رواء في زمن الجدب134 )154( ذلك الإحساس بأنه قد ضاع من العمر ما قد ضاع، وبأن ما بقي مهما بقي لن يطول، و بأن العد العكسي قد بدأ، وبأن الفسيلة التي باليد لا بد من غرسها قبل أن تدق ساعة النهاية وقبل أن يسدل الستار، كم يضخ في عروقنا من دماء جديدة، وكم يحدو بنا كي نحث الخطى، فلا نلتفت إلى ما مضى إلا للحسرة على ما ضاع في جنب الله، وللتذكر بأن ما بقي لا بد أن يكون لله تحت عين الله. اللهم فاجعلها ساعة رضا، ويسر للرضا قلوبنا، وطوع له نفوسنا، ولا تؤاخذنا بما كان منا وبما يكون. وثبتنا على طريقك الأوحد الممتد المستقيم حتى نلقاك. )155( هو قلب واحد وعقل واحد وروح واحدة، فإما أن نشغلها بما يحييها، وإما أن نشغلها وتشغلنا بما فيه كل شيء إلا ما منه حياتها وهناءها وسكينتها. سنحزن لا محالة، فلا نسترسل مع الأحزان، ولنشوش على القلب المكلوم بالاستبشار. وسنضعف، تلك جبلتنا البشرية؛ فلنجعل من ضعفنا مزيد قرب من القوي الغني الولي الوكيل سبحانه.
عدد الصفحات ١٣٥رواء في زمن الجدب135 وستلزمنا بوصلات الحياة بتغيير دروبنا، وسلوك طرق ما وددنا يومًا أن نسلكها ولا فكرنا أن نكون لتلك المآلات؛ كي لا ننسى مهمتنا التي لأجلها خلقنا: العبودية.. وحدها تنسينا هموم الحياة، وتذكرنا بأن الذي شرفنا بعبادته سبحانه حرم على نفسه الظلم الذي نكتوي به من العباد، والخذلان الذي يصلوننا به.. والقهر والاستبداد والتسلط الذي يغرقنا في لججه. ولنعلم أن الراحة هناك. الانهماك في الحياة يا ابنتي انهماك فيما يشغل قلبك، ويندي روحك، ويصنع من أحزانك طاقة تجعلك تفجرين كل مكنونات الصدر، وتنفثين كل الوجع وكل الظلم الذي تحسين به؛ في دعاء صادق مُلِحّ، لا تتخيرين فيه الألفاظ ولا تنتقين فيه المعاني، إنما يخرج بتلقائية وعفوية تمليها حاجتك واضطرارك، و كل معانيه احتماء من ضعفك بكلأ ربك، وانتقال من حولك لحوله وقوته، وتفويض لكل أمرك للولي الناصر القدير. لنستبشر يا ابنتي؛ كي تكون لنا البشارة. وليكن انهماكنا فيما منه حياة أرواحنا وسكينة قلوبنا وقرب من الودود الجميل اللطيف.فلأجل ذلك قد خلقنا. )156( خطؤنا في الكثير من الأحيان أننا نقصد الماء الراكد نود أن نصطاد منه سمكًا، أو إلى بؤرة صخر نريد أن يصبح الصخر جوهرًا. نخطئ في التحديد ابتداء، وإذا ما اكتشفنا خطأنا؛ غابت عنا بوصلة تصحيح المسار.
عدد الصفحات ١٣٦رواء في زمن الجدب136 )157( أتعلمين يا ابنتي ما الذي يجعل الحياة تنتهي فينا؟ ليس الاستكفاء ولا خوف الاقتحام ولا حتى التعطيل أوالتسويف أوالتريث في اعتناق الحياة، إنما تنتهي الحياة فينا حينما نقرر رغم كل شيء أن كل شيء فينا قد انتهى، وأن ما ارتحل فينا لا فرصة له أن يعود، وبأن الأحلام قد تطردك، قد تخليك منك، وقد تعودين منها- إذا ما عدت- بكيان مشوه ووجود مبتور. وبأن مد العين لزهرة ما ترتاح له النفس وتسكن به الروح، جرأة وجسارة ولعب مرتجل خلال )158( تلك المرافئ التي تحتفي بتمزيق الأشرعة وبابتلاع حطام المراكب؛ تستحق أن تكبدي نفسك خسارة إبحارة إلى أعتابها. )159( أكبر جريمة نرتكبها في حق أرواحنا : في انتظار أن نحيا، ننسى أن هناك حياة بالقرب منا نستطيع أن نسترق منها جرعات حياة.
