المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواء في زمن الجدب

كمال اليماني

صفحة ٨ من ١٤

رواء في زمن الجدب118 تذكري يا ابنتي أن كل من على الأرض هالك ضائع تائه غارق في العصيان.. لولا ستر الله وحفظه ولطفه؛ فاستمسكي به سبحانه، وتملقي له أن يقبلك على ضعفك.. وكلما سقطت انتفضي وارجعي واستغفري، واعلمي أن الله ما خلقنا ملائكة معصومين، وإنما آدميين خطائين وخيارهم التوابون الأوابون الذين كلما زلوا استغفروا وجددوا الميثاق. هداني الله وإياك يا ابنتي، وسترنا بستره وحفظنا بحفظه، وجعلنا ممن أحب من عباده التوابين. )105( فكرة سلبية واحدة كفيلة بأن تزج بك في سجن نفسك، أو أن تقسمك شطرين : شطر يسجنك وتظنين أنك له السجان، وشطر يتفنن في نسفك.. فاطردي عنك العجز واليأس والسلبية، واطرحي عنك النظارات القاتمة التي تلون الحياة بالسواد. )106( ياابنتي، في أحداق الفجر تنبت الأمنيات.. تلك التي سقتها مدامع النجم.. فاسقي أمنياتك دعوات خالصات.. اسقي بها الأرض تحت جبينك لحظة تذلل ليليٍّ وانكسار لمجيب الدعوات.

عدد الصفحات ١١٩

رواء في زمن الجدب119 )107( خذي عني يا ابنتي، أغلب ما نبتلى فيه؛ تلك الأشياء التي نحمل رسالتها، وتلك التي نتشدق بقدرتنا على تجاوزها أو مواجهتها حال الرخاء. )108( أكبر الحمق والعتاهة؛ أن نحاول أن نجنب أنفسنا القادم الذي نخشاه بخشيته قبل أن يقدم. )109( أكبر جرم يرتكبه من حولك في حقك؛ أن يحاكموك بسبب أقدارك، فاحرصي يا ابنتي على ألا تحاسبي أحدًا على شيء قد كتبه الله عليه.. لايد له في حصوله،ولا دفع له إلا أن يشاء الله ويقدر. )110( نحن لا نختار أقدارنا.. تلك التي لايد لنا فيها ولايمكن بحال أن تكون، لكن لا عذر لنا فيما يمكن تغييره وتحسينه وفيما يمكننا الاستماتة والكفاح لأجل تحقيقه. نسأل الكريم سبحانه جوده وكرمه وعونه وسداده.

عدد الصفحات ١٢٠

رواء في زمن الجدب120 )111( معتوهون، أولئك الذين يضيقون عليهم رحابة الحياة حولهم، ويحاصرون أنفسهم في شرنقة قرار. يكفيهم أن يقصوا شرائط الأسلاك الشائكة الملتفة حولهم، وأن يلملموا شظايا أرواحهم المنتثرة في قلاع العبث، وأن يقتحموا عوالم الصفاء والنقاء. )112( لو سكن الضيق تجاويف الكهوف، وتسرب الهم بين شقوق الجحور وعشش بين نتوءاتها؛ لتبعه الذكر ينسف سكناه ويبدد أسواره وينقض في أعماقك شعثه المتشعب. ذكر وشكر وابتهال.. خير ما نبارز به الضيق والأحزان. )113( يا ابنتي، قرري من أنت؛ كي تسهلي على من حولك أن يعاملوك.

عدد الصفحات ١٢١

رواء في زمن الجدب121 )114( وما الحياة إن لم نكن لنعيشها بعمق في كل تفاصيلها؟ وما عيشنا إن لم تكن لكل لحظة آنية عندنا اتساع مساحة لحسن استقبال ما تلقيه الحياة في طريقنا؟ )115( لا تدققي كثيرا، فإن كثرة التدقيق ستفسد عليك الحياة.. هناك أشياء كثيرة في الحياة نقضيها بتركها، ونتجاوزها بتمريرها وعدم التدقيق فيها.. أمِرِّي ما استطعت، وتغافلي وتجاوزي وأغمضي عينيك على ما لا تستطيعن فتحهما عليه.. لعل المركب يسير دون أن تغرقه العاصفة. )116( نهرم حتمًا ساعة عبوس، ثم إذا ما ابتسمنا عدنا أطفالاً لا تجعلي الابتسامة تفارقك يا ابنتي، حتى في تلك المواقف التي لا يفترض أنها خصيمة الابتسام؛ تدومي طفلة وإن صار لك من العمر مئة سنة. )117( بعض الأشياء الجميلة قد لا نجد غضاضة في أن نفقدها.. فقط لأنه حمل ثقيل علينا أن نحافظ عليها.

