المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة القرآن الكريم من العبث والامتهان

محمد بن عبد العزيز المسند

صفحة ١ من ٦

203 اشتملت الدراسة على مبحثين، ومقدمة، وتمهيد تناول المبحث الأول صوراً من الامتهان المتعمد، وشبه المتعمد للنص القرآني، وجاء هذا في ست صور، اشتمل عليها المبحث الأول. أما المبحث الثاني فقد ورد فيه صور الامتهان غير المتعمد للنص القرآني، واشتمل على مطلبين، ذكر في المطلب الأول صور الامتهان المتعلقة بالنص ذاته، وفيه تسع صور، وذكر في المطلب الثاني صور الامتهان المتعلقة بكتابته ورسمه، وفيه إحدى عشرة صورة، وأما المطلب الثالث فقد تضمن صور الامتهان المتعلقة بالوعاء (((الذي يُكتب فيه، واشتمل على عشر صور، ثم تأتي بعد ذلك الخاتمة والتوصيات. (*) عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود بالرياض.

عدد الصفحات ٢

204 المقدّمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أمّا بعد: فإنّ المسلمين جميعاً لا يختلفون على قداسة النصّ القرآني وكماله، وأنّه ﴾ كما قال منزله سبحانه: ﴿ ، ولمّا كان الأمر كذلك؛ وجب احترام هذا النصّ، وتقديسه، وصيانته عن ]42[ كلِّ ما يَشينه وينقص من قدره، إنْ بجهلٍ وحُسْنِ قصدٍ كما هو حال بعض العامّة، وإن بغير ذلك من مقاصد السوء، ممّا قد يصدر من أهل الزندقة والنفاق من المنتسبين إلى الإسلام، ومن اغترّ بهم من الشباب الأغرار، بأساليب ماكرة وخفية قد تخفى على كثير من عامّة المسلمين. وإذا كان احترام هذا النصّ وتقديسه واجباً على المسلمين جميعاً، فإنّ الواجب على الخاصّة - وهم أهل العلم - أن يتفانَوا في الذَّود عن هذا النصّ، وكشف طرق أهل الباطل وأساليبهم للنيل منه ومحاولة إسقاطه، أو تفريغه من محتواه؛ ليبقى مجرّد نصّ مقدّس جامد، لا حياة فيه، ولا تأثير له في حياة الناس. وهذا ما دفعني لكتابة هذا البحث، مستقصياً فيه ما ظهر لي من صور الابتذال والامتهان والعبث التي شاعت في هذا العصر، ليكون المسلمون منها على حذر. وقد اقتصرت على ما يصدر من المنتسبين إلى الإسلام - كما سبق -، لأنّ ما يصدر من الكفّار الصُّرَحاء أمر واضح وجلي، وليس بعد الكفر ذنب، ولهذا جاء النهي عن السفر بالمصحف إلى بلاد العدوّ خشية امتهانه حسياً، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما .(((- قال: قال رسول الله ﷺ (لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدوّ) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفّار إذا خيف وقوعه ((( ). 869)، برقم492بأيديهم: (ص

عدد الصفحات ٣

205 أهميّة هذا الموضوع وأسباب اختياره تكمن أهميّة هذا الموضوع فيما يلي: ) علاقته الوثيقة بالقرآن الكريم الذي هو كلام الله - عزَّ وجلَّ -. ( ) ندرة الدراسات الشاملة فيه، إذ لم أطّلع على دراسة مستقلّة تُعنى بجميع 2 جوانبه ) جرأة الكثيرين على هذا النصّ، إمّا تعمّداً، وإمّا جهلاً كما سبق. 3 ) جهل كثير من العامّة وبعض طلبة العلم بالكثير من أساليب الأعداء من المنتسبين 4 إلى الإسلام، ومحاولاتهم المشبوهة للنيل من هذا النصّ الكريم ولهذا كلّه رأيت أن أكتب في هذا الموضوع مبيناً ما تيسّر لي جمعه من أساليب ووجوه الابتذال والامتهان والعبث والعدوان على هذا النصّ المقدّس. الدراسات السابقة: بعد الاطلاع والبحث لم أعثر على دراسة تُعنى بصيانة النصّ القرآني عن الابتذال والامتهان بشكل عام، وإنّما وجدت بعض الدراسات التي تتحدّث عن الاقتباس من القرآن وحكمه، وليس هذا موضوع بحثي، وإن كنت سأشير إلى موضوع الاقتباس إشارة عابرة بإذن الله. خطّة البحث: وقد قسّمت هذا البحث إلى مقدّمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة. فأمّا المقدّمة فهي التي بين يديك. وأمّا التمهيد فقد جعلته في مطلبين، المطلب الأوّل بيّنت فيه المراد بالنصّ القرآني. والمطلب الثاني ذكرت فيه دلائل قدسيته وتعظيمه.

