاروا عليه وآذوه، وعدّ الكاتب ذلك معضلة، وأنّ الشيخ - رحمه الله - أخطأ طريق الإصلاح(!).. أمّا عنوان كتاب الشيخ السعديّ الذي انتقده هذا الكاتب النكرة فهو: (الإيضاحات السلفية لبعض المنكرات والخرافات الوثنية المنتشرة في قضاء الظفير)، ويلاحظ من خلال هذا العنوان أنّ القوم الذين أنزل الشيخ السعدي عليهم الآيات ذوو خرافات وثنية، أي أنّهم أهل شرك وخرافة، ولو أنّ هذا الكاتب بدلاً من التنقيب في كتب الأئمّة الأعلام، واتّهامهم بما هم منه براء؛ نظر إلى كتابات زميله في الصحيفة الذي نقلتُ بعض مقالاته آنفاً، وهو يقوم بتنزيل الآيات التي نزلت في الكفّار والمنافقين في هذا الزمن على المختلفين معه من أصحاب العقيدة السلفية؛ لو أنّه نظر إلى هذه الكتابات، لوجد فيها ضالّته التي أراد إنكارها، إن كان هذا هو مراده حقّاً، لكنّه عَمِيَ عن الجذع في عينه وعين زميله، وأبصر الذرّة في عين غيره، بل أبصر الوهم، فيا لله العجب كيف يفكّر هؤلاء، وكيف يحكمون!!. والأعجب من ذلك أنّ الكاتب الأوّل نفسه الذي تولّى كِبْرَ هذه الخطيئة كتب ، اتّهم فيه بعض علمائنا (2(مقالاً بعنوان (الوحدة الاستراتيجية في التحالف الإرهابي الأجلاء بأنّهم ينزلون الآيات التي نزلت في المنافقين على أناس يعترفون بأنّهم أبناء مجتمعنا(!!) ثمّ يقول الذي ما فتئ في مقالات كثيرة ينزل الآيات التي نزلت في المشركين واليهود والمنافقين ، فالحمد لله الذي جعله يحكم (3(على هؤلاء العلماء الأجلاء وغيرهم من عامّة السلفيين .هـ425/2/4)، بتاريخ3058 صحيفة الرياض، العدد ((( . هـ427/5/5)، بتاريخ3856 صحيفة الرياض، العدد (2( حقيقة الأمر أنّ أحد طلبة العلم قام بنقد هذا الكاتب والتنبيه على خطيئته هذه، وأرسل إليه نسخة من (3(

عدد الصفحات ٣٧

239 على نفسه بأنّه تكفيريّ جلد، بل خارجيّ كما ذكر في مقال له بعنوان (بيانات التطرّف ، بأنّ هذه الصفة من صفات الخوارج المارقين، ولا شكّ بأنّ هذه الفئة (((وبيان الاعتدال) الليبرالية الاعتزالية الضالّة، خارجة مارقة عن جماعة المسلمين في هذا البلد السلفي الأمين، وهي الوجه الآخر للخوارج المارقين من الدين. الصورة الخامسة: الاستشهاد الخاطئ بالنصّ، أو ذكره بالمعنى استخفافاً، مع وقد يُلتمس العذر لمن يرتجل سهولة الوصول إليه، لا سيما مع التطوّر التقني والفنّي، كلمة في محفل أو محاضرة أو درس، لكن ما عذر غير المرتجل كالكُتّاب وأمثالهم ممّن لديهم الفرصة للوصول إلى النصّ كاملاً بلا زيادة ولا نقصان ولا تحريف، ولو بسؤال بعض الحفّاظ؟!.. فلا تفسير لذلك إلا التساهل والاستخفاف بالنصّ، ممّا يعرّضه للامتهان والتحريف. وقد نصّ العلماء على تحريم روايته بالمعنى مثل أن يقول القائل: قال الله .. ثمّ يذكر الآية بالمعنى، أو يسوقها أثناء حديثه مستشهداً ولو لم يقل قال الله، وهذه المسألة يذكرها العلماء في التفريق بين القرآن والحديث القدسي، فيقولون: إنّ الحديث القدسي تجوز روايته بالمعنى أمّا القرآن فلا تجوز. قال الزرقاني - رحمه ا من الله اتفاقاً، وأنّ الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور، والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول، بيد أنّ القرآن له خصائصه من الإعجاز، والتعبّد به، ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك، وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص. والحكمة في هذا التفريق: أنّ النقد، فلمّا رآها قلب الأمر على خصومه من العلماء والدعاة، لكنّه لم يزدد إلا فضيحة، فقد حكم على نفسه كما أشرت دون أن يشعر. .هـ427/5/(2)، بتاريخ2863 صحيفة الرياض، العدد (((