عدد الصفحات ١٢٢

رواء في زمن الجدب122 فاحرصي يا ابنتي على عدم الاستسلام، وعلى الدفاع عن وجودك وعن حقك في أن تكوني سعيدة. واعلمي أن الحسرة والندامة على التفريط ساعة ضعف ويأس واستسلام؛ أشد وجعًا من القبول بالمتاح. )118( أحيانًا كثيرة؛ نحن نخطئ بالترقيع. كل ما نحتاجه مرات؛ أن نمزق أن نرقع، وأن نعتنق حياة جديدة. تعلمي يا ابنتي متى عليك أن تخيطي ما انفتق، ومتى عليك أن ترقعي ما تمزق، ومتى عليك أن تنقضي كل النسج ثم تحيكي من جديد. )119( وما اليقين يا ابنتي سوى أن تنظري للُّطف وللفرج بعين الواثق من مولاه وقد أعجزه السبب. )120( أتعلمين ما الفرح يا ابنتي ؟ ذاك الذي عليك أن تنسجيه من عطر القوافي، ومن لون الأقاحي، ومن صرخة القمر الذابل المتشبث بخيوط المساء، ومن عودة الربيع إذا ما الربيع هطل، ومن عبق النسيم المستوطن بين الضلوع، ومن الآهات واللوعات، ومن زفرات باتت تسكن منك الوجدان.

عدد الصفحات ١٢٣

رواء في زمن الجدب123 )121( وما الحكمة يا ابنتي ؟ ضربة شجت الرأس وكسرت الحنايا ومزقت الفؤاد، ونفضتك منك كي تعيد ترتيب أشلائك الممزعة. )122( سألتني : وكيف أبتسم وسط هذا الخراب؟ فقلت: بتكلف الابتسامة، وبالبحث عن بقايا الورد المنتثر بين حصائد الأشواك. )123( ستجتاحك الخيبات، وسيستبد بك الخذلان؛ لتنحسر فيك الحياة ويتوقف فيك النبض، أو لكي ترفعي سقف تطلعاتك فلا تقبلي إلا بالمعالي وبما يقدر فيك ذاك النضج الذي أكرمتك به متاهات الحياة. )124( يكفيك أن تكوني واثقة مما تفعلينه، دارسة لخطواتك، مفوضة أمرك للوكيل سبحانه، راضية بأقضيته وأقداره؛ كي تكوني أكثر جسارة وأكثر إقدامًا في اتخاذ قراراتك، ولا تنتظري بعدها أن يبجِّلوك وأن يصفقوا لجدارتك واقتدارك على رفع التحدي والاطمئنان لما اخترته منهجًا لحياتك. تهيئي

عدد الصفحات ١٢٤

رواء في زمن الجدب124 لخانات تصنيفاتهم ولدساتير محاكماتهم ولوصمك بكل ما يوصم به من قرر أن يغرد لكن خارج سربهم، حينها وحينها فقط سيظهر لك إن كنت فعلاً واثقة مما تفعلين، أم أن زمجرة من رعودهم ستثنيك وستكشف قوتك المزعومة وتحديك المفتعل. )125( أكثر ما يجعلنا صيدًا ثمينًا للأحزان يا ابنتي؛ أن نعاندها فترفع تحديها علينا، أو أن نستسلم لها، فتتوقف فينا الحياة. نحن حينما نحزن، نكون أمام أمرين: إما أننا نعطي الحزن حقه في أن يستبد بنا، أو أننا نعطي لأنفسنا حقها الكامل في أن تتألم بصدق؛ كي نستبد نحن بالأحزان. )126( سألتني يومها: وما العمل لمواجهة الأحزان؟ فقلت: أن نعطي أنفسنا حقها في أن تحزن لكن دون أن نستمرئه، أو أن نجعله نهج حياة، ثم نمضي في طرقات إنجازاتنا وانهماكاتنا. نحن حينما نتغافل عنه بداية؛ فإننا لا نفعل أكثر من تخديره لوهلة، ثم ما يلبث أن يندثر التخدير فتستيقظ الآلام أكثر شراسة.. نحزن لأن هذه هي الطبيعة البشرية، لا نسترسل حتى لا نمكن الشيطان من تحقيق عهده، وحتى

