المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة القرآن الكريم من العبث والامتهان

محمد بن عبد العزيز المسند

صفحة ٢ من ٦

219 ثمّ ذكر وجهاً آخر، وهو ولا يكاد يوجد فيهم مؤمن برّ، بل وُجد حاذقهم منسلخاً من دين الإسلام، مضيّعاً للصلوات، متّبعاً للشهوات، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرّم ما حرّم الله ورسوله، ولا يدين دين المسلمين. وإن كان مسلماً كان فاسقاً، مرتكباً للمحرّمات، .(((»…تاركاً للواجبات، وإن كان الغالب عليهم إمّا النفاق، وإمّا الفسق وصدق رحمه الله تعالى، فتأمّل ذلك في حال حاذق هؤلاء وإمامهم، فقد كان نصيرياً فتنصّر. بقي أن أشير إلى شبهة يتمسّك بها هؤلاء المفتونون، وهي أنّ ما يقومون به لا يعدو أن يكون ضرباً من الاقتباس والتضمين، وذلك معروف في اللغة وأشعار العرب. والجواب عن ذلك أنّ ما يفعلونه ليس من الاقتباس والتضمين في شيء، إذ إنّ ذلك لا يكون إلا في كلام بليغ مفهوم، وارتباطه بالكلام الذي أدمج فيه واضح بيّن، كيف وقد اعترف مُنَظِّروهم بمقصدهم من هذا الغموض والرمز كما سبق. - رحمه الله - في شرح الكافية أنّ الاقتباس (2( ولهذا ذكر صفي الدين الحليّ من القرآن ينقسم ثلاثة أقسام: ) محمود مقبول، وهو ما يكون في الخطب والمواعظ ونحو ذلك. ( ) مباح مبذول، وهو ما يكون في القصص ونحوها. 2 .(3() مردود مرذول، وهو مثل ما يفعله هؤلاء 3 ) بتصرف يسير253/32 مجموع الفتاوى ((( هو عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم البليغ المفوّه صفي الدين الحلي الطائي، توفي سنة (2( .((72/6تسع وأربعين وسبعمائة. ينظر: الوافي بالوفيات للصفدي (.42 ينظر: شرح الكافية البديعية في علوم البلاغة ومحاسن البديع: (ص (3(

عدد الصفحات ١٨

220 - رحمه الله - عن وضع كلمات وآيات من القرآن في آخر( ((وسئل ابن عقيل فصول خطبة وعظية؟ فقال بأس به تحسيناً للكلام، كما يُضمّن في الرسائل إلى المشركين آيات تقتضي الدعاية .(2(إلى الإسلام . فأمّا تضمين كلام فاسد فلا يجوز، ككتب المبتدعة وقد تنبّه مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بمصر لمثل هذا العبث والهذيان، فأقرّ مجموعة جديدة من الضوابط الصارمة للاقتباس من القرآن الكريم في الأعمال الأدبيّة لمنع حالة الفوضى في عمليات الاقتباس، والتي يضطرّ الأزهر حيالها إلى منع هذه الأعمال من التداول، ويوصي بمصادرتها. حيث اشترط عدم اقتباس أجزاء من القرآن الكريم منسوبة إلى الأديب نفسه، وعدم اجتزاء الآيات من سياقها، وعدم استخدامها في مواضع أو مواقف لا تليق بجلال القرآن وقدسيته، وأن يكون العمل الذي يستخدم فيه هذه الاقتباسات عملاً ذا قيمة أخلاقية، وبعيداً عن .(3(الإسفاف والامتهان ومن أمثلة الاقتباس المقبول من القرآن في الموعظة: قول أبي منصور - رحمه الله -: (4(عبد القاهر البغدادي يا مَنْ عَدا ثمّ اعتدى ثمّ اقترف ثمّ انتهى ثمّ ارع أب(إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) هو علي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء الظفري الحنبلي، أحد الأعلام، علماً ونقلاً وذكاءً وتفنناً، له ((( كتاب الفنون في أزيد من أربعمائة مجلد، مات سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ينظر: لسان الميزان (.243/4لابن حجر (.300/2 الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (2( . وينظر: موقع إسلام هـ424/2/29)، بتاريخ 944 صحيفة الوطن السعودية، العدد (3( أون لاين نت هو عبد القاهر بن طاهر بن محمّد التميميّ الإمام الكبير أبو منصور البغدادي الشافعي الفقيه الأصولي الأديب (4( .((09الشاعر النحوي، مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة. ينظر: طبقات المفسّرين للأدنروي: (ص