عدد الصفحات ٣٨

240 الإعجاز منوط بألفاظ القرآن، فلو أبيح أداؤه بالمعنى لذهب إعجازه، وكان مظنّة للتغيير والتبديل واختلاف الناس في أصل التشريع والتنزيل، أمّا الحديث القدسي والحديث النبوي فليست ألفاظهما مناط إعجاز، ولهذا أباح الله روايتهما بالمعنى ولم يمنحهما تلك الخصائص والقداسة الممتازة التي منحها القرآن الكريم تخفيفاً على الأمّة، ورعاية .(((لمصالح الخلق في الحالين من منح ومنع، إن الله بالناس لرءوف رحيم وفيما يلي أمثلة من الواقع: - وقد (2(تقول إحدى الكاتبات في مقال لها بعنوان (جرّب أن تكون الآخر خلطت بعض النصوص ببعضها الآخر مصطلح جاء في القرآن من دون النظر لأي مناسبة جاءت، وتجاهل آيات السلم والسلام والمحبّة، ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة، ولا ينهاكم الله أن تبروا الذين لم يقاتلوكم ، وقوله تعالى: ]((8[﴾﴿ ﴿ . فذكرتهما بالمعنى بهذا الأسلوب الغريب الذي ]8[﴾ ينمّ عن الاستخفاف والتعالي. وكاتب آخر كتب يتحدّث عن اليهود، وعدم قدرتهم على المواجهة العسكرية ، وهو مقال جيّد في الجملة، لكنّه وقع في (3(في مقال له بعنوان: (ههنا قاعدون خطأين فادحين، أحدهما: تحريف النصّ القرآني!. والثاني: الخطأ في الاستشهاد به، مع وضوح المعنى من السياق. (.38/( مناهل العرفان ((( م.2005/7/5)، بتاريخ97(6 صحيفة الشرق الأوسط، العدد (2( .هـ(4(9/7/(()، بتاريخ086 صحيفة الرياض، العدد (3(

عدد الصفحات ٣٩

241 يقول يبيّن لنا ما لونها) وكأنّهم غير قادرين على دعاء الله بأنفسهم. (إنّا نريد أن نأكل منها) و(نعلم أن قد صدقنا وعده فأمّا تحريفه للنصّ القرآني، فهو قد ذكر الآية الأولى وأسقط منها كلمة، وتمامها: . ثمّ زاد في الجزء الأوّل من الآية الثانية ]69[﴾﴿ ما ليس منها، وفصل بينها وبين الجزء الثالث منها، مع تحريفه، وإهمال الجزء الثاني من النصّ. وتمام النصّ وصوابه بلا زيادة ولا تحريف: ﴿ . فقارن بين ]((3[﴾ النصّ الصحيح، وما ذكره هذا الكاتب. وأمّا الخطأ الواضح في الاستشهاد، فهو قد خلط بين قوم موسى وقوم عيسى عليهما السلام، مع أنّ حديثه عن قوم موسى، فالنصّ الثاني يتحدّث عن قوم عيسى وطلبهم من نبيّهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء، ولا علاقة لها بقصّة موسى، والقصّة واضحة لا تستدعي هذا الخلط من كاتب مسلم مثقّف. وكاتبة أخرى قالت ، وصواب ](29[﴾. فالنصّ الأوّل صوابه: ﴿ (((فواحدة ، واستدلالها ]3[﴾النصّ الثاني: ﴿ بهذين النصّين في مقام واحد فيه تناقض لا يخفى، فإنّ مفهوم العدل في الآيتين مختلف .. وكان في وسع الكاتبة أن ترجع إلى (2(كما قرّر ذلك أهل التحقيق من المفسّرين المصحف وإلى أقوال المفسّرين، ولكن.. .هـ4((/4/(9)، بتاريخ8(70 صحيفة الرياض، العدد ((( (.887/( ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (2(

