المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

استراتيجية ابن باديس في تدبر القرآن وأثرها في نهضة الأمة

محمد زرمان

صفحة ٢ من ٣

17 من الاهتداء به ما يتعجّله المريض المنهك من الدواء ،وما يتعجّله المسافر العجلان من الزاد، وكان يستطيع أن يجمع بين الحسنيين لولا أنه كان مشغولا مع ذلك بتعليم جيل وتربي ة أمة ومكافحة أمية ومعالجة أمراض اجتماعية ومصارعة استعمار يؤيدها . فاقتصر على تفسير القرآن درسا ينهل منه الصادي ، ويتزود منه الرائح والغادي ، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة "(9). لذلك رأى أنه يحتاج إلى أسلوب حكيم ومنهج رصين وفعّال ، يعيد للقرآن الكريم حيويته في النفوس ويبعث طاقته الفياضة في الجموع التي غشيها الجهل المطبق ، وأ فسدت عقيدتها التصورات السقيمة و الاعتقادات الضالة التي شوّهت الحقيقة الإسلامية الناصعة، وقد هداه تفكيره إلى أن أسلم طريق للوصول إلى هذا الهدف هو التوجّه إلى القرآن الكريم مباشرة و العكوف عليه وتدبّره وفهمه واستنطاق آياته الكريمة لاستلهام الحلول منه بدون وسائط إلا ما يحتاجه المتدبّر من وسائل ضرورية لفهم النص الإلهي في ألفاظه ومعانيه، مراعاة للظروف العصي بة التي كانت تحيط به من كل مكان، والتحديات التي تلقي بظلالها القاتمة على ساحة العمل، وكان يقول في أمل وتفاؤل وثقة كبيرة في الله عز وجل : " إن القرآن الذي كموَّنم رجال السلف لا يكثر عليه أن يُكموّنم رجالا في الخلف لو أُحْسنم فهمه وتدبُّره ، وحمُلمت الأنفس على منهاجه "(2). وهذه الإستراتيجية التي استقرّ عليها رأيه ، وعقد عليها عزمه ، واطمأن لها قلبه، كان لها أعظم الأثر في الواقع ، وأزكى الثمار ، حيث كان يفسر القرآن الكريم تفسيرا بسيطا عمليا يجعل المستمع يحس أن الوحي يخاطبه مخاطبة مباشرة ، ويأمره وينهاه ، ويطلب منه التحرك والتغيير ، والاتجاه نحو ربه دون واسطة ، ويجعله يشعر أنه معنيّ بهذا الخطاب ومطالب بالاستجابة. ويذكر تلميذه الشيخ أحمد حماني أن التفسير الذي كان يلقيه ابن باديس درسا لا يشبه في شيء التفسير الذي كان يكتبه في مجالس التذكير وأن الفرق بينهما كبير ، مؤكدا أن دروس التفسير الشفوية كانت أبلغ وأعمق وأوسع تطرقا إلى المعاني الخفية وإبانة عن الم قاصد والحكمم : " في خمسة وعشرين عاما ختم ابن باديس تفسيره للقرآن الكريم إلقاءً، ولكنه لم يكتب منه إلا قليلا، وكان له في كلّ منهما أسلوب وطريقة، يحس بذلك كل من استمع إليه يلقيه ارتجالا، أو قرأه مكتوبا بقلمه بمجالس التذكير بمجلة الشهاب . وممنْ جمع بينهما ـ سماعا وقراءة ـ تيقّن أنه في الدرس المُلْقمى أبلغ منه وأعظم تأثيرا منه في المكتوب المقروء، وإن كان فيه مُومفَّقا عظيم التوفيق، إذ كان في إلقاء التفسير يبلغ به ما شاء الله أن يبلغ في نفوس السامعين، وقلوب الواعين، وعقول الحاضرين "(1) . وقدتمحور هذا العمل الحضاري الضخم حول جملة من الأبعاد الكبرى من أهمها : 9 ـــ البعد الهدائي : بـرز البعــد الهــدائي في إسـتراتيجية ابــن بــاديس بقــوة و وضـوح ، و كانــت آثــاره في أعمالــه باديـة للعيــا ن بحيــث لا تكــاد تخفى على أحد. و لا عجب في ذلك ، فقد كان في هذه الأمة بمنزلة الطبيب الـذي يشـرف علـى عـلا ج مـريض يحتضـر بعـد 9 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب . تقديم : محمد البشير الإبراهيمي . ص 20 2 - الشهاب. عدد خاص 9118 .ج9 ـ0 .مج99 .ص219 1 - ملتقى الفكر الإسلامي الخامس عشر. أحمد حماني. " تفسير ابن باديس ومناهجه في التأويل" . ص 201

عدد الصفحات ١٧

18 أن أثقلته العلل والأسقام، أو مصاب أثخنته الجراح وكاد نزيفها يودي به ، و كـان كـل همّـه أن يسـرع بإعطـاء الـدواء النـاجع ، و أن يتعاهــد هــذا العليــل بمــا ينفعــه مــن الجرعــات القرآنيــة الــتي ت عيــد إليــه رمقــه ليســتجمع قوتــه مــن ج ديــد و يقــف علــى قدميــه سليما معافى. لذلك كانت جهود ابن بـاديس العلميـة و العمليـة كلهـا تصـب في هـذا المجـرى ، في سـبيل إ يقـاظ الأمـة وتنبيههـا مـن غفلتهــا و تطهــير روحهــا مــن البــدع والخرافــات وتحصــينها بالعقيــدة الصــحيحة ، وتغذيــة عقلهــا بــالعلم النــافع المفيــد ، وربطهــا بتاريخهـــا ولغتهـــا و وطنهـــا. ولم تكـــن التحـــديات الضـــخمة الـــ تي تواجـــه حركتـــه التج ديديـــة تتـــيح لـــه فرصـــة للـــترف العقلـــي، أو النظـــرات الفلســـفية ، أو الـــذهاب مـــع الخلافـــات الكلاميـــة والتفريعـــات اللغويـــة والبلاغيـــة ، بـــل كـــان متجهـــا بكلّ يتـــه إلى بنـــاء الإنسان بناء جديدا، و كان القر آن الكريم هو المعين الصافي الذي كان يسقي منه مرضـاه ليصـحّوا، ويصـيروا خلقـا آخـر غـير ذلك الذي أنهكته الأمراض، وحطّمته ظروف الاستعباد، وأسرته الأفكار الانهزامية فغدا كالبيت الخراب . ولعلنــا لا نجــد مثــالا يصـــو ر لنــا تجــذّر البعـــد الهــدائي في إســتراتيجية ابـــن بــاديس مــن تفســـيره الــذي كــان موجّ هـــا في أساسه الأول إلى تكوين جيل قرآني يضاهي السلف الصالح في عقائده الصـافية، وأخلاقـه العاليـة، وارتباطـه القـوي بمرجعيتـه القرآنيــة ، وفهمــه لهــا فهمــا عمليــا يفضــي بشــكل تلقــائي إلى تنزيــل قيمهــا علــى أرض الواقــع لتتجســد في الأفهــام والتصــورات والسلوك بعيدا عـن التـأويلات والجـدال العقـيم : " فمـا إن ينتهـي مـن شـرحه للمناسـبة والمفـردات والتراكيـب النحويـة والمعـنَ الإجمالي للجملة القرآنية حتى يطوف بنا في أجواء الآية الكريمـة مستخلصـا العـبرة والعظـة ... وفي سـبيل تحقيـق هـذا الهـدف فإنه قد ينبه أحيانـا إلى فوائـد يتصـل تحقيقهـا بتنفيـذ الجانـب العملـي مـن الآيـة ولـو بأقـل صـلة أحيانـا ، وهنـا يـبرز الاسـتطراد البديع والإطناب الواقعي والاستنباط النافع المجدي "(9) . وإن استعراضا سريعا لتفسيره يجعلنا نقف على مجموعة من العناوين الفرعية التي يـذيل بهـا شـروحه، والـتي تنبـئ عـن براعتـــه في تـــدبّر القـــرآن والوقـــوف عنـــد أبعـــاد نصوصـــه المعصـــومة، وتؤكـــد أن الغـــرض الـــرئيس منهـــا هـــو تيســـير ســـبيل تطبيـــق الآيات القرآنية تطبيقا عمليا بربطها بالواقع ربطـا وثيقـا ، وبيـان صـلتها بظـروف الإنسـان المسـلم الراهنـة وحالتـه الاجتماعيـة مثل : الجانب العملي في الآية ، إرشاد ، تطبيق ، تحذير ، عبرة ، عظة ، سلوك ، توجيه ، تبصير ... إلخ و الأمــر نفســه نجــده في الطر يقــة الــتي انتهجهــا في تــدريس العقيــدة ، حيــث اتبــع في تلقينهــا الطريقــة العمليــة في تعلــيم أصــول العقائــد الإســلامية، وكــان يســتدل عليهــا بالآيــات القرآنيــة والأحاديــث النبويــة الصــحيحة أســوة بــالنبي عليــه الصــلاة والسلام في تربية أصحابه ، واقتداء بسـيرة السـلف الصـالح في الاعتقـاد، لأنـه كـان يـرى أن طريقـة القـرآن في تقريـر العقيـدة لا تعــدلها طريقــة أخــرى في بســاطتها وعفويتهــا وحســن مــدخلها إلى النفــوس ، علــى عكــس مــا كــان شــائعا في طــرق المتكلمــين والفلاسفة من إجهاد للعقل وإعنات للفكر، وأنها أنسب طريقة لمعالجة أمراض الشـعب الجزائـري وتطهـير عقيدتـه وتصـحيح أفهامـــه .

