المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

استراتيجية ابن باديس في تدبر القرآن وأثرها في نهضة الأمة

محمد زرمان

صفحة ١ من ٣

1 استراتيجية ابن باديس في تدبر القرآن وأثرها في نهضة الأمة الأستاذ الدكتور محمد زرمان جامعة باتنة ــ الجزائر

عدد الصفحات ١

2 مقدمة شكَّل القرآن الكريم الركيزة الأساسية التي استند إليها الشيخ عبد الحميد بن باديس في مشروعه النهضوي الذي كان يهدف من ورائه إلى إحياء أم ة أشرفت على الاندثار تحت ضربات المستعمر الفرنسي الذي استهدف دينها ولغتها وتاريخها بالمسخ والمحو والتشويه . وقد بدا واضحا منذ الوهلة الأولى أن حركة النهضة والإصلاح التي قادها تعتمد اعتمادا كليا على القرآن الكريم من خلال تدبّره واستنطاق آياته للوقوف على أسبا ب الأزمة الحضارية الخانقة التي تعصف بالمجتمع الجزائري وتكاد تمحو أثره من الوجود، واستلهام الحلول الكفيلة بحلها وبث الروح من جديد في كيان يحتضر . وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الكبير اختار ابن باديس إستراتيجية متميزة في فهم القرآن وتدبره بطريقة تدريجية امتدت قرا بة ثلاثة عقود (من 9191 إ9111 )ختم خلالها تفسير القرآن تدريسا عن طريق سلسلة متوا صلة من الدروس اليومية، حاول أن يقف ـ أثناءها ـ وقوفا متأنيا أمام النصوص القرآنية وأن يغوص في أعماقها لاستخراج معانيها البعيدة ومقاصدها الكبرى، ومن ثَمَّ يربط الإنسان الجزائري ربطا عمليا بها حتى يكون القرآن هو المحرّك الذي يبعث فيه تيار النهضة ويوقظ في داخله إرادة التغيير. وقد كان يؤمن من خلال انتهاج هذه الإستراتيجية إيمانا صادقا أن بناء الرجال ـ في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة ـ أولى من تأليف الكتب، إذ كان بإمكانه أن يفسر القرآن الكريم في عشرات المجلدات في فترة زمنية قصيرة كما فعل غيره من المفسرين نظرا لما حباه الله به من العلم الواسع والذكاء الحاد والنظر الثاقب، ولكنه آثر إعادة الفعالية الحضارية للإنسان الجزائري باعتباره مفتاح التغيير وأساس البناء الحضاري، وقد تطلبت منه ه ذه المهمة النبيلة أن يفني عمره كله في القيام بها. والجدير بالذكر في هذا المقام أن ابن باديس قد ربط ربطا محكما بين استراتيجيته في تدبر القرآن وفهمه وبين الأبعاد العملية التطبيقية التي تشحذ فعالية الإنسان. فلم يكن همه محصورا في رصد الأقوال واستعراض الآراء و تفصيل المناهج وطرح قضايا الاختلاف والاهتمام الزائد بعلوم الوسائل والعناية بالفروع على حساب الأصول كما هو حال أغلب المفسرين، بل إنه انتقد انتقادا لاذعا جميع المناهج التربوية والتعليمية التي كانت تنتهجها المعاهد والجوامع الإسلامية في وقته وعاب عليها جفافها و ابتعادها عن مصدر الهداية الأساسي، وإنما كان يرمي إ لى تحويل التوجيهات القرآنية إلى سلوكيات عملية تصنع واقعا جديدا، وهذا ما جعل استراتيجيته في فهم القرآن وتدبره إستراتيجية فريدة على مستوى العالم الإسلامي. وقد شهد له بهذا التميّز والتفرد كوكبة من العلماء والمصلحين الذين أكبروا جهوده في بعث النهضة العربية الإسلامية في الجزائر ، وتقويض أركان المشروع الصليبي الاستعماري من خلال دروسه القرآنية التي أينعت وآتت أكلها طيبا في جيل الثورة التحريرية الكبرى التي طهرت البلاد من أرجاس المحتل، و نكتفي هنا بشهادة رفيقه في الإص لاح العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي قال عنه : "كان للأخ الصديق عبد الحميد بن باديس - رحمه الله - ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة زائدة خُصَّ بها، يرفده ـ بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقادة والبصيرة النافذة ـ بيان ناصع