عدد الصفحات ٤٠

242 والمقصود أنّ النصّ القرآني ليس كغيره من النصوص، فلا تجوز روايته بالمعنى لجلاله وقدسيته كما سبق. وكثير من هؤلاء بعض فلاسفة الغرب ومفكّريهم، ويستشهدون بها نصاً دون أن يخرموا منها شيئاً، فإذا أرادوا الاستشهاد بالنصّ القرآني - مع قلّة استشهادهم به، وأحياناً عدم اعترافهم به إلا فيما يخدم توجّهاتهم - أعياهم ذلك، فيلجؤون إلى مثل هذه الطرق في الاستشهاد دون مراعاة لجلال النصّ القرآني وقدسيته، أو إدراك لخطورة ما يقومون به. الصورة السادسة: التشكيك في النصّ القرآني، بادّعاء نقصه أو بتحريفه لفظاً أو وهذا إنّما صدر من طائفتين تنتسبان إلى الإسلام، الأولى سبق الحديث عنها معنى، مفصّلاً، وهي التي تدّعي الحداثة و عشرية، لا سيما الغلاة منهم، وفيما يلي بعض الأحاديث والآثار والأخبار التي ينسبونها إلى أئمّة أهل البيت - رضي الله عنهم - ممّا فيه زيادة أو نقص أو تحريف أو تشكيك، :(((وسأقتصر على ما جاء في كتاب الكافي للكليني الذي هو أصحّ الكتب عندهم فقد أخرج الكليني عن حمّاد بن عثمان قال: تلوت عند أبي عبد الله فأمّا التشكيك، ، فقال]95[﴾(ع): ﴿ .(2(فيه الكُتّاب وهذه القراءة من القراءات الشاذّة، بل إنّ معنى الآية يختلّ بها، إذ إنّ العدد هنا مراد، ولذا لم يذكرها عامّة مفسّري أهل السنّة. والمنكر في هذه الرواية ادّعاء خطأ الكُتّاب على القراءة الصحيحة!!. لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هناك طائفة من الإمامية لا يعتقدون صحّة كلّ ما جاء في كتاب الكافي ((( وغيره من كتبهم، وطائفة أخرى يعتقدون صحّة كلّ ما جاء فيها، وهم المقصودون هنا. (ينظر: العقل عند الشيعة الإمامية لرشدي محمد عرسان، وينظر: الفروق بين الشيعة الأصولية والشيعة الإخبارية، موقع شبكة الدفاع عن السنّة). (.247)، الرواية برقم206(/3 الكافي، كتاب الروضة (2(