عدد الصفحات ١٣٧رواء في زمن الجدب137 )160( وكلما افتخرت نفسك بالطاعة، وتبجحت بالعمل وسارت بك في طريق المفاخرة والتعالي والاستكبار؛ ذكِّريها بغرقك في العصيان، واردعي صولتها باستعراض هوانك وضعفك وسقوطك في براثن الذنب؛ تلجميها وتجعليها لا ترى لها شأنًا لولا منة وتوفيق الله. )161( كثيرًا ما يتولد التقصير والجرأة على محارم الله من تلك الفجوة بين حضور القلب مشهد النعمة والإحسان، وبين شكرها بالطاعة. )162( أغلب من توغلوا في متاهات المعصية سقطة لم يعلموا بعدها كيف النهوض. وتسويف وتسويغ ووعد كذوب بالأوبة. أن تنحدري فتتنبهي فتئوبي؛ فذاك طبع الإنسان فيك. لكن أن تستمرئي الانحدار وتستلذي بما أنت فيه، وتجعلي للمعصية ألف مبرر كي تبقي متلبسة بها، أو أن تعمي عينيك كي لا تواجهيهما بأنها معصية وبأنها مخالفة لأمر الله وجرأة على محارمه؛ فذاك الذي يميت مسمى الإنسان فيك.
عدد الصفحات ١٣٨رواء في زمن الجدب138 )163( يا ابنتي، أمنياتنا الترابية.. لا نأمن أن تذروها الرياح. فلنجعلها كوثرية فردوسية نورانية؛ فالرياح لا تغالب النور. )164( ليس بالضرورة إزهاق روح بعض الأحلام ولا التخلي عما تشتهيه الأنفس في حدود الحلال، فتلك جبلة الإنسان وما خلقه الله عليه. تأملت كثيرًا في بعض مبهجات الحياة؛ فإذا بها- قبل أن تكون ترفًا- تيسر للعبد شؤون حياته، وتقربه من ربه وتسهل له سبل عبادته سبحانه. قد لا نكون في حاجة إلى التلبس بالزهد ولا إلى اعتزال الناس في صوامع، ولا إلى الاعتصام بجبال نتصوف في كهوفها وننتظر نهاية الرحلة. قد يكون فعلاً ما ينقصنا أو ما يُصلحنا بيت واسع وسيارة فارهة وأثاث راق ووو.. لكننا على كل حال ما علينا طلبها إلا بالسعي الحلال. والدعاء يقرب البعيد ويتيح ما نراه نحن بنظرنا القاصر مستحيلاً، ويجعل حصائد الشوك مروجًا. ما نحتاجه ليس التزهد ولا اعتناق الدروشة، إنما نحتاج إلى اليقين وإلى حسن التوكل على الله، بل إلى فهم معاني وحقيقة التوكل قبل أن نزعم أننا متوكلون.