عدد الصفحات ١٨

س ، علــى عكــس مــا كــان شــائعا في طــرق المتكلمــين والفلاسفة من إجهاد للعقل وإعنات للفكر، وأنها أنسب طريقة لمعالجة أمراض الشـعب الجزائـري وتطهـير عقيدتـه وتصـحيح أفهامـــه .لـــذلك كـــان يركـــز علـــى النـــواحي الهدائيـــة علـــى اعتبـــار أن التوجيهـــات العقديـــة الـــتي يقـــدمها لمســـتمعيه هـــي م شـــروع للتنفيذ على أرض الواقع ، و ليست مسائل للمناقشة و تبادل الآراء . 9 - عبد الحميد بن باديس مفسرا . حسن عبد الرحمن سلوادي . المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر . 9189 .ص19

عدد الصفحات ١٨

19 2 ـــ البعد التطبيقي : وهو واضح وبارز بروزا جليّا في إستراتيجية ابن باديس . فقد كان من بين أهدافه الكبرى أن يجعل من الآيات القرآنية التي يفسّرها للناس حافزا قويّا يدفعهم إلى تطبيقها في أرض الواقع وتجسيدها في سلوكهم اليومي وترجمتها إلى عمل صالح يزكّي النفس و ينفع المجتمع . لذلك فإن الإشارات التي تقيم العلاقة الوثيقة بين الآية وما يجري في الواقع الم عيش كثيرة ولا يكاد يخلو منها مجلس من مجالسه . يوردها في آخر التفسير على شكل ملاحظة أو تنبيه أو استنتاج لي شدّ إليها الأذهان ويحرّك العقول ويلقي في روعها أن الخطاب موجّه إليها، وأن الآيات القرآنية منهج متكامل ينظّم حياة الإنسان ويوجّهها إلى أقوم السبل . و الأمثلة على ذلك كثيرة ولا تكاد تحصى ، إذ تكاد ظاهرة الربط الوثيق بين الاعتقاد والعمل تكون السمة الغالبة على دروسه لصلتها المباشرة بواقع الأمة وبحركة الحياة وسلوك الإنسان : " لقد تحوّل التفسير إلى مسار عودة إلى كتاب الله، وإلى حلقة وصل بين القرآن والحياة من دون أن يمبدو التكلّف في ذلك "(9). ففي تفسيره لقوله تعا: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ الإسراء : 09 يتطرّق ابن باديس ـ بعد أن ينتهي من بيان معنَ الآية ـ إلى ظاهرة خطيرة تفشّت المجتمع الجزائري بسبب نفوق العلم وعموم الجهل و انحراف الطرق الصوفية وهي التوجّه بالدعاء للأولياء والصالحين من أصحاب الأضرحة و التماس الرزق والنسل ودفع المرض عندهم وتقديم القرابين لهم رجاء استجلاب بركتهم . وكان له ذا الاعتقاد الضال والشرك الظاهر أثره السلبي على العقول والإرادات ، فأراد ابن باديس أن يحرّر جموع الشعب من هذا القيد الثقيل ويعيدهم إلى صفاء التوحيد لتتخلّص نفوسهم من أكدار الجهالة وتتهيّأ للحياة الجديدة فيقول : " لما ثبت شرعا أن الدعاء عبادة فمن دعا شيئا فقد عبده، ولو كان هو لا يسمي دعاءه عبادةً جهلا منه أو عنادا ؛ لأن العبرة بتسمية الشرع واعتباره ، لا بتسمية المكلّف واعتباره ...إذا علمتم هذه الأحكام فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين الجزائريين تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقا في هذا الضلال . فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضرّ، وجلب النفع، وتيسير الرز ق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون . ويذهبون إلى الأضرحة التي شُيّدمت عليها القباب أو ظُلّمت بها المساجد فيدعون من فيها ... وتراهم هنالك في ذل وخشوع وتـمومجُّه قد لا يكون في صلاة من يصلّي منهم... فيا حسرتنا على أنفسنا كيف لبسنا الدين لباسا مق لوبا حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال"(2). ثَ يعقّب على ذلك بتحذير وإرشاد يقول فيه: " فليحذر قراؤنا من أن يتوجهوا بشيء من دعائهم لغير الله ، وليحذّروا غيرهم منه، ولينشروا هذه الحقائق بين إخوانهم المسلمين ما استطاعوا، عسى أن ينتبه الغافل، ويتعلّم الجاهل، 9 - عبد الحميد بن باديس مفسرا . حسن عبد الرحمن سلوادي . ص 91 2 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 982 ـ981