عدد الصفحات ١٩

221 - رحمه الله - بعد أن ذكر هذين البيتين (((قال السبكي الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره فائدة؛ فإنه جليل القدر، والناس ينهون عن هذا، وربّما أدّى بحث بعضهم إلى أنّه لا يجوز، وقيل: إنّما ذلك يفعله الشعراء الذين هم في كلّ وادٍ يهيمون، ويثبون على الألفاظ وثبة من لا يبالي، وهذا .(2(الأستاذ أبو منصور من أئمّة الدين، وقد فعل هذا ومن أمثلته من الشعر الحديث - شعر التفعيلة - قول أحد الشعراء الإسلاميين: (سماء للكبرياء.. بدنيا مشاعرها من خشب ، وهو اقتباس في غاية الروعة.(3(وتبّت يدا كلّ باغٍ وتبّ ومن الاقتباس الجائز: ما يكون في علم القراءات، مثل قول صاحب الشاطبية: ومالك يوم الدين (ر)اويه (ن(4(وعند سراط والسراط ل قنبا وكذلك في منظومات المتشابه اللفظي للقرآن، مثل قول الناظم: وج(5(فيها وفي ص (أب فمثل هذا ليس فيه امتهان للنصّ القرآني، بل فيه فائدة جليلة تتنوّع بتنوّع غرض الناظم، والله تعالى أعلم. علي بن عبد الكافي بن تمام بن حامد بن يحيى بن عثمان بن علي بن مسواري الشافعي السبكي ((( العلامة تقي الدين أبو الحسن الفقيه المحدث الحافظ المفسر الأصولي النحوي، توفي سنة ثلاث (.286وثمانين وستمائة. ينظر: المصدر السابق: (ص (.39/5 طبقات الشافعية الكبرى (2( .(82، (صهـ420 للشاعر د. سعيد شوارب، نشرت في المجلّة العربيّة، عدد شهر ذي القعدة (3( .((8متن الشاطبية: (ص (4( .(7 التوضيحات الجليّة شرح المنظومة السخاوية في متشابهات الآيات القرآنية: (ص (5(

عدد الصفحات ٢٠

222 « - (((إنّ النصّ القرآني - كما يقول أحد الباحثين معه بحيطة وحذر، وإلا سوف نسيء إلى قدسيته ونزاهته وتعاليه، ولا سيّما أنّه كلام الله - عزّ وجلّ - الذي لا يضاهيه أيّ كلام كيفما كان قائله أو قيمته الدلالية والجمالية، وما أكثر الشعراء الذين وقعوا في مأزق الإساءة إلى ما هو قرآني، إمّا عن وعي منهم، أو عن لا وعي الصورة الثانية: الدعوة إلى تفسير النصّ وفهمه فهماً وهؤلاء (2( وهو ما يدعو إليه من يدّعون - زوراً - العقلانية والتنوير،عن فهم السلف! مشكلتهم أصلاً ليست مع فهم النصّ وتفسيره، وإنّما مشكلتهم مع النصّ نفسه، فهم لا يريدون للنصّ الشرعيّ - كتاباً وسنّة - أن يكون له سلطان حقيقيّ على الحياة بناء على فكرهم العلماني التغريبيّ، ولذا يقول أحدهم في مقال له بعنوان (معركة « :(3(النصوص سياق، والتشدّق به في كلّ مقال، وحشده في كلّ قضية، والمناداة به في كلّ خصام. بل قد يكون مثل هذا أقرب إلى العبث منه إلى الاستدلال والتحقيق وهكذا تنقلب الحقائق، ويصبح الاستدلال بالنصوص الشرعية في كلّ قضية عبثاً، أو أقرب إلى العبث عند هؤلاء، والله - عزّ وجلّ - يقول: ﴿ ، ]59[﴾ فيا لله العجب!. هو التجاني بولعوالي في مقال له بعنوان: (مزالق التناصّ مع النصّ القرآني)، مجلّة الفوانيس الإلكترونيّة. ((( ليس المقصود الأساس هنا مناقشة أصحاب هذه القراءات بالتفصيل والردّ عليهم وتفنيد شبههم (2( ودعاواهم، فقد تولّى ذلك الكثير من العلماء والباحثين. (ينظر: القراءات المعاصرة للقرآن الكريم )، فقد ذكر الكثير منهم)، ولكنّ المقصود هنا بيان أنّ مثل هذه القراءات تعدّ 39لمحمّد كالو: (ص امتهاناً متعمّداً للقرآن أو شبه متعمّد. .هـ426/2/2()، بتاريخ3429 صحيفة الرياض، العدد (3(

