المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواء في زمن الجدب

كمال اليماني

صفحة ٤ من ١٤

رواء في زمن الجدب54 إليكِ إليكِ أخط الحب فيما أسطِّر وفي القلب حب يا بنتي لك أكبر وما زلت في روض الهداية برعماوفي ظل هدْي الله يزهو ويظهر يُاط بحرص كي يشب مباركًا وفي منبت الخيرات ينمو ويزهر ونرعاه غضًّا فالرعاية شأوها يكون أجلّ النفع والعود أخضر وأنــت ببستان الهداية زهرة ندَى الخير من أكمامها يتقطّر ليغدوَ نهرًا بالفضائل غامرًا بكل المعالي والهــدى يتفجّر وأهدي إليكِ النصح، والنصح وا جب على كل راع، والرعيّة تعبر لتعبر في سِلْم وتسعى بمأمن وتبلغ ما نرجوه، والخير يثمر وإنّ ابنة الإسلام مهما يط بها من اللهو والإغــراء لا تتأثّر فإن الهدى ملأ الفؤاد، ولم يَعد به غير نور الحق والقلب يعمر وإنْ تعمر النفسَ الهدايةُ حُصِّنتْ وبــاتــت يقيها الله ممــا يُدمِّر

عدد الصفحات ٥٥

رواء في زمن الجدب55 خِارُكِ فوق الجيب منه تلألأتْ على الوجه أضواء تجلىّ وتبهر وفي ثوبك الفضفاض معنى معمّق لقلب نقيّ بــالهــدى يتطهّر وفي مشيةٍ فاضت حياء وعفّة خُطاك فليستْ بالهوى تتبختر حديك عفٌّ طاهر القول طيِّب يفيض على الأسماع منه التخفّر تغضين طرفًا بالعفاف فقد هوىإلى القاعَ من للشّ بالعين ينظر وماء الوضوء العطرُ قد فاح دائماعليك، وفي التقوى الحِلى والتعطّر وللنفس في ظل الصلاة سياحة تجوب العلا والنور في الكون يُنش إذا أذّن الداعي نلبيّ نداءه فنلقى الرضا والنفس بالخير تُغمر ونتلو مع الإصباح والليل وردنامن الآي، فالقرآن نور يعطّر يضيء لنا درب الحياة، فدربنا بظل هدَى القرآن رحب ونير ونحمد رزّاقًــا كريماً بفضله وفي ساعة الــراء لله نشكر نفوّض للمولى جميع أمورنا وفي محنة الضراء نرضى ونصبر

عدد الصفحات ٥٦

رواء في زمن الجدب56 فلله ما أعطى، ولله ما جرى كلٌ مُقدّر ··على صفحة الأيام ونطلب علماً نافعًا ليقودنا إلى قمم، إنّ العلوم تبص وإني لأرجو يا ابنتي لك رفعة مع العلم، إنّ العلم يُعلى ويكبر فكوني لدين الله والعلم دائما )((أعِشْ يا بنتي طيلة العمر أفخر ) عبد الله عبد المنعم حسن 1(

عدد الصفحات ٥٧

رواء في زمن الجدب57 )1( يا ابنتي، قد بسطتُ جناحي المهيض أحميك من العاصفة، ومن شظايا نفوسهم المكسورة، وأرواحهم الماثلة على أرصفة التجبر والتسيّد والخسة والاستذئاب، فكُسر الجناح، وغاضت أحلامي لك بحياة خير من تلك التي جعلت قطوف الورد يومًا تهاجر كما تهاجر أسراب القطا، في عَجاج رعونتهم وسفاهتهم، وموت خلايا قلوبهم قبل ضمائرهم. ليس للورد- يا ريحانتي- مروج أمام الطوفان. لك قلب بريء طاهر لم يتلبس بعد بالعصيان؛ فاحضنيه- بنيتي- ولا تلوذي بي، فالله كافيك وكافيني، وحاميك وحاميني، فلتتمسحي بجوده وعطائه، ولتسأليه الكلأ والولاية، فقد أغرقتك أمك في لجج الخذلان.. )2( ويا ابنتي، قد نتوه خلال الرحلة، تتخطفنا الطرقات وتعصف بنا رياح الحياة، نركن للدنيا وتشغلنا الدراسة أو الأموال أو الأهل أو الأولاد، تعصف بنا رياح المشاكل، تتقاذفنا يمنة ويسرة.

