المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواء في زمن الجدب

كمال اليماني

صفحة ٥ من ١٤

رواء في زمن الجدب70 كلمح بالبصر تركنين فيها إلى هواك، أو إلى رقابة المولى، فيكون التمايز والاصطفاء. دخلت بغي الجنة في كلب لحظة إنسانية. ودخلت امرأة النار في قطة لحظة عتو وتجبر. في كلمة رضوان لحظة رضوان كتب له الرضوان إلى يوم القيامة، وآخر هوت به كلمة سخط لحظة سخط في قاع جهنم. فانظري يا ابنتي إلى اللحظة الفارقة التي تكون لك سببًا في فوز ونجاة، أو في سخط ولعنة وعذاب. )21( إنسان أنت على كل حال يا ابنتي، لكن إن وقعت فأحسني النهوض وسارعي، وتلك الطرق التي تتخطفك، تغالبك، تحاول الانتصار عليك، ومزعات قلبك المشتتة التي تروم التئامًا، وانصهارك في بوتقة النور كي تولدي من جديد، واضطراب خطاك على درب الوصول، يكفيك أنها قد اختارت الوصول. ويكفيك أن العليم بحالك المطلع على صدق أوبتك بالقرب منك، ويكفيك فرحته سبحانه بحطك الرحال على مرافئ العودة. خذي عني يا ابنتي : البعد عن المعصية منَّة وتفضل من الله على من

عدد الصفحات ٧١

رواء في زمن الجدب71 يشاء من عباده، والوقوع فيها يذكرنا ألا نعتمد دومًا على حفظ الله دون أخذ بالأسباب وابتعاد عنها وعما يوصل لها. لا أحد أكرم على الله ويستحق حفظه استحقاقًا. )22( تفقدي قلبك لكم تنزلق منا تلك المضغة القابعة بين الحنايا وتتفلت في زحام الحياة، وكم نؤتى من قبلها ولا نرعوي، بل قد لا نتنبه إلا ونحن في دركات الهم والغم والمشاكل. نتساءل في حنق: ما الذي أودعنا شِبَاك الهم الثقيل؟ وما بال هذه الحياة أصبحت ذابلة ممتقعة؟ ومالنا لم نعد نستمتع بكل ما كنا نستمتع به من قبل؟ نحاول البحث عن الحلول والبدائل، وحل شفرة الروح، وننسى أننا متقلبون بسببه بين غضب وشهوة، إن أفلتنا زمامه كبلتنا وصرنا لها عبيدًا. )23( وفي الحياة يا ابنتي كم نحتاج إلى إعادة النظر في مسئولياتنا ومهماتنا، تنتهي مهمة لتبدأ أخرى، وفي خضم الأحداث وتضافر التغييرات؛ ننسى مهمتنا التي لأجلها خلقنا: العبودية.

عدد الصفحات ٧٢

رواء في زمن الجدب72 وحدها تنسينا هموم الحياة، وتذكرنا أن الذي شُرِّفنا بعبادته سبحانه حرم على نفسه الظلم الذي نكتوي به من العباد، والخذلان الذي يصلوننا به، والقهر والاستبداد والتسلط الذي يغرقنا في لججه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. )24( لا أريد صديقات يا أمي بعد اليوم،لا أريد مزيد خيبة وخذلان، لم“ أعد أثق فيهن، بل لم أعد أثق حتى في نفسي كم هي قاسية تلك اللحظة يا ابنتي.. حينما نكتشف أن من سلمناهم قلوبنا وثقتنا ليسوا أهلاً لها. قد نقسو على أنفسنا حينما نكتشف أننا أسأنا الاختيار.. وقد نفقد الثقة في كل من حولنا، لكن لنحذر- يا ابنتي- أن نفقد الثقة في أنفسنا، فنحن بنا وبالله قبل ذلك وليس بهم. )25( أتعلمين يا ابنتي ما الذي يجعلنا ننتصر على الألم؟ أن نعتصم بمن قدّر للدنيا أن تكون دار ابتلاء، وجعل أرواحنا عطشى للأمان؛ كي نتوق إلى هناك، وكي تسجد قلوبنا المتعبة بين يدي واسع العطاء ذي خزائن الجود، ألا يعلق قلوبنا بما منه الألم.