عدد الصفحات ١٢٥

رواء في زمن الجدب125 لا نصير سجناء الحزن فيقعدنا عن مسئولياتنا وعن رسالاتنا وعما خلقنا لأجله. نجعل من الحزن طاقة لأجل الإنجاز ولأجل مزيد قرب من الإله، كلما هاجمنا الحزن بعدها ننفثه دعاءً أو حرفًا أو دمعًا نضمد به الجروح، ثم نستأنف مرة أخرى المسير. نشوش على الإحساس بالعقل بحيث نعيد ترتيب أسباب ذلك الحزن. )127( أتعلمين ما الهزيمة يا ابنتي؟ أن نطيل الوقوف بين يدي الأطلال، وندمن المثول مصلوبين على أعتاب المستحيل، ثم نمضي ما تبقى من عمرنا هاربين من كل شيء.. بدءًا بذواتنا. )128( احترامك لنفسك وتقديرك لها؛ أن تضعيها حيث يجب أن تضعيها، ف تمدي عينيك لما تعلمين قبلاً أنه ليس لك ولن يكون. وألا تتركيها مداسًا للعابرين. )129( لا تعرضي بضاعتك على زاهد فيبخسها، ولا على متلهف فيثمنها بأكثر مما تستحق، حتى إذا ما انقضت لهفته، أصابها منه الكساد.

عدد الصفحات ١٢٦

رواء في زمن الجدب126 )130( تريدين أن تشغلي نفسك عنك وعما أنت فيه، وأن تستنقذيها من براثن الهم والكرب والوجع العتيق ؟ انشغلي؛ كي تنشغلي. انهمكي في كل شيء جميل رقيق، عساك تستخرجي الجمال الذي فيك، فالألم يشكلنا في أبشع الصور ويسرق منا عبق الأنفاس وأكاليل الندى التي تطوق الأرواح. وإن بركة القرآن لترينها تحلق بالقرب منك، ترتب شعث ما تشابك فيك، وتسقي بتلات روحك الغافية تشذب منها الجذور، وتعيد لصدرك ترنيمة الحياة. )131( ولأنك يا ابنتي مهووسة بالمعالي، وسقف توقعاتك سامق؛ فتحلي بالانتظار وتحرزي أن يلفظك الصبر ذات تعب فتقبلي بالمتاح؛ فيخر عليك السقف. )132( دعيهن يا ابنتي يمارسن هوايتهن المفضلة؛ فن التأويلات والوشوشات وتراشق الغمزات. ربما لا يزعجهن كلامك ولا وجودك، ثقتك بنفسك وحدها قادرة على أن تجعلهن ينظرن إلى أنفسهن في ارتياب، وأن يتحاشين لقاء عيونهن في قطع المرايا.

عدد الصفحات ١٢٧

رواء في زمن الجدب127 )133( أكثر القرارات خطأ يا ابنتي، تلك التي نتخذها في حالة انفعال. تنتهي شحنة رد الفعل، ونبقى رهائن تسرعنا. )134( يا ابنتي، أتدرين ما التعاسة؟ أن تأتيك الأنوار متراقصة تداعب عينيك؛ فتتواري منها بغمضة جفن، تخشين أن تصيبك منها نفحة. )135( نظرة الناس إليك وكلامهم عنك قد لا تعدو أن تكون نظرة وكلامًا، فانظري إلى حديثك لنفسك عن نفسك؛ فذلك ما يرسم صورتك أو يمزقها. )136( يا ابنتي، نحن من نغلق على أنفسنا سجون أفكارنا ونمنع عنا رحابة الفضاء، حتى إذا ما فرطنا يومًا سلاسلنا، اكتشفنا أن الكون أوسع مما كانت تلتقطه لنا عيوننا من خلال عيدان القفص.