عدد الصفحات ٥٨

رواء في زمن الجدب58 وتلك الشعلة المتوهجة؛ سرعان ما تخبو وما يتبقى لنا منها سوى ذكرى وهج ودفق بدايات الالتزام، نتحسر حينًا، ونبرر لأنفسنا أحيانًا ما ألنا إليه، وتستمر الرحلة، لكن الجذر النابت أول ما نبت بقوة؛ يحن إلى عنفوانه وإلى وهجه، فيعاهد الله على تجديد الإيمان في عروقه ومعانقة الوهج بعد طول انطفاء. جددي إيمانك يا ابنتي، وامسحي الفانوس مرةً تلو مرة يزِدْ وهجه. )3( ويا ابنتي، أتعلمين حظ قلوبنا من الحياة؟ ألَمٌ يذكرنا بالله، ويجعل قلوبنا المتعبة الكليلة تتكوم دعوةً صادقة في جوف الليل وأطراف النهار، يقربنا من المولى، ويجعل ألسنتنا تلهج بما يحيي القلوب، ويجعلنا نستشعر بعمق معاني السعادة والفرح والصحة والعافية. ورحمة وحب يصقلنا ويذكرنا بإنسانيتنا وبتلك المضغة التي ما خُلقت بين جوانحنا هباءً، وهي هباء إن حرمت معاني الحب والوفاء. وما تبقّى، لا يعدو أن يكون هشيمًا، إنما وجوده كما وجود أوراق الشجر بها، لا قيمة لها إن غاب الثمر، أو هبت عليها رياح الخريف. )4( احذري يا ابنتي من وحوش تدثرت بمسمى إنسان وتذكري أن بعض المذؤوبين لا ينتظرون حلول منتصف الليالي

عدد الصفحات ٥٩

رواء في زمن الجدب59 المقمرة كي يبدأوا رحلتهم في اقتناص الضحايا، قد يظهرون صباحًا ومساءً وعند الزوال، ولا يهمهم بحال اكتمال القمر أو بقاؤه كالعرجون القديم، ولا يرغمهم شروق الشمس على استعادة ذاكرتهم البشرية. )5( لم أكن أتلصص عليك يومها، ولم أكن لأسترق السمع، لكنك كنت تحادثين صديقتك عبر الهاتف وأنت بمحاذاتي؛ فيصلني كل الكلام وكأنني مشاركة فيه. سمعتكما تتحدثان عن فلانة، وعن حجابها الذي تلوَّن وتعطَّر، وعن عِلانة كيف تغير طبعها ولم تعد تلك الطفلة البريئة التي كانت تدرس معكما في المرحلة الابتدائية،وعن قول هدى، وعن فعل منى، وعن ضحك سهى.. وعن وعن وعن.. همست لك أن كُفّا عن ذلك؛ فقد وقعتما في المحظور، وانتظرت إنهاءك المكالمة كي نفصل الكلام. يا ابنتي، عليك نفسك، أشغليها بك وبعيوبك وبتقصيرك تسلمي من غيبة وازدراء وكبر واستعلاء. فيوم نتوقف عن اللهث وراء فعلوا الأمام، إلى صدورنا محابس زلاتنا، ومخابئ سرائرنا، ومعاقل تقصيرنا وضعفنا، وحينما نوقف الزمان على أعتاب أخطائنا، ونشغل بها أنفسنا عن