عدد الصفحات ٧٣

رواء في زمن الجدب73 أن نجعل من كل تفاصيله درسًا جديدًا كما كل تلك الدروس التي لن تنتهي إلى أن تزهق الروح. أن نعطي للعقل مساحة أوسع في التحليل، فالألم إحساس، والعقل يأتي ليشوش على الإحساس. أن نجلس على مسافة أقرب من ذواتنا وأبعد منهم كي نُربِّت بأيدينا الرحيمة علينا. أن نفقد الثقة فيهم وأن نبعثها فينا من جديد. أن نُفهم أنفسنا من نحن ومن هم. أن نقنعها أننا الحقيقة وأنهم السراب والوهم. أن نسعد رغم كل شيء بتلك الأشياء الصغيرة الجميلة التي في أعماقنا والتي كادت العواصف أن تفقدنا الثقة فيها فهي بنا وليست بهم. أن نستطيع الفصل في رحلة التحليل بين حدود مساحتنا الخاصة بنا والتي يسقيها كنهنا ومن نكون، وبين مساحتهم التي كانت يومًا تشارك جزءًا من مساحتنا. أتعلمين ما الذي يجعلنا ننتصر على الألم يا ابنتي؟ ألا نبقى مزروعين عند باحة شعورنا به، وأن نستشعر لطف الله الخفي الذي يصاحبنا في كل خطوة ويأبى علينا الانهزام، ويشد على أيدينا كي

عدد الصفحات ٧٤

رواء في زمن الجدب74 نخذل الشيطان ونبتسم، فنقوض عليهم خطتهم في إيذائنا، ونقوض عليه خطته في إحزاننا. )26( وأول خطوة على طريق الإصلاح يا ابنتي- بعد الاستعانة وطلب الغوث من المغيث سبحانه بصدق وإلحاح، وبعد الشفافية والقرب من النفس، ومحاولة فك شفرتها- توقير الله وتعظيم قربه وعلمه ورقابته في النفس. فإن استشعرنا قربه الدائم منا، واطلاعه على الخبايا وما تخفي الصدور، وعلى الكلمة ومرادها، والفعل ومراميه، والنية وتجردها أو تلونها، استطعنا- بفضله سبحانه- أن نصلح ما كتب لنا إصلاحه. قراءة متأنية بتدبر وتمعن في كتب شرح أسماء الله الحسنى، لأسمائه سبحانه: (المهيمن، الرقيب، الحفيظ، السميع، البصير، العليم، المحيط، الشهيد) تشفي الصدر العليل، وتذكر الغافل، وترد الشارد بفضل الكريم الجواد. قيل لبعضهم: متى يَهِشُّ الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة ؟ فقال: إذا علم أن عليه رقيبًا. )27( أن تبحثي أين تجدين نفسك أكثر، وأين سيكون عطاؤك أكثر، أن تنصتي لصوت الفطرة داخلك وللواعظ في قلب كل مؤمن.

عدد الصفحات ٧٥

رواء في زمن الجدب75 يا ابنتي، نحتاج لسمع مرهف ولقرب وشفافية مع أنفسنا، وقبلها لتجريد النية وحسن التوكل. بشق تمرة وبإماطة غصن عن الطريق خُلد أناس في الجنة. ربنا الشكور يعطي على القليل الكثير. )28( ”لا أمل، فوضت أمري لله“ مغالطة كبيرة تلك يا ابنتي، وخلط عجيب. أتدرين معنى أن تفوضي الأمر لله؟ يعني أن تتمسكي بالأمل.. يعني أن تنتظري ولايته وفرجه وأن يدبر كل أمرك. يعني أن تبرئي من حولك وقوتك إلى كنفه وحوله. يعني أن تري بعين بصيرتك لطفه وكرمه سبحانه. حاشا أن يقطع الله الأمل من قلوبنا، أو أن يخيب من تعلق قلبه به سبحانه وتقلب في معرفة صفاته وأفعاله، وعلم حق اليقين أنما الضر والنفع، والمنع والعطاء؛ بيده تعالى، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