عدد الصفحات ٢١

223 ثمّ يختم مقاله الطويل بتقرير مذهبه الفاسد فيقول على أنّ كلّ هذه المواقف التي يمكن أن يتسامح فيها مع المعركة النصوصية، لا بدّ أن يتزامن معها في السياق الاستدلالي نفسه قدر من التغيير النوعي في آلية القراءة للنصوص محلّ البحث؛ كشرط ضروريّ للتقليل - قدر المستطاع - من سلبية هذه المعركة التقليدية . لا بدّ أن تكون معركة في النصوص، ومعركة في العقل في وقت واحد، ويبقى الهدف الاستراتيجي بعيد المدى خلق آليات قراءة حديثة، نابعة من تصوّر عقلاني حديث قراءة حديثة كما يزعم، قراءة حداثية علمانية تخدم توجّهاتهم المشبوهة، نابعة من تصوّرات عقولهم، التي ترى تهميش النصوص الشرعية بقدر الإمكان، وعند تعذّر ذلك، فلا مانع من تأويل هذه النصوص تأويلاً منكراً تذرّعاً بقراءة حداثية عقلانية!.. ولعمر الله إنّ هذا لهو العبث بالنصوص وامتهانها، وتفريغها من محتواها ومعانيها الشرعية الصحيحة، وسيأتي الحديث بإذن الله عن حقيقة تصورّهم العقلاني الحديث. « :((( يقول أحد الباحثين القراءة المتوارثة إلى حدّ إعلان القطيعة مع تفاسير المتقدّمين، ممّا جعل أصحابها يستعملون في عملية القراءة مناهج منقولة عن الحضارة الغربية، هي عين المناهج التي تستعمل في تحليل النصوص أيّاً كانت، وعلى رأسها النظريات الغربية في تحليل النصوص ونقدها، ونظريات التأويل والقراءة دون اعتبار لخصوصية النصّ القرآني باعتباره وحياً عمر أهمو الباحث في القراءات المعاصرة من حوار بعنوان: (النصّ القرآني يواجه التهميش بتأويلات ((( البشر)، موقع إسلام أون لاين. وينظر: القراءة الجديدة للنص الديني (الباطنيون الجدد والقراءة المتهافتة للنص الديني) للدكتور عبد المجيد النجار.

عدد الصفحات ٢٢

224 وانطلاقاً من فكرتهم هذه - وهي تقديم فهم عصريّ جديد للنصوص كما بالكفّ عن الاحتجاج بالتفاسير المعروفة عند أهل (((يزعمون - طالب أحدهم السنّة، إذ يرى أنّها جنت جناية عظمى على القرآن - حسب زعمه - لأنّها صرفت الناس عن مطالعة النصّ والاستماع إليه، وما يجديه ذلك من هداية. أمّا الحلّ في نظره فيكمن كما يقول في الأولى!، والخطوة الأولى - بزعمه - هي إزالة هذه الغشاوات، كلّ الغشاوات التي أضيفت عليه بالتفسير والمفاهيم اللاهوتية، بحيث يعود القرآن كما أنزل على محمّد والغشاوات التي يقصدها هي ما كتبه الأئمّة الأعلام في تفسير القرآن، إذ يقول: « وابن كثير، والقرطبيّ.. تعدّ قدس الأقداس، وهناك عشرات الألوف من الشباب السذّج! المتحمّس الذي يفضّل الموت الزؤام على المساس بها، ووراءهم الأئمّة الأعلام الذين لا يتردّدون في الإفتاء بتكفير من يريد الخلاص من هذه التفاسير، أو .(2(يرون في هذا مؤامرة على الإسلام ويقول آخر . (3(العملية التجديدية في الديني! والمدني! على حدّ سواء فهم إذاً يريدون التخلّص من تفاسير السلف (الماضوية)، ليفسّروا القرآن بما يتوافق مع أهوائهم وتوجّهاتهم، وهيهات أن تفرّط الأمّة في تراثها استجابة لهؤلاء الشذّاذ. نعم؛ نحن لا ندعو إلى تقديس تلك الكتب والتفاسير، ولا نرى العصمة هو جمال البنّا في كتابه تثوير القرآن. ((( (.206 تثوير القرآن: (ص (2( .هـ(426/2/2()، بتاريخ3429 من مقال بعنوان: (معركة النصوص)، صحيفة الرياض، العدد (3(