عدد الصفحات ١٩

20 ويـُقْلع الضالون عن ضلالهم، ولو بطريق التدريج...فبادروا إلى توحيد الله بالدعاء الذي هو مخ العبادة، واقتصروا في جانب الصالحين على محبتهم والترضية عليهم، وسؤال الرحمة لهم "(9). وفي تفسيره لقوله تعا: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ الإسر اء: 29 يحاول ابن باديس أنيغيرّ النظرة السائدة لدى عامة الناس من استحباب الفقر وترك السعي لتحصيل المال بدعوى الزهد في متاع الدنيا طمعا في جنة الآخرة ، فيبينّ لهم أن المال عصب الحياة : "وهو قوام الأعمال، وأداة الإحسان، وبه يمكن القيام بالحقوق "(2)، وعلى المسلم واجب تحصيله من وجوهه الشرعية، وتوفيره وتثميره والتزام حدود المصلحة في إنفاقه ، ثَ يعرّج بهم إلى إحدى الظواهر الاجتماعية التي تنتشر بين الناس والتي تصطدم بهذا التوجيه القرآني ويسقط عليها هذه المعاني لينبّههم إلى خطرها وهي تبذير الأموال والإسراف في اقتناء الكماليات في الولائم والمآتم مما يعرّض الأموال للضياع دون أن تستفيد منها الأمة وهي في أشد الحاجة إليها :" حالة وطننا في الأعم الأغلب في الولائم والمآتم لا تخلو من السرف فيها والذي يؤدي إلى التقتير من بعدها، فيكون الإثَ قد أصاب صاحبها بنوعيه، وأحاط به من ناحيمتـميْه "(1). ولا ينسى ابن باديس أن يعرض في هذا المقام لظاهرة اجتماعية أخرى أفسدت العقيدة وذهبت بأموال الشعب فيما لا طائل تحته وهو الإنفاق على زيارة القبور وقباب الأولياء والتبرك بها والذبح عندها ونذر النذور لها طمعا في جلب الخير ودفع الضرّ مع ما يترتّب على هذه ....من إهدار للمال العام وتضييع للحقوق في الوقت الذي يمسك كثير من الناس أيديهم عند طلب التبرع لتأسيس مدرسة عربية أو سد الحاجيات الضرورية لطلبة العلم القادمين من مناطق بعيدة أو شراء لوازم للمسجد أو غيرها من وجوه البر الذي يعود بالنفع على الأمة :" وشرّ ما في هذا الشر أنه يرتكب باسم الدين، ويحسبه الجُهَّال أنه قربة لرب العالمين: فأما إذا جاء وقت شدّ الرحال إلى الأحياء والأموات، وتقديم النذور والزيارات، فحّدّث هنالك عن أنواع السّرف والكلفات، والتضييع للحقوق والواجبات"(9). 1 ـــ البعد التربوي: كان ابن باديس رجل تربية من الطراز الأول ، وقد استغل كل مواهبه في هذا المجال ليحقق هدفا أساسيا من أهداف النهضة وهو بناء الإنسان وتأليف الرجال وتنشئة الأجيال الصاعدة على العلم الصحيح والخلق المتين والإرادة القوية والطموح إلى المعالي . وكان ارتكازه في هذا المجال أيضا على القرآن الكريم وتدبّره، واستخلاص قواعد الأخلاق وأسس بناء الإنسان منه ، فهو المصدر الرباني الذي أنزله خالق الكون : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"(الملك،99) وهو أصل كل 9 - المصدر نفسه. ص 989 2 - المصدر نفسه. ص 991 ـ921 1 - المصدر نفسه. ص 109 ـ101 9 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 101

عدد الصفحات ٢٠

21 خير ومصدر كل فضيلة : " بينّ القرآن الكريم مكارم الأخلاق ومنافعها ، ومساوئ الأ خلاق ومضارها ، وبينّ السبيل للتخلي عن هذه والتحلّي بتلك مما يحصل عليه الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة "(9). ومثلما عمل ابن باديس على تنقية الأخلاق وتهذيب الطباع وترقية السلوك، عمل في الوقت ذاته على التشجيع على العلم والترغيب فيه ، والحث على تحصيله وبيان ما له من فائدة للإنسان ، موضحا منزلة العلماء في القرآن الكريم ، وفضلهم عند الله ومنوّها بدور العلم في تفتيح الأذهان و تنوير العقول مما يكسب الإنسان قيمة كبرى يستطيع بها أن يكون فاعلا في الحياة فلا يعيش كلا على غيره ولا عالة على مجتمعه ولا عبدا ذليلا لمن هو أقوى منه: "لا حياة إلا بالعلم ، وإنما العلم بالتعلّم، فلن يكون عالما إلا من كان متعلما، كما لن يصلح معلما إلا من قد كان متعلما...لكنه مهما حاز من العلم وبلغ من درجة فيه، ومهما قضى من حياته في التعلّم وتوسَّع فيه وتكمَّل فلن يزال بحاجة إلى العلم...فعليه أبدا أن يتعلم، وأن يطلب المزيد، ولذا أمر الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو المعلم الأعظم ـ أن يطلب من الله أن يزيده علما فقالﭽ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ طه: 999 "(2). وقد استنبط من الآية القرآنية : " ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ النمل: 29 حكمة بليغة تتمثل في أن حرمان الإنسان من العلم فيه مسخ له ؛ لأنه بشكل من الأشكال محو لإنسانيته ، وطمس لآدميته التي فُضّلم بها على سائر المخلوقات : " والإنسان خاصيته التفكير في أفق العلم الواسع الرحيب، فممنْ حمرممم إنسانا فردا أو جماعة من العلم فقد حرمه من خصوصي ة الإنسانية، وحموَّلهُ إلى عيشة العجماوات، وذلك نوع من المسخ، فهو عذاب شديد، وأيُّ عذاب شديد"(1). كما تضمنت نظراته العميقة في الآيات القرآني ة توجيهات تربوية غاية في السداد ، كان يسد يها لجمهوره من الطلبة والعامة، وينصح بها المعلمين لينشئوا عليها الصغار فيشبوا أسوياء نجباء . و لم يكن يستثني من مهمته التربوية أحدًا ، إذ كان يعتقد أن النفس الإنسانية ـ كما أخبر عنها القرآن ـ في حاجة دائمة إلى التزكية بالأخلاق و الاستبصار بالعلم حتى تبلغ أرقى درجات الك مال الإنساني. فيجب على كل فرد أن يستشعر في نفسه النقص حتى تتحرّك همّته نحو طلب الكمال فتظل في ارتقاء صاعد دائما ، وكلما ارتقت زادت المعاني الإنسانية فيها تألقا يستوي في ذلك الكبير والصغير، المحسن والمسيء، فالجميع مطالبون بالسعي الدائم نحو الأفضل والأحسن، مع الثقة في النفس وعدم احتقار الذات؛ لأن ذلك مناف للنظرة القرآنية للإنسان باعتباره مخلوقا مُكمرَّمًا :" " ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك، وأخلاقنا من الفساد، وأعمالنا من المخالفات، ولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد، ولنشرع في ذلك غير محتقرين - المصدر نفسه . ص 282 - المصدر نفسه. 475 ـ475 - المصدر نفسه. ص 999

عدد الصفحات ٢١

22 لأنفسنا، ولا قانطين من رحمة ربنا، ولا مستمقلّين لما نزيلهكلّ يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله "(9). يقول في تفسير قوله تعا: ﭽﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ الفرقان : 19 ":طلب الرتب العليا في الخير والكمال، والسبق إليها والتقدم فيها مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه... فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد، وحتى يكون في مظنة الوصول بصحة القصد وصدق النية"(2) . ونوّه بالأسلوب القرآني في تربية الأفراد ، وبينّ أثره البعيد في بناء الأخلاق وتصفية النفوس من أكدار المعاصي وشوائب الآفات النفسية والاجتماعية التي تعتريها فقال :"إذا أمر القرآن بشيء ذكر فائدته وثمرته للعباد في الدارين، وكذلك إذا نهى عن شيء ذكر مضرّته وسوء عاقبته عليهم فيهما...هذه هي سنة القرآن في التربية ، وهي أنجح الطرق في جعل المأمور والمنهيّ يمتثل للأمر والنهي في كلّ نفسه ، ويعمل لتنفيذها بعقله وإرادته. فالتربية التي تنبني على امتثال الأمر والنهي من غير المعصوم والانقياد لهما انقيادا أعمى مخالفة لتربية القرآن . والخير كلُّه في اتباع القرآن في جميع ما يفيده القرآن "(1) . وقرن في جميع نظراته وإرشادا ته التربوية بين العلم والعمل كما هو دأبه دائما، فكان يوضّح لمستمعيه الطرق القرآنية لتربية النفس وتزكيتها وتخليصها من العادات القبيحة والخلال الفاسدة، فأرشد المسلم إلى أن : " يواظب على الطاعات بأنواعها، وأن يجتهد في حصول الأنس بها والخشوع فيها ، فإن ذلك زياد ة على ما يثبت فيه من أصول الخير يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه"(9). واعتبر أنتربية النفس بتزكية بالأخلاق وتنويرها بالعلم يؤدي بالضرورة إلى تقوية ا لإرادة التي هي الدليل القويّ على امتلاك الإنسان لزمام نفسه وقدرته على الفعل:" العلم الصحيح والخلق المتين هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان"(0) . وكان يهدف من وراء ذلك كله إلى تكوين الإنسان السويّ ا يجابي العامل ، وربط الأفراد بشبكة قوية من العلاقات الاجتماعية؛ ليضمن المحافظة على مقومات الشخصية الإسلامية ، ويعمل على إثرائها وتجديدها وتفعيلها ليتمكن الشعب من خوض غمار المواجهة الحضارية التي تنتظره . 9 ـــ البعد السنني : 9 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب . ص 911 2 - المصدر نفسه. ص 119 1 - المصدر نفسه. ص 199 9 - المصدر نفسه . 101 0 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب . ص 991