عدد الصفحات ٤

206 وأمّا المبحثان، فالأوّل: بيّنت فيه صور الامتهان المتعمّد أو شبه المتعمّد الذي يصدر غالباً من أصحاب التوجّهات المشبوهة. والمبحث الثاني: بيّنت فيه صور الامتهان العفوي (غير المتعمّد) والذي يصدر غالباً من العامّة المعظِّمين لهذا النصّ. وأمّا الخاتمة فذكرت فيها أهمّ النتائج والتوصيات. وفيما يلي خطّة البحث الأساسية مفصّلة: ، ويشتمل على مطلبين:التمهيد المطلب الأوّل: المراد بالنصّ القرآني. المطلب الثاني: دلائل قدسية هذا النصّ. المبحث الأوّل: صور الامتهان المتعمَّد أو شبه المتعمّد: إقحام النصّ القرآني أو محاكاته في أشعارهم بما يشبه الاقتباسالصورة الأولى: أو التضمين، على سبيل السخرية والاستهزاء. الدعوة إلى تفسير النصّ وفهمه فهماً الصورة الثانية: عن فهم السلف! الاستشهاد بالنصّ القرآني أو إقحامه في الكلام النثري بطريقة الصورة الثالثة: هي أقرب إلى الهذيان والاستخفاف والسخرية. إنزال النصوص الواردة في الكفّار والمنافقين على المؤمنين الصورة الرابعة: من أهل العلم والدعوة والدين. الاستشهاد الخاطئ بالنصّ، أو ذكره بالمعنى استخفافاً، مع الصورة الخامسة: سهولة الوصول إليه، ولا سيما مع التطوّر التقني والفنّي. التشكيك في النصّ القرآني، بادّعاء نقصه أو بتحريفه لفظاً الصورة السادسة: أو معنى.

عدد الصفحات ٥

207 المبحث الثاني: صور الامتهان غير المتعمّد ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأوّل: صور الامتهان المتعلّقة بالنصّ ذاته، وهي: الصورة الأولى: التكلّم به. الصورة الثانية: جعله نغمة للهاتف النقّال. الصورة الثالثة: جعله مادّة للنكت والطرائف. الصورة الرابعة: التكسّب وسؤال الناس بتلاوته وترتيله. الصورة الخامسة: جعله شعاراً في المنافسات الرياضية. الصورة السادسة: خلط شيء معه. الصورة السابعة: تحميله ما لا يحتمل. الصورة الثامنة: الزعم بأنّ فيه كلَّ شيء. الصورة التاسعة: تلاوته بالمقامات الموسيقية. المطلب الثاني: صور الامتهان المتعلّقة بكتابته ورسمه، وهي: الصورة الأولى: كتابته بغير الرسم العثماني. الصورة الثانية: كتابته في لوحات للتعليق في البيوت والمكاتب والمدارس. الصورة الثالثة: كتابته في حروز للتعليق على الرقبة وغيرها تمائمَ. الصورة الرابعة: كتابته على جسد المريض للاستشفاء. الصورة الخامسة: كتابته في إناء ليشرب منه المريض. الصورة السادسة: كتابته على السيارات. الصورة السابعة: كتابته على الملابس الداخلية. الصورة الثامنة: كتابته بشكل متقطع.