عدد الصفحات ٦٠

رواء في زمن الجدب60 زلات غيرنا..حينها فقط، سنعلم أن الستر نعمة وتفضل من الستير سبحانه، وبأن ما يجرِّئنا على فضله إن هو إلا حلمه وغفره وإمهاله سبحانه. وسندرك حينها أنه لو كان للذنوب والخطايا روائح، لزكمنا بها من حولنا، ولجعلناهم ينفضّوا عنا وينسلخوا من حُبّنا انسلاخ النهار من الليل، إنما المطلوب نصح وإصلاح لمن قدر عليه ويسره الله له. يا ابنتي،عليك نفسك. )6( صمتك عن تلك الاتهامات التي ألصقت بك لم يعجبني، ليس له من مبرر سوى الضعف. كم في البيان والوضوح والشفافية من خير في كل الأحوال، فأحيانًا يا ابنتي، رغم سلامة نيتك، وصحة منطلقك، وعدالة قضيتك؛ إن لم تجتهدي في البيان والإيضاح، واكتفيت بما تعتقدينه دون تصحيح ما يعتقده فيك غيرك، خسرته، وربما كنت عَوْنًا للشيطان عليه في اتهامك، وفَقَدَتْ قضيتُك قيمتها ومصداقيتها. )7( إنه اليأس يقتل من ارتضاه يا ابنتي، فانفثيه عنك ثلاثًا، واستعيذي بعز من أعاذ مكروبًا في شدته، وتذكري على الدوام نِعم الله عليك التي لا

عدد الصفحات ٦١

رواء في زمن الجدب61 تحصى ولو وقفنا عند نقطة الألم لقضينا عمرنا ننتحب، ولجمعنا علينا ألم الخيبة وألم عدم القدرة على تجاوزها. أكبر الخسائر يا ابنتي؛ أن تفقدي التناغم مع نفسك. وأكبر الهزائم أن يشكلك الأسى كما يريد وأنت قادرة على بعث الروح في أنفاسك المتشظية. لن تغرب شمس في وجه روح مبتسمة، ولن تبرح فتائل النور من عانق الأمل ورأى في كل بارقة صيبًا نافعًا. ابتسمي يا ابنتي، ثمة شمس تستمد وهجها من ابتسامة المتفائلين. )8( وهذه الدنيا يا ابنتي دار كدر وكبد وعناء، لم تصفُ حتى للأنبياء ولسيد البشر، أفليس من العَتَهِ أن ننتظر منها أن تصفو لنا!؟ سيصيبك الكرب؛ لتلتجئي إلى الله، وستُظلمين؛ لتستنصري الله، وسيشمتون فيك إذا ما سقطت، لتعلمي أن الضعف جبلة فينا وبأن من يشمت لم يفهم أن الدنيا دور. وإذا ضاقت بك، فسَّحها الدعاء. وإذا انقطعت بك الأسباب، فالرجاء في مسبب الأسباب.

عدد الصفحات ٦٢

رواء في زمن الجدب62 فقط.. كوني مع الله، وزني أفعالك بميزان الشرع، وأحسني سريرتك، ولا تلتفتي لشماتة الشامتين، واصبري على أذى وشتيمة المعيرين، ينصرك الله ويظهر شأنك ولو بعد حين. )9( ثلة مباريات، من غير أن تُقبلي في واحدة منها، وأنت التي كنت تتوقدين ذكاء وتفوقًا. قد توكلتِ على الله، واستخرت واستشرت وتحريت اتخاذ الأسباب، لكنها انقطعت بك، فصار عقلك الذي لا يؤمن إلا بالمحسوسات قد كان “ بدون أسباب لا وصول لغاية.. أو ”وبالمعادلات يشغب عليك : ”السبب فلم لم نصل الغاية؟ ليكن منك التسليم يا ابنتي، ولا تلتفتي لغياب مشهد السبب، وفي نفس الوقت لا تعطليه، ففعله- جل جلاله- ليس رهينًا بما يراه العقل موجبًا وشرطًا، والذي سخر الأسباب هو الذي يقطعها سبحانه لحكمته وإحاطة علمه، والذي يعطي بالأسباب، قد يعطي دونما سبب أو يهيئ لك غير تلك التي سعيت لها، وقد يعطي بما ترينه أنت خلاف الغاية، وقد يمنع لحكمة لا يعلمها إلا هو. يا ابنتي، حققي عبوديتك لله وثقي في عطائه ومدده، يهيئ لك الأسباب،أو يبلغك حتى من دونها، أو يعطك على ما ترينه أنت سببًا لعكس