عدد الصفحات ٢

3 واطلاع واسع...وله في القرآن رأي بـمنَم عليه كل أعماله في العلم والإصلاح والتربية والتعليم وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته، والاستقامة على طريقته ". وتهدف هذه الورقة إلى تتبع المحطات البارزة والمهمة في حياة ابن باديس و تجربته الإصلاحية، وبيان مركزية القرآن في مشروعه النهضوي، واستجلاء المفهوم والأهمية و الأبعاد والدلالات التي يكتسيها تدبر القرآن الكريم وفهمه عنده، ورصد المعالم الكبرى لاستراتيجيته في التدبر من خلال مجموعة من القواعد والأبجديات التي يعتمد عليها منهجه ، والوقوف على دور تدبر القرآن في بناء المشروع النهضوي البادي سي، والانتهاء بتقييم هذه الإستراتيجية ومحاولة الاستهداء بها اليوم للخروج بالأمة من حالة المغلوبية الحضارية التي تتخبط فيها . أولا : ابن باديس رائد النهضة العلمية والإصلاحية بالجزائر : عبد الحميد بن باديس (9881- 9191م) علم بارز م ن أعلام الجزائر في العصر الحديث ، بل إنه الغرة اللامعة في جبين نهضتها و الفارس الذي قاد جحافلها نحو النصر المبين . ولد ابن باديس في فترة حرجة جدا من تاريخ الجزائر المعاصر ، فقد جاء إلى الدنيا بعد مرور قرابة سبعين سنة على وقوع بلاد ه في براثن الاستعمار الفرنسي الذ ي عاث فيها فسادا ، و أهلك الحرث والنسل، وقمع الثورات العديدة التي قاومته قمعا دمويا وحشيا تقشعر منه الأبدان ويندى له جبين الإنسانية خجلا ، وسلط على الفرد الجزائري قوانينه الجائرة وهي القوانين الرهيبة التي كانت تـُعْرف بقوانين الأندجينا( ) التي قتلت فيه كل معاني الآدمية ومشاعر الكرامة، وجردته من أملاكه فسحقه الفقر، وجفف منابع ثقافته العربية الإسلامية فغرق في دياجير الجهل وأصبح تعلّم العربية جريمة تصل إلى حد الخيانة العظمى ، حيث أصدر أحد وزراء الداخلية الفرنسية عام 9111 م بيانا يمنع فيه منعا باتا تعليم اللغة العربية ويعتبرها لغة أجنبية ويعدّ تعليمها ونشرها بين أبناء الجزائر: " محاولة عدائية لصبغ الجزائر بالصبغة العربية"( )، وأضحى المجتمع الجزائري ـ وهو على مشارف القرن العشرين ـ محطما مسلوبا لا يملك من أمره شيئا، ولا يدري ما يدور حوله من أحداث الحياة كما وصفه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : " غثاء من الأناسي كغثاء السيل المتساو ي الغيبة والمشهد في تقدير حياته، لا يحكم ما يريد ولا يفقه ما يراد به، قد محت الأحداث من مخيّلته معنَ الماضي فهو يعيش بلا ماضي، ومعنَ المستقبل فهو لا يفكر في مستقبل"( ) . في هذه الظروف العصيبة فتح ابن باديس عينيه على الحياة، وعندما بلغ رشده أم ل ف هذا الواقع المر ير الذي طبعه الاستعمار الفرنسي بطابع الظلم والقهر والذل وصبغه بصبغة الجهل والفقر والاستعباد والاستغلال يحيط به من كل جانب، وهو يصفه بقوله : " كانت الجزائر في تلك الأوقات تعاني أزمة من أغرب وأفتك الأزمات، فالحقوق معدومة، والمظالم مرهقة، والضرائب فادحة، والأحكام الزجرية قاسية رهيبة، ولا يكاد يجتمع ثلاثة من المسلمين حتى يكون البوليس 9 - راجع : كتاب الجز ائر . أحمد توفيق المدني . دار الكتاب الجزائري . ط2 .9191 .ص119 .و: الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر . رابح تركي . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر . ط 1 .9189 .ص01 إ01 - الجزائر الثائرة . كوليت وفرانس يس جانسون . ترجمة : محمد علوي الشريف وآخرون . دار الهلال . القاهرة . 9101 .ص911 1 - آثار الشيخ محمد البشير الإبر اهيمي . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر . ط 9 .9118 م. ص 990

