رواء في زمن الجدب36 هؤلاء الصغار يربوننا.. نعم يربوننا دخولي عليه مع آثار وضوء، وتوجهي للثوب المعلق صار يعني عند أنس مؤامرة تحاك لخروجي بدونه من البيت. يعلق نظراته بي كمراقب حريص، مع حركات متحفزة من يديه، كأنما يريد أن يمسكني، انتهيت وصرت جاهزًا لتأتي المرحلة الأخطر، لابد من معونة أمه لإشغاله، ثم وثبة واحدة من الغرفة إلى الصالة ثم إلى الباب، تحين منه التفاتة ليكشف خيوط المؤامرة. عبثًا تحاول أمه إشغاله، وكلِصٍّ يتسلل خارج بيت أفتح الباب، مصارعًا قعقعة (المفصلات)، يتأكد الصغير من الخيانة؛ ليطلق صرخة مدوية، تهزني حتى أهم بترك (لقمة العيش) والعودة إليه لأطيب خاطره، وأظل طوال الطريق بين شوق له، وتعجب من (تأديبه) لنا! صار أنس بارعًا في فنون (الخربشة)، لوحات إبداعه مرسومة بإتقان على وجهه ووجهينا! استندت بظهري إلى أريكة يجلس هو عليها في وداعة عابثًا ببعض ألعابه، وكنت مكبًّا على كتاب سارحًا- كالعادة- في عوالم أخرى، لا أدري ما الذي أغرى الصغير في رقبتي؟!
عدد الصفحات ٣٧رواء في زمن الجدب37 لعل وحي الإبداع أتاه؛ فأراد ممارسة هوايته في لوحة جديدة، وبدون تردد أقدم! وأحسست فجأة بدماغي يفور إثر (هبشة) مسددة، التفت بعين تطاير منها شرر الغيظ، ليلقاني هو بنظرة كأصفى وأطيب ما خلق الله، مادًّا يده في براءة كأنما يعتذر! احتواني هذا الصغير في لحظة ما حييتها من قبل، هزمت قوة البراءة في عينه فلول الغضب في عيني، ووجدت نفسي مكبًّا على يده وجبينه مقبلاً مسترضيًا، معتذرًا لو كنت أفزعته بسرعة التفاتي! ورأيت أمه- التي كانت تكتفي بالمتابعة- تكتم ضحكة أقرب للتشفي!، فهمت عنها ما تريد؛ فكثيرًا ما تلومني في غضبي- غفر الله لي-.. تظاهرت بعدم اكتراثي بضحكتها أو برقبتي التي تلتهب، لأقول في لعلك تعلمت ”أنا ليَّا بركة إلا أنتم “ثقة وقد احتضنت الصغير: الدرس ألم أقل لكم.. إنهم يربوننا! ***
عدد الصفحات ٣٨رواء في زمن الجدب38 حتى الحب يعلموننا إياه تلك العين الصادقة التي تراقبك بحب؛ هي دومًا مشتاقة لك، متلهفة إليك، إنها لا تعرف معنى الخصام، تبتسم في وجهك، مع أنها لم تزل مملوءة دموعًا بسببك! أي قلوب يحملونها في سرعة قبول الاعتذار حتى لا تجد فاصلاً بين حزنهم ورضاهم، يا لروعتهم وهم يمزجون البكاء بالضحك! تلك اليد الحانية التي دومًا ممدودة لك بلا شرط أو مقابل، وهو يستيقظ من نومه، وهو مشغول بلهوه، بل حتى وإن أغراه غيرك بأي كان! مجرد أن تمد يدك إليه؛ يميل نحوك، يود لو يقفز لحضنك لا يلوي على شيء، يريد فقط أن يكون معك، لا لجمال أغراه فيك، ولا لمال يطمعه في قربك، ولا لجاه ينتظره على يديك، بل لمجرد أنك (أنت)، فهو دومًا يريدك (أنت) كما (أنت).. أليس هذا هو الحب في أصدق وأرقى معانيه؟! سنظل منكم نتعلم معشر الصغار! ***
عدد الصفحات ٣٩رواء في زمن الجدب39 هناك أصوات تزيدك حبًّا لاسمك حين تسمعه؛ منها صوت الأم في لحظة رضا، صوت المحبوب في حال شوق، صوت تكريم في غمرة فخار. لكن لا أرى كل هذا يساوي نشوة صوت صغيرك وهو ينادي اسمك مجردًا للمرة الأولى، مسقطًا حرفًا من بدايته أو نهايته! *** حين يتسلل نور البراءة من بين أجفان النعاس، حين تعلو البسمة الوجه الصغير القادم من عالم الملائكة لتوه، حين تمتد اليد الصغيرة لك في حنان جامعة بين الاستعطاف والإغراء، حين يشعرك ذلك القلب الصغير أنه افتقدك طوال الليل! حين تعجز الحروف عن وصف طهر الطفولة تصحو من نومها. *** كان مؤذن مسجدنا على مشارف السبعين من عمره، فوجئت به يومًا يسعى في الطريق معتمدًا على عكازه مواريًا في كمه كيس فاكهة، سألته ملاطفًا تجاعيد السنين اختفت فجأة من وجهه، وعكازه خف ثقلها فعادت عصا شاب لا يتوكأ عليها، بل له فيها مآرب أخرى، أجابني بنظرة صافية بارة