عدد الصفحات ٦

208 الصورة التاسعة: كتابته على شكل صورة إنسان أو حيوان الصورة العاشرة: كتابته على الدراهم ونحوها. الصورة الحادية عشرة: كتابة بالذهب. المطلب الثالث: صور الامتهان المتعلّقة بالوعاء الذي يُكتب فيه كالمصحف ونحوه: الصورة الأولى: السفر به إلى بلاد العدوّ. الصورة الثانية: تصغير لفظه وحجمه. الصورة الثالثة: مسّه بغير طهارة. الصورة الرابعة: الدخول به إلى أماكن قضاء الحاجة. الصورة الخامسة: توسّده والاتكاء عليه. الصورة السادسة: مدّ الرجلين إليه. الصورة السابعة: وضع شيء عليه . الصورة الثامنة: وضعه على الأرض. الصورة التاسعة: وضعه في السيّارة. الصورة العاشرة: تمكين الصبيان والسفهاء من مسّه. وهذا وأسأل الله التوفيق والسداد.

عدد الصفحات ٧

209 التمهيد المطلب الأوّل: المراد بالنصّ القرآني: النصّ القرآني المراد به النصّ الذي أنزله الله على رسوله محمّد ﷺ لفظاً ومعنى، وهو القرآن الكريم، ابتداء من سورة الفاتحة، وانتهاء بسورة الناس، فهو ما بين دفتي المصحف العثماني المعروف عند أهل السنّة والجماعة، والذي أجمع عليه الصحابة الكرام في زمن عثمان - رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين - دون زيادة أو نقصان، وهو الذي تلقّته الأمّة بالتواتر جيلاً عن جيل إلى زمننا هذا، وإلى أن يأتي أمر الله تعالى، . ]9[﴾والذي تكفّل الله بحفظه فقال: ﴿ ويدخل في ذلك تبعاً: الوعاء الذي يُكتب فيه هذا النصّ، كالمصحف ونحوه، ممّا عظّمه الله ورسوله كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى، إذ هو بمنزلة الحمى للنصّ. فكما أنّ النصّ محفوظ في الصدور؛ فهو محفوظ في السطور والصحائف، . (((ولذا سمّاه الله كتاباً كما سَمَّاه قرآناً المطلب الثاني: دلائل قدسية هذا النصّ: أجمع المسلمون من أهل السنّة - كما سبق - على قدسية النصّ القرآني وسلامته من التبديل والتحريف، ودلائل قدسيته كثيرة جداً، أذكر منها: ) أنّه كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، أنزله على رسوله. ( ) أنّه معجز بكلّ سورة منه، وقد تحدّى الله المشركين أن يأتوا بمثله، ثمّ بعشر سور 2 مثله، ثمّ بسورة واحدة، فعجزوا عن ذلك، ولا يزال التحدي قائماً إلى يوم القيامة (.99 ينظر: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي: (ص (((

عدد الصفحات ٨

210 ) أنّ الله قد تكفَّل بِحفْظهِ، بخلاف الكتب الأخرى التي أوكل حِفْظَها إلى البشر، 3 فدخلها التحريف والتبديل، وذهبت قدسيتها بذلك ) تقديس النبيّ ﷺ لهذا النصّ، ومن ذلك: ما كان يعانيه من الشدّة عند نزوله، 4 * والخوف من نسيانه، حتى طمأنه الله بقوله: ﴿ . ومن ذلك ]6[ ﴾﴿ ، وقوله: ](7،6[﴾ أيضاً: نهي أصحابه عن كتابة شيء غير القرآن لئلا يختلط بالقرآن، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - أنّ رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا . وقد كان ذلك في أوّل الأمر، ثمّ (((عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه) .(2(أذن لهم بعد ذلك لمّا أُمِنَ الالتباس ) أنّه لا يُتَعَبَّد بنصّ سواه في القراءة في الصلاة وغيرها. 5 ) تحريم روايته بالمعنى 6 .(3() أنّه لا يمسّه إلا طاهر عند جمهور أهل العلم 7 .(4() تحريم قراءته على الجنب عند الجمهور أيضاً 8 .(3004)، برقم757 أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث، (ص ((( (.203/( ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني (2( ينظر: إظهار الحقّ المبين بتأييد إجماع الأئمّة الأربعة على تحريم مسّ وحمل القرآن لغير المتطهرين (3( لابن عابد المالكي. وقد أفتى بذلك جمع كبير من أهل العلم من المتقدّمين والمتأخرين (.65/( ينظر: المغني لابن قدامة (4(

