المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواء في زمن الجدب

كمال اليماني

صفحة ٦ من ١٤

رواء في زمن الجدب86 الناظرين إلينا، فيكشف الله طويتنا، ويظهر سريرتنا لأقرب الناس إلينا دون غيرهم عَلَّ الصفعة تفيقنا، ويعامل جحودنا بلطفه علَّنا نرعوِي ونعترف ونتوب ونحسن ونصلح. لكن يغرنا لطفه فنتمادى، ويجرّئنا حلمه ورفقه فننشئ لنا صفحات مكرورة من نفس الذنب. الغفلة يا ابنتي؛ أن نسدر في الخطأ، وأن نستمر في الغي، وأن يكبلنا الجحود والعناد.. أن تسرقنا الفتن، فننسرق لها، وأن تطوقنا النقم فننيخ لها المطايا، وأن تكبلنا الشهوة فنستعبد لها.. أن نعلم مواطن فتنتنا ونحدد من أين نؤتى؛ فنمارس العمى كي لا نرى بعين البصيرة هواننا. فنحب ما نحن عليه ، ونفتخر ببطولاتنا فيه، ولربما دعونا له فضللنا وأضللنا، فنبوء بإثمنا وإثم من دعوناهم إليه. أن نستفيق للحظة، لكن تلك الفتيلة التي جعلت لتضيء ما حولنا، نعمي بنارها أبصارنا ونستلذ ببؤرة الظلام. الغفلة يا ابنتي؛ أن نعلم أن الوفود على عليم رقيب سميع بصير محيط شهيد مهيمن حفيظ، وألا نهيئ جوابًا كافيًا مستوفيًا مقنعًا لما نحن عليه إذا ما بادرنا ملك الموت، وحضر الوقوف بين يدي الآخذ بالذنب شديد العقاب. أن ننسى في خضم الفتنة أن نسترجع الأنفاس، وأن نخطط للنجاة فنهيئ جوابنا.. جوابًا منمقًا مزوقًا مرتبًا بليغًا كما نفعل في الدنيا، وأن ننسى أن الوفود على عليم، وأن الشهادة يومها ممن أنطقها الذي أنطق كل شيء.

عدد الصفحات ٨٧

رواء في زمن الجدب87 )49( أتدرين يا ابنتي ما الرحيل؟ أن نودع كل يوم صباحاتنا ومساءاتنا ولحيظات الفرح وسويعات الحزن دون أن ندرك أنها نحن وأنها لا تعود وأننا لن نعود. أن نشغل أنفسنا كي ننشغل، وأن نمرر الأوقات كي تمر. وأن نعمل وأن نعمل، وكل ما فينا وكل ما حولنا يعمل فينا. أن نعلم أن الدرجات تبغي تشميرًا فنتقاعس، وأن الدركات حوطتها كل تلك الأمنيات التي نروم أحيانًا اختصار الطريق لتحقيقها فنتوه ونتوه.. وتتوه عنا، لكننا-رغم كل شيء- نظل نلاحقها. أتدرين ما الرحيل يا ابنتي؟ أن نرى أنه قد سقط من أوراقنا الكثير، وأن ما تبقى وإن كثر قليل، وأن نرى حولنا من يتساقطون كل لحظة، ومن يودعون أحلامًا كانت مثل أحلامنا، فنغمض- رغم كل شيء- العينين ونبتسم ونمضي في دروب لهونا. ونضع- رغم كل شيء- الفسيلة لا نزرعها. )50( يا ابنتي، قد نجتهد في دراسة العقيدة ومصنفات التوحيد، وقد نجد في أنفسنا خفة ونشاطًا لالتزام السنن ومحاربة البدع، وقد نتنبه فعلاً إلى ضرورة ذلك