عدد الصفحات ١٢٨

رواء في زمن الجدب128 )137( نسائم الفرج وتباشير الفرح.. إن لم تطلَّ عليك طواعية، فتعرضي لها أجمل خيوط الفجر، تلك التي مزقت لأجلها سدول الليل ووثبت تلاحقينها، لا تلك التي انتظرتها أن تخترق النوافذ كي تداعب منك الجفون. )138( ستتحررين وستتقدمين، حينما تعلمين ما لك وما عليك. حينما تتحررين من ربقة المجتمع السالب النائم في هوة سحيقة من هوات الجاهلية. حينما ستفهمين نصوص الوحي على مراد الله ورسوله ﷺ وتبذلين الوسع لتفعيلها. حينما تتجردين من التبعية والنمطية والخوف من الناس على حساب أحكام الدين. )139( من قبضة الذنب، وسجن الخطيئة، وبراثن العصيان؛ أرسلي يا ابنتي زفرات ندم وحركي القلب بالندم والذكر والاستغفار؛ فإن النور يغالب العتمة، ينتصر عليها. وإن مضغة تئن شوقًا للنقاء ولبراءتها المتجاوزة طيشًا وضعفًا، وللذة الخضوع ونعمة الرجوع؛ لحَريٌّ بها أن تنبت من جديد كما ينبت البقل من لمسة ماء بضفاف الأنهار.

عدد الصفحات ١٢٩

رواء في زمن الجدب129 )140( نسميها ضيقًا، ونسميها مللاً، ونسميها فراغًا روحيًّا، ونسميها غربة ذواتنا عنا. وما هي إلا وحشة لا يزيلها سوى قربه والأنس به وصدق محبته سبحانه. )141( نصر أحيانًا كثيرة يا ابنتي على التشبث بما نراه بعيون هوانا صالحًا لنا، وقد نستميت في الدفاع عنه ونحن لا نعلم أن كل الخير في غيره. حتى إذا ما أعاننا ربنا على الرؤية بوضوح، واختار لنا غير ما كنا نريد؛ حينها- وحينها فقط- نعلم دور الاستخارة المتكررة يقينًا في أن الخير بيد القدير العليم. اللهم اختر لنا؛ فإننا لا نحسن الاختيار. )142( ستهزمينهم.. حينما ستعتادين على خوض معاركك بابتسامة هادئة )143( والمعصية على استقباحك لها يا ابنتي، وعلى اقتناعك حال العافية باستحالة ورودها عليك وورودك عليها؛ قد تتلبسين بها وتسقطين في حبائلها في وقت كنت تعتبرين ذلك من المستحيلات، بل إنك لترين في نفسك قدرة

عدد الصفحات ١٣٠

رواء في زمن الجدب130 هائلةً على التصدي لها إذا ما داهمت حماك، و استعلاءً عليها وجزمًا باستحالة أن يقع منك ذلك ما دمت تعلمين أنها معصية وما دمت تراقبين الله. و قد تتكون لديك هذه الصلابة من تجارب سابقة لك أو لغيرك، ومن تقززك منها ومن ثقتك التامة في كرهك لها، وقبل هذا وذاك من حفظ الله، فإذا بها تتزين لك وتتبرج لك وتأتيك في هيئة لم تعهديها عليها، تغلق دون عقلك التفكير ودون عينيك الإبصار، فلا تسمعين إلا نداءها، ولا ترين إلا صورتها، فتبرر لك ضعفك أمامها، وتغريك باقترافها. وفي لحظة انهزام تام وانهيار أمام حيلها وضعفك؛ تجدين نفسك في براثنها، فلا تستفيقين إلا والحرقة تفتك بك، و الألم النفسي لما رأيت منك من ضعف وخوار مصاحبك، والخوف من عدم قبول توبتك أو الموت قبل تحقيق ذلك يكبلك. فياليت شعري، حفظ منها ابتداء وعافية وراحة بال- والعافية أوسع لنا- أم دموع انكسار وحرقة وتوبة نصوح وحياء من الله وعزم على الحيطة وعدم العود، أيهما يقرب العبد إلى ربه. )144( يتهاوى الجسد إذا ما تهاوت الروح ونتساءل مابال أطرافنا ثقيلة، وما لهذه الأرجل لا تكاد تحملنا، ومابال الأوجاع تهجم علينا لا نعلم لها سببًا، وما هذا الوحش الجاثم على القلب وعلى الأنفاس.