عدد الصفحات ٩

211 المبحث الأوّل (صور الامتهان المتعمَّد وشبه المتعمّد) وهي لا تصدر في الغالب إلا من أعداء الدين المستَخِفِّين من أهل النفاق والزندقة، ومن سلك سبيلهم من الأغرار المخدوعين. وإن زعموا أنّهم ما قصدوا ذلك كما سيأتي، ومن هذه الصور: الصورة الأولى: إقحام النصّ القرآني أو محاكاته بما يشبه الاقتباس أو التضمين، ﴾ ﴿ كما قال تعالى: على سبيل السخرية والاستهزاء، ، ولهم في ذلك (((. ويكثر ذلك في هذيانهم الذي يسمّونه ]9[ سلف من زنادقة العصر القديم كما سيأتي بيانه، فلكلّ قوم وارث، لكنّهم أعادوا تلك الزندقة بوجه جديد يتسترون خلفه باسم الحداثة والتجديد والأدب، وتبعهم بعض الأغرار المخدوعين. واشترطوا لهذيانهم الذي يُسَمُّونه شعراً شرطاً، وهو الغموض أو الرمز!، فقالوا: إنّ كلّ شعر واضح مبين ليس بشعر، ومرادهم - كما يدلّ على ذلك هذيانهم - تمرير ما يريدونه من معان رديئة وسخرية واستهزاء من خلال هذا الغموض والرمز ليكونوا في مَأْمَنٍ من المحاسبة والمؤاخذة، إذ أدنى ما سيجيبون به المعترض أن يقولوا: إنّنا لم نقصد ذلك، فأنت لم تفهم مرادنا!!. وقد قالوا ذلك مراراً. فقد سئلت إحداهنّ في لقاء معها في إحدى الصحف عن الرمزية، ولماذا يلجأ إليها المبدع!! فأجابت ثانويين ثمّ قالت ليس كلّ شعر الحداثة مذموماً، لكنّ الغالب هو ما ذكرته، إذ لأجله ابتدع هذا النوع من الشعر. ينظر ((( في التعريف بهذا النوع من الشعر: الحداثة في ميزان الإسلام لعوض القرني، وظاهرة الاعتداء على المقدّس لمحمّد محمود يوسف، موقع باب الإلكتروني.

عدد الصفحات ١٠

212 . كما(((أو سياسية خاصّة تفرض عليه أن يتخفّى وراء الرمز، ليعبّر عن وجهة نظره نقلت إحدى الكاتبات مقولة أحد شعراء المغرب؛ . وهذا هو مربط الفرس عند هذه الفئة على وجه الخصوص.(2(لها .(3(ولذا يقول أحد كبارهم ثمّ ابتدعوا ما أَسْمَوه بـ التي كان يتمتّع بها المؤلّف سابقاً قد سُلبت منه، أي إنّ المؤلّف والكاتب لا يملك الحقّ في تفسير ما كتبه من نصوص، لأنّه بمجرّد أن يخرج النصّ إلى الآخرين فهو كائن مستقلّ بذاته يتمتع بحرية مطلقة يكون القارئ لهذا النصّ حرّاً في تفسير ما يقرؤه، بشرط أن يعتمد في تفسيره على معطيات النصّ، كما أنّ معنى أو تفسير هذا النصّ يتعدّد ويتنوّع باختلاف القرّاء، واختلاف تفسيراتهم لهذا النصّ، هذه الفكرة البنيوية أصبحت مخرجاً ذكياً ودبلوماسياً للكُتّاب والمؤلّفين حين يطلب منهم أن .(4(يبيّنوا ما قصدوه من كتاباتهم ونصوصهم وقد تتابع الصغار الأغرار على تقرير هذا المبدأ، فهذا أحدهم يقول في مقال له بعنوان: (لا تحاول أن تفهم .(5(النصّ الحديث هو قتل له .هـ42(/4/(3)، بتاريخ6057 صحيفة البلاد، العدد ((( ، من مقال بعنوان: (النصّ والامتزاج هـ420/((/7)، بتاريخ556 صحيفة الرياض، العدد (2( باللغة) لنجوى هاشم )، بتاريخ: 7(0 هو محمود درويش، نقلت ذلك عنه الكاتبة أميرة الزهراني: مجلّة اليمامة، العدد (3( .((7، (صهـ423/4/4 )، بتاريخ9464 من مقال بعنوان (اغتيال القارئ) للكاتب: خالد عوض: صحيفة الجزيرة، العدد (4( .(22، (صهـ4(9/((/9 .((6، (صهـ425/9/26 صحيفة المدينة، ملحق الأربعاء، بتاريخ (5(