عدد الصفحات ٤١

243 فقد أخرج الكليني، عن ابن فضال، عن الرضا (ع): (فأنزل ا وأمّا الزيادة، سكينته على رسوله وأيّده بجنود لم تروها) قلت: هكذا؟ قال .(((وهكذا تنزيلها والقراءة المعروفة في هذا الموضع والتي في مصاحف المسلمين: ﴿ . ولم يقرأ أحد من المسلمين بهذه القراءة التي ]40[﴾ ذكروها، بل هي مخالفة لرسم المصحف. وعامّة المفسّرين من أهل السنّة ذكروا في مرجع الضمير في قوله (عليه) قولين، أحدهما: أنّه عائد إلى النبيّ ﷺ، وهو قول جمهور المفسّرين، وجمع من المحققين. والثاني: أنّه عائد إلى أبي بكر ، (2(الصدّيق - رضي الله عنه -، وهو مروي عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما .(3(واختاره جماعة من المفسّرين وكثير من الشيعة الإمامية يشكّكون في صحبة أبي بكر - رضي الله عنه - للنبيّ ﷺ في الهجرة وفي الغار، وأعجب من ذلك أنّ بعضهم - ممن أثبتها - يرى أنّ استصحاب النبيّ له في الهجرة، حذراً منه لئلا يُظهر أمره!!! وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بقوله عقلاً لا يخفى عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر الذي يعاديه فيه الملأ الذين هم بين أظهرهم ويطلبون قتله. وأولياؤه هناك لا يستطيعون نصره، فكيف يصحب واحداً ممن يظهر له موالاته دون غيره! وقد أظهر له مع هذا حزنه، وهو مع ذلك عدوّ له في الباطن! والمصحوب يعتقد أنّه وليّه! وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم، فقبّح الله من نسب رسوله الذي هو أكمل الخلق عقلاً وعلماً (.57()، الرواية برقم2(62/3 المصدر السابق ((( )، والرواية معلولة الإسناد، في سندها راو متّهم بالكذب.263/7 ينظر: تفسير ابن أبي حاتم (2( )،46)، وأنوار التنزيل للبيضاوي: (ص464 ينظر: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: (ص (3( .(2(0/3)، ومعاني القرآن الكريم للنحّاس 95(/2وأحكام القرآن لابن العربي

عدد الصفحات ٤٢

244 وخبرة إلى مثل هذه الجهالة والغباوة. ولقد بلغني عن ملك المغول (خدا بنده الذي صنّف له هذا الرافضي كتابه هذا في الإمامة، أنّ الرافضة لما صارت تقول له مثل هذا الكلام: إنّ أبا بكر كان يبغض النبي ﷺ، وكان عدوّه، ويقولون مع هذا إنّه صحبه في سفر الهجرة الذي هو أعظم الأسفار خوفاً؛ قال كلمة تلزم عن قولهم الخبيث وقد برأ الله رسوله منها... فقال: (كان قليل العقل)، ولا ريب أنّ من فعل ما قالته الرافضة فهو قليل العقل، وقد برأ الله رسوله وصدّيقه من كذبهم، .(((وتبين أنّ قولهم يستلزم القدح في الرسول قلت: ولعلّ هذا ما حملهم على وضع هذه القراءة المخالفة لمصاحف المسلمين، لاحتمال عود الضمير في (عليه) إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، فتثبت له الفضيلة، ولا سيما أنّ هذا القول مرويّ عن عليّ وابن عباس - رضي الله عنهما -، وهما من أئمّة أهل البيت، والله تعالى أعلم. وأخرج الكليني أيضاً عن محمّد بن مروان قال: تلا أبو عبد الله (ع): (وتمّت كلمة ﴿ربّك (الحسنى) صدقاً وعدلاً) فقلت: جُعلتُ فداك، إنّما نقرؤها: . وهذه زيادة لا (2( فقال ]((5[؟﴾ توجد في مصاحف المسلمين. وأخرج الكليني أيضاً عن أبي بصير في قصّة طويلة أنّ رسول الله - صلّى الله عليه سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين (بولاية عليّ) ليس له دافع. من {وسلّم - قرأ . قال: قلت: جُعلت فداك إنّا لا نقرؤها هكذا. فقال }الله ذي المعارج .(3(نزل بها جبرئيل على محمّد، وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة ع )، باختصار يسير.256،255/4 منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ((( (.249)، الرواية برقم206(/3 الكافي، كتاب الروضة (2( .((8)، الرواية برقم969/3 المصدر السابق (3(