عدد الصفحات ٧٦

رواء في زمن الجدب76 من كان ذاك حاله، فالله يكفيه ويؤويه ويعينه ويمده بقوته ونصره وولايته. يا ابنتي- ثمار استخارتك وتفويضك أمرَك له سبحانه – وإنك لترين ولو بعد حين. فقط، ثقي بأن الله اللطيف لا يخيب من استخاره، ولا يختار لك إلا ما فيه خيرك. واعلمي أن سجدة قلبك بين يديه سبحانه تسألينه الغوث والعون والمدد، كفيلة بكرم الكريم ومنة المنان أن تقيك شر نفسك وشر من يتربصون بك وشر من يريدون العيث في حياتك فسادًا. كوني دومًا مع الله يا ابنتي، يكن لك ومعك. )29( رسائل الغيب يا ابنتي تدربي على قراءتها قد يأتيك الألم، لتعلمي معنى العافية، ومعنى أن يسجد قلبك بين يدي الشافي الطبيب فارج الكربات، وقد يأتيك الابتلاء؛ لتفهمي معنى الصبر والرضا. وقد تتلبسين بالذنب والمعصية؛ لتعلمي معنى الستر والانكسار والتوبة والانطراح بين يدي التواب الرحيم. وقد يأتيك الفرج؛ لتعلمي معنى الشكر، ومعنى أن تكوني أَمَة لرب

عدد الصفحات ٧٧

رواء في زمن الجدب77 كريم جميل بر رحيم. يبتلي ويعافي، ويقدر ويلطف، ويمتحن ويمد سبحانه. نفرح بمعافاته بعد طول محنة، وننتشي لفرجه بعد طول ضنك.. وتبقى العبرة والدرس. وشكر المنة: أوبة وتصبُّر على الطريق. فإن الستير يفضح، والغفور يأخذ بالذنب، وإذا ما غفر وصفح، أمهل ولم يهمل ومّدَّ في أجل التوبة أنرجع أم نبقى في غَيِّنا. ومن يؤت البصيرة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، والحكمة نعمة، وكفى بها نعمة. فاسألي الله يا ابنتي البصيرة والهدى، واسأليه أن يثبت قلبك على دينه، وأن يصرفك عن العوائق، وأن يصرف عنك العلائق. )30( بعض طموحاتنا وأحلامنا أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، وإلى المثالية منها إلى الواقعية. لا تحجري على أحلامك وطموحاتك يا ابنتي. ولكن لا ترفعي سقف توقعاتك، ولا تنظري إلى السماء حد نسيانك موقع رجليك.

عدد الصفحات ٧٨

رواء في زمن الجدب78 )31( ليت لي من قوة كي أواجه، أو أن أمضي ما تبقى من عمري في معزل“ عنهم اصنعي كهفك يا ابنتي، واحتمي به منهم ومنك.. من نفسك الأمارة، ومن هواك، ومن أولئك الذين يرومون سَحْبك للهاوية. اصنعي كهفك، وأوِي إليه كلما ضاقت بك رحابة الحياة، واختلطت في قلبك المشاعر، وتشابكت الأحداث في نفسك ككبة خيط منقوضة، يؤتك الله من لدنه رشدًا، وتستفردي بنفسك التائهة الماثلة بين إقدام وإحجام، وينشر لك من الرحمات ما يبلغك به المآمن. اصنعي كهفك يا ابنتي، فزحام الحياة قد يسرق منك الإنسان. )32( (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ ]130فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى سبحي يا ابنتي، لعل نفسك ترضى. )33( بداية السيل قطرة، والبُلغة تبغي ضربة بداية، وتلك الضربة لا تعدو أن تكون توبة صادقة تضع بين أيدينا بداية الخيط الممتد الطويل، وصدقًا مع أنفسنا

عدد الصفحات ٧٩

رواء في زمن الجدب79 وقبله مع خالقنا كي ييسر لنا طريق الإياب ( وإني لغفار لمن تاب و ءامن وعمل صالحا ثم اهتدى ) التوبة يا ابنتي مِنّة من الله، والعمل الصالح توفيق منه سبحانه، ولا نفع لهما إن كانا سببًا في الطغيان والاستكبار على الخلق، ولا فائدة منهما إن لم يكن الاستمرار على الهدى والثبات عليه والاستقامة على أمر الله. يا ابنتي، العبادة فرض، والذنب وارد، والخطايا تطوق الأعناق، والدواء توبة بعد توبة بعد توبة إلى أن تفيض الروح. )34( أتدرين ما السعادة يا ابنتي؟ تلك الأشياء الجميلة المرحَّلة كما لاجئ سياسي، والتي تغادرنا كل يوم. وتلك التي لم تأت بعد، لكننا نعلم حتمًا أنها ستأتي. )35( تعلَّمي يا ابنتي أن تحبي الليل، وأن تحبي الغيم، وأن تحبي ساعات الظلام الصادق، فالغيم جد أكبر لشمس الربيع، وعتمة الليل سلف خيوط الفجر النقي.