عدد الصفحات ٨٨

رواء في زمن الجدب88 وأولويته، لكننا قد نسقط- لولا مدد الله وهدايته وكلؤه وتوفيقه- في شهوة تنسينا اتباع الأمر واجتناب النهي، وفي هوى يدفعنا للرياء والسمعة، وفي غفلة تبني أسوارها على القلب وتنسج حجبها عليه. ومنا من سيتحايل على الرخص، ويخطط ليرتع حول الحمى أو لربما ليرتع فيه، ومنا من سيُنَظّر للمعصية ويجعل منها كبائر معروف حكمها، وصغائر لا بأس من اقترافها ما دامت العقيدة صحيحة والمنهج سليمًا، ومنا من سيغتر بثناء من حوله عليه، أولئك المنبهرون ببيانك وحلاوة لسانك، المغرورون بستر الله عليك وعدم فضح سريرتك وكشف طويتك. ولا منجى لنا من هوانا وشيطاننا ونفسنا الأمارة؛ إلا بطلب الغوث من المغيث، وبتوبة متجددة تمسح عنا أدران العصيان وتفتح لنا قناطر الإياب، وبالتزام الصراط المستقيم عملاً ودعاءً للبقاء عليه حتى نلقى على ذلك ربنا. )51( استجمعت كلماتي ورصصتها كي تكون قوية وحانية في نفس الوقت قررت أن أكلمك عن حال الدنيا وبأنها دار كبد، وعزمت أن أذكرك بالصبر وبالرضا، وقلت أجلس معك ساعة زمن أُطيِّب خاطرك وأسلّيك وأشغلك عن التفكير في وجعك. دخلت عليك غرفتك كي أنثر بين يديك بعضًا مما جاش في صدري وألقنك بعضًا من ذاك الذي مازالت تلقنه لي الحياة.. وجدتك سارجة في

عدد الصفحات ٨٩

رواء في زمن الجدب89 أنداح السكينة ترشفين من عبق القرآن، فوقفت مرتبكة. قد لقنْتِني أنت يا ابنتي درسًا جميلاً في اللوذ بالله وفي إناخة المطايا ببابه. وروحك التي كانت منذ سويعة فقط تضج وتمنع عنك السكون، قد هدأت. إنما ضجة الروح يا ابنتي من حاجتها للرواء. وهل أفضل من القرآن لها رواء!؟ )52( أتعلمين يا ابنتي؟ أهون ألف مرة أن يظنوا فيك الشر، ثم يعاشروك ليمضوا ما تبقى من عمرهم يعضون أناملهم على سوء ظنهم بك؛ على أن يتوسموا فيك الخير ويظهر لهم منك كل حسن وجميل، حتى إذا ما اقتربوا منك فُجعوا، واضطروا إلى أن يكملوا ما تبقى من حياتهم حسرة وكمدًا على أن أنزلوك فوق منزلتك، وألبسوك ثوبًا يكبرك، وتوجوا هامتك بتيجان لست أهلاً لها. )53( سمعت يا ابنتي حوارك مع صديقتك وكيف قطعت عليها الاتصال، فنبهتك، ثم ها هي ذي صديقتك الثانية تعاملينها بنفس الشيء فقط لأنهما عاملاك من قبل بنفس الطريقة، وانشغلا عنك ولم يعطياك حقك في الحديث إليهما حينما كنت في حاجة لذلك. وهل لأنك نكبت ولدغت من

عدد الصفحات ٩٠

رواء في زمن الجدب90 ذات الجحر مرتين أو ربما مرات، سيغير ذلك من طبعك ومن مبادئك ومن نظرتك للأشياء؟ تأخذين بالأسباب، وتبنين رؤاك على فهم صحيح لما هو مطلوب منك تحقيقًا للعبودية وامتثالاً لأمر الله في معاملتك غيرك، وتتوخين الحذر وتعلمين أن لدغتك تمحيص، ونكبتك ابتلاء. تحاولين استيعاب الدرس، وتمضين في طريقك رافعة لواء الحق والأخلاق والعدل والخير والطيبة. أنت بربك، ومع شرع ربك.. وليس لنعيق ولا لزمجرة أن تعوق مسيرك، أو أن تغير مبادئك. )54( احذري أن تكوني ممن له تأثير على من حوله، فزهَّد الناس في الأمل وفي رجائهم في ربهم، أو ممن فتحوا لهم أبواب الحياة على مصراعيها يركضون فيها ركض الذئاب. واحذري أكثر أن تكون أفعالك وأقوالك سببًا في جعلهم يكرهون بتصرفاتك - في المنتسبين إليه. – دينهم، أو يفقدون الثقة )55( يا ابنتي- من يخالف الحق ومن يتبع الهوى ومن حاد– كلما صادفت عن الصراط؛ فادعي له بالهداية، ولك مثل ما دعوت به. واشكري الله على