عدد الصفحات ٤٣

245 فقد أخرج الكليني، عن فيض بن المختار قال: أبا عبد الله، وأمّا التحريف في المعنى، ؟ قال]((8[﴾كيف تقرأ: ﴿ في حال طاعة، ولكنّهم خالفوا: عثمان وصاحباه. أما والله ما سمعوا صوت حافر، .(((ولا قعقعة حجر، إلا قالوا: أوتينا. فسلّط الله عليهم الخوف حتى أصبحوا وهذا التفسير الذي نسبوه زوراً إلى أبي عبد الله - رضي الله عنه - هو في غاية الغرابة، من جهة الغموض في قوله (وصاحباه)، ومن جهة إقحام عثمان - رضي الله عنه - في هذه الآية، وهي باتّفاق أهل السنّة إنّما نزلت في الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم - وكلّهم من الأنصار. وقد صرّح الإماميّ أبو بكر وعمر، فقال ما نصّه قد وقع منهم أيضاً تخلّف عند خروج النبيّ - صلّى الله عليه وآله - إلى تبوك، فسلّط الله عليهم الخوف في تلك الليلة حتى إذا ضاقت عليهم الأرض برحبها وسعتها، وضاقت عليهم أنفسهم لكثرة خوفهم وحزنهم، حتى أصبحوا ولحقوا . وما ذكره هذا المعلّق من جملة (2(بالنبي - صلّى الله عليه وآله -، واعتذروا إليه مفتريات الشيعة الإمامية على سادات الصحابة وعلى الأئمّة. وأمّا القراءة المذكورة (خالفوا) فقد ذكرها بعض مفسّري أهل السنّة، وهي . لكنّهم لم يقولوا إنّ المراد بها عثمان وصاحباه. (3(مروية عن بعض السلف (.568)، الرواية برقم2(6(/3 المصدر السابق ((( (.377/( الروضة من الكافي، تصحيح علي أكبر الغفاري (2( قرأ بها: عليّ بن الحسين، ومحمّد الباقر، وجعفر الصادق كما في هذه الرواية، وأبو رزين، (3( )، وزاد المسير 4(/((وأبو مجلز، والشعبيّ، وابن يعمر، ينظر: روح المعاني للألوسي (.6(0لابن الجوزي: (ص

عدد الصفحات ٤٤

246 والقراءة المشهورة عند أهل السنّة كما في المصحف (خُلّفوا) أي خلّفوا عن التوبة كما فسّر ذلك أحد الثلاثة الذين خُلّفوا وهو كعب بن مالك، ففي حديثه الطويل في الصحيحين قال في آخره أمرنا الذي ذكر مما خلفنا؛ بتخليفنا عن الغزو، وإنّما هو عمّن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه تعارض بين القراءتين. لكنّ المنكر في هذه الرواية - رواية الكافي - إقحام عثمان رضي الله عنه، وصاحبيه أبي بكر وعمر، ووصفهم بالجبن والخوف، وهذا من تحريف المعنى!! هذه بعض الروايات التي وردت في كتابهم الكافي عن المعصومين عندهم، ، وهذا على سبيل التفصيل، أمّا على (((وفي الكتاب أضعاف مثل هذه الروايات سبيل الإجمال، فهم يرون أنّ هذا القرآن الذي بين أيدينا لا يمثّل سوى ثلث القرآن الذي أنزله الله - بزعمهم -، فقد أخرج الكليني عن أبي عبد الله (ع) قال . والذي بين أيدينا (2(الذي جاء به جبريل (ع) إلى محمّد ﷺ سبعة عشر ألف آية اليوم لا يتجاوز الستة آلاف ومائتي آية إلا قليلاً!. ومع ذلك لم يسلم هذا الثلث من طعنهم وتشكيكهم. فإن قيل: فأين ذهب الباقي؟ فالجواب عندهم أنّ عليّاً - رضي الله عنه - قد أخفاه!!، فقد أخرج الكليني عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله (ع ينظر في نقد متون هذا الكتاب وبيان تناقضاته: هذا هو الكافي لطه الدليمي، وفي نقد أسانيده ((( ومتونه: كسر الصنم لآية الله أبي الفضل البرقعي. (.29)، برقم826/( الكافي (2(