عدد الصفحات ٢٢

23 إن العكــوف الــدائم علــى القــرآن الكــريم قــراءة وتــأملا وتــدبرا ، والتفكــر في ســير التــاريخ الإنســاني بهــدف الاعتبــار والاتعــاظ، واســـتنطاق الواقـــع وتحليـــل مجر ياتـــه قــد أنـــار بصـــيرة ابـــن بـــاديس ويسّــر لـــه الســـبل لإدر اك أســـرار نهـــوض المجتمعـــات وسقوطها، وتقدّ م الأمم وتخلّ فها، وقيام الدول وانهيارها ، حين تبينّ له أن أحداث التاريخ ليسـت اعتباطيـة عفويـ ة ، بـل هـي حركة واعية وسنن صارمة ، دقيقة وثابتـة يخضـع لهـا العـالم الإنسـاني، وقـد وضـعها الله وقـدّ رها لـتحكم حركـة الحيـاة والأحيـاء ، وهــي لا تتبــدل ولا تتغــير ولا تحــابي أحــدا ، كمــا أنهــا مطّــردة ، تتكــرر ن تائجهــا كلمــا تــوفرت مقــدماتها : ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ الأحزاب : 92 . واستنتج من كتـاب الله أن القـرآن قـ د وجّـه المسـلمين إلى هـذه الناحيـة، وأكـد علـيهم ضـرورة السـير في الأرض حـتى يكتشفوا هذه السنن التي تحكم حركة الأنفس والمجتمعات ، و يتمكنوا – بالتالي- من تسـخيرها في الإنجـاز الحضـاري . ومـن ثَمَّ احتـــل البعـــد الســـنني موقعـــا هامـــا في إســـتراتيجيته، وكانـــت لـــه آثـــاره البـــارزة في حركتـــه التجديديـــة وفي توجيهاتـــه وأســـاليب نشـاطه . غــير أن هــذا التوجــه يبــدو بـارزا بشــكل واضــح في دروســه التفســيرية الــتي تحفـل بالتنبيــه إلى هــذا الجانــب الهــام؛ لأنــه لاحــظ أن المســلمين في أغلــبهم غــافلون عــن هــذه الســنن، وكثــيرا مــا يكتفــون في اســتعراض الحــوادث بــالوقوف عنــد الظــواهر دون البحث عن العلل التي تقف وراءها ، والاهتمام بالنتائج و الغفلة عن مقدماتها . وهــــذا الــــداء الــــذي أصــــاب العقــــل المســــلم في القــــرون المتــــأخرة هــــو الــــذي دفــــع بالمســــلمين إلى الركــــ ون إلى التفســــير العجــائبي للحــوادث، وعــدم ربــط الأســباب بالمســببات ، والمقــدمات بالنتــائج، والإيمــان بــالمعجزات والكرامــات الــتي تــدفع إلى الكسل والخمول والتواكل، ولا دواء له إلا بتوجيـه المسـلمين إلى فقـه هـذه السـنن بتـدبّر القـرآن الكـريم، وإدراك مـدى تأ ثيرهـا في الفعـل الإنسـاني ومآلاتـه، وبـذلك تتغـير نظـرتهم للأحـداث، ويتغـير أسـلوبهم في التعامـل مـع الواقـع، ويكتسـبون ـ بالتـالي ـ حصـــانة فكريـــة تمكـــنهم مـــن تحديـــد أســـباب فشـــلهم وتخلفهـــم ، ومـــن ثَ تضـــعهم في ال طريـــق الصـــحيح لتـــداركها والانطـــلاق انطلاقة جديدة ومدروسة . ففـــــي تفســـــيره لقولـــــه تعـــــالى : ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ الإسراء : 21 ، أكد أن البشـر في الحيـاة الـدنيا قـد تسـاووا في القـة، وفي العقـل المميـز المفكـر، وفي الإرادة الحـرة ، وفي التمتـع بطيبات الحياة الدنيا، فكل واحد يأخذ حظه من هذه النعم بقدر أخذه بالأسباب الموصلة إليها، يتسـاوى في ذلـك المـؤمن والكـــافر، لأن الله تعـــالى لم يجعـــل العصـــيان ســـببا لمنـــع الـــرزق ، ويخلـــص إلى أن الآيـــة أفـــادت : " أن أســـباب الحيـــاة والعمـــران والتقـدم فيهـا مبذولـة للخلـق علـى السـواء، وأن مـن تمسّـك بسـبب بلـغ ـ بـإذن الله ـ إلى مسـبّبه ، سـواء أكـان بـرا أو فـاجرا ، مؤمنا أو كافرا "(9) .ويضرب لذلك مثلا بالمسلم ين حينما فقهوا كتاب ربهم وتدبّروا معانيه بعمق وتشـبعوا بالثقافـة السـننية فأخذوا بأسباب التقدم فنبغوا في العلـوم، وبرعـوا في الصـنائع ، وبهمـا سـادوا العـالم أجمـع : " وقـد تـأخروا حـتى كـادوا يكونـون 9 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ، ص 82