عدد الصفحات ٣

4 رابعهم. وقد انحطت الأخلاق تجاه هذه النكبات، وأم لفم ت النفوس الخنوع والانزواء، ومن تكلّم أو تحرّك عُدَّ ثائرا مقاوما للسلطة "( ). وعلى الرغم من نشأته في عائلة أرستقراطية تتمتع بالجاه العريض، والثروة الوفيرة، والمكانة الاجتماعية الراقية إلا أن جرح شعبه الذي يرسف في أغلال الأسر، ويتجرّ ع كؤوس المهانة، ويترصّ ده شبح المحو والمسخ الحضاري حفر عميقا في قلبه، وأقضّ مضجعه وهو لا يزال شابا يافعا يعد العدّ ة لمواجهة الحياة . وهذا ما حدا به - بعد أن أنهى رحلته العلمية - أن يخيرّ نفسه بين حياة الدعة والراحة، وحياة الجهاد والمواجهة والمشقة والمعاناة ، فاختار عن قناعة تامة أن يقف في صفّ شعبه، ونذر نفسه أن يخدمه حتى آخر نـمفمس فيه، يقول مصوّرا هذا المو قف: " أذكر أني لما زرتُ المدينة المنورة (عام 9191م) واتصلت فيها بشيخي الأستاذ حمدان لونيسي المهاجر الجزائري، وشيخي حسين أحمد الهندي أشار عملميَّ الأول بالهجرة إلى المدينة المنورة وقطع كل علاقة لي بالوطن، وأشار عملميَّ الثاني ـ وكان عالما حكيما ـ بالعودة إلى الوطن وخدمة الإسلام فيه والعربية بقدر الجهد. فحقّق الله رأي الشيخ الثاني، ورجعنا إلى الوطن بقصد خدمته، فنحن لا نهاجر، نحن حرّ اس الإسلام والعربية والقومية بجميع مدعماتها في هذا الوطن"(2) .وبذلك ودّع الحياة الهادئة والعيش الرغيد ، وبدأ حياة حافلة بجلائل الأعمال وعظائم المهمات، وتسامت نفسه إلى آفاق الهدف الذي يسعى إليه فبذل من الجهود، وتحمّ ل من الصعاب، وواجه من العوائق والتحديات ما تنوء بحمله الجبال . أخضع ابن باديس ـ بنظرته الثاقبة وذكائه الحاد واستئناسه بمشورة أساتذته ورفاقه المقربين ـ الواقع الجزائري للتمحيص والتحليل، ووضع يده على الداء، واستفرغ الجهد في العثور على الدواء ، حتى ترجّ ح لديه أن أنجع دواء لهذا الواقع المريض المتردّ ي هو المرابطة على الجبهة الثقافية ، وإحياء النفوس بالعلم ، وبعث المعاني الإنسانية التي ضمرت فيها من طول القهر والإذلال، وتبصير جموع الشعب بقيمتها الحقيقية، وبثّ الأمل في الأرواح التي قتلها اليأس فاستنامت لواقعها البائس ولسان حالها يقول "نأكل القوت وننتظر الموت" . من هنا بدأت الرحلة المباركة لابن باديس في وضع حجر الأساس للنهضة الجزا ئرية الحديثة التي قلبت الموازين ، وغيرّت الأوضاع، وبعثت المارد الجزائري من تحت الرماد ، وخلطت أوراق الاستعم ار، وجعلت كل الجهود التي بذلها طيلة قرن من الاحتلال هباءً منثورا: " ذلك أن قدرة التعليم على غرس القيم وقلب الأوضاع السلوكية على مستوى الفرد والمجتمع ، وقلب الأوضاع السياسية والاقتصادية أمرا لا ينكره أحد ، و لذلك كان اتجاه ابن باديس إلى تعليم الناس هو الصواب بعينه، ولو اختار منفذاً آخر لأضاع الفرصة وضيّعم جهده دون حصاد نافع"(1). استهل ابن باديس عمله الجبار في هدوء وسكون، حيث جمع حوله رواد المساجد من رجال ونساء وأطفال ، وخصّ ص لكل فئة دروسا تناسبها في تعليم الكتابة والقراءة وحفظ القرآن والفقه والتفسير وال سيرة والوعظ والإرشاد ، وكان ذلك يستغرق منه بياض نهاره وجزءً ا من سواد ليله؛ ليتمكن من إكمال الدروس اليومية العشرة التي أ لزم نفسه بها والتي 9 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. دار البعث . قسنطينة . الجزائر . ط 9 .9910 هـ ـ9189 م.ج 1 .ص911 2 - الشهاب. ج 8 .مج91 .ص100 .عدد أكتوبر9111 1 - تجربة في ا صلاح . صلاح الدين الجورشي . تونس . ط 9 .ص11