عدد الصفحات ٦٣

رواء في زمن الجدب63 ما تريدين.أو يختار لك غير ما تصبين إليه، ويغدق عليك من الرضا ما يبلغك السكون والهدوء والطمأنينة. فقط.. كوني أَمَةً حقيقية لله. )10( لا أريد شيئًا من هذه الحياة، لم أعد أطالبها بشيء“ وتتشظى كلماتك في مسامعي، وينساب الدمع رقراقًا من عينيك من خيبات متكررة في حياتك. يا ابنتي، ما أسهل أن تتحرر ذواتنا- في لحظات الضعف وعيف الحياة- من التشبت بالدنيا، ومن الأمل في تحقيق الطموحات، ومن المستقبل وما يحمل من أسرار ومجهول. وما أسهل- في حالة صفاء خاطر ورخاء وعافية- أن نتمسك بأهداب الدنيا وأن نخطط للمستقبل بسطور الأمل، ونمني النفس بكل قادم جميل. لكن القوة تكمن في تلك المفارقة العجيبة؛ حينما نكون في أوج الألم وقمة الحزن، لكن نبقى متشبثين بالأمل، وننقذ أنفسنا من براثن اليأس بضخ دماء جديدة في عروقنا الآيلة للنضوب، وبمعانقة طموحات ومشاريع جديدة تجدد في شرياننا معاني الحياة. مشاريع جزء منها لتدبير أمور المعيشة، والجزء الأكبر لتحقيق عبودية الله وما خلقنا لأجله.

عدد الصفحات ٦٤

رواء في زمن الجدب64 وكذا حينما نكون في قمة النشوة والسعادة، فنؤثر عليها السعادة الباقية الأبدية، فنرى في فرحنا ذاك زيفًا وحقيقة باهتة لا تدوم، فتتوق أنفسنا للقاء الله ولما عند الله. وطِّني نفسك يا ابنتي على فهم مفارقات الحياة، وتفعيل التعامل معها برقي. )11( يا ابنتي، لتكن همتك تناطح السماء، ولتنشغلي بالمشاريع التي تدوم، تلك التي لا تقطفين ثمارها إلا وكتابك باليمين وقدمك على باب الجنان. يا ابنتي، لو استعرضنا أمامنا حياتنا بشيء من البساطة وكثير من الشفافية والعمق؛ فسنجد أننا إمَّا أمام مشروع قد تحقق وقد كابدنا لأجل تحقيقه، وبذلنا في سبيله سهرًا وتعبًا وتوترًا وحرق أعصاب، لنصل في الأخير إلى لذة آنية لا تعدو أن تكون فرحة لحظة تحقيق النجاح والإنجاز، لننتقل بعدها إلى الروتينية والملل وانفراط سمط النشوة بعيد حصولها، ومن ثم علو الهمة لتحقيق نشوة أخرى يسبقها كَدٌّ وتعب ثم تنتهي كصاحبتها. وإمَّا أمام مشروع لم يتحقق، فما زلنا ننتحب تارة لعدم وصوله، ونبذل قصارى جهدنا لأجل ذلك، ثم ما نلبث أن نعلم أنه لا سبيل إليه فنيأس ونستكين ونمضي ما تبقى من حياتنا بين خفقة محاولة الوصول، وحرقة الإخفاق. ثم يرفع عنا الستار، وتنتهي فصول المسرحية، ونخرج منها كممثل أدَّى دوره على كل حال، ولربما لم يكن ذلك اليوم يومه ولم يحالفه التألق.