عدد الصفحات ٨٠

رواء في زمن الجدب80 تعلَّمي في الغيم صدق حزنه واعتصاره قبل أن ينجب قطرات الحياة، وفي الليل صدق انتحابه قبل أن يفرج عن شمس النهار. تعلَّمي من كل حزين صادق في حزنه أن من لم يتألم بصدق لن يفهم معاني الفرح، وأن من لم يعرف الشدة لن يراقص فتائل الفرج. )36( كل الأشياء الجميلة تغادرنا.. لا تتوانى في حمل حقائب رحيلها” - “المبكرة المستعجلة.. - كل الأشياء الجميلة يا ابنتي، وكل الأشياء المشينة، وكل ما أسعدنا، وكل ما أتعسنا، وكل ما عشنا عمرًا نرقب مجيئه؛ سيغادرنا. إنما هي رحلة قصيرة، ثم...إن لبثنا إلا ساعة من نهار نتعارف بيننا. والسعيد من كانت معرفته بالله وفي الله ولله.. وحمل من الزاد ما يبلغه المآمن. )37( وحينما تدخلين عالمك الغامض يا ابنتي، تعبس الدنيا في وجهي الغموض يا ابنتي: سحابة خريف رمادية، لا هي بالحبلى فتنجب غيثًا، ولا بالشفافة فتكشف الأشعة المحبوسة وراء حجبها الملتفة السميكة. – الغموض: حلقة مفقودة في سمط بهجة الحياة، فكوني شفيفة واضحة يا ابنتي- تبتهج لوضوحك الحياة.

عدد الصفحات ٨١

رواء في زمن الجدب81 )38( « عن قلوبنا معاني البهجة. وكأنها وكلت بنا للانتقام منا - بل هي تجري بنا يا ابنتي؛ لندرك بقية رزق وبقية أجل ينتظرنا، لم نستكمل بعد نصيبنا فيه. لن يمضِيَ أحد برزق خديج.. ولا بأجل منقوص. )39( يا ابنتي، ليس لقطار المعرفة بالحياة محطة وصول نقف عندها، نحن نمضي ونستمتع باستكشاف خبايا الوجود التي أعمانا الضباب يومًا عن رؤية جمالها المفعم بالمفارقات والمتناقضات. وكطفل بالكاد يتفتح على ما حوله، يفزعنا الشر والصراخ والعويل، ويبكينا الألم، ويبهجنا لون الورود ونقاء السماء، وننتشي لتغريدة الطير، ويأسرنا بريق الشمس فوق رؤوسنا. فإذا ما توقفنا يومًا عن رحلتنا الجميلة التواقة لكشف الأسرار وفك الطلاسم والشفرات، توقف نبضنا وغاضت شراييننا بحثًا في أعماقنا عن بقايا إنسان.

عدد الصفحات ٨٢

رواء في زمن الجدب82 )40( وكأن نفسي أصبحت غريبة عني. وكأنها تتفلت مني وتزهد في “ صحبتي. لم أعد أفهمها يا ابنتي، كوني صادقة معها، تصدقك. فأجمل ما في الصدق مع النفس أن تستطيعي مواجهتها في كل لحظة وفي كل آن بخطئها دون تربيت عليها، فتقبل منك وتساعدك على حل شفرتها. اتهامك لها صداقة معها، ولومها بداية وضع الخطى على طريق التغيير، وكَيْل الاتهامات لها ومواجهتها بحقيقتها كشفٌ لها أمامك بما يجعلها تذعن وتعترف وتمدك برأس الخيط من أجل بداية التصحيح والإصلاح. )41( يا ابنتي، أن تنتبهي وسط الطريق فتتداركي ما أخْسرتْكِه رحلتك في رحاب الاستعماء؛ خير من أن تكملي المشوار بلا عكازة ولا دليل ولا فتيلة تضيء لك العتمة. )42( وفي وسط الزحام نتوه، نتخبط، نبحث عنا فلا نجدنا. نرى في المرآة فإذا بها فارغة من وجوهنا. وتتدافع الحروف فوق الشفاه؛ لتكتب سؤالها القاتل: من أنا؟ من أكون؟