عدد الصفحات ٤٥

247 قرأ كتاب الله - عزّ وجلّ - على حدّه وقال: أخرجه علي (ع) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم الله - عزّ وجلّ - أنزله الله على محمد ﷺ، وقد جمعته من اللوحين ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه. فقال . لهذا السبب - (((يومكم هذا أبداً، إنّما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه المزعوم - أخفى عليّ - رضي الله عنه - حسب زعمهم القرآن الحقيقيّ، وكتمه عن الناس حتى يقوم قائمهم المنتظر القابع في سرداب سامراء. ولكن هل يجوز لعليّ - رضي الله عنه - أن يفعل ذلك مع ما جاء من الوعيد الشديد فيمن كتم ما أنزل الله؟ هذا ما افتروه عليه، وهم يظنّون أنّهم أحسنوا إليه. بل هذا ما افتروه على الله - عزّ وجلّ -، فإنّ الله إنّما أنزل الكتاب ليهتدي به الناس إلى قيام الساعة، في جميع العصور، لا ليُخفى عنهم، فلا يطّلع عليه إلا جيل أو جيلان، فأيّ افتراء على الله أعظم من هذا الافتراء؟!. هذا ما تيسّر لي جَمْعُه من صور الامتهان المتعمّد أو شبه المتعمّد، وأودّ أن أشير إلى أمر مهمّ، وهو أنَّ مَنْ تَصْدُر منه مثلُ هذه الصور ليس بالضرورة أن يكون كافراً، فإنّه قد يكون جاهلاً أو متأوّلاً فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه حجّة الله. (.24)، برقم825/( المصدر السابق (((

عدد الصفحات ٤٦

248 المبحث الثاني (صور الامتهان غير المتعمَّد) إنّ تعظيم النصّ القرآني وإجلاله واحترامه - وما يتبع ذلك من احترام الوعاء الذي كُتب فيه هذا النصّ -، وصيانته والعناية به، أمر واجب على كلّ مسلم. قال . وقال النووي - رحمه (((إبراهيم النخعي - رحمه ا ا . وقال في موضع آخر(2(وصيانته . (3(واحترامه - رحمه ا(4(وقال القاضي عياض . ومراده تعمّد ذلك. (5(أو بشيء منه... فهو كافر بإجماع المسلمين بل إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يرى أنّ حرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، وعلّل ذلك بأنّ المسجد يدخله المحدث، ويدخله الكافر، بخلاف .(6(المصحف فلا يحلّ للكافر ولا المحدث أن يمسّه (.8553 أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه برقم ((( (.98 التبيان في آداب حملة القرآن: (ص (2( .(((2 المصدر السابق: (ص (3( هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو القاضي العلامة المعروف عالم المغرب، أبو الفضل (4( اليحصبي السبتي، اشتهر اسمه وذاع صيته، وله العديد من المصنفات المشهورة، مات سنة أربع (.304/4وأربعين وخمسمائة. ينظر: تذكرة الحفّاظ للذهبي (.297/2 الآداب الشرعية (5( .(288/2( ينظر: مجموع الفتاوى (6(