عدد الصفحات ٩١

رواء في زمن الجدب91 نعمة العافية، واحمديه تعالى على الهداية والتوفيق، وتذكري أنك كنت ذات يوم تلك الحائدة وتلك المقصرة- وكلنا مقصر لولا لطف الله وستره وعفوه سبحانه.. ولولا فضل الله ومنته لما اهتديت ولما علمت الحق من الباطل، فعلام الازدراء والنظرة الشزراء وعلام التعالي والتباهي؟ (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) )56( يا ابنتي، لا شيء أبلغ وأصدق وأكثر إنجاء من الصمت ونحن نرى مجريات الأحداث حولنا، فإن من تكلم فيها طال كلامه ، ومن استشرف لها استشرفت له. فلنؤت الناس ما نحب أن يؤتوه إلينا، وليسعنا جذع شجرة إن لم تسع حناجرنا ألسنتنا. )57( أتعلمين ما الصبر يا ابنتي؟ الصبر حبس للنفس عن الجزع من أقدار الله، وإرغام لها على التطواف بين جنبات الأمل، وتفعيل فيها لمعاني قوله تعالى( لاتدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا )ورياضة على عبادة الانتظار، انتظار الفرج. (واصبر وماصبرك إلا بالله

عدد الصفحات ٩٢

رواء في زمن الجدب92 )58( الرحمة الرحمة بالمقصرين يا ابنتي، وكلنا مقصرون قد سمعت يا ابنتي تلك القريبة التي اختارت تجمع كل العائلة لتفرغ نصائحها على الملأ لقريبتها، محملة كلامها من الهمز واللمز ما يجعلها تصل لخلاف المرجو من النصيحة وإن سلمت نيتها. وهم يتحدثون عمن اختار أن ينصح ” نصيحة وليس فضيحة ”قالوا: أخاه علانية بما لا تستقيم معه مقتضيات النصيحة والغاية منها، فماذا عن هذه الفضيحة وهي تستقي كنهها من الهمز واللمز والاستهزاء والتنكيت؟ قد أردفت الإثم على الخطيئة. احذري يا ابنتي أن تكون لك في طريقتها قدوة. سيعجبون حتمًا بكلامك المغرق في وستنتشين لتصفيقهم لك. فقط لا تنسي أن القدوم على من يعلم السر وأخفى، الديان الذي يحكم بين عباده فيما هم فيه مختلفون. ولا تنسي أن خصمك يومها دونهم محمد- ﷺ- وأنما وفاء الحقوق يومها ليس بالدينار والدرهم، وإنما بالحسنات والسيئات.

عدد الصفحات ٩٣

رواء في زمن الجدب93 )59( يا ابنتي، وحدهم أولئك المطلعون على عوالم الأعماق، الشفافون مع أنفسهم ابتداءً، المدركون لمعنى الضعف في النفس البشرية، من يفهمون نوايانا وإن أخطأنا ويتفهمون إنسانيتنا وضعفنا، ويعذرون انزلاقنا غير المقصود. وأما من يصولون ويجولون لمجرد كبوة غيرهم، فلا ينسوا أن الدور عليهم، ولا ينجيهم من ذلك إلا أن يبيتوا إنسانًا ويضحوا ملائكة، أو يصيبهم العته فيرفع عنهم القلم. )60( ما أعذب كلماتك يا ابنتي.. وأنت تعتذرين لصديقتك. ماأجمل الاعتذار! وما أجمل سماحة النفوس حينما تحسين بخطئك تجاه أحبتك فتبادرين إليهم ليحلُّوك مما قد بدر منك من غير قصد، وليعذروك إن كنت قد أسأت لهم من حيث لا تدرين، فتجدينهم يبادرون لنفس الاعتذار. فترجع ” آسفة“أو ” اعذرني“كلمة بسيطة على من وفقه الله إليها : المياه لسواقيها والوداد لسالف عهده. أدام الله الود والمعروف بين الإخوة، وجعلهم ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