عدد الصفحات ٢٣

225 لأصحابها، ولا نمانع كذلك من نقد بعض ما فيها بالدليل الشرعي إذا صدر ذلك من أهل التخصّص، أمّا أن نتخلّص منها، ونلغيها فهذا ضرب من ضروب الإقصاء والتطرّف، وهو لا يقلّ عن التطرّف الذي أشاروا إليه من تقديس تلك الكتب وتوثينها إن وُجد. - (((أمّا ما تهدف إليه هذه القراءة الجديدة فهي - كما يقول أحد الباحثين تهدف أساساً إلى نزع القداسة عن القرآن الكريم حتى تتحرّر من أيّ ضوابط وقيود في عملية القراءة، وقد سلكوا في ذلك ثلاث خطط: خطّة الأولى: « :(2(بينه وبين الكلام الإنساني. وفي هذا يقول أحدهم نافياً إلهية النصّ القرآني القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهية بوهب البشر طاقات خاصّة تمكّنهم من الفهم يختلف عن النصوص البشرية الأخرى. بل إنّهم تجرؤوا إلى التشكيك في الوحي ذاته، للتوصّل إلى نفيه، وربطه بالشعر والكهانة، كما يقول هذا الكاتب نفسه كان ارتباط ظاهرتي (الشعر والكهانة) بالجنّ في العقل العربي وما ارتبط بهما من اعتقاد العربي بإمكانية الاتصال بين البشر والجنّ هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي . وهذا الارتباط الذي يتحدّث عنه، وينسبه إلى ما أسماه بـ (3(الديني ذاتها هو البروفيسور طه عبد الرحمن من مقال له بعنوان: (الآيات القرآنية والقراءات الحداثية) منتدى ((( الحكمة للفكر والباحثين. وينظر: (النصّ القرآني يواجه التهميش بتأويلات البشر) حوار مع عمر أهمو (مرجع سابق). وقد ذكر البروفيسور طه هذه الخطط الثلاث مختصرة، وتوسّعتُ فيها. (.97 هو نصر أبو زيد في كتابه نقد الخطاب الديني: (ص (2( .(34 مفهوم النصّ، دراسة في علوم القرآن: (ص (3(

عدد الصفحات ٢٤

226 العربي ﴾ * * * ، وهكذا يربط بين الخرافة والوحي. ]224 - 22([ وبعضهم لم يتجرأ على نفي الوحي صراحة أو التشكيك فيه، لكنّه شكّك بأسلوب ماكر لا يخلو من تقية - في سلامة النصّ القرآني من النقص والتحريف، وأنّه هكذا (((الآيات الواردة في إثبات النسخ يزعم مشككاً في إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ومناقضاً قوله تعالى: .]9[﴾﴿ خطّة الثانية: أيّ قراءة، واستعمال المناهج الغربية الحديثة في القراءة، وما يرافق ذلك من إطلاق سلطة العقل في التأويل والقراءة، وقد أدّى ذلك إلى إنكار المعجزات الواردة في الكتاب والسنّة، وتفسيرها تفسيراً مادياً منكراً، فمعجزة انشقاق القمر التي جاءت في القرآن الكريم فسّرها أحدهم بظاهرة الخسوف المعروفة، وكأنّ مشركي قريش لا (2(يعرفون الخسوف، ولا يفرّقون بين المعجزة الخارقة، والظاهرة الكونية المعتادة فأي عقل وأي منطق يقبل مثل هذا التفسير المتهافت؟!. وهكذا يؤولون سائر المعجزات بحجّة (العقلنة)!. بل إنّ هذه العقلنة أدّت عند بعضهم إلى إنكار الكثير من المسلّمات القرآنية والشرعية والعَقَدية، وعَدِّها (.232/( مدخل إلى القرآن الكريم لمحمد عابد الجابري ((( )، وقد حاول إيهام القارئ بطريقة ماكرة أنّ هذا 89 ينظر: مدخل إلى القرآن الكريم للجابري: (ص (2( القول اختاره ابن عاشور رحمه الله، وابن عاشور قد نصّ على أنّها معجزة، ينظر: التحرير والتنوير (.42(8/((