عدد الصفحات ١١

213 وإمعاناً منهم في المكر؛ أضافوا إلى الغموض والرمزية شرطاً آخر، وهو التقليل من شأن الوزن والقافية، بل الدعوة إلى إلغائها وتجاوزها، ليتيحوا المجال لكلّ من حمل قلماً أن يكتب ما يسمّونه شعراً، وهو أقرب إلى الهذيان وكلام الكهّان منه إلى الشعر والبيان، ذلك أنّ الشعر المقفّى والموزون لا يقدر عليه إلا القلائل من الموهوبين، وذلك يعوق غرضهم الذي يطمحون إليه. والعجيب أنّ هذه م؛ قد ماتت بموت 940 - 35القرن العشرين الميلادي، وازدهرت ما بين عامي دعاتها الأوائل. والذين عاشوا من بعدهم تَخَلَّوا عن أفكارهم الحداثية مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ومنهم الشاعر الأمريكي الكبير ، ثمّ جاء هؤلاء في القرن العشرين (((الأب الروحيّ لما عُرف فيما بعد بقصيدة النثر لينقلوها إلينا لغرض في نفوسهم. بل إنّ بعضهم يرى أنّ نقطة البدء الحقيقيّة لما يسمّونه زوراً بالتنوير كامنة في هذا الخطاب - خطاب الحداثة - الذي تَوَهَّج .(2(- حسب زعمهم - في ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم يقول المستشرق البرتغالي هذه الفلسفة منذ نصف قرن من الزمان، بعدما فشلت ولاقت هجوماً من دعاة الأصالة، وإذا بالمثقفين العرب لا يزالون ينظرون لها، ويتمثلونها في رؤاهم وإبداعاتهم، وسرت فيهم إلى حدّ غير معقول! مع أنّ أوروبا اعترفت بأنّها موجة خاطئة، مليئة بالفوضى والعبث، وظهرت ردود فعل عنيفة من المفكرين والأدباء ينظر مقال بعنوان (الحداثيون العرب يسبحون في الرمال) للأديب ثروت أباظة، صحيفة الندوة، ((( (.7، (صهـ4(6/4/()، بتاريخ80العدد )، 5242 ينظر مقال بعنوان (هل يتقدّم خطاب التنوير)، لمحمّد المحمود، صحيفة الرياض، العدد (2( .هـ(43(/4/2بتاريخ

عدد الصفحات ١٢

214 الغربيين لمواجهة هذه الظاهرة التي رأوا أنها تسبّب الاضطراب في صفوف الأمّة، وتفسد ذوقها، وتشوّه إحساسها بالجمال، فضلاً عن نشر التفكّك في الألفاظ واللغة. ولذا عجبت أشدّ العجب عندما رأيت أحد المحاضرين في المؤتمر يدافع بشدّة عمّا تخلّى عنه الغربيون أنفسهم وتنكّروا له، وقلت في نفسي: كيف وَجَدَتْ هذه الدعوى العبثية صدى واسعاً عند العرب سدنة الأدب، والشعر خاصّة. ولذا تعمّدت قبل أن أرحل عن الوطن العربي أن أحذّر هؤلاء الأدباء من هذه الكارثة (الحداثة)، فما هي سوى (وباء أدبي) يمكن أن يقضي على كلّ شيء لو أتيح له الانتشار إلى أن قال هذه الموجة العبثية التي تريد هدم الوجدان العربي وتدميره، وقتل روح الجمال التي هي سمة الأدب العربي والإسلامي على مرّ العصور، وأنا أدعوكم جميعاً، رجالاً ونساءً، أن تقفوا صفّاً واحداً في وجه التيارات والمذاهب التي تهبّ عليكم من كلّ جانب، من أجل الحفاظ على شخصيتكم الأصيلة التي شهد لها الشرق .(((والغرب معاً وقد تتبّعت ردحاً من الزمن ما يكتبه هؤلاء المفتونون ممّا يسمّونه شعراً حداثياً، فلحظت ظاهرة لا تكاد تخطئها العين الباصرة فيما يهذون به، ألا وهي إقحام بعض النصوص الشرعية - ولا سيّما نصوص القرآن - في هذيانهم، بطريقة تدلّ على الاستخفاف والامتهان والسخرية، ممّا يدلّ على اتفاقهم على مثل هذا المنهج، لا سيما وأنّهم يحومون حول نصوص معيّنة من القرآن، وحتى لا أقع فيما أردت التحذير منه؛ فإنّي سأذكر أمثلة يسيرة على مثل هذا العبث والامتهان لنصوص القرآن لعلّها تغني عن غيرها، ولهم في ذلك مسالك، فمنها: (.23، (صهـ420/8/3)، بتاريخ7(7 مجلّة الدعوة السعودية، العدد (((