عدد الصفحات ١٣٩رواء في زمن الجدب139 )165( ما الذي نحتاجه فعلاً كي نكون سعداء؟ وحي يروي قلوبنا الظمآى للرواء. وتقوى يجعل الله لنا بها مخرجًا من كل مدلهمات الدنيا الخديج. وقناعة نحول بها شظف العيش إلى بذخ الأمراء. وأرواح تسكننا ونسكنها، تشاركنا اهتماماتنا ونشاركها رسالتها في الحياة. ورقي وجمال روح وعمق نستمتع به بكل تفاصيل الحياة. )166( الذنب الذي لوَّن أيامك القديمة، لا تجعليه يلحق يومك الجديد فجر جديد.. توبة جديدة.. وقفات مع النفس لاستكمال فضائلها. أنت إنسان بضعفك، إنسان بصولتك وثورتك على ما يريد تكبيلك، نسمات الصباح تغري بتجديد التوبة والعزم على أن نري الله منا ما يحب. )167( كل ما نريده من حياتنا الموحشة المقصرة يا ابنتي، جرعة سكينة يبددها خوف ولا غفلة، ولا تعتريها فوضى ولا شرود، ولا.. ينغصها ضجيج ولا انتكاسة، وبصيص أمل.. والكثير الكثير من الأمان.. ومن الأحلام.
عدد الصفحات ١٤٠رواء في زمن الجدب140 )168( جميل أن تجدي في المحن من يواسيك وينصت إليك ويحمل عنك ويرتشف دموعك.. والأجمل.. أولئك الذين يشاركونك مشاهد التفكر في اللطف والود، ويقتسمون معك واردات الحكمة، ويبتسمون لومض بسمة منك قد نزت من شقوق شفتيك المتكلستين المصلوبتين على مقصلة انتظار الفرج، وقد علموا فذكروك أن الفرج لا يتخلف عمن فوض الأمر لفارج الكربات. فلتكوني يا ابنتي مزنة، تلك التي إن لم تصب على الناس وابل الرحمات وهم في جدب المحنة والمعصية والتيه والشرود؛ فطلّ. )169( إذا تيسرت لك يا ابنتي ساعة طاعة؛ فاعلمي أنما هو توفيق ذي المنة فكم من ساعات تمر عليك دون أن تشتغلي بشيء. وكم مرة احتجت فيها دقيقة فقط فلم تسعفك. )170( إذا خالج اليقين القلب المترع بالأوجاع، وسكن الفؤاد الواثق في كرم مولاه؛ جعل الله له بصيرة لا يرى بها إلا هو، وعيونًا تنقشع عنها أستار الحقيقة، وكشف له عن بعض أسرار لطفه سبحانه؛ فتقلب بين
عدد الصفحات ١٤١رواء في زمن الجدب141 النوائب والأدواء مستشعرًا رفق ربه و لطفه ورحمته سبحانه، وانقدح في ذهنه من العبر ما لا يفهمها سوى من جاد الله عليه بنفس القلب وبنفس البصيرة. وكفى بها نعمة لمن عرف حق النعمة. )171( ذاكرة الألم يا ابنتي لا تشفى.. ربما تُتجاوز، لكن سرعان ما تطفو على السطح كل تلك الأشياء التي خلنا يومًا أننا دفنَّاها إلى غير رجعة، فإذا بها تنبعث من مرقدها من غير سابق موعد. الإحساس بها في البداية اضطرار، فنحن لا نملك مشاعرنا ولا نعلم متى تستيقظ الآلام، لكن الاسترسال معها أو تجاوزها قرار؛ كي نسهل أو نعطل على الشيطان مهمة إحزان الذين آمنوا. )172( بعض ما تلقيه الحياة في طريقك يا ابنتي، تعاملي معه بمنطق التجار، احتياطية " أوبشن"منطق الربح والخسارة.. واتركي على الدوام خطة بديلة و كي لا يضيع كل رأس مالك في صفقة لا نفطن عادة إلى أنها خاسرة إلا بعد أن نبرمها..