عدد الصفحات ٩٤

رواء في زمن الجدب94 )61( هي حياتك وسعادتك يا ابنتي، إن لم تدافعي عنها أنت فلا تسألي غيرك أن يفعل ذلك لأجلك، فما ناء بحمله جيدك أنت؛ أولى بجيد غيرك أن ينوء به. )62( لا مستحيل على الله يا ابنتي لكل عقدة حل، ولكل عائق تحديات، ولكل بيت موصد الأبواب، شبابيك مواربة تنتظر من يداهمها ويقتحم الفضاء الرحب عبرها. عزيمة فخطوة فقفزة عتيدة عالية. وسهام الليل تقرب البعيد. وسجدة قلب بين يدي الكريم، تجعل لكل الأسوار سلاليم لارتقاء المستحيل. وتفويض الأمر للوكيل سبحانه، يهدهد الروح المضطربة، ويغرق في الأحلام المخملية من يعشق الأحلام. )63( أراني تارة يا أمي أسبح في نور ربي. ذكره يلازمني ولا أغفل عن “ كتابه يومًا، وتارات.. أجد نفسي ثقيلة خاملة. فما هذا الذي يعتريني؟

عدد الصفحات ٩٥

رواء في زمن الجدب95 يا ابنتي، إنما فُطرنا على أن يتجاذبنا تارة ما نستمد منه النور، وتارة ما يهوي بنا للطين. ولو أننا استفقنا يومًا فوجدنا كل همنا شكرًا وذكرًا وحسن عبادة وتشوفًا لرضا الله دون أن يعكر علينا الشيطان والأمارة بالسوء صفاءنا ونورانيتنا؛ لكان حفي بنا أن تصافحنا الملائكة في الطرقات،أو أن نُرفع معهم للعبادة. إنما نحن إنسان، نسدد ونقارب وكل رجائنا في الحليم الكريم الغفار الجبار أن يوتينا من بحار كرمه، وأن يغفر زلاتنا، وأن يجبر ضعفنا وكسرنا. فليكن حذرك من تفلت كل زمامها منك، ولتكن فترتك إلى سنة .*)1(جديدة، وعلى تسديد ومقاربة )64( يا ابنتي، لو أن بنا من قوة وجلد وحكمة؛ لانصرفت قلوبنا حال المحنة من النظر في تفاصيلها إلى تدبر عواقبها، واستشعار بر الله الذي يصلنا بلطفه ورحمته من حيث لا نشعر، وولايته لنا سبحانه يكلؤنا ويحفظنا ويرعانا ويسخِّر لنا من عبيده من يخفف عنا ومن يمشي في حوائجنا.. لكنه الإنسان الكنود المجبول على الضعف. فاللهم أصلح لنا شؤوننا كلها ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. * قال رسول الله ﷺ: (لكل عمل شرّة،ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي صحّحه أحمد شاكر ” فقد أفلح، ومن كانت على غير ذلك فقد هلك.

عدد الصفحات ٩٦

رواء في زمن الجدب96 )65( يا ابنتي، نحن فتنة لبعضنا فلنحذر من أول لحظة يرفع فيها عنا القلم بعد موتتنا الصغرى؛ تبدأ رحلتنا الشاقة مع المكابدة والمجاهدة. نحن ابتلاءُ وفتنةُ بعضنا البعض، فلا نكن للشيطان عونًا على أنفسنا وعلى إخواننا، ولا نعسر على بعضنا الامتحان. (اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه،أشهد ألا إله إلا أنت،أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجرَّه إلى مسلم). )66( إذا ما رماك بحر الحياة إلى مفترق الطرق، لا تقفي مكتوفة الأيدي استشيري، استخيري، توكلي على الله واختاري طريقًا. لكن تحملي تبعات اختيارك وقرارك، وتيقني أن الذي استخرته سبحانه، سيختار لك يقينًا ما يصلحك وإن خالف مرادك. واعلمي أن بعض الطريق ورد، وبعضه شوك وصبار. ولا تبتئسي إذا ما تقاذفتك السكك، وسكنتك الأوجاع، فرب شوك قَوِي به عودك، وصنع شخصك، ورب صبار قنسرك وجعلك تنضجين قبل الأوان.