عدد الصفحات ١٣

215 يقول أحدهم إيراد نصّ قرآني كامل، .(((المحزون. لقد رأيت يومها سفائن الإفرنج تغوص تحت الموج ويقول آخر .(2(وريحة الليمون وهذا كثير جداً في هذيانهم، يقول أحدهم إيراد جزء من النصّ بدون مناسبة، ) كقلب طازج نتهيأ لبعض هواء، الهواء مرتش (تحت عنوان (إيقاعات ) وغلّقت الأبواب وقالت..... إذن تعدّي أيتها 4أحياناً إلخ.(3(القصيدة وهذا كثير أيضاً، يقول أحدهم محاكاة النصّ مع تغيير جزء منه على سبيل السخرية، - وهو غرّ صغير - في هراء له بعنوان (وصبغ للحالمين تضفّره أنفاس بجعة تأتين.. تثقبين صمت الشراشف ودقاً لخفقتي اللثغة.. قبل عشر.. لا تلثغ بالعنب.. لا تمسك بعصم الفواكه ، وهو بذلك (4(يقول ، وقوله ](0[﴾يحاكي قول الله - عزّ وجلّ -: ﴿ ، ]20[﴾تعالى: ﴿ عليهم من الله ما يستحقّون. التلميح إلى بعض نصوص القرآن بطريقة ساخرة، مع دَمْجِها بلغة عامية سوقية، ومن ذلك قول أحدهم (.3(9 الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل، (ص ((( (.2(، (صهـ420/2/()، بتاريخ9726 صحيفة الجزيرة، العدد (2( .(65، (صهـ4(8/5/(2)، بتاريخ472 مجلّة اليمامة، العدد (3( .((8، (صهـ4(7/3/(3)، بتاريخ8704 صحيفة الجزيرة، العدد (4(

عدد الصفحات ١٤

216 تتضور من غربة لكي يتوكأ هذا الغريب عليها - ثمّ يواصل بعض القواقع.. أو نفخ العصفور في الصور السلام تداركه غسق الماء أن يقتلك.. وقلّبتما تربة الأغنيات معاً.. حين أغفى محمّد هذه إشارة إلى نبينا محمّد ﷺ؟ ثم يتبع ذلك بنصّ عامّي سوقي يا مقمّط.. يا عروق البيدجانة.. قالت أمه ليه.. ليه.. قال أبوه ..... عليه ومكان الفراغ كلمة ساقطة لا تليق إلا بأمثال هذا الكاتب العفن، فهل يليق ربط اسم نبيّنا محمّد ﷺ بمثل هذه الترّهات؟. ثم يواصل هذيانه العفن ، وفي هذا إشارة (((زلت في الجبّ.. و........... يطوفون بحثاً عن الذئب إلى قصّة يوسف - عليه السلام -. ففي هذا النصّ (الهذيان) مع دمجه بكلام عامّي ساقط تعريض وسخرية بنصوص القرآن وقصصه التي قال عنها الحكيم ﴿العليم: . ]3[﴾ وقد كتب آخَرُ قريباً من هذا الهذيان في نصف صفحة تقريباً، وبدأه بحرف من حروف الهجاء، وكأنّه يحاكي القرآن في البدء في بعض السور بالحروف المقطّعة - وهذا كثير في أشعارهم -، ثم أورد أجزاءً من نصوص قرآنية في كلام أشبه بكلام الكهّان، ثمّ ختم ذلك بقوله ويغزل الخيوط من ورق.. ودونما قلق يوزّع الأرقام، ويسمع الزفير من بعيد.. (.2(، (صهـ4(7/9/3)، بتاريخ88729 صحيفة الجزيرة، العدد (((