عدد الصفحات ٢٥

227 ساخراً عن تمسّك الكثيرين (((يتحدّث أحدهم وصولجانه (!) ومملكته وجنوده الملائكة، وكذلك الشياطين والجنّ والسجلات التي تدوّن فيها الأعمال العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط آخر ما ذكر. فماذا أبقت عقولهم بعد هذا من الثوابت والمسلّمات؟!. خطّة الثالثة: بالمكان والزمان اللذين نزل فيهما، ورفض القول بأنّ في القرآن الكريم أحكاماً ثابتة وأزلية، أي لا ترتبط صلاحيتها بزمان ومكان. فهذه التاريخية تهدف إلى « العربية في القرن السابع الميلادي، فما كان ممكناً خلال القرن السادس والقرن السابع، غير معقول بالنسبة للقرن الحادي والعشرين، فتصبح دلالات الألفاظ مرتبطة بعهد التنزيل، فينتفي مفهوم الحقيقة الثابتة والمعنى الصواب، ليُفتح . (2(المجال لتعدد المعاني وتجددها بحسب ما يمليه تجدد المعايير والقيم ويضربون لذلك مثلاً بالحدود الشرعية، كالجلد والصلب والقتل والرجم، فيرون أنّها ليست أحكاما قرآنية؛ أي لم ينشئها القرآن، وإنّما هي أحكام مستعارة من الثقافات والتقاليد السابقة، من اليهودية والقانون الروماني، وربما من تقاليد أقدم. ويزعمون أنّ هذه العقوبات ليست أهدافاً مرادة لذاتها؛ لأنها تنتمي - كما - إلى زمن لم يكن يمكن التمييز فيه بين المجرم والإنسان (3(يقول أحدهم (.35 هو نصر أبو زيد في كتابه النصّ، السلطة، الحقيقة: (ص ((( )، ومقال بعنوان (القراءات الحديثة 2(0 ينظر: قضايا في نقد العقل الديني لمحمد أركون: (ص (2( للنصّ القرآني) للصبحي عتيق، شبكة الحوار نت الإعلامية هو نصر حامد أبو زيد في حوار مع إذاعة هولندا العالمية بعنوان: (أزمة الإسلام الحداثي) بتاريخ: (3( م، ترجمة: محمّد عبد الرءوف 2006/(0/2

عدد الصفحات ٢٦

228 العادي؛ إلا بإحداث هذه الآثار والعلامات في الجسم، أمّا في زماننا هذا فيوضع المجرم خلف أسوار السجون ثمّ يقول (العدل)؛ الذي هو الهدف والغاية، وهو مبدأ جوهري سار في القرآن كلّه . (((وتطرّف بعضهم فوصف هذه العقوبات بالوحشية البغيضة! وبشكل عامّ يصف أحدهم هذه القراءة بأنّها . وهو ما يعبّرون عنه بـ (2((معلمنة)! انتزعت من قاموسها غلاف التقديس والتعالي « لهذه إلى مرحلة العقلنة. فالعلمنة التي جاءت بها الوضعية المادية - كما يقول أحد « - (3(الباحثين كما يزعمون، وتحريره من البعد الغيبي. والعلمانية تشمل جوانب التفكير، والثقافة، وإلغاء سلطة المؤسسة الدينية، والحيلولة دون تدخّلها في توجيه الحياة السياسية، ليتحوّل المجتمع إلى مصدر أعلى للقيم والأخلاق بما يحلم به، فقال إنّه(4(بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، حين صرّح بقراءة (حرّة)! إلى درجة (التشرّد)! و(التسكّع)! في كلّ الاتجاهات، لأنّها قراءة تجد فيها كلّ ذات بشريّة نفسها سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة (.89 ينظر: الإسلام والحريّة، الالتباس التاريخي لمحمّد الشرفي: (ص ((( إلياس قويسم من مقال له بعنوان: (تشتّت النصّ القرآني بين الثقافة التقليدية والحداثة العلمية!)، (2( موقع الملتقى الفكري للإبداع هو الكاتب والباحث التونسي الصبحي عتيق، ينظر: القراءات الحديثة للنصّ القرآني. (3( .(76 هو محمد أركون في كتابه: الفكر الأصوليّ واستحالة التأصيل: (ص (4(