عدد الصفحات ٤

5 يبدؤها من بعد صلاة الفجر إلى منتصفالليل(9)، يحرّ ر العقول من الخرافات والبدع والأضاليل ، وينوّ رها بعقائد الإسلام وآدابه وأخلاقه وفضائله. وظل يتابع تلامذته الكبار والصغار بالتعليم والتوجيه والتهذيب ، وينتدب من يرى فيه ذكاءً ونبوغا وقدرة على العمل ليعينه في مهمته في مساجد أخرى ، أو يبتعثه إلى مكان إقامته لينشئ بدوره حلقات لدروس مماثلة(2)، وشدّ أزره خلال هذه المرحلة ثلة من أبناء الجزائر الذين تخرجوا من معاهد الحجاز والقاهرة وتونس ووجدوا هذه الحركة العلمية المباركة تسير ببطء وثقة فاتصلوا بصاحبها ووضعوا أيديهم في يده وحذوا حذوه في نشر العلم وإرشاد الناس في مدنهم وقراهم . وظلّ على هذه الحال قرابة عشرين سنة يبث العلم متطوعا بث ا رفيقا هادفا في أوساط الطبقات الشعبية التي هرعت إليه كما يهرع الظمآن إلى نبع الماء، فتفتّ حت العقول، وتنوّ رت الأذهان ، وسم رم ت بين الناس روح جديدة لم يعهدوها من قبل ، وبدأت شخصية الفرد الجزائري المحطّ مة المسحوقة تحت أثقال الذل والاستعباد تلملم أشلاءها الممزقة وتنظر إلى الغد بتفاؤل و استبشار. ثَ جاءت المرحلة الثانية من العمل الحضاري الكبير الذي أنجزه عبد الحميد بن باديس، والتي تتمثل في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 9119م، وهو التاريخ الذي تزامن مع الاحتفالات ا لصاخبة والاستفزازية التي نظمتها حكومة الاحتلال الفرنسي للاحتفال بمرور مائة سنة على غزو الجزائر ، والإعلان عن نجاحها في القضاء على الإسلام فيها، حيث صرّ ح أحد الساسة الفرنسيين بذلك قائلا : " لا تظنوا أن هذه الاحتفالات من بلوغنا مئة سنة في هذا البلد، فقد أقام الرومان قبلنا فيه ثلاثة قرون ومع ذلك خرجوا منه . ألا فلتعلموا أن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار "(1) . فكان ظهور الجمعيةرد فعل عملي على هذه الاستفزازات ، وإعلانا مضادا للتصريحات الاستعمارية يؤكد أن الشعب الذي سحقته الآلة العسكرية الفرن سية و كتمت أنفاسه طوال هذه الفترة لا يزال يتنفس الإسلام ويحيا به . وكان ظهورها ـ من جهة أخرى ـ فرصة عظيمة لابن باديس ليطبق ب رنامجه الإصلاحي في إطار قانوني ي ستفيد فيه من جميع الطاقات الخلاَّ قة التي أفرزتها المرحلة الأولى من التكوين العلمي الذي أشرف عليه بنفسه ، فنشطت ـ في هذه المرحلة ـ حركة تأسيس المدارس النظامية العربية الحرة ، والمساجد المستق لة عن إدارة الاحتلال الفرنسي ، والنوادي والجمعيات الخيرية، وإصدار الصحف التي ترعى الأقلام الناشئة من الأدباء والشعراء والخطباء والمؤرخين ، وأصبح المجتمع الجزائري يموج بالنشاط والحيوية كخلية النحل . وعلى الرغم من أن الاستعمار الفرنسي قد أربكته هذه الموجة من اليقظة وفاجأته بعمقها واتساعها إلا أنه لم يأْلُ جهدا في محا ربتها بكل ما أتيح له من الوسائل ، لكن الوقت كان قد فات ، والنهضة كانت قد حفرت عميقا في 9 - راجع : الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية . محمود قاسم . دار المعارف . القاهرة . 9198 .ص 91 2 - راجع : مذكرات . محمد خير الدين . مطبعة دحلب . الجزائر . 9180 م. ج 9 .ص911 1 - محمد البشير الإبراهيمي . "أنا" . مجلة الثقافة . مايو ـ يونيو 9180 .ع81 .الجزائر . ص 21

عدد الصفحات ٥

6 الأرض الجزائرية : "بدأ ابن باديس الإصلاح سهلا هيّنا، وانتهى به صارما ممتنعا على نحو لم يفطن له المستعمر أول الأمر، ولم يستطع القضاء عليه بعد أن تمّ بالفعل. لقد أراد أن يحاصر الجزائر بمحو شخصيتها العربية الإسلامية، فحاصره ابن باديس بالجزائر العربية المسلمة التي يمكن القول بأنها نجت بمعجزة "(9) . ووقف ابن باديسفي وجه هذه المؤامرات كالطود الشامخ يدافع عن إنجازات الشعب وحقه في الحياة الكريمة في ظل شخصيته الإسلامية ومقوماته الحضارية ، ومن ورائه إخوانه من العلماء ورفاقه في البناء، وكانت له مع الإدارة الاستعمارية مواقف خالدة