عدد الصفحات ٢٣

24 دون الأمــــم كلهــــا بإهمــــال تلــــك الأســــباب فخســــروا دنيــــاهم وخــــالفوا مرضــــاة ربهــــم وعوقبــــوا بمــــا هــــم عليــــه اليــــوم مــــن الــــذل والانحطاط، ولن يعود إليهم ما كان لهم إلا إذا عادوا إلى امتثال أمر ربهم في الأخذ بتلك الأسباب "(9) . ويعقّب على ذلك بأن إدراك المسلم للأسباب الحقيقية الـتي أوصـلته إلى هـذا الـدرك الأسـفل مـن التـأخر هـو الـذي يفتح بصيرته ويمكّنه من تفسير الأحداث تفسيرا صحيحا، و فهم الواقع الـذي يعيشـه فهمـا صـائبا، ويعـي تمامـا لمـاذا تخلـف المســـلمون وتقـــدم الغربيـــون في ضـــوء ســـنن الله الـــتي لا تحـــابي أحـــدا، وحـــتى لا يـــذهب الجهـــل بـــه إلى التســـاؤ ل عـــن خـــذلان المــؤمنين وعنــدهم الحــق، وانتصــار الكفــار وهــم علــى باطــل وانحــراف ، لأن هــذا التســاؤل لــيس محلــه هنــا : " فهــذه الآيــة مــن أنجع الداء لفتنة المسلم المتأخر بغيره المتقدم، لما فيها من بيان أن ذلك المسلم ما تأخر بسبب إسلامه وأن غـيره تقـدم بعـدم إســلامه، لأن الســبب في التقــدم والتــأخر هــو التمســك أو الــترك للأســباب، ولــو أن المســلم تمســك بهــا كمــا يــأمره الإ ســلام ، لكان ـ مثل سالف أيامه ـ سيد الأنام "(2) . وفي تفســـــيره لقولـــــه تعـــــا: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الإسـراء : 98 يلـحابـن بـاديس علـى هــذا البعـد السـنني ويركـز ـ بشـكل خـاص ـ علـى أن الأخـذ بالأســباب هـو الســبيل الموصــل إلى الأهـداف، وأن اخــتلاف الاعتقـادات لا دخــل لــه في النجـاح أو الفشــل : " وقــد أفـادت هــذه الآيــات كلهــا أن الأسـباب الكونيــة الــتي وضــعها الله تعـالى في هــذه الحيــاة وســائل لمسـبباتها، موصــلة ـ بــإذن الله تعالى ـ من تمسك بها إلى ما جعلت وسيلة إليه بمقتضى أمر الله وتقديره وسنته في نظام هذه الحياة والكـون، ولـو كـان ذلـك المتمســك بهــا لا يــؤمن بــالله ولا بــاليوم الآخــر ولا يصــدّ ق المرســلين . ومــن مقتضــى هــذا أن مــن أهمــل تلــك الأســباب الكونيــة التقديريــة الإلهيــة ، ولم يأخــذ بهــا لم ي نــل مســبباتها ولــو كــان مــن المــؤمنين ، وهــذا معلــوم ومشــاهد مــن تــاريخ البشــر في ماضــيهم و حاضرهم "(1) . وينبــه في مواضــع أخــرى إلى أن الأخــذ بالأســباب بــاحترام ســنن الله لــيس قاصــرا علــى الأفــراد بــل يشــمل المجتمعــات و الــدول أيضــا : " ولله ســنن نافــذة بمقتضــى حكمتــه ومشــيئته في ملــك الأرض وســيادة الأمــم : يــؤتي الملــك مــن يشــاء وينــزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل مـن يشـاء، مــن أخــذ بنــو ع مـن تلـك السـنن بلغـت بـه وبلـغ بهـا، إلى مـا قـدر لـه مـن عز وذل وسعادة وشقاء وشدة ورخـاء، وكل محاولة لصدها عن غايتها، وه و آخذ بها مقضي عليها بالفشل"(9) . ويبرز البعد السنني واضحا أيضـا في معالجتـه للمفـاهيم الخاطئـة و التصـورات المنحرفـة الـتي غلبـت علـى العقـول بتـأثير مـــن التيـــار الصـــوفي المتطـــرف والمنحـــرف الـــذي طغـــى علـــى الســـاحة ا لإســـلامية خـــلال القـــرون الأخـــيرة، حيـــث تنـــاول بالنقـــد والاستنكار ما درج عليه بعض الناس من الاعتقاد بأن الله يحبب إلـيهم الفـرار إليـه وتـرك الـدنيا واعتـزال المج تمـع لينـالوا رضـاه 9 - المصدر نفسه ، 82 2 - المصدر نفسه، ص 82 1 - المصدر نفسه . ص 91 ،98 9 - المصدر نفسه ، ص 080

عدد الصفحات ٢٤

25 وينعمــوا بجنتــه، فيبــين في تفســيره لقولــه تعــالى : ﭽ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭼ الــذاريات : 01 (9)،أن المقصـــود لـــيس: " الفـــرار مـــن الـــدنيا بـــترك الســـعي والعمـــل ، وتعـــاطي الأســـباب المشـــروعة لتحصـــيل القـــوت، ورغـــد العـــيش، وتوســيع العمــران، وتشــييد المدنيــة ، بــل المقصــود الفــرار مــن شــرورها وفتنتهــا ... وقــد ضــلّ قــوم فزعمــوا ذلــك طاعــة وعبــادة، فعطلوا الأسباب، وخالفوا الشريعة وحادوا عما ثبت عن السنة " (2). وقــد عكســتاســتراتيجية ابــن بــاديس في فهــم القــرآن وتــدبره خــلال مســيرته الإصــلاحية هــذا البعــد الســنني الــذي كـان يثـير ـ في بعـض الأحيـان ـ اسـتغراب بعضـهم وبخاصـة الشـباب المـتحمس الـذي لم ينضـج بعـد، ولم تعركـه الأيـام بالقـدر الذي يوضح له الهدف البعيد الذي يسعى إليه الشيخ الجليل من خلال احترامه لسنن الله في عمله . ونتبـين ذلـك بوضـوح في تشخيصه للواقع الجزائري تشخيصا دقيقا بعد تحليل مكو ناته ومعرفة العناصر المـؤثرة فيـه، وفي تحديـده لنقطـة البدايـة ، وفي اختيـــاره لأســـلوب العمـــل المناســـب لكـــل مرحلـــة، وفي انتهاجـــه لسياســـة الَّـــنفم س الطويـــل والصـــبر الجميـــل، وعـــدم اســـتعجال الثمــرات قبــل أوانهــ ا، وفي اعتمــاده علــى سياســة المرحليــة والتــدرج ، وفي الالتــزام بالعمــل الجمــاعي المــنظم ، وفي اســتفادته مــن الخبرة الإنسانية وتفتحه على الثقافـة العالميـة ، وغيرهـا مـن المظـاهر الكثـيرة الـتي مكّ نتـه مـن السـير بقـوة وثقـة وثبـات في طريـق محفــوف بالمكــاره والأشــواك والتحــديات الــتي لا ت صــمد لهــا إلا الجبــال الرواســي ، واثقــا مــن وعــد الله الصــادق بــأن مــن أخــذ بالأسباب وسار وفق السنن الإلهية وصل . وهـــا هـــو يواجـــه الإدارة الاســـتعمارية عـــام 9111 م بهـــذه الحقـــائقفي صـــرامة وحـــزم وثقـــة متناهيـــة وينبههـــا إلى أن مســيرة النهضــة قــد قطعــت أشــواطا بعيــدة مــن مشــوارها وتجــاوزت مرحلــة الاستضــعاف ووصــلت إلى مرحلــة المواجهــة الســافرة بعد أن ثبّتت أقدامها في الأرض ، و لم يعد جبروت فرنسـا يعـني لهـا شـيئا، فيقـول موجّهـا خطابـه إلى أحـد الصـحافيين الـذي تحــرّش بعلمــاء الجمعيــة وعــبرّ بوقاحــة عــن رفضــه القــاطع لأيّ إصــلاحات تمــس الجزائــريين خوفــا علــى مصــالح المســتو طنين :" وممـا يؤسـف لـه مـن أمثـالكم أنكـم لا تـدركون تطـورات الأمـم وتقلبـات الأيـام ، وتفكـرون فيهـا ـ في القـرن العشـرين ـ بأفكـار القرون الوسطى . إن الزمان ـ يا زميلي ـ يسير ولا يقف ، وسنن الكون نافذة لا تتخلـف ، والويـل لمـن قعـد أو تعـامى "(1)، أما ابن باديس فقد كـان يـدرك أن الله قـد أنفـذ سـنته في الكـون فـأذن بتغيـير حالـة الشـعب البائسـة إلى حالـة أفضـل بعـد أن أقــدم الشــعب علــى تغيــير مــا بنفســه مصــداقا للآيــة الكريمــة الــتي تؤكــد أن توفيــق الله وإنعامــه علــى العبــاد بتغيــير أحــوالهم مــن الســيء إلى الحســن لا يــأتي إلا بعــد أن يقبلــوا بـــإرادتهم المحضــة علــى تغيــير مــا بأنفســـهم أولا : ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﭼ الرعـــد : 99 " :وإنهـــا لشـــرعة الســـماء : غـــيرّ نفســـك تغـــيرّ التـــاريخ ، وعلـــى هـــدى هـــذه 9 - الذاريات ، 01 2 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 991 1 - الشهاب. مج 91 ، ج8 ، ص181