عدد الصفحات ٢٧

229 وأقول: إن كان هذا ما يحلمون به ويهدفون إليه، فماذا بقي للقرآن الكريم من قيمة وقداسة!. والحقيقة أنّ هذه القراءة الحداثية ليست جديدة، وإنّما هي قديمة وجدت أصولها في كتابات المستشرقين الأوائل أمثال و عشر الميلادي، وحتى الثلث الأخير من القرن العشرين، وكانوا قد وضعوا منهجاً تمّ تطويره لنقد ما يسمّى بالكتاب المقدّس عندهم (التوراة والإنجيل وكتب أخرى تلحق بهما)، وقد حقّقّوا في ذلك نتائج باهرة، ممّا جعلهم يظنّون أنّهم بوسعهم ، وها هم شرعوا في (((تطبيق هذا المنهج على القرآن الكريم لتحقيق نتائج مماثلة ذلك، و قد سهل عليهم أن ينتهكوا هذه المحرّمات أكثر ممّا يسهل علينا اليوم - كما -، ويعزو ذلك إلى( 2(يقول أحد الباحثين العرب أوج انتصاره في أوربا، إضافة إلى دعمه من قبل الهيمنة الاستعمارية التي رافقته ثم يقول والتراجع كردّ فعل لصعود الأصولية الإسلامية المتشدّدة، ومن مبدأ أنّ هذه المعركة يجب أن يخوضها المسلمون أنفسهم، ولن نقوم بخوضها عنهم بالوكالة إذاً فالمسألة لا تعدو أن تكون حرباً بالوكالة يقوم بها بعض أبناء المسلمين ممّن أسماؤهم تبدأ بمحمد وأحمد وجمال... نيابة عن المستشرقين الحاقدين الذين فشلوا في مشروعهم لإسقاط النصّ القرآني المبين. لكنّ هؤلاء الأبناء العاقّين وإن كانوا أكثر حذراً وأقلّ صراحة، إلا أنّهم أكثر مكراً ودهاءً وتلوّناً كونهم يعيشون في ينظر: ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، المحور الخامس: دفع الشبهات ((( (.5(2المزعومة حول القرآن الكريم: (ص هو حمزة رستناوي من مقال له بعنوان: (أرغون والقراءة التاريخية للنصّ القرآني)، مجلّة الحوار (2( .((258المتمدّن، العدد

عدد الصفحات ٢٨

230 أوساط المسلمين، ويقيسون ردود الأفعال الصادرة من حولهم، ويعزفون على بعض الأوتار الحسّاسة. ولعلّ هذا هو السرّ في انخداع بعض الأغرار بهم. وعلى الرغم من كثرة الجهود التي بذلوها من كتب وبحوث ودراسات ومحاضرات وندوات... إلاَّ أنّهم واجهوا ما واجهه أساتذتهم من المستشرقين الغربيين، من الفشل الذريع في تحقيق أهدافهم، حيث تصدّى لهم نخب من الباحثين الأحرار الذين لم تتلوّث فطرهم ولم تتشبّع بالأفكار الغربية المادية ، فقد ذكر أنّ جهودهم (((فكشفوا زيف ما يدعون إليه. وهذا ما صرّح به أحدهم قد وصلت إلى بطريقة انتقائية؛ فهم يستحضرون فقط الآيات التي تلائم مقاصدهم، ويتجاهلون تلك التي لا تتلاءم مع هذه المقاصد، حيث إنّ القرآن - كما يقول - يحتوي على العديد من الآيات التي يصعب أن تتفق مع المعايير الدولية للديمقراطية الحديثة مثل قطع يد (2(وحقوق الإنسان. فالقرآن يجيز الرق، ويجيز عقوبات قروسطية السارق، وفرض الجزية على غير المسلمين، كما يمارس التفرقة ضد المرأة في عدة مواضع، مثل منحها نصف ما يحصل عليه الرجل في الميراث! وبتجاهل هذه الآيات أنفسهم من فرصة الردّ على الأصوليين السلفيين الذين يصرّون على تطبيقها، وهذا هو مكمن الفشل الإصلاحي حالياً حسب رأيه. ثمّ يوضّح ذلك قائ فطالما ظلّ القرآن بمعزل عن النقاش(!)؛ فليس هناك من طريق للخروج وهذا هو مربط الفرس عندهم. هو نصر أبو زيد في حوار له مع إذاعة هولندا العالمية (مرجع سابق). ((( نسبة إلى القرون الوسطى المظلمة في الغرب، وهي رمز للتخلّف والانحطاط عندهم. (2(