عدد الصفحات ٤٠رواء في زمن الجدب40 تركته يمضي وأنا أتابع خطواته المشتاقة للبيت الوحيد الذي ما زال يشعره أنه صغير، للحضن الوحيد الذي يضمه كطفل غير عابئ برأس ولحية اشتعلتا شيبًا. إنه بضعة أشهر مرت وإذا بي أمشي في جنازة أمه، رأيته بعد الدفن مسندًا ظهره لقبرها يبكي كطفل ضاقت به الدنيا لا يدري أي حضن يأوي إليه بعد أمه! ثقلت حركته مذ ماتت، صوته بالأذان صار مختنقًا، دبت الشيخوخة فيه كما لم تكن! تظل صغيرًا- مهما كبرت- ما دمت بحضور أمك، فإذا فقدتها فقد هرمت فجأة، كل حضن بعد حضنها سيشعرك- ولابد- أنك لم تعد هذا الصغير! *** وفي السجود فاجأني الصغير بامتطاء ظهري، ظللت ساجدًا منتظرًا قضاء نهمته من لهوه. يسيطر علي شعور غامر بتمام النعمة بأن نكون من أمة محمد- ﷺ- بشر رسول ليس شيء من تفصيلات حياتك- مهما دقت- إلا ولك فيه أسوة! *** وأبهى من ألق الجواهر في جيد حسناء؛ أثر أسنان الصغير بعد عضة مفاجئة! ***
عدد الصفحات ٤١رواء في زمن الجدب41 إذا ما نام الصغير نهارًا يعود للبيت الهدوء الذي أشتاق إليه في يقظته، تخرج أمه من غرفته مبشرة لي أنه خلد إلى النوم- بعد المعركة اليومية المعتادة بينهما-. نعم بشرى لأني أهرع بعدها لكتاب أريد أن أنهيه- آمنًا من محاولات سطوه المتكررة عليه ومغامرات إنقاذ الصفحات المنكوبة من بين أصابعه الصغيرة- أو عمل أريد إنجازه على الحاسب- بعيدًا عن الضغط العصبي الذي تسببه حركات المؤشر العابثة لأن الفأرة في يده-. وسط انهماكي في كل ذلك تلمح عيني لعبته الملقاة في الزاوية كما بلغت بها رميته، وعربته الصغيرة الخالية على باب غرفته تنتظره لاستئناف جولاته القصيرة وسط الاصطدامات المتكررة بالأثاث أو بأرجلنا، وطبقه الصغير فيه بقايا من طعامه الذي منعته (زرجنة النوم) تداعب عينه الذابلة نعاسا من إكماله! يثير كل هذا في قلبي شوقًا لا أدري كنهه ولا أستطيع مقاومته، أقضي الوقت كمن ينتظر حبيبًا قادمًا من سفر بعد غياب وقد قرب اللقاء! لا أجاوز وسط هذه المشاعر الساعة بقليل حتى أتوجه لأمه بالسؤال الذي اعتادته مني *** الصيحة الأولى القادمة من غرفة الصغير مؤذنة باستيقاظه وانتهاء حالة «
عدد الصفحات ٤٢رواء في زمن الجدب42 كثيرًا ما لا أستطيع مقاومة تلك الفرصة السعيدة، أستمهل أمه لأسبقها إلى الباب، بهدوء أفتحه لألمح العينين الصغيرتين تراقب الحركة بفضول، جالس يترقب.. يلوح بـ من بقي من صرعى أحلامه، أثر النوم في وجهه يزيده جمالاً وبراءة، وبقايا الحليب على طرفي فمه يغريان بقبلة لذيذة! تلك اليدان اللتان تلتفان في لمح البصر حول رقبتك، كأنه يستنقذ نفسه من الإخلاد إلى السرير، أو يريد تعويض وقته الثمين الذي أضاعه في النوم. بسمة عريضة ترتسم على الوجه الرقيق كاشفة الأنياب التي بالكاد تبرز من اللثة حين الخروج من الغرفة، ونظرة سريعة (للتمشيط) والاطمئنان على حالة الدمى المتناثرة والعربة الصغيرة! وهنا يحدث ما لا يكون في الحسبان، لا تغريه ألعابه المنتظرة لينزل إليها، ولا ذراعا أمه الممدودتان شوقًا، ولا حتى العربة مقدمتها طبقه الصغير. نعم.. لقد اعتبر كل ما سبق بنود عقد شراكة في جولة خارجية لا مفر منها، وما كان الحضن الصغير والبسمة الكبيرة إلا مجرد توقيع منه بالموافقة! ***