عدد الصفحات ٢٥

26 الكلمة بدأ الإصلاح الجزائري من النفس ، هادفا في جوهره إلى تغيـير الإنسـان، فبعـث فيـه روحـا وثابـة أشـرقت معهـا بـوادر النهضة الكبرى"(9). رابعا: منهج ابن باديس في تدبر القرآن : إن المنهج الذي اعتمده ابن باديس في تدبّر القرآن والتعامل مع نصوصه بغية استخدامه في بناء قاعدة النهضة، يخضع في كثير من جوانبه لمعطيات الواقع التي كانت تفرض عليه أن يأخذها جميعا بعين الاعتبار حتى تجد حرك ته الإصلاحية استجابة من القاعدة الجماهيرية التي يتوجّه إليها بالخطاب، وهذه الظروف الاستثنائية هي التي أعطت لمنهجه في تدبّر القرآن تميّزه ، وشكّلت طريقته توجّها جديدا في التعامل مع النص القرآني ، أثبتت نجاعتها ، و أثمرت مساعيها وأثارت إعجاب كثير من العلماء و الدارسين الذين أكبروا في هذا الشيخ الجليل حسن اختياره ، وبراعته في التواصل مع كتاب الله ، ونجاحه الفائق في تحريك الجموع الغفيرة . وفيما يلي محاولة لتوضيح أهم القواعد والأسس التي يقوم عليها هذا المنهج : - 9 ـــ استثمار عامل الزمن في تدبر النص القرآني وفهم ه: استلهم ابن باديس أسلوب تفسير القرآن تدريسا من الطريقة التي نزل بها القرآن الكريم منجّما . فقد رأى أن معالجة الفرد والمجتمع بهذه الطريقة الحكيمة التي تجعل من الزمن عاملا أساسيا من عوامل التغيير ستؤتي ثمارها الطيبة كما فعلت مع الجيل الأول حينما كان الوحي ينزل متفرقا ل يتناول الأحداث والأشخاص والنوازل ويحكم فيها بحكم الله فيكون ذلك إيذانا بحلول تصور إسلامي جديد في الحياة بدل التصور الجاهلي الذي كان سائدا ، إلى أن اكتمل تكوُّن المجتمع الإسلامي الوليد ثَ الدولة الإسلامية الفتية على وقع خطى الوحي الذي كان ينزل ت باعا من السماء . وهو ينوّه بهذه الخاصيّة التي تميّز بها نزول القرآن ويبينّ أثرها البعيد في تغيير الواقع الجاهلي فيقول : " وكانت الوقائع تقع، والحوادث تحدث، والشُّبمهُ تـُعْرمض ، والاعتراضات تمردُ ، فكانت الآيات تنزل بما تتطلبه تلك الوقائع من بيان، وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام، وما تستدعيه تلك الشُّبمهُ من ردّ، وتلك الاعتراضات من إبطال ... وفي بيان الواقعة عند وقوعها، وذكر حكم الحادثة عند حدوثها ، وردّ الشّبه عند عروضها، وإبطال الاعتراض عند وروده ما فيه من تأثير في النفوس، ووقْع في القلوب، ورسوخ في العقول، وجلاء في البيان، وبلاغة في التطبيق، واستيلاء على السامعين، وما كان هذا ليتأتّى لولا تفريق الآيات في التنزيل، وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب، وهذا التنضيد الغريب الذي بلغ الغاية في الحسن والمنفعة، حتى إنه ليصحّ أن يـُ عم دَّ وحده وجها من وجوه الإعجاز "(2). وفي موضع آخر يتحدث عن التعليم النبويالذي كان يتناول المسلم بالإرشاد والتهذيب والتوجيه بالقرآن الكريم فيقول : " كان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس دينهم من الإيمان والإسلام والإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم في جبريل في الحديث المشهور : " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم". وكان يعلمهم هذا الدين بت لاوة القرآن عليهم كما 9 - شروط النهضة. مالك بن نبي . ص 12 2 - تفسير ابن باديسمجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 201 ـ208

عدد الصفحات ٢٦

27 قال تعا: ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ النمل: 19 - 12 وبما بـميـَّنمه لهم من قوله وفعله وسيرته وسلوكه مجالس تعليمه، وفي جميع أحواله. فكان الناس يتعلّمون دينهم بما يسمعون من كلام ربهم ، وما يتلقّون من بيان نبيّهم وتنفيذه لما أوحى الله إليه "(9). فقد رأى ابن باديس أن هذا الأسلوب هو الأنسب والأنجع لمجتمع كاد يقطع صلته بمرجع يته القرآنية بسبب قرون الضعف والجمود، ثَ شراسة حرب الإبادة الثقافية المنظمة التي شنّتها قوات الاحتلال الفرنسي على مقوماته الحضارية ، وهو أن يعطي لهذا الشعب المريض المنهك الذي يشرف على الهلاك جرعات صغيرة من القرآن الكريم الذي يعالج في كل مرة جانبا من جوانب الحياة البائسة المحطمة التي يعيشها فيتقوّى يوما بعد يوم ببطء لكن بخطوات ثابتة وواثقة لها أثرها الواضح في سلوكه وواقعه . وفي سبيل تفعيل هذا الأسلوب وتعميمه دعا خطباء الجمعة إلى التخلّي عن الطرق التقليدية في استنساخ خطب القدماء المليئة بالسجع والبعيدة كلّ البعد عن روح العصر، والتأسّي بطريقة نزول القرآن منجّما عن طريق استغلال خطبة الج معة لمعالجة قضية دينية أو اجتماعية أو اقتصادية تمسّ المجتمع مس ا مباشرا وتشدّ انتباه المصلّين وتقدّم لهم الحلّ الإسلامي لمشكلاتهم والمخرج المثالي لأزماتهم : " انظر إلى الحكمة في تنزيل القرآن الكريم كيف تنزل آياته على حسب الوقائع، أليس في هذا قدوة صالحة لأئمة الجُممع وخطبائها في توخّيهم بخُطمبهم الوقائع النازلة، وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال؟ بلى والله ، بلى والله ".(2) وباتّكائه على هذه القاعدة ال استنبطها من طول النظر في كتاب الله وتدبّر آياته استطاع أن يعالج : "أمراض ومشاكل المجتمع الجزائري بالقرآن ، و استطاع أن يربي للجزائر جيلا من أبنائها البررة تربية قرآنية كانوا عماد نهضتها العربية الإسلامية، وطليعة المناضلين من أجل تحريرها من المستعمر الغاصب "(1). وكان لهذه المعايشة الطويلة للنص القرآني أثرها البعيد في تدبر ابن باديس ل كتاب الله والغوص في أعماقه واستصحابه في كل لحظات حياته، وسببا وجيها في قدرته الفذة على تنزيله على أرض الواقع واستلهام الحلول الناجعة منه لمختلف المشكلات التي تعرض له . 2 ـــ تجاوز القراءات المذهبية للنص القرآني : كان لاتصال ابن باديس المباشر بالقرآن الكريم وعكوفه على تدبّره والتأمل في آياته تأملا شموليا والاستعانة في فهمه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة قد انتهى به إلى الاقتناع بأن جميع المذاهب التي نشأت في القرون التالية والتي زعمت أنها تخدم القرآن و تكشف أسراره وتجلّي حقائقه قد أسهمت بقصد من أصحابها أو دون قصد منهم في حجب نوره عن المسلمين وشغلتهم عن هدايته بما استحدثت من التفريعات وبما نتج عن هذه الحركات الفكرية 9 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس . ج 9 .ص10 2 - المصدر نقسه . ج9 .ص208 1 - الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر . رابح تركي . ص 298