عدد الصفحات ٢٩

231 وقد صدر قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورته السادسة ، في الحكم على هذه القراءة الجديدة، هـ426 ربيع الأول5 صفر إلى30عشرة بدبي من .(((فرآها وإنّه لمن المؤسف أن يكون بعض كفّار قريش وصناديدهم أعقل من هؤلاء وأكثر إنصافاً للقرآن الكريم على الرغم من كفرهم ومعاداتهم للدعوة، ويحضرني في هذا المقام قول أحد صناديد المشركين - وهو الوليد بن المغيرة - لما سمع بعض آيات القرآن، فقال قولته المشهورة وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، .(2(وما يقول هذا بشر فتأمّل قول هذا المشرك ثمّ تأمّل تشكيك هؤلاء المفتونين بقدسية النصّ القرآني وسلامته من التحريف. والدعوة إلى التعامل معه كمنتج ثقافي، أنتجه واقع بشري تاريخي، أي أنّه قابل للنقد والتحليل، عندها ستدرك الفرق. بل إنّ بعض كبار أساتذتهم من المستشرقين الغربيين قد شهدوا - على مضض - بسلامة النصّ القرآني وتعاليه. يقول المستشرق الألماني القرآنيّ على أحسن صورة من الكمال والمطابقة ويقول المستشرق الإنجليزي دبلن نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنّه لم يقبل أيّ تغيير (.306 ينظر كامل القرار في: القراءات المعاصرة للقرآن الكريم لمحمد كالو: (ص ((( (.37/()، وتاريخ الإسلام للذهبي6(/3 ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (2(

عدد الصفحات ٣٠

232 ويقول أي القرآن الكريم- هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصّه – محمد محفوظاً من التحريف ويقول لجامعة بمحتواه عبر تطوّرات التاريخ والبلاد والأجيال بشكل يثير الإعجاب، ولم يتغيّر فيه .(((شيء عن الأصل هذه هي بعض اعترافاتهم وشهاداتهم، وهي لم تصدر إلا بعد جهود مضنية للبحث عن ثغرة ينفذون منها للتشكيك في صحّة هذا النصّ المقدّس، لكنّهم لم يجدوا شيئاً. فلله الحمد والمنّة. الصورة الثالثة: الاستشهاد بالنصّ القرآني أو إقحامه في الكام النثري بطريقة مع ما في ذلك من تحميل النصّ ما هي أقرب إلى الهذيان والاستخفاف والسخرية، لا يحتمل، ومن الأمثلة على ذلك: يقول أحدهم في مقال ساخر له بعنوان (هل انتحر فعلاً ثميناً لمخابرات الرفاق.. فهو خائن من جهة، ومستودع معلومات للطرف الآخر، وعندما قام بزيارة أهله أطلع والده على ما حصل، فارتجّ الوالد رعباً وقال: يا بنيّ لقد جئت شيئاً إدّاً، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّاً، إلى آخر ما ذكر، فهو في هذا المقال الساخر قد (2(ولقد أوقعتنا في ورطة كبرى أقحم نصاً قرآنياً عظيماً من كتاب الله، جاء في سياق تعظيم الربّ سبحانه وتنزيهه ينظر مقال بعنوان (القرآن الكريم ودعاوى تحريفه) للدكتور جمال الحسيني أبو فرحة، موقع: ((( محمّد ﷺ. .هـ424/8/20)، بتاريخ2 صحيفة الوطن السعودية، العدد (2(