عدد الصفحات ٤٧

249 وعلى الرغم من تعظيم عامّة المسلمين لهذا القرآن العظيم وتكريمه؛ إلا أنّ هذا التعظيم والتكريم قد يفضي أحياناً إلى شيء من الامتهان والابتذال، من غير قصد، ولذلك صور عدّة خصّصت لها هذا المبحث، منها ما هو متعلّق بالنصّ ذاته، ومنها ما هو متعلّق بكتابته ورسمه، ومنها ما هو متعلّق بالوعاء الذي يكتب فيه. المطلب الأوّل: (صور الامتهان المتعلّقة بالنصّ ذاته): وهي بإجمال: التكلّم به.الصورة الأولى: جعله نغمة للجوّال. الصورة الثانية: جعله مادّة للنكت والطرائف.الصورة الثالثة: التكسّب وسؤال الناس بتلاوته وترتيله. الصورة الرابعة: جعله شعاراً في المنافسات الرياضية.الصورة الخامسة: خلط شيء معه.الصورة السادسة: تحميله ما لا يحتمل.الصورة السابعة: الزعم بأنّ فيه كلّ شيء. الصورة الثامنة: تلاوته بالمقامات الموسيقية.الصورة التاسعة: التفصيل: الصورة الأولى: التكلّم به: وصورتها أن تكلّم شخصاً فلا يردّ عليك إلا بنصّ قرآني يناسب ما تكلّمت به، أو يشاكله. وقد اشتهر في كتب اللغة والأدب قصّة المرأة التي لا تتكلّم إلا بالقرآن، فقد رُوي عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى - أنّه خرج حاجاً إلى بيت الله الحرام، قال

عدد الصفحات ٤٨

250 هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف، فقلت: السلام عليك ورحمة . قال: فقلت لها: يرحمك ]58[﴾الله وبركاته. فقالت: ﴿ . ](86[﴾الله، ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: ﴿ فعلمت أنها ضالّة عن الطريق، فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: ﴿ . فعلمت أنّها قد قضت ]([﴾ حجّها وهي تريد بيت المقدس .. (((منذ أربعين سنة لم تتكلّم إلا بالقرآن مخافة أن تزلّ فيسخط عليها الرحمن!! وواضح أنّ هذه القصّة مختلقة على عبد الله بن المبارك - رحمه الله -، فهو أجلّ من أن يروي مثل هذا، ومّما يدلّ على اختلاقها أنّهم ذكروا في أول القصّة أنّ ابن المبارك خرج حاجّاً، فَلقِيَ هذه المرأة في الطريق، ثم ذكروا أنّه قال: فعلمت أنّها قد قضت حجّها ..! فكيف تكون قد قضت حجّها وابن المبارك قد خرج حاجّا؟!. هذا (2(من جهة المتن، أمّا من جهة السند، فإسنادها واه جدّاً ففيه رجل متّهم بالوضع والمقصود أنّ جعل النصّ القرآني مادّة للحديث مع الناس لا يخفى ما فيه من التكلّف وامتهان القرآن بحمل آياته على غير ما أنزلت من أجله، وتعريضه للتحريف والزيادة والنقص، فما كلّ أحد يحسن استحضار الآيات بنصّها. وأقبح من قصّة هذه المرأة المختلقة: ما انتشر في بعض المنتديات من حوار دار بين رجل وامرأة بنصوص القرآن الكريم، فقد ذكروا أنّ امرأة فائقة الجمال مرّت برجل معدم، فنظر إليها معجباً(!)، ثمّ دار بينهما الحوار التالي: ). وذكرها الأبشيهي في كتابه المستطرف 49 أخرج هذه القصّة ابن حبّان في كتابه روضة العقلاء: (ص ((( ) بدون إسناد. وذكرها غيره من أهل الأدب.38/(في كلّ فنّ مستظرف )، وقال 68/5 هو محمّد بن زكريا الغلابي قال عنه الحافظ ابن حجر؛ ضعيف (لسان الميزان (2( .(229الدارقطني: يضع الحديث (الكشف الحثيث عمّن رمي بوضع الحديث للحلبي: ص

عدد الصفحات ٤٩