عدد الصفحات ٢٧

28 من الاختلافاتالتي عزلت كتاب الله وصبّت جلّ اهتمامها على الاجتهادات البشرية(9) والتي ثقلت وطأتها على الفكر الإسلامي خلال عصور الانحطاط والجمود حينما طغت عليها العصبية والتقليد الأعمى الذي فرّق شمل الأمة ومزّق وحدتها الفكرية ونشر بين أبنائها الأحقاد والضغائن ، وعبرّ عن ضيقه من هذه الأسال يب بقوله : " كنت متبرما بأساليب بعض المفسّرين، وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله . وأشعر بضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن "(2). ويضرب لنا مثلا حيّا عن أسلوب تفسير القرآن في جامع الزيتونة بتونسعندما كان طالبا به عام 9192 ليبرهن لنا كيف أن النزاعات المذهبية والخلافات قد طغت على هداية القرآن وحجبته عن النفوس وحرمت المسلمين من أنواره : "وفي جامع الزيتونة عمَّ ره الله تعالى ، إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس التفسير، فإنَّه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية... في القواعد التي كان يحسب أنّه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً ، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أ و ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنمّا قضى سنته في المماحكات بدعوى أنهّا تطبيقات للقواعد على الآيات، كأنَّ التفسير إنمّا يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية . فهذا هجر آخر للقرآن ، مع أن أصحابه يح سبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن !"(1)، وهذه هي حقيقة التدبر عند ابن باديس. وعندما يستعرض طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في تلقين العلم للصحابة الكرام، وفي تهذيبهم وتوجيههم وترشيد خطواتهم و تصحيح أخطائهم بالقرآن الكريم يعقّب على ذلك قائلا : "هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ، ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك . ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزل ة القرآن م ن تعلم الدين والتفقّه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك"(9). لذلكرجع في تدبره للقرآن الكريم إلى المنبع الأول، وتجاوز جميع القراءات المذهبية التي تناولته عبر القرون ، وعزف عن الاختلافات الكثيرة التي كبّلته بقيودها وغطّت على مشربه الصافي ، وقدّ مه للجماهير المتعطشة غضا طريا كما كان يتلوه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه في بساطة ويسر تأسران القلب وتهزّان النفس وتحرّكان العقل بعيدا عن كلّ ما لحقه من الإضافات البشرية التي اصطبغت بعصرها وألقت بظلالها القاتمة على المنبع الأول للهداية . 1 ـــ تجاوز تعقيدات العلوم الآلية : 9 - راجع : فلسفة الإمام ابن باديس في الإصلاح والتجديد . بركات محمد مراد . الصدر لخدمات الطباعة . القاهرة . ط 9 .9112 م . ص 81 2 - ابن باديس حياته وآثاره . جمع وتصنيف : عمار الطالبي . مج 9. ج 9 .ص18 1 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب . ص 281 ـ289 9 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. ج 9 .ص19

عدد الصفحات ٢٨

29 ومثلما تجاوز ابن باديس القراءات المذهبية التي جعلت من النص القرآني مطية لها ؛ لثبت صحة مقولاتها وتدعم توجهاتها الفكرية ، تجاوز أيضا الكمّ الهائل من التعقيدات اللغوية والبلاغية التي ملأت بعض ك تب التفاسير وأحالتها ميدانا فسيحا لمختلف النظريات المتضاربة ، ونسيت في خضمّ خصومات أصحابها أن القرآن قد نزل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم للتي هي أقوم ولم ينزل ليكون حلبة صراع بين أتباع المدارس النحوية واللغوية والبلاغية . وهذا ما دفعه إلى الاكتفاء في تفسيره بالضروري مما صح من كلام العرب في منثورهم ومنظومهم بما يوضّح المعنَ ويجلّيه دون الحاجة إلى الخوض في التفريعات التي يتيه معها العقل وتضيع معها الهداية القرآنية و تذهب الجهود فيما لا فائدة منه، ثَ ينتقل مباشرة إلى ما تتضمنه الآيات القرآنية من الإرشادات والتوجيهات والأحكام مما يتعلّق بشؤون الفرد والمجتمع وبناء النهضة، ويتبسّط فيها ويسهب في بيانها؛ لأنها هي الأصل الذي بنَ عليه دروسه وفي ذلك يقول: " فقد عدنا إلى مجالس التذكير في دروس التفسير ، نقطف أزهارها ، ونجتبي ثمارها بيسر من الله تعالى وتيسير، على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معاني ها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية، وربط الآيات بوجوه المناسبات، معتمدين في ذلك على صحيح المنقول وسديد المعقول، مما جلاّهُ أئمة السلف المتقدمون، أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون رحمة الله عليهم أجمعين "(9). ومن أمثلة ذلك نذكر تفسيره لقوله تعالى : ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ الإسراء : 92 ، يقول: "جعلنا الليل والنهار : خلقناهما، ووضعناهما آيتين، وجعل الشيء هو وضعه على حالة أو كيفية خاصة، فهما حادثان مُسميرَّان بتدبير وتقدير. والليل هو الوقت المظلم الذي يغشى جانبا من الكرة الأرضية عندما تكون الشمس منيرة لجانبها المقابل، والنهار هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيئه بنورها . فمحونا : المحو هو الإزالة : إزالة الكتابة من اللوح، وإزالة الآثار من الديار . فمحو آية الليل إزالة الضوء منها "(2) . 9 ـــ تدبر القرآ ن مع ربطه بالواقع : شكّلت هذه القاعدة نقطة ارتكاز أساسية في منهج ابن باديس في تدبر القرآن الكريم ، بل كانت محورا من أهم المحاور التي أولاها كل عنايته واهتمامه لارتباطها بالهدف الكبير الذي يسعى إليه وهو تنزيل التوجيهات القرآنية على الواقع الجزائري لتتحوّل إلى سلوك عملي يصنع من الفرد والمجتمع كيانا جديدا يمتلئ قوة وحيوية وفعالية ، ويسير في الطريق الصحيح الذي يخلّصه من بؤسه وذلّه ومغلوبيته . وهذا واضح جدا في تدبره لمختلف الآيات القرآنية التي لا يتعدّاها دون أن يربطها بالو اقع الجزائري ، وينبّه الأذهان إلى أن كل شؤون الناس الفردية والا جتماعية محتواة في كتاب الله ، وأن المطلوب منهم هو الاتصال الحيّ المباشر به وتدبّره بعمق وتأنّ لاستمداد الزاد واستلهام الحلول للمشكلات التي تعترضهم، واستفتائه في أحوالهم وأعمالهم ليستقيموا على 9 - تفسير ابن باديسمجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 01 - المصدر نفسه . ص 45 ـ56