عدد الصفحات ٦٥

رواء في زمن الجدب65 لو علمنا علم اليقين يا ابنتي أن الزوال يفسد الفرحة، وأن التكرار يقتلها، وأن لكل البدايات نهاية واحدة؛ لتاقت أرواحنا لما لا زوال له، وللفرحة الحقيقية حيث السرمدية والسعادة الأبدية التي لا تعكرها أحزان ولا يفسدها تكرار أو زوال.. ولعملنا لأجلها بهمة ونشاط، ولهان في سبيلها الكد والتعب لاستبشارنا بحتمية النهاية السعيدة. لكنها الغفلة والضعف والانسياق مع أمواج الدنيا، موج يرفعنا وموج يخفضنا، نطفو أحيانًا وأحايين يبتلعنا اليم. )12( يا ابنتي، وأنت تتخطفك المجريات من حولك قفي، تريثي، تفقَّدي قلبك، فأما الدين فقد تكفل الله بحمايته وإظهاره من يتولاه.– ونصره، وأما قلبك الموكل بك، فليس لك من دونك- بعد الله واحذري- في لحظة ضعف- أن تيأسي أو أن تفقدي الثقة في الله. )13( وأنظر في عينيك يا ابنتي فأتمسك بالدنيا وأعشق الحياة لا لأعشقها، ولكن لأبقى لشجيرة براءتك السقيا، وليختبئ ضعفك في ضعفي فنحتمي سوية من زمجرة الرعود وصولة العواصف وثورة البراكين؛ بمن جمع فينا ضعف الإنسان وضعف الأنوثة والضعف أمام التجبر والتسلط وموت الإنسان في داخل الإنسان.

عدد الصفحات ٦٦

رواء في زمن الجدب66 )14( ”لن أكلف نفسي و لن أرهقها، سأرضى بما قدر الله“ جميل يا ابنتي أن نتذكر الرضا ونحن في وحل الكبَد، وجميل أيضًا أن نعلق أنفسنا بالرجاء في التغيير فلا تعارض. لكنني أخشى أن يكون قد اختلط عليك معنى التسليم بمعنى الاستكانة السلبية. فأمام الابتلاء، أحيانًا يكون الصبر والتسليم مع الرضا بالمقضي، أسهل ألف مرة على النفس البشرية المجبولة على الخمول والركون إلى الأيسر؛ من التشوف إلى ما عند الله واليقين في حصول التغيير، فهي تركن- في الغالب- أمام اختيارين صعبين- إلى أهونهما وأيسرهما، فلا أسهل عليها- مرات- من الاستكانة والرضوخ للمقدور على أن تتعلق بالأمل. وقد تنتقل من هذا إلى ذاك دون أن تشعر، فلنتفقدها أثناء مسيرها إلى الله فقد نسقط في سوء الظن بربنا دون أن ندري. ولنترك أبواب قلوبنا مشرعة للقادم الجميل، ولنحسن الظن بمن هو عند ظننا به سبحانه. ففرق يا ابنتي بين الرضا بالقضاء والقدر الذي هو واجب، وبين الرضا بالمقضي والمقدور. نحن مأمورون بعدم الاعتراض على ربنا في حكمه وتقديره، ولسنا مطالبين أن تطيب لنا البلايا والمُلمَّات.