عدد الصفحات ٩٧

رواء في زمن الجدب97 )67( رزْقُك يا ابنتي من كل شيء قد كفله الله لك، فاسعي إليه بالحلال فإن ما بيد الله يُطلب توسلاً وانكسارًا، ولا يؤخذ بحالٍ غِلابًا. )68( وهل كل من فشل فاشل؟ أتعلمين ما الفشل يا ابنتي؟ أن نسقط ونسقط ونسقط دون أن نعلم كيف ننهض وكيف نتفادى مرة أخرى السقوط. أن نخفق في اختيار أساليب النجاح، و أن نغمض أعيننا عن إخفاقاتنا كي لا نتألم. نداهن أنفسنا ونزعم أننا نحميها من الإحساس بالخيبة. أن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نرى بنياننا أمامنا ينهار دون حراك لإنقاذه. الفشل يا ابنتي.. إحساس بالفشل، واقتناع تام بعدم نجاعة شيء من أجل تخطيه. وتبقى نظرتنا للفشل وتصوراتنا لمعايير النجاح، ما يحدد نجاحنا أو إخفاقنا. ) 69( ليس النجاح يا ابنتي أن تحصدي الشواهد، ولا أن تترقي في الألقاب، ولا أن تختمي حفظ كتاب ربك، ولا أن تبرعي في حفظ المتون، وتتباهي

عدد الصفحات ٩٨

رواء في زمن الجدب98 بكم الكتب التي حصّلت بها علمًا وثقافة. النجاح يا ابنتي أن تكوني مبادئ تمشي على الأرض، وقرآنًا يُنتهج في السراء والضراء. أن تعلمي متى تُقدِمين ومتى تحجمين، ومتى تتكلمين ومتى تصمتين. أن تحني تارة رأسك للعواصف تنتظريها أن تمر، وأن تجابهي تارة ما لا ينفع معه استكانة ولا خنوع. أن تفعلي ما تقولين وألا تقولي إلا ما تفعلين. ألا تزكي نفسك، وألا تري لك فيها شأنًا. أن تنظمي وقتك وأولوياتك، وأن تجعلي من فشلك فرصتك للترقي وللنجاح. النجاح يا ابنتي، أن تكوني أمَة تنفع أُمّة. )70( ويا ابنتي، لا تخذلي من توسّموا في شخصك الخير، وعوَّلوا على إمدادك لهم يد العون بعد الله، ولا تبرري تقاعسك عنهم وتماطلك عن الخير بعدم القدرة وبفراغك مما يمكن فعله. ولا تتحججي بمقولة: (فاقد الشيء لا يعطيه)، فخذي عني أنها مقولة مغلوطة في أحايين كثيرة؛ فلطالما آمنت وكنت جد مقتنعة أن من فرغت جعبته من شيء فيستحيل أن يجود به؛ لكنني بتُّ متيقنة الآن وقبل أي وقت

عدد الصفحات ٩٩

رواء في زمن الجدب99 مضى بأن هذه العبارة ليست على إطلاقها، وبأن فاقد الشيء قد يعطيه، وقد يملأ الدنيا بما لم يُعط هو، وبأن الكثير من المفارقات هي ما تصنع التكامل وترسم جمال الحياة. نأخذ الحكمة من أفواه السفهاء، ويعلمنا الفاشل كيف ننجح، ويقودنا المنهزم إلى قيادة المعركة ببسالة وجسارة وانتصار، وكل منهم قد فقد ما فقد في ميدانه، لكن المفارقة أبت إلا أن تجعل من كان من المفترض أن يكون سالبًا؛ أن تجعله فعالاً نافذًا مؤثرًا دافعًا للمركبة. كوني إيجابية يا ابنتي وانفعي بما تقدرين عليه، ولا تبخسي من صنائع المعروف شيئًا. ما لم تقدري على إنفاذه بيديك فليكن بلسانك وطيب كلامك.. بالتبريك في السراء والمواساة في الضراء. ولتكن أخلاقك وطيبة قلبك، أكبر معين لمن احتاج منك بعد ربه العون. )71( حكت لك عنهم وأسهبت، وذَّمت وعيرت، وجردتهم من معايير الإنسانية، وأنت ساكتة تنصتين. لربما وافقتها ولو سرًّا. لربما انزعجت من كلامها ومن كثير حكيها وشتمها، لكنك لم تردي غيبتهم، ولم تبدِ لها عدم اقتناعك بما تقول. تراها أقنعتك بتغيير نظرتك لهم ؟ تراك انتشيتِ وهي تمدحك وتذمهم، وتكبرك وتنتقصهم، وتحفر لهم خنادق الدون، وتشيد لك أبراج السمو؟