عدد الصفحات ٣١

233 ﴾ إلى قوله عن الولد، ومطلع هذا النصّ قوله تعالى: ﴿ ؛ وهو نصّ ترتجف من هوله ]92 - 88[﴾﴿ القلوب، وتقشعّر لجلاله الأبدان، وهذا الكاتب قد أقحمه بلا مسوّغ سوى الامتهان والابتذال، وإن ادّعى حسن القصد. وفي مقال له آخر بعنوان: (قصّة الغراب والثعبان وابن آوى) ساق قصّة طويلة صدّرها بقوله (يُحكى)، ولا أدري من أين أتى بها، ثمّ ختم القصّة بقوله ينتظر هذه اللحظة الرائعة، فألقى القلادة الذهبية فوق رأس الثعبان البارز، فرآه الناس فأقبلوا إليه يزفّون ضرباً بالعصيّ والأحذية، حتى أهلكوه، فأصبح أثراً بعد عين، وارتاح الغراب ونجحت خطّة ابن آوى، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ﴾. الشاهد قوله ﴿ (((العالمون ! فهو نصّ قرآني مبين، فهذا الكاتب قد أنزل نفسه منزلة الخالق ]43[ سبحانه، وأنزل قصّته التي لم يذكر مصدرها منزلة أمثال الله تعالى التي يضربها في القرآن، فأي امتهان لآيات الله أعظم من هذا الامتهان!، وأيّ استخفاف أعظم من هذا الاستخفاف! وأشنع منه؛ ما ذكره في مقال له بعنوان (المتعة العقلية) بعد أن أقحم عدداً من لم يصل إلى النرفانا (2(النصوص القرآنية في مقاله شبه الساخر، إلى أن قال ﴿لولا مجاهدة النفس ! فما علاقة هذه النصّ الكريم ببوذا المعبود من ]69[﴾ دون الله!! أليس هذا من العبث بالنصوص وامتهانها؟! .هـ424/8/2()، بتاريخ3 صحيفة الوطن السعودية، العدد ((( بوذا صنم (إله) يعبده الوثنيون في شرق آسيا وغيرها. (2(

عدد الصفحات ٣٢

234 ويبدو أنّ هذا الكاتب - وهو يُعَدّ، بل يَعُدّ نفسه من نخبة النخبة - قد اعتاد هذا الأسلوب، فلا يكاد يخلو مقال له من إقحام نصّ قرآني أو أكثر بمثل هذه الطريقة الساخرة وهذا الامتهان السافر، والأدهى من ذلك أنّه اتّهم من أسماهم بالمتدينين بأنهم لا يحسنون الاستشهاد بالآيات القرآنية في وأنّها .(((أيدي الجهلة وسُئِلَ أديبٌ آخر من أهل الحداثة: هل سبقك السيّاب؟ (وهو أحد روّاد . وهذا (2(الحداثة الأوائل). فأجاب نصّ قرآني كريم من سورة الواقعة، يراد به المؤمنون السابقون إلى الخيرات، وهم أعلى أصنف الجنّة كما جاء في مطلع سورة الواقعة، وإقحامه في مثل هذا الكلام عن الأدب، وأدب الحداثة على وجه الخصوص(!) يشي بالامتهان إن لم يكن المقصود السخرية والاستهزاء. والأمثلة على هذا النوع من الامتهان للنصّ القرآني كثيرة في كتابات بعض الكُتّاب والإعلاميين، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل. الصورة الرابعة: إنزال النصوص الواردة في الكفّار والمنافقين على المؤمنين من وهذا من أعجب الأمور، وهو كما قالت العرب: (رمتني أهل العلم والدعوة والدين. ، وهذا في الأصل من صفات الخوارج، فقد روى البخاري في (3(بدائها وانسلّت صحيحه تعليقاً عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّه قال في الخوارج: (إنهم انطلقوا )، بتاريخ: 3656 ينظر مقال له بعنوان: (استعصاءات عقلية)، صحيفة الوطن السعودية، العدد ((( (.34، (صهـ43(/(0/24 .50 × 50، زاويةهـ4(7/(/29)، بتاريخ409 مجلّة اليمامة السعوديّة، العدد (2( هذا مثل يضرب لمن يعيّر أحداً بشيء هو فيه، أو هو يعمله. ينظر: معجم الأمثال العربية القديمة (3( .(534/2لعفيف عبد الرحمن

عدد الصفحات ٣٣