عدد الصفحات ٦٧

رواء في زمن الجدب67 )15( وكل ما ومن حولنا يا ابنتي، إنما هي وسائل إن نفعنا الله بها. وحتى وإن نفعونا فإنما قد سخرهم الله لنا، وحتى وإن التمسنا عندهم الحلول، فمن باب اتخاذ الأسباب فقط، أما القلب فمتمسك بأهداب الرحمة والفرج من مفرج الكربات سبحانه. لا تعلقي قلبك بأحد.. ولو كانت أمك. )16( وحينما يسلم الفكر يا ابنتي من الانحراف والفساد والعنف، وتُبنَى الرؤى والمعاملات على الحب والرحمة؛ يسهل أن تتوهج فتيلة الحق في القلب، فتنير شعبه وتدب الحياة في نتوءاته، ويتعدى نوره لمن حوله. )17( وآه من الظلم يا ابنتي، مازلت أراك تنتحبين لما أصابك من ظلم من أقرب الناس إليك، وكيف استطاع أن يجمع حوله من لم يتركوا لك فرصة تبرير أو إقناع، فلم تجدي سوى لوعة القلب والدموع تغتسلين بها. يا ابنتي، قد يعلو الظلم ويصنع له أنصارًا وأتباعًا، لكن انتفاشته لا تدوم، ولا يمكنه بحال أن يصنع أمة ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ )

عدد الصفحات ٦٨

رواء في زمن الجدب68 )18( يا ابنتي، أن تري الحق حقًّا والباطل باطلاً نعمة تستحق سجدة بين يدي المنان الوهاب، في حين غيرك قد لُبِّس عليه ولربما خُتم على قلبه وعلى بصره وبصيرته فلا يرى أبعد مما يراه من حوله ممن لُبِّس عليهم أيضًا، بل ويجزم أنك على باطل ويعاملك على ذلك الأساس. إذا تعلق الأمر بشهوة، فالخلاص منها قد يكون يسيرًا لمن أراد الله به خيرًا ووفقه إلى التوبة، فكم من سكير وهو في أوج خمرته يسأل الله العفو، وكم من مذنب يذنب وهو يعلم أن ما يفعله لا يجوز. وقد تكون خطوة الإصلاح معرفته تلك بحقيقة ما هو عليه، لكن الشبهات أمرها عسير،إذ تأتيك الأوهام على أنها حقائق، وتأتيك الظنون على أنها مسلمات، بل من كثرة اقتناعك بفكرتك لا تبحث عن وضعها في الميزان وبالتالي تصحيحها. فإذا ما هداك الله يا ابنتي- منة منه وتفضلاً- إلى معرفة الحق ورؤيته حقًّا، ومعرفة الباطل ورؤيته باطلاً، فاسأليه سبحانه أن يمُنّ عليك باتباعه، فلا يكفيك معرفته، و أن يغدق عليك بالثبات عليه، فكم ممن ساروا، لكنهم حادوا وانقطع بهم السبيل أثناء المسير.

عدد الصفحات ٦٩

رواء في زمن الجدب69 )19( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ ﴿ )54(الحج﴾ قُلُوبُهُمْ إذا علموا بأنه حق من الله، ازدادوا به يقينًا وانقادوا له، فخشعت وذلت وسكنت وخضعت قلوبهم. لا خير في علم يا ابنتي لا يقود إلى خشوع القلب واستكانته لخالقه. )20( وها أنت كل يوم يا ابنتي، تفجعين بشيء جديد من مفارقات الحياة الخديج. ها أنت تستكشفين بنفسك حقيقتها الخداعة، فاجعلي حقيقتها قودًا لك إلى الرضوان. ما دخل أصحاب الجنةِ الجنةَ وتمايزوا في درجاتها، ولا أصحاب النارِ النارَ واندحروا في دركاتها؛ إلا بتلك اللحظة الفارقة. أمام الأمارة والهوى ووعد الشيطان الكذوب، وأمام امتحانات الحياة التي لا تنتهي.. قفي، تمهلي، وصِلي رأسك بقلبك. وكوني دومًا على أهبة واستعداد لما تلقيه الحياة في طريقك من ابتلاء وتمحيص، وتذكري أنك في كل لحظة مُمْتَحَنة، وبأن ما هي إلا لحظة

عدد الصفحات ٧٠