عدد الصفحات ١٠٠

رواء في زمن الجدب100 يا ابنتي، حكيها لك عنهم في غيابهم تخطب ودك، يعني حكيها لهم عنك في غيابك تطلب قربهم. ذلك ديدن المتملقين المداهنين؛ فاحذري يا ابنتي. ليكن منك دفع الأذى عن الناس بنصرهم في غيابهم كما تحبين أنت أن يفعل معك. هو تحقيق لمبدأ التواصي بالحق، ونصح لها بالإقلاع عن أكل لحوم من حولهم، ودفاع عن أولئك الذين منعهم الغياب عن فعل ذلك بأنفسهم. )72( أتعلمين يا ابنتي؟ لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لكان مشواري في الطلب خلاف ما مضيت عليه، لكن قدر الله وما شاء فعل. أولويات كثيرة لم أعلم قيمتها إلا بعد سنوات، وتعثرات بسبب عدم حسن الاختيار. فلتعلمي يا ابنتي بأن الحياة قصيرة، أقصر مما تظنين، وبأن فرصها لا تسنح في كل مرة، فاختاري الأهم في دراستك وطلبك العلم، وابدئي من حيث يجب أن تبدئي، وليكن القرآن الكريم أول ما ترعينه اهتمامك. الحفظ مهم، لكن التدبر أهم. استفرغي جهدك في التأمل والتدبر، واعلمي أن الله يصدق من يصدقه، وأنه يفتح على كل من جد وكد لتفهم وتذوق كلامه البديع سبحانه. ولا تنسي حظك من اللغة العربية؛ فهي مفتاح العلوم و نبراس الفهوم.

عدد الصفحات ١٠١

رواء في زمن الجدب101 )73( ولست أرى يا ابنتي- بعد الإخلاص والجد والفطنة واللمح وتوقد الدهن- من وسيلة لصناعة طالب علم بمرتبة عالم؛ سوى الموسوعية واتساع الثقافة وقبلها الصدر للآخر. وتبقى شخصية الطالب وثقافته واتساع أفق رؤاه وميولاته وتوازنه النفسي،عاملاً أساسيًا في الفهم والتعامل مع جزئيات العلوم. قلة علم وقلة بصيرة واطلاع وعرج في الاستنباط والتحليل، وضيق الرؤية والصدور وجعل الطلب غاية وليس وسيلة، والاهتمام بالكليات على حساب الجزئيات، والسرعة في الإنجاز وفي إرادة الوصول؛ قد صنعت طلابًا لكن على شاكلة الكثيرين ممن خُذلنا فيهم. قد لا يتكرر نموذج ابن تيمية بحذافيره، ولن يتكرر لأننا لا نؤمن بفكرة الاستنساخ، لكننا بحق في حاجة لمن يفرغ نفسه لتمرينها على الموسوعية وعلى التفتح الذي لا يعني بحالٍ التلوَّنَ في الدين. كوني موسوعية يا ابنتي، واجعلي بحثك واهتمامك بكل ما يدور حولك من علوم وآداب، وليتسع أفقك بالمطالعة، يتسع معه عمقك في التفكير. )74( من الخطأ يا ابنتي أن نحكم على غيرنا- وأخص الحديث هنا عن الكاتب- من خلال ما يقال ويذاع، فكم من الخير قد أخطأناه بسبب قدح في كتاب أو ذم لكاتب.

عدد الصفحات ١٠٢