عدد الصفحات ١٤٢رواء في زمن الجدب142 )173( فإن عافت نفسك الدنيا وتلظت بجحيم الحياة، فاعرجي بها إلى أبواب القائل سبحانه: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)، واسْري بها بقطع من الليل تعانق النقاء، و لاتلتفتي إلا وأنت على الحوض تغرفين غرفة لا تظمئين بعدها أبدًا. )174( أكبر جريمة نرتكبها في حق أرواحنا يا ابنتي؛ أن نقبل بالمتاح. فقط لعدم تصورنا لوجود بديل. )175( هل تتصورين يا ابنتي ما الذي يمكن أن تفعله قطعة حلوى أو شوكولاتة؟ تستطيع- هديةً- أن تجبر خاطرًا مكسورًا، وأن تجعلك- ساعة تدليل للنفس- تنتشين للحظات بنكهتها الفريدة، وأن تعلي من نسبة الدوبامين في الدماغ فتجعلك تشعرين بسعادة أكثر، لكنها قد تكون سببًا مباشرًا في تعطيل عقيدة الولاء والبراء عندك؛ حينما تقتنينها مشاركة لهم في عيد ميلاد تعالى سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا. )176( أجمل شيء في الانتظار أنه تجارة لو علمنا كيف نديرها، ليصير ذلك
عدد الصفحات ١٤٣رواء في زمن الجدب143 الذي نهدر بسببه الساعات والأيام؛ أفضل العبادات القلبية..حينما يتكوم القلب الصغير ويسجد بين يدي مولاه طالبًا الفرج العاجل القريب. يطلب الغوث والمدد من الولي المغيث، ويسأل فارج الكربات أن يفرج همه. يبذر بذار دعواته وينتظر الزرع من مخرج الشطء.. والصبر يؤازر الدعاء ليستغلظ اليقين ويستوي على ساقه؛ فيبتهج القلب المترع بالأحزان بمعية الله، وولاية الله، ولطف الله. )177( نذنب فنستوحش، ولربما ذاك الذنب لم يترك لنا نقطة حياء في وجوهنا، وكبل جباهنا أن تطلع إلى خالقها وقلوبنا أن تسجد بين يديه سبحانه، ولربما جرنا إلى اليأس والقنوط.. ولولا بارقة الأمل تلك، بأن الله ربنا غفور رحيم؛ لشردنا ولغرقنا في أوحال ذنوبنا، ولأنجبت المعصية معصية أكثر منها. )178( قد أصلح بينك وبين الناس منة و تفضلاً. وشكر المنة؛ أوبة وتصبُّر على الطريق. فاهرعي يا ابنتي إلى إصلاح ما بينك وبينه سبحانه، ولا تتكلي على دوام عفوه و ستره. فإن الستير يفضح، والغفور يأخذ بالذنب..
عدد الصفحات ١٤٤رواء في زمن الجدب144 وإذا ما غفر وصفح، أمهل ولم يهمل، ومد في أجل التوبة أنرجع أم نبقى في غيِّنا. ومن يؤت البصيرة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. والحكمة نعمة وكفى بها نعمة. )179( « يا ابنتي، هل يمنع الحزن الدفين من أن نستبشر كي تكون لنا البشرى؟ وهل يمنعنا الاستبشار من أن نتألم؟ ابيضت عيناه- عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام- لفراق الحبيب، وقال يا أسفى وتولى وهو كظيم كميد كئيب مغموم مكروب، وقال (وأعلم من الله ما لاتعلمون). فهل أثناه الحزن عن الأمل فيما عند ربه الكريم الجواد!؟ و قال قبلها: ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا)، فهل أثناه أمله ورجاؤه في لقاء أبنائه وفي فرج ربه عن أن يحزن و يتألم!؟ الآلام لا تبرح من كان له حس، والأحزان والخيبات سُنة المجبولة على الكبد والنصب، ونحن متقلبون بين بسمة وزفرات وبين نشوة و دمعات. وإذا ما صفت لنا ساعة، فعلينا أن ندرك أنها إلى غيوم وكدر، وأن الأصل في الحياة