عدد الصفحات ٨٣

رواء في زمن الجدب83 يا ابنتي، حيٌّ ذلك النبض الذي مازال يهمس لك من بين جدران صدرك أنت؟ هي سجدة بين يدي الكريم، تنبئك أنما أنت سوى دعوة صادقة أن يكفيك الله شر ما تجدين، أمة فقيرة ترجو كرم مولاها.. تسأله أن يحميها من نفسها المتمنعة عليها، وأن يرجع الخطى إلى حيث الخط الواحد المستقيم. )43( أتعلمين يا أمي ذلك الإحساس بالاستغفال؟ وأن يقال لك أنت جنيته“ ”على نفسك؟ أن تحسي بالعجز في مدافعة ظلمهم؟ في قانون البشر يا ابنتي، القانون لا يحمي المغفلين، ولكن في دستور رب البشر؛ دعوة المظلوم المستغفل ليس بينها وبين الله حجاب. )44( تائهة أنا.. متقاذفة بين المعالي وبين يسير ما تستمر به الحياة، إنه” - الاختيار الصعب - يا ابنتي، أليست الجذور من تحدد إن كان علينا أن نعانق قامة السماء أو أن نبقى فسيلة غائضة في عضيات قلوبنا المترنحة بين العمق والسطحية، بين

عدد الصفحات ٨٤

رواء في زمن الجدب84 المعاني والمواد، بين الموت والحياة؟ تفقدي جذورك.. يسهل عليك الاختيار. )45( يا ابنتي، احرصي على نفسك بنفسك، ولا تنتظري أن يحافظ لك عليها غيرك. )46( لا يأس ولا كلل ولا ملل كلما سَقَطت فانهضي وأعيدي الكرّة، وكلما أعياك حلٌّ فجربي غيره. وهل تسمى حياة تلك التي لا تستقي كنهها من الجرأة على المحاولة ؟ إنما هي تكرار ممل للصباحات والمساءات تجرنا لإنهاء الرحلة. )47( ”مللت الأحلام.. حلمي أن أتوقف عن الأحلام“ ولم ذلك يا ابنتي؟ سنحلم، وسنوجع المساء أحلامًا، وسنثقل الصبح آمالاً، وسننقش كل أمنياتنا في قلوبنا التواقة لابتسامة الفجر الندي، نوشيها بدعوات صادقة دامعة مجهشة بين يدي مجيب الدعوات وجاعل الأحلام والأماني دوحة

عدد الصفحات ٨٥

رواء في زمن الجدب85 الأرواح المتعلقة بأهداب رجائه وحسن الظن فيه وسنحلم مادام ليس للدعاء تاريخ صلاحية. )48( وما الغفلة يا ابنتي؛ إلا أن تأتينا رسائل الغيب فلا نكلف أنفسنا استيعابها. أن يأتينا الألم والمرض كي يطهرنا من عفن الذنوب وأدران المعصية؛ فنأبى إلا أن نركب المعصية وتركبنا. أن نتلبس بالذنب، لنعلم معنى الستر والانكسار والتوبة والانطراح بين يدي التواب الرحيم، لكن نستمرئه ونستلذ استمرارنا عليه. أن يُسَخِّر لنا الله من خلقه من يشدون على أيدينا، ومن ينبهوننا، ومن يبذلون لنا النصح، فنمرعليه وكأن لم يخترق مسامعنا. أن نذنب فنعلم أنه ذنب، ويفتح علينا الله بالبصيرة فتتألم قلوبنا لحظة، ولكن عِوضَ أن نسأل الله العفو والستر والمغفرة، وعوض أن ننطرح بين يديه في صدق متهمين النفس بالتقصير، متوسلين له بقوته وضعفنا، وعفوه وظلمنا أنفسنا، نعلل لأنفسنا وقوعنا فيه، ونبحث عن كل التبريرات التي تجعلنا نقترفه مرة أخرى من غير ألم قلب ولا وخزة ضمير. أن نذنب ونتستر عن الخلق دون الخالق، وأن نجعله سبحانه أهون

عدد الصفحات ٨٦