عدد الصفحات ٢٩

30 نهجه وتصلح به أمور حياتهم فلا تضطرب عليهم السّبل ولا تتقاذفهم أمواج المذاهب الوضعية ، ولا تستعبدهم قوى الطغيان العالمية وبين أيديهم المنهج الواضح ، لذلك فهو ينصح كل فرد أن يربط حياته بكل مكوّناتها بالقرآن الكريم، وأن يعكف على تدبّره فتنفتح له الأبواب فلا يضطر إلى طلب الحلول، ولا استجداء مفاتيح الأزمات من غيره :"أن نقرأ القرآن نتفهمه حتى تكون آياته على طرف ألسنتنا ومعانيه نصب أعيننا لنطبق آياته على أحوالنا وننزلها عليها كما كانت تنزّل على الأحوال والوقائع . فإذا حدث مرض القلب أو الاجتماع طلبنا دواءه في القرآن ، وإذا عرضت شبهة أو اعتراض طلبنا فيه الرد أو الإبطال ، فإذا نزلت نازلة طلبنا فيه حكمها . وهكذا نذهب في تطبيقه وتنزيله على الشؤون والأحوال "(9). وقد طرحنا جملة من الأمثلة على ذلك في مبحث سابق . وهو يلحّ على هذا الأمر إلحاحا شديدا، ويكرّره على المسامع كلما واتته الفرصة لذلك نظرا لخطورته وأثره البعيد في مسيرة النهضة التي يقودها : "إن كل ما نأخذه من الشريعة المطهّرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال حياتنا الفردية والاجتماعية "(2)، ويهيب بكل من يستمع إلى دروسه أن يوطّن نفسه على أن يظل متردّدا دوما على مجالس القرآن الكريم ، عاكفا على تدبّره يصحح به عقيدته ويطهّر باطنه ويسارع إلى تنفيذه بشكل عمليّ حتى ينال من درجات الكمال ما يتناسب مع مجاهدته لنفسه ، ويكون في ذاته قدوة لإخوانه المؤمنين :" فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك ، فيحضر مجالس العلم التي تذكّره بآيات الله، وأحاديث رسوله ما يصحّح عقيدته ويزكّي نفسه، ويـُقموّمم عمله. وليطبّق ما يسمع على نفسه، وليجاهد في تنفيذه على ظاهره وباطنه، وليداوم على هذا، حتى يبلغ إلى ما قُدّرم له من كمال فيه، فيرجع وهو قد صار قدوة لغيره في حاله وسلوكه "(1) . خامسا: تدبر القرآن وأثره في نهضة الأ مة: لا يسـتطيع أحـد أن يـُقمــيّم عمـقم آثـار مشــروع ابـن بـاديس النهضــوي و يفقـه أبعـاده الحضــارية إذا لم يضـعه في ســياقه التاريخي الذي يمثّل الإطار الزماني والمكاني الذي تحرّك فيه هذا المُ جم د د العظـيم ، وأنجـز فيـه أعمالـه الجليلـة . ذلـك أن تقـدير الظــرو ف الاســتثنائية الــتي باشــر فيهــا حركتــه الإصــلاحية يعطينــا الصــورة الحقيقيــة لضــخامة العمــل الحضــاري الــذي تمّ علــى يديه، والذي طرح ثماره وحقّق هدفـه الإسـتراتيجي البعيـد الـذي كـان ضـربا مـن المسـتحيل في أيامـه ، لا يخطـر علـى بـال أحـد بـملمهْ أن يحلم به أو يتمنّاه . فبعد أقـل مـن أرب عـة عقـود مـن الـزمن انـتفض الشـعب الـذي ظـن الاسـتعمار أنـه مـات موتـا أبـديا وانطـوت صـفحات وجـوده ، وضـرب أمثلـة رائعــة في الإيمـان والصـمود والتضـحية ، واتخـذ مــن شـعار ابـن بـاديس الـذي رفعــه عنوانـــا للنهضـــة الجزائريـــة الفتيّـــة "الإســـلام ديننـــا والعربيـــة لغتنـــا والجزائـــر وطننـــا " شـــعارا لـــه ، ولم يتراجـــع ولم يستســـلم لـــلآلام والمآسي حتى افتكّ حريته، وطهّر أرضه من الغاصبين . إن هذه الحركة المباركة التي انجلت عن نصر مبين كان أساسها المتين الذي ارتكزت عليه هو القرآن الكريم الذي اختار ابن باديس أن يكون هاديه في ظلمات الطريق ودياجيره : " فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من 9 - المصدر نفسه. ص 210 2 - ابن باديسحياته وآثاره . إعداد وتصنيف : عمار الطالبي . مج 9 .ج9 .ص919 1 - تفسير ابن باديسفي مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 119

عدد الصفحات ٣٠

31 عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل، ووجوه الإحسان، كل هذا فُصل في القرآن تفصيلا، كُلٌّ فُصّلم على غاية البيان والإحكام، وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كلّه من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذو ا منه ويهتدوا به، فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان "(9). وقد دلّته نظرته السننيةالتي اكتسبها من طول النظر في القرآن الكريم وتدبّر آياته واستكناه أسراره والتعمّق في ما ورد فيه عن نشوء الأمم وأسباب نهوضها وانتكاسها وعوامل سقوطها أن المجتمع الجز ائري لن ينهض إلا بالقرآن الكريم ، فهو الوحيد الذي بإمكانه أن يصنع منه أمة فاعلة قوية تصنع التاريخ وتوجّه الأحداث؛ لأنه هو نفسه الذي صنع من عرب الجاهلية الغارقين في حمأة الشرك والجهل والضلال خير أمة أخرجت للناس : " الفضل أولا وأخيرا لله وكتابه الذي هدانا إلى فهمه والتفقّه في أسراره، والتأدب بآرائه . وإنّ القرآن الذي كوّن رجال السلف لا يكثر عليه أن يُكموّن رجالا في الخلف لو أُحْسنم فهمُهُ وتدبـُّرُهُ وحمُ لمت الأنفس على منهاجه"(2). وقد صدق حدس ابن باديس، وتخرّج على يديه رجال قرآنيون ونساء قرآنيات صنعوا الأمجاد وأعادوا للقرآن الكريم هيبته، وذكّروا الأعداء بقوته الربانية . ولعل في ذلك الحادث الغريب الذي هزّ السياسة الاستعمارية وأثار سخط صحافتها ما يؤكد ذلك . فأثناء احتفال فرنسا بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر، أراد وزير المستعمرات أن يقدم لضيوفه الأوروبيين الدليل القاطع على موت الإسلام في الجزائر و انتصاره عليه ، فأحضر مجموعة من الفتيات اللواتي درسن في المدارس الفرنسية منذ صغرهن ، وتطبّعن بالطباع الأوروبية ليظهرن بالزي الأوروبي ويتحدثن الفرنسية بطلاقة ، وعندما رفعت الستارة عليهن كانت المفاجأة الصاعقة التي أذهلت الجم يع، فقد ظهرت الفتيات في لباسهن التقليدي الجزائري (الحايك) الذي يغطي جميع أجسامهن ولا يظهر منهن إلا العينين ، فقال أحد الصحفيين : ماذا كنتم تفعلون طوال مائة عام في الجزائر إذن؟ فأجاب وزير المستعمرات (لاكوست) : وماذا أفعل إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟ لقد أبت هؤلاء الفتيات أن يكُنَّ مصدر عار لشعبهن بعد أن أ دركن أبعاد المؤامرة الاستعمارية التي ما بذلت لهن هذا التعليم إلا لاقتلاعهن من جذورهن . وقــد غطــى مشــروعه النهضــوي جميــع المواقــع الحساســة في الــنفس والمجتمــع ، وكانــت لديــه حاســة نافــذة مكّنتــه من ترتيب سلم الأولو يات و مراعاة احتياجات الواقع ، فاستطاع أن يحُْدث التغيير المنشـود فيهـا ببراعـة . ويمكننـا تلمّـس آثـار حركته التي استند فيها إلى القرآن الكريم واضحة جليّة في الميادين التالية : 1 - تدبر القرآن وصياغةالعقيدة : عمل ابن باديس على تطهير العقيدة وتنقيتها من البدع والخرافات وتصفيتها من الشوائب وتفنيد الشبهات المثارة حولها لأن فساد العقيدة : "ينجم عنه جمود في النظر وفساد في الإدراك، وتقليد أعمى للآباء، واعتقاد في الباطل وشك في الحق"(1)، وصياغة العقل الجزائري صياغة جديدة تؤهله للاحتكاك المباشر بالقرآن الكريم والقدرة ع لى تدبّره تدبّرا 9 - تفسير ابن باديسفي مجالس التذكير من كلا م الحكيم الخبير. ص 11 2 - الشهاب. ج 9 .مج99 .9118 م. ص 211 ـ219 1 - حسن عبد الرحمن سلوادي . عبد الحميد بن باديس مفسرا . ص 919

عدد الصفحات ٣١