عدد الصفحات ١٥

217 .((((حادي بادي.. سيدي محمّد البغدادي.. شاله وحطه.. كله ف- هادي وهكذا يمتهنون النصوص الشرعية، ويخلطونها بكلام عامّي لا معنى له، سوى التنفيس عمّا في صدورهم. ولا سيما قصّة مريم - عليها السلام -، وقصّة موسى - محاكاة قصص القرآن عليه السلام -، وهذا كثير في هذيانهم. أمّا قصّة مريم فيردّدونها كثيراً بتحويرها إلى معشوقهم ومن يخاطبون، ومن ذلك قول أحدهم . ويقول آخر (2(سلام عليك.. عليّ سلام تساقط زهراً ندياً.. ففي مهد عشقك أولد.. أخرج نشأ سوياً.. أحبّك ما دمت . وواضح (4(. ويقول ثالث(3(حياً اتفاقهم على محاكاة هذه القصّة. وأمّا قصّة موسى - عليه السلام -، فيقول أحدهم . وتقول أخرى(5(على عصا شعر أهشّ بها على أحلامنا . (6(.. شهـأ.. والتركيز على هاتين القصّتين، قصّة مريم أم عيسى - عليه السلام -، وقصّة موسى - عليه السلام - وعصاه وطور سيناء حيث كلّمه الله، مع التعريض باسم محمّد بألفاظ عاميّة؛ يشكّك بوجود علاقة بين هذا الهذيان الذين يسمّونه إبداعاً، وبين كفرة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فليُتأمّل ذلك، والله تعالى أعلم. (.37، (صهـ4(8/6/()، بتاريخ0692 صحيفة الرياض، العدد ((( (.9، (صهـ4(7/7/(()، بتاريخ0378 صحيفة الرياض، العدد (2( .هـ(4(7/4/22)، بتاريخ8744 صحيفة الجزيرة، العدد (3( .(24، (صهـ4(7/(/(6)، بتاريخ8648صحيفة الجزيرة، العدد (4( .(30، (صهـ4(7/9/(4)، بتاريخ0440 صحيفة الرياض، العدد (5( .(((، (صهـ420/3/(()، بتاريخ323 صحيفة الرياض، العدد (6(

عدد الصفحات ١٦

218 هذا ولم يكتفوا بانتهاك حرمة النصّ القرآني المقدّس، وابتذاله وامتهانه؛ بل أضافوا إلى ذلك النصّ النبوي، الشريف، تقول إحداهنّ الحُبّ.. وعن كثب.. تأملت طيورك والحمائم ثمّ تأتيك خماصاً.. فتعود بطاناً.. تعود متأملة مجيء الصبح.. أليس الصبح . فهذه قد جمعت بين الكتاب والسنّة!.(((بقريب وقد سبق أنّ هذه هي طريقة الملاحدة قديماً، لكنّهم كانوا أصرح من هؤلاء، وأقوم ، أمّا هؤلاء فقد جمعوا بين الركاكة والوقاحة والجرأة على انتهاك النصوص، (2(ألسنة وبين النفاق والتستر خلف الغموض والرمزية المغرقة، للإفلات من المحاسبة. وقد سئل شيخ الإسلام - رحمه الله - عن قوم فيهم شبه من هؤلاء، فأجاب بوجوه، منها وبدّلوه بما تمجّه القلوب والأسماع، وتنفر عنه العقول والطباع. وأمّا مركّباته فإنّه ليس من أوزان العرب، ولا هو من جنس الشعر، ولا من أبحره الستة عشر، ولا من جنس الأسجاع والرسائل والخطب. ومعلوم أنّ تعلّم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدّبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً، فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة والأوزان القويمة فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان، الناقلة عن العربية العرباء إلى أنوع الهذيان الذي لا يهذي به الأقوم من الأعاجم الطماطم الصميان (.20، (صهـ4(7/(2/5)، بتاريخ45( مجلّة اليمامة السعودية، العدد ((( من أشعارهم في ذلك قول أحدهم محاكياً سورة الشمس: (2( قون إلى آخر ما ذكر محاكياً سورة الشمس، عليه من الله ما يستحقّ.

عدد الصفحات ١٧