عدد الصفحات ١٤٥رواء في زمن الجدب145 الهمّ والغم والمصائب حتى لا نركن إلى الدنيا ولا نستعذب صفاءها المؤقت، وحتى تتوق أنفسنا إلى دار السعادة الدائمة، ونكون دائمي الأهبة والاستعداد لما تلقيه الأقدار في طريقنا، متوقعي الاصطدام بالخيبات حتى لا نتلقاها تلقي المعتوه الذي يفزع لسماع قطرة ماء منحدرة فوق زجاج نافذة. )180( بعض الأمور التي نستعظمها ليست بشيء عظيم في جانب حكمة الله وإرادته وقوته وعزته وغناه سبحانه. بعض الأذى الذي يصيبنا، وبعض الضر الذي يمسنا لا يصرف إنفاذ مراد الله و لا يعطل رسالته سبحانه التي ارتضاها لعبيده. النبي ﷺ عاش الفقر والحروب وأوذي ومسه الضر وأهله، واتهمت زوجته الطاهرة زورًا وبهتانًا، وكسرت رباعيته الشريفة، ولكن لم يعطل ذلك رسالته التي اختارها الله لعباده. (هو علي هين) وبعضنا قد يصاب في بدنه أو في ماله أو في ولده، ولكن يحفظ الله عليه دينه، فما بلاؤه أمام حفظ الدين؟ (هو علي هين) وما الذنب أمام رحمة الله لمن تاب وأصلح و أناب؟ (هو علي هين) وما الفقر أمام غنى الله لمن توكل عليه حسن التوكل وأخذ بالأسباب وافتقر لمولاه وأطال قلبه السجود بين يديه سبحانه؟ (هو علي هين)
عدد الصفحات ١٤٦رواء في زمن الجدب146 وما الذل أمام عزة الله لمن تملق وتذلل وأناخ مطاياه بباب الله؟ (هو علي هين) فاللهم حقِّر في قلوبنا الدنيا، وهوِّن في أعيننا مصائبها، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا. اللهم إنا نسألك يقينًا صادقًا وإيمانًا كاملاً وقلبًا متعلقًا بك وبجودك ورحمتك. )181( روح شفيفة، وحس متجذر في العمق، وعيون محبة للجمال تلك كل القضية يا ابنتي حتى تستشعري الجمال في كل ما يحيط بك، وتجعلي من كل القصاصات موضوعات للتأمل والتفكر. )182( قلت لك : حرري نفسك من ربق العبودية، لا تجعلي سعادتك مرتبطة بشخص أو بشيء. أنهيت كلامي، ثم رجعت لنفسي أتهمها على تلك المغالطة التي يفتيها علينا أحيانًا الإغراق في طلب الحكمة. و ما السعادة إن لم تكن ارتباطًا بشخص أو بمكان أو بزمان أو بشيء؟ وما الإشراقة إن لم تكن لرؤية خيوط الفجر أو لملمس جورية
عدد الصفحات ١٤٧رواء في زمن الجدب147 واستنشاق عبيرها؟ أو لإبحارة في عيني طفل مواربتين تتلمسان الدفء في عينيك والأمان في أحضانك؟ وما التحليق طربًا إن لم يكن في سفر عبر دفتي كتاب أوله كتاب الله؟ وهل لرواية الحياة من مسمى وهي منفصلة عن الزمان والمكان والشخصيات؟ ما السعادة إذًا، وقد جردناها من تفاصيل السعادة؟ )183( ليس تشاؤمًا ولا يأسًا ولا قلة رجاء وأمل أن تقيّمي مشاريعك و أحلامك فتضعي رجليك على الأرض، وتري ما يمكن تحقيقه عاجلاً ولا يمكنه الانتظار، وما يمكن تأجيله- لا بتره من قائمة الأحلام- وما يجب العمل عليه في صمت ونثر بذوره وانتظار خروج الشطء بعض المشاريع وقتها الآن.. الآن فقط وليس غدًا، وبعضها سذاجة ورعونة وسفه أن نحاول تحقيقها ولمّا يحِنْ وقتها. )184( بعض من تلقيهم الحياة في طريقنا يا ابنتي؛ نجاريهم كي لا نعين الشيطان عليهم. بعض الكلمات بلاسم وماء بارد يطفئ لهيب الحنق والغيرة. و مواراة لا يضر.” طبطبة“قليل