عدد الصفحات ٤٣رواء في زمن الجدب43 وفي كل مرة صرت أخرج من البيت يودعني بصراخ وبكاء كأشد ما يستطيع، يراها خيانة كبرى أن أخرج من البيت بدونه. لا يفرق في ذلك بين خروج للدوام أو المسجد مما لا يصلح فيه اصطحابه، أو للتسوق وغيره مما صار واجبًا فيه اصطحابه! أستطيع سماع بكائه في الشارع، وتوعده بحروف- غير مفهومة- وسط النشيج، في كل مرة أتوقع أن أعود لأجده غاضبًا مخاصمًا أو على الأقل يتصنع ذلك. وفي كل مرة يخلف توقعي، بمجرد أن أفتح الباب داخلاً وإذا بذلك الزاحف الصغير يأتي من الغرفة جاهدًا منطلقًا نحوي لا يلوي على شيء، مادًّا يده في شوق، راسمًا ثغره ابتسامة حب ساحرة، مجرد حمله ورفعه في الهواء. ثم التنعم بذاك الحضن- الصادق- يشعرك وكأن شيئًا لم يكن، وكأنه يعتذر إليك عما بدر منه، لكن خروجي فقط بعد المصالحة هذه بخمس دقائق للصلاة كفيل بإعادة نفس (السيناريو) بنفس التفاصيل. يا ولدي، ليت لي قلبًا كقلبك! *** -عندي اجتماع معلمات اليوم في دار التحفيظ. -يعني؟!
عدد الصفحات ٤٤رواء في زمن الجدب44 -يعني مش هعرف آخد أنس -وبالتالي؟! -وبالتالي هتقعدوا مع بعض الوقت ده. تبادلت مع الصغير نظرات متحفزة مترقبة، كلانا يعلم أنها المرة الأولى التي يغلق علينا بمفردنا باب، بسمة تنير وجهه، أسفرت عن أنيابه الآخذة أطرافها في الظهور كلؤلؤ منثور على ديباج أحمر. لا أدري لم تذكرت ساعتها البيت القائل: إذا رأيفلا تظنن أن الليث يبتسم ولسان حالي: آااااه يا ترى ناويلي على إيه يا أنس؟! مضت أمه ومع صوت إغلاق الباب أخذته الرعدة المعتادة إثر شعور بالخيانة لخروج تم بدونه، وجدتني مجبورًا للتحول لمؤد لحركات بهلوانية في ساحة سرك؛ فقط لألفت انتباهه الكريم وأنسيه أمر الباب. ثم بإشارة واثقة من سبابته الصغيرة أجدني ممدّدًا تحت السرير لآتيه طائعًا بالكرة؛ ليعيدها وأعود! عيناي في وسط رأسي ترقبانه، أرهقني متابعةً وردًّا عن مقبس الكهرباء تارة، وعن الانزلاق على الدرج تارة أخرى، ثم انتزاع الريموت من يده والعودة سريعًا لـ
عدد الصفحات ٤٥رواء في زمن الجدب45 « الماء عن وجهي فقد كان يريد تصفيف لحيتي فقط وأراد نقعها ابتداءً كل ألعاب الدنيا حلَت في عينه هذه الساعة، وكأنه أراد تبكيتي على تلك الساعات التي أقضيها ممسكًا بكتابي أو بالجوال واضعًا (رجلاً على رجل) لا أكلف نفسي إلا نداء مصحوبًا بنظرة الثقة من تحت النظارة: « أشهد يا أنس أنك في هذه الساعة أخذت حقك مني: (تالت ومتلت وأشهد يا أم أنس ويا كل أم أن لولاكن؛ ما استقام لنا ولا للصغار عيش! *** بسم الله يا ولدي اخطُ أولى خطواتك، مطمئنًا إن تعثرت فسقطت أن سوف تتلقفك مني أو من أمك يدان حانيتان، لكم يقفز قلبي وأنت قادم إلي بخطى غير منتظمة، مندفعًا لترتمي في حضني لا تلوي على شيء، آخذة خطوات العجلى بمجامع نفسي يا صغيري! ألا فاعلم يا درة قلبي أنك ستظل ما حييت ذاك الصغير الضعيف، إياك أن تغتر يومًا باستواء عودك وانتظام خطواتك وقوة سعيك؛ ستظل تتعثر وتزل قدمك- عافاك الله-، وساعتها لا تنتظر إلا يد الله تقيمك على الصراط المستقيم وتأخذ بناصيتك إليه.
عدد الصفحات ٤٦رواء في زمن الجدب46 قم يا حبيبي واسع إليه بكل عزمك لا تلوي على شيء، ارتم في أحضان الذل على عتبة القبول. هو يا ولدي أرحم بك مني، ومن أمك، ومن نفسك!
عدد الصفحات ٤٧رواء في زمن الجدب47 من كان له أخت = فأراه رُزق بأُمٍّ بعد أُمِّهِ ومن كان له بنت = فبشراه ببلسم لهمِّه.. إن بيتًا فيه بنت (صالحة) = هو جنة لكل (ذكر) فيه، كبر أو صغر! سلوا بيوتًا خلت منهن عن معنى الشوق لحافظة الأسرار، وبهجة الدار، ونقاء فيه ستر من النار.
عدد الصفحات ٤٨رواء في زمن الجدب48 الحقيقة يا ولدي أنك أحسن حظًّا من أبيك، وأرجو أن تكون أحسن في كل شيء! على – لقد عشتُ حياتي يا أنس أتمنى أن تكون لي أخت، ما كان عمّك ما بيننا من حب واندماج- ليسدَّ هذه المنطقة في إحساسي، كما لم أملأها له، لو كان لنا كما لك، أخت. استوص بها يا حبيبي خيرًا، صاحبها واعطف عليها. أحبها.. فحبها لك سيجعل لحياتك طعمًا مريحًا، يغذيك كلما احتجتَه. ولا تنس، دورك كأخ أكبر.. يعني أن تكون لها الأمان في أتم صوره! قد تتحرج يومًا مِنْ سرٍ لها تودعني إياه، فكن أنت موضع السر الناصح بحرص وشفقة. وقد تجبن أنت عن مصارحتي يومًا بأمرٍ ما، فاجعلها مفتاحك إليَّ، فإني أضمن لك أنه مفتاح غير عاجز! يا أم أبيك، يا نظرة غير النظرات.. كل تفاصيلك مختلفة، ملابسك، حركاتك، حنانك الذي تبذلينه فطرة. إني كلما تأملتك يهجم إلى فكري ذاك الخاطر المؤلم، بالله كيف كان الجاهليون يجرؤون على وأد البنت؟! بصرف النظر عن كونها من أصلابهم، لكن تلك العين التي جبلها الله
عدد الصفحات ٤٩رواء في زمن الجدب49 على بذل العطف، واستجدائه في نفس الوقت، كيف تُوارى التراب وفيها ذاك الوميض مازال حيًّا؟! لا جرم أن يكونوا حطب جهنم، القلوب التي ما لانت لِبِنْتٍ نظرتها واعدة، تستحق الذوبان في النار الموقدة. هل أصارحك يا رقية بسرٍّ؟! أرى لو كنتِ أنتِ بكريّتي وكان وحي النظرة الأول فيك أنت؛ لتغير مسار الصفحات السابقة كلها لما لا يتوقعه أحد! (رجاء لا تخبري أنسًا بذلك). اللهم احفظ أنس ورقية، وأولاد المسلمين، وأقر بهم الأعين في الدارين. اللهم وأسعد برزقك أرواح المشتاقين، وألق الصبر والرضا في قلوب من اخترت لهم العوض كاملاً في جنتك يا رب العالمين.
عدد الصفحات ٥٠فسائل وأطواق ياسمين وصال تقة
عدد الصفحات ٥٢رواء في زمن الجدب53 إهـــداء إليك ابنتي.. ها أنت تكبرين أمام عيني كزهرة برية تملأ البيت عبقًا وشذى، وها أنا ذي أقطف لك من الندى أجمله وأعذبه، وأختار لك من اللؤلؤ أبهاه، أصنع لك منه قلائد أوشحك بها، وإن كان النصح مني واجبًا لك يا رعيةً استرعانيها ربي؛ إلا أنه لي قبل أن يكون لك. وما أدراني يا ابنتي، لعلها وصية مودع. ولعلي لا ألقاك بعد كتابي هذا، ولعله كل وصيتي لك، فإن أمد الله في العمر، فما جُعلت الأم أُمًّا إلا لتواصل المسير مع أبنائها بالنصح والتوجيه والعتاب والإرشاد، وكم لهم منها، ولها منهم ومعهم من دروس، فنحن يا ابنتي لا تاريخ صلاحية لتعلمنا، من المهد إلى اللحد، ومادام في أنفاسنا رمق، فلا نقعدن عن التعلم ببصيرة وتوقد. وإن كانت الأخرى، فاقبلي يا ابنتي نصيحتي، وهي في عهدتك، سلميها لأختيك من بعدي حينما يبلغن سن الفهم، وواصلي معهما ما ستعجزني المنون حينها فعله بنفسي.
عدد الصفحات ٥٤