عدد الصفحات ١٣١

رواء في زمن الجدب131 إنها الروح الفارغة من نسائم الأذكار ومن عبق الاستغفار ومن معاني التوكل على الوكيل المجير سبحانه. )145( الورقة التي تخشى الألوان.. لا يمكن أن تصبح لوحة رسم )146( إذا ما حذروك أنفسهم يا ابنتي، فعَلَى مَن اللوم إن أحسنت بعدها بهم الظن؟ )147( حمد الله على نعمة يراها الناس نعمة واتفقوا على أنها كذلك.. فضل وخير لكن تفردك بمعاني الشكر والحمد لما يراه غيرك نقمة وابتلاء، وترينه لطفًا ونعمة وهبة قد أنعم عليك بها اللطيف الخبير، وألهمك معرفة بعض من تصريفات الحكمة فيها؛ نكهة لا تعدلها نكهة، ولذة تجدين بردها في فؤادك، وعبقها في كل ترتيبات حياتك، وحسنها كلما تدبرت في تصاريف قدرك وما قضاه الله لك. )148( داوي أحزانك وإحباطاتك يا ابنتي بجرعات لامبالاة.. كثرة النبش تهيج الثعابين.

عدد الصفحات ١٣٢

رواء في زمن الجدب132 )149( أحيانًا كثيرة يا ابنتي؛ نحن لا نحتاج إلى أن نحصد السنابل.. نحتاج إلى زرعها. )150( قد نلجأ إلى محاولات في التغيير تنكيلاً بالسأم والرتابة التي تطال حياتنا. قد نعمد إلى تغيير شكل ملابسنا أو الألوان التي اعتدنا عليها، نتوسم خيرًا في تغيير أثاث البيت، أو تحويل وجهة المكتب، أو في نظام أكلنا، أو حتى في صور أيضًا تغيير الوجوه التي تحيط بنا والاستعاضة عنها بغيرها، وقد يعلو سقف متطلباتنا وتتطلع العين إلى ما هو أكثر، فنسارع إلى البحث عن خلاص من بيئتنا كلها فنفتش عن مرافئ خارج حدود الوطن؛ عل تغيير الأماكن يغير ما أسن بالروح. نبحث جاهدين عن تلك الحركة التي منها سيكون القضاء على موجة الكآبة والسأم التي تغرقنا، وننسى أن ما يجب علينا أن نغيره بحق؛ تلك الأشياء التي تقيد أرواحنا وتسجن نفوسنا، وتلك الجبال التي توحلنا في طينها فتتشكل المعصية والذنب مرضًا يسكن تفاصيل أجسادنا، وتقصيرًا يلون حياتنا بالكآبة والأوجاع والضجر.

عدد الصفحات ١٣٣

رواء في زمن الجدب133 )151( أتعلمين ما أشد العزلة يا ابنتي ؟ تلك التي تحبسك في سجن أعماقك )152( الحزن المفاجئ وانقباض الصدر والضنك أحيانًا كثيرة هو كما ارتفاع عدد الكريات البيضاء في الدم؛ لتخبرنا أن شيئًا ما في الجسم ليس على مايرام، وأن قدرتها الدفاعية والمناعاتية قد قلت. يخبرنا بكل ما أوتي من تنغيص أن القلب قد ركن، وأن الهوى قد استعصم، وأن الرِّجل قد زلت، وأننا قد خنا العهد ونقضنا الميثاق. ترشدنا إلى الرواء وإلى جرعة استشفائية مستعجلة بناصية ساجدة ودمعة متوسلة واعتصام بكرم الكريم وولايته وهدايته وحفظه وستره، وسؤاله سبحانه الثبات والصون، وأن يصرف عنا كيد الشيطان وشر نفوسنا وشر كل ذي شر. )153( تعلمي يا ابنتي أن تفاضلي بين ما ستفقدينه و بين القيمة المضافة التي ستحصلين عليها إن أنت فقدته. وأن تعملي بين كل ذاك على ألا تفقدي نفسك.

عدد الصفحات ١٣٤