عدد الصفحات ١٤٨رواء في زمن الجدب148 )185( وكل الفتيات بناتي - على موقع استشاري– سألتني فتاة كيف لي أن أشبع الجفاف العاطفي الذي بداخلي و أصنع عالما نقيا خاصا بي وأعف نفسي عن الحرام ( أهلي لا يشبعوننا ولا يهتمون، و الحلال غير متوفر الآن ؟ فرددت عليها : هل تظنين يا ابنتي أنك أسوأ حالا من غيرك من البنات، وأنك وحدك من تعانين من الجفاء والجفاف العاطفي في أسرتك؟ وهل تظنين أن أغلبية الأسر العربية متفطنة لهذا الاحتياج من الأولاد متفرغة لمنحه لهم ؟ الأب مشغول بلقمة العيش في أفضل أحواله إن لم يكن مغيبا بإدمان ومقاه واستراحات أو بمواقع التواصل الاجتماعي، والأم مطحونة بعجلة الحياة في أفضل أحوالها تسري بين الأشغال وتعرج بين النكد والمشاكل والمسؤوليات إن لم تكن متنصلة من دور الأمومة والزوجية.. وحتى في تلك البيوتات المستقرة العالمة بدورها، هل تظنين أن ما يمنحونه لأولادهم من حب وحنان سيغنيهم ويعوضهم عن الحب والحنان من الجنس الآخر؟ هذا الاحتياج فطري غير مستغنى عنه بغيره في كل الأحوال، فلا حاجة إذن لتبرير قوته بعدم الحصول عليه من الأهل.. نرجع إذن لسؤال جوهري؟ كيف أتغلب على هذا الاحتياج فلا أقع في الحرام؟
عدد الصفحات ١٤٩رواء في زمن الجدب149 سيكون من سؤال المستحيل ومن النصح بما لايطاق أن نسأل الفتاة أن تلغي هذا الاحتياج وأن تئده، لأنه كما سلف فطري جبلي ينمو فيها تماما كما ينمو جسدها وعقلها، لكن ما سنطالبها به أن تحاول ما استطاعت ترشيده وعدم إعطائه فرصة أن يهيج عليها فترتكب الذنوب وتنتهك محارم الله بسببه.النبي ﷺ قد أرشد الذي لايستطيع الباءة إلى الصيام، فأشغله من جهة عن حاجة الجسد إلى شهوة؛ بحاجته إلى شهوة غيرها، ومن جهة إلى الانشغال بمعالي الأمور وبالانهماك فيما يرضي الله ويقرب منه عن التفكير فيما لا يستطيع الحصول عليه على الأقل في الوقت الراهن.. وبنهج نبيك عليه أفضل الصلاة والتسليم أنصحك يا ابنتي أن تقتدي.. انشغلي بأورادك من قرآن وأذكار ومطالعة كتب دينية خاصة الفقهية منها كي تعلمي حقوقك وواجباتك وحقوق الله وحقوق زوجك المستقبلي عليك، وبدراستك وبهواياتك وبمساعدة والدتك في أشغال البيت من جهة كي تتعلمي، ومن جهة كي ترضيها عنك، ومن جهة كي تنشغلي عنك.. اهتمي بتعلم الأنوثة وبما ستستقبلين به هذا الحلم إن تحقق، وركزي على أمر مهم جدا وهو كيف تحافظين على عدم إهدار مشاعرك في الحرام ومع من سيجعلك تذلين وتنظرين إليك في ازدراء أو من سيجرك للرذيلة.. كيف تحافظين على نفسك وقلبك لفارس واحد هو من سيكون أبا لأولادك.. كيف تبقين في عينك شريفة نظيفة عفيفة فلا تنظري إلى أفلام ولا تهيجي مشاعرك بأغان ولا تخلقي علاقات مع الشباب بدعوى البحث عن إشباع عاطفتك فإنها لن تشبع إلا بالحلال..وبين كل هذا وذاك، استعيني بالله وتملقي له سبحانه ألا يكلك إلى نفسك طرفة عين وأن
عدد الصفحات ١٥٠