المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواء في زمن الجدب

كمال اليماني

صفحة ٢ من ١٤

رواء في زمن الجدب20 تسيطر علي اللحظة يا ولدي صورة ذلك الرجل، الذي وقف ودموعه تقطر من لحيته مبللة إحرامه الأبيض كوجهه، مقاطعًا موعظتي لوفد الرحمن أسألك بالله يا شيخ تدعي الله “يوم عرفة، وهو يقول بصوت يخلع القلب .”يرضيني بالذرية، لي خمس عشرة سنة منتظر..منتظر.. ثم انقطع صوته وسط بكائه، وبكاء الحجاج من حوله، رفعت يدي باكيًا ودعوت الله بأن يرزقه ذرية تقر بها عينه، هو وسائر من حرم الذرية من المسلمين، وارتج المخيم كله بالتأمين، حتى ظننت أشجار عرفات وأحجار الوادي تدعو معنا، وإني لأطمع في الكريم الذي تجلى على ضيوفه يومها؛ بأن الرجل الآن ينعم بذريته. بكيت يومها يا ولدي شفقة على الرجل، وتأثرًا ببكائه، وبهيبة الموقف لما ارتفعت هذه الأيادي المتجردة من كل مظاهر الدنيا وزيفها في لحظة …صدق قد لا تتكرر في غير هذا المكان، أما الآن فكلما ذكرت هذا الرجل! سامحني يا ولدي، بللتك دموعي.

عدد الصفحات ٢١

رواء في زمن الجدب21 )٦من وحي النظرة ( لا تستغرب أني لم أعد أكثر النظر في عينيك؛ فالحقيقة أني صرت أغار منك يا ولدي! لم يثر غيرتي أنك أصبحت الرجل الأول، صاحب الكلمة المسموعة في البيت (وإن أنكرت أمك ذلك حفاظًا على مشاعري)؛ فأنت الآن من تحدد برضاك موعد نومنا وطعامنا بل وقراءتنا أو حتى مطالعتنا للفيس بوك! بكاؤك يعلن حالة الطوارئ، نسارع لإرضائك ودفع ما أغضبك، متى طلبت أمك كانت عند قدميك ملبية، منتظرة إذنك لها بتقديم الطعام لأبيك القادم من عمله وقد تضور جوعًا! لم يثر كل ذلك غيرتي يا ولدي كما كانوا يحذرونني دائمًا، وينصحونني بتقبل الأمر الواقع؛ فعهد تفردي بالكلمة في البيت قد ولى مع أول صرخة استقبلت بها الدنيا! أتفهم ذلك تمامًا يا ولدي إلى حين، فلا تقلق. كذا فعلنا بآبائنا، وكذا سيفعل بك أولادك- أمد الله في عمرك على طاعته-. ألمح التساؤل في عينيك، ما الذي أثار غيرتك إذًا يا أبي؟!

عدد الصفحات ٢٢

رواء في زمن الجدب22 إنها صحيفتك، صحيفتك البيضاء يا ولدي!، أتذكر يوم خلوت بك في ساعة رضاك التي اختطفتها أمك لتقرأ وردها، وتركتنا سويًا؟! يومها تعجبتَ من دموعي وأنا أغض طرفي حياءً بين يديك، ومددت يدك الرقيقة لتجذبني من لحيتي متسائلاً: مالك يا أبي؟! تخيلت ساعتها يا ولدي فجأة أننا نقف سويًا بين يدي الله- بارك الله عمرك، وأطاله على طاعته-، تُرى من يكون أقربنا للنجاة يا ولدي؟! نعم، لي صلاة وصيام وحج وقرآن، لكن لي نية مدخولة لا أضمنها، ولي قلب أصابته الدنيا بسهامها، ولي عين بها خيانة وجرأة، صارت لا تستطيع مقاومة الطهر والنقاء في عينيك، فتغض الطرف في استحياء. أنت يا ولدي الآن أبلغ واعظ في حياتي وإن لم تُجِد النطق بعد، ما أنظر إليك إلا وأجد باعثًا للتوبة والاستغفار بداخلي، لعلي أحصِّل شيئًا من نقاء نظرتك التي تحمل بقايا مشاهد من عالم الملائكة، فهمت الآن لم كانت ابنة عبد الوهاب المسيري سببًا في تغيير مجرى حياته، من ظلمات المادية إلى نور الروحانية يوم ولادتها. فهمت الآن لم كانت مجرد نظرة أقرانك سببًا في توبة كثير من آبائهم، أنتم ممثلو الفطرة النقية في حياتنا يا ولدي، أنتم الوعاظ بنظراتهم دون النطق بحرف، أنتم رسائل حية تدعونا لإعادة حساباتنا دومًا، لي صحيفة يا ولدي تعج بغدرات وفجرات، فأين أنا من صحيفتك البيضاء التي لم يجر

عدد الصفحات ٢٣

رواء في زمن الجدب23 عليها قلم؟ في هذا المشهد بين يدي الله أيقنت أني سأطلب شفاعتك لعلها مقبولة عن أعمالي المنقوصة؛ عرفت سبب بكائي؟! استغفر لأبيك يا ولدي، استغفر لأبيك.

عدد الصفحات ٢٤

رواء في زمن الجدب24 )٧من وحي النظرة ( وبينما أقلب بعض أوراقي القديمة يا ولدي؛ قفزت أمامي صورة هذا الرضيع مخترقة حاجز النسيان، مسافرة بروحي كآلة الزمن للوراء، فلا تعجب من وجومي؛ فأبوك يتلقى الآن وحيًا من نظرته ونظرتك! يا للعجب، هذا الطفل يشبهك إلى حد كبير، نفس القوة الكامنة في تمام الضعف، ونفس النظرة النقية التي تحمل بقايا مشاهد من عالم الملائكة! جلست بينكما كطالب حريص في مجلس علم، أو كخاشع بللت دموعه الأرض في مجلس وعظ. متحررًا من قوانين الدنيا، متجاوزًا حدود الزمن، جلست بينكما يا ولدي متأملاً أو إن شئت فقل: مستمعًا لحديث غير منطوق، نظرته فيها حنين، ونظرتك هي الأمل، نظرته تصرخ في أعماقي: انظر كيف كنت، فتواضع، ونظرتك تهمس في كياني: تأمل كيف أصبحت، فاشكر. وتسافر بي نظرته لتتركني أمامك جسدًا حلقت روحه في أثير الذكريات، فاستأذن أمك بالنيابة عني في هذه السفرة الطارئة، التي لن أحزم فيها أمتعة، أو أقطع من أجلها تذكرة!

عدد الصفحات ٢٥

رواء في زمن الجدب25 سفرة استلال مشاهد، ودهشة تساؤل كيف فقد هذا الصغير نظرته البريئة في غياهب الدنيا؟! ها هو مكب على مصحفه؛ فأبوه يعود من عمله ليسأله أول ما يسأل عن حفظ (اللوح) ومراجعة الجزء اليومي، يا لروعة الفرحة في عينيه حين يكافئه أبوه مع استلامه الراتب بقرطاس (كيمو) اشتراه من المدينة وتركه في ثلاجة البقال المجاور ليأخذه بعد الغداء! ويكبر الصغير قليلاً، وفي لحظة هي الفاصلة في حياته يجد هاتفًا لن أترك من اليوم ركعة، وحين أكبر سألتزم السنة كما علمنا ” بداخله: ، إنه يحيا حتى الآن بقوة هذه اللحظة، إنه لا يدري كنهها ولا يجد ”شيخي توصيفًا لهذا النداء العلوي الذي سرى صداه في كيانه حينها. كلما ذكرها غض طرفه حياءً من ربه؛ لولا تلك اللحظة ما كان ليجدي معه نصح أبيه ولا تعليم شيخه، الذي لم يمل من سؤاله عن صلاته يومًا. كان الصغير ضعيفًا- ولم يزل- أمام عيني شيخه، فلا يسعه إلا الاعتراف وتحمل حفلة العقاب الجماعي للحفاظ الصغار المفرطين في الصلاة! لا ينسى يوم سألته ابنة عمه ذات العشرة أعوام وبدون مقدمات: ويتلعثم مجيبًا: ” صليت العصر؟“ - آه طبعًا

عدد الصفحات ٢٦

رواء في زمن الجدب26 - كداااب، العصر لسه مأذنش أصلاً أطلقتها بثقة مع ذلك الوميض الساحر في عين الطفولة المرحة، ويذهل الصغير عن الجواب، وتحار عيناه ويغادر مجلس العائلة ململمًا ما تبقى من نفسه. ضحك الجميع ساعتها، لكن الصغير تفجرت في نفسه تساؤلات بريئة لم يخطر بباله أنها ستغير مجرى حياته! وتدور الأيام دورتها ويقف مع ابنة عمه تلك أمام بيت الله الحرام في لحظة تماه في جلال القدسية، وتحليق في أجواء السكينة، وشعور بساعة ..”اللهم ارزقنا ذرية صالحة“استجابة: ، كلهم انتظروك ”دعوة الكعبة“ولم يمر عام حتى وضعتك، نورت حياتنا يا بشوق، وانتظرتك بشوق آخر؛ شوق لفطرة ذاك الصغير النقية التي أحييتها في، بعد أن لوثتها آفات الدنيا. شوق لأن أرى نور الحقيقة في عينك البريئة. لقد تغير الصغير كثيرًا يا ولدي، ضاعت منه- ويا للأسف- تلك النظرة، وها هو جالس أمامك يبحث عنها في وحي نظرتك!

عدد الصفحات ٢٧

رواء في زمن الجدب27 )٨من وحي النظرة ( ”« لو رأيت هذه الفتاة المدللة يا ولدي، وحيدة أبيها وأمها، ريحانة بيتهم وبهجة أركانه، لو رأيت الدموع في عيني والدها وشهقة الفرح في صدر أمها وهما يريان فلذة الكبد تزف لرجل سيكون أولى بها منهما! ويقرأ الزوج شريط الذكريات في عين الوالد، وثبات الطفولة، وضوضاء المرح، لحظات النجاح، ودموع الفخر، دعوات الستر، وأداء الأمانة، يا للوالد الذي يستيقظ في الصباح الأول ليدخل غرفتها، لا يسمع ذلك الصوت العذب يترنم بالأذكار والورد القرآني. لم يرَ تلك البسمة النقية تسري في وجدانه وهو يطلب فطوره ويعرض عليها أن تشاركه فيه، يحاول التجلد وهو يسمع صدى الحنين متسائلاً: أهكذا صارت نوَّارة البيت ضيفة تأتيه زائرة فقط؟! ويقلب نظره في الجدران تزينت بملصقات الأذكار التي كتبتها بيديها، ويمسح عليها كأنما يواسيها أو يتلمس آثارها على تلك الجدران! يطمئن قلبه للزوج الذي تعهد بحفظ الأمانة، وشكر النعمة، ويمسح

عدد الصفحات ٢٨

رواء في زمن الجدب28 دموع الذكريات ليستقبل بسمة انتظار لصرخة السبط الأول تعيد الدفء لبيتهم من جديد. وصار الكل رهن إشارتك يا ولدي، وصارت هذه الفتاة المدللة مؤتمرة بأمرك دون غيرك، حريصة على راحتك قبل من سواك! لا تغتر بوالدك الذي يدخل عليك بما رزقه الله من أجلك، فلو رأيت أمك تقضي الليل بين النوم واليقظة، عيناها مغمضتان وفي يدها قارورة الحليب تمسكها أن تقع من فمك! لو رمشت جفونك لقامت هي من شبه نومها فزعة تتفقد ما الذي أقلقك، بينما أغط أنا في نومي العميييق! وصار هذا القلب المدلل باذلاً للحنان بلا حد، متفانيًا في العطاء بلا مقابل. بكرة تيجي اللي تاخده منك، ويحبها ويبعد “مازحتها من يومين قائلاً: !، ”دا يوم المنى كله، وقرة عيني أشوفه بس سعيد“، وترد بلا تلعثم: ”عنك .”لله درك يا أمي“وتتردد صرخة في أعماقي عبر أثير روحاني لا يتأثر ببحار وصحاري حجزت بيني وبينها، أحس .”ربنا يسعدك يا ابني“بقلبها الذي يدعو في كل نبضة: سهرت وتعبت، فرحت وبكت، ضحت وبذلت، ثم ها هي لا تجدني

عدد الصفحات ٢٩

رواء في زمن الجدب29 بجوارها إن تعبت، ولا مستمعًا لفضفضتها إن ملت أدري لكم تشتاق لتلك القبلة على جبينها ويدها قبل خروجي بالصباح، على مائدة الغداء.” تسلم إيدك يا أمي“لكم تفتقد لكم تدمع عيناها حين تذكر تلك المزحة التي ظللت أضحكها عليها أسبوعًا كلما كررتها، لكم تستوحش من غرفة خلت، تعودت دخولها فجرًا لتوقظني للصلاة. ومع كل ذلك صارت تتصبر بمجرد مكالمة أسبوعية ما هي إلا تهييج ربنا يسعدك يا “للأشواق واستدرار للدموع، وقلبها ينبض، ولسانها يردد: !”ابني هو القلب الوحيد الذي يحبك يا ولدي (كما أنت) و (كيف كنت)، لا ينتظر مقابلاً، ولا يعامل بالمثل.. ...”أمك، ثم أمك، ثم أمك“لذا أوصيك:

عدد الصفحات ٣٠

رواء في زمن الجدب30 )٩من وحي النظرة ( كعادته أيضًا- – جالس- كعادته- بالسيارة في حجر أمه، منتش بالخروج من البيت، عابث بكل ما تطوله يده، تعودت سماع هذا الحوار الجميل بينهما أثناء قيادتي - أمه كافة يده: بس يا حبيبي - هو غاضبًا: دِدَّاااااااا - أمه متعالية نبرتها: الله يهديك يا ولد فتحت الباب. - هو لا يعبأ - أمه محاولة التصبر: يبني بتنزل الإزاز ليه؟! - هو مقبل على أمره لا يلتفت - أمه وقد فاض بها الكيل: شوف حل في ابنك ده! أسترق نظرة إليه في عتب حانٍ، فيبتسم كأنه حقق ما أراد، ويمد يده راغبًا الجلوس في حجري، أو العبث بعجلة القيادة والعصي من حولها في الحقيقة! ألتفت عنه منشغلاً بالطريق، فيُنفذ غضبه في تلك المسبحة المعلقة بالمرآة، والتي يستفزه تأرجحها يمنة ويسرة، لا يمضي وقت طويل حتى

عدد الصفحات ٣١

رواء في زمن الجدب31 يتخدر تحت تأثير المكيف، ويخلد لنومة سريعة في حضن أمه، يستيقظ بعدها عند بلوغ وجهتنا، ويتكرر نفس المشهد في العودة بصورة أعنف؛ لأنه يدري أننا عائدون للبيت! هذه المرة كان الأمر مختلفًا مع أنس. لا أدري كيف تسرب لخاطره أنه وأمه لن يعودا معي، وإنما أنا ذاهب لتوديعهما! ترى أبسبب تلك الحقيبة التي توسطت الغرفة منذ يومين، معيقة خط سيره بعربته الصغيرة، وقد رآني أضعها في السيارة قبل أن يركبا؟! أم تراه فهم أيًّا ما ” كلام أمه وهي تلبسه الطقم الجديد ممازحة له كان السبب، فالصغير على غير عادته صامت في دهشة، مسند ظهره لصدر أمه، يراقب الطريق وكأنه لا يريده أن ينتهي؛ فبعده وداع ودموع! وصلنا المطار، وإذا بالصغير عينه زائغة يمنة ويسرة، لفت نظره كم الحقائب المشابهة لتلك الحقيبة التي ضيقت عليه طريقه!!. شحنت الحقيبة مع الأمتعة، فاستبشر الصغير، وعاد يداعبني، أخذته في حضني لأطمئنه، أو لأصبر نفسي! عاد لمناغاته ومراقبة الوجوه الهائمة في زحمة المطار، في قسوة وداعه، وروعة اللقاء فيه، دومًا ما ينجذب أنس لأقرانه وينجذبون له، وكأنها لغة الفطرة النقية بينهم، التي لا نفهمها نحن! وصلنا للوحة (المسافرون فقط).. وهنا قطَّب الصغير جبينه لما رأى زهرة تكبره بعام أو يزيد قليلاً، وقد طوقت أباها بذراعيها الصغيرتين، وبللت كتفيه بدموع وداعها، عبثًا يحاول أبوها التجلد، وعبثًا تحاول أمها المسافرة معها

عدد الصفحات ٣٢

رواء في زمن الجدب32 فك ذراعيها الملتفتين حول رقبة أبيها! بكيت لهذا المشهد قبل أن ينفطر قلبي لوداع أنس، مر الأمر كطيف غير مرحب به، وسط وجوم الصغير ودهشته، احتويته في حضني، وطبعت على كل ما طُلته منه قبلاتي، ثم استودعته وأمه اللهَ الذي لا تضيع ودائعه، تلقفته أمه بسرعة كما أوصيتها في البيت ومرت به مجاوزة الحواجز، ولتني ظهرها، مقاومة الضعف في عيني وعينها، لكن ثمة عينين صغيرتين تراقباني من فوق كتفها، لم تصر على تعذيبي يا أنس؟!.. لِمَ ثبَّت عينيك على غير عادتك في اتجاهي فقط؟!.. يا لله ما أقسى (وحي نظرتك) هذه المرة! قرأت في عينيك عتابًا ونداءً ووداعًا.. عتابًا لم تركتنا يا أبي ولن نعود معك للبيت؟! نداءً فلتأت معنا إذًا.. ووداعًا أراك على خير يا أبي! أغرقتني يا ولدي في نظرتك هذه، وغبتما عن عيني وسط الدموع، قبل أن تغيبا وسط الزحام، تجرأت أمك على بُعد لتلتفت لي، وتلتفت أنت معها ملوحة بكفها وكفك قبل صعود الطائرة، لم تلبثا أن تواريتما حتى أنكرت والله كل ما حولي، لا الطريق بالذي أعرف، ولا البشر هم البشر، ولا حتى سيارتي كما هي، متثاقلة بدأت التحرك معي، وكأنها تريد تنبيهي لقد تركت بعضك هنا! ووصلت البيت.. يا للبيت.. ما أقساه بعد أن كان ري روحي وجمع شتاتي، ما أبرده بعد أن كان نابضًا بدفء المودة والرحمة، يتسلل صمت قاتل لأركانه التي طالما ضحكت لضحكك، وانتشت لعبثك ولهوك، لم تقابلني هذه المرة خطواتك الصغيرة المتسارعة بعربتك لتلقاني

عدد الصفحات ٣٣

رواء في زمن الجدب33 على الباب مادًّا يديك، طامعًا في تلك الرفعة التي تكاد تلامس بها السقف، بل ها هي عربتك منكسة في الزاوية، تأبى حتى أن تلقاني بوجهها!!.. ها هي ألعابك مجموعة في حقيبة، كأنها جثة في كفنها، وقد كانت تنبض معك حياة وسرورًا! كل ما في البيت يلومني.. يرفضني.. فقط يشاركني حزني، لا يحاول التخفيف عني، ماذا فعلت لترتبط بك الأشياء هكذا يا أنس؟!.. هل لالتقائكما في عدم جريان القلم والتلطخ بالذنوب؟!. ربما، أين ضجيجك الحاني يؤنس أباك في صمت وحدته؟! أين دفء الجدران وهي تبث الصقيع في أعماقي الآن؟! أين ريح البنوة أشتمّه فيك؛ ليزيل عني عناء الأيام وأكدار الدنيا؟! أتدري يا أنس، أرى الحروف ساخرة مني لا تريد الإكمال معي، وحق لها.. أنا يا ولدي أتجرع هذه الأشجان وبين يدي الآن تذكرة لحاقي بك، وتذكرة عودتنا سويًّا للبيت! سخرت مني الحروف بإذن الله- محدد، فكيف يحيا من حُرم – أن أحيا كل هذا وموعد اللقاء أحبابه للأبد، أو حرمهم إلى حين لا يدري أيطول أم يقصر؟! كيف يحيا أب فزع من نومه على قذف أحال غرفة نوم صغاره لكومة حجارة ملطخة بدمائهم؟! كيف تحيا أم غيب ولدها في غياهب السجون والمعتقلات، لا تدري حي هو أم ميت؟! كيف يذوق النوم أسير بعد زيارة فصل بينه وبين أهله خلالها سلك مقيت ظالم، اتسع ثقب فيه لِبَنَان ابنته الصغيرة مدته فقط لتلمس كف أبيها؟! أتدري يا ولدي؟!.. مادام أمثال هؤلاء في دنيانا، سنبقى

عدد الصفحات ٣٤

رواء في زمن الجدب34 خجلانين منهم ومن أنفسنا.. اللهم يااارب.. فك أسر المأسورين، وأطلق من بظلم مسجونين، واربط على قلوب الأرامل والثكالى والمقهورين.. اللهم واجمع شمل المتباعدين، ورد المغتربين لذويهم سالمين، واحفظنا في أنفسنا وأهلينا وذرارينا، والمسلمين أجمعين.

عدد الصفحات ٣٥

رواء في زمن الجدب35 « وصار الصغير يتمتم بأشباه حروف، هي في أذني أبلغ من البلاغة، وأصدق من كثيرٍ من مواعظنا! *** ، تقع ”بجواري أنت يا أمي؟!“ويمد الصغير يده متلمسًا، وكأنه يسأل: كفه الصغيرة في كف أمه، لتلف ذراعها حوله بسمة أمان تعلو وجهه، وتزداد أنفاسه النائمة عمقًا! لله ما أعجبكما!، تتواصلان وأنتما غارقان في النوم! ليت الدنيا كلها مشهد أمومة حانية، وطفولة آمنة! حياء صار يتملكني حين أنام بجواركما؛ ألا ألوث بآفاتي هذا المشهد النقي، وتجبراني على لحظة سمو قبل نومي، ليتها تدوم لي! سامحت الكل، أدعو للكل، قلبي سليم على الكل، الدنيا أمامي الآن في أبسط وأصدق وأصفى صورها! ***

عدد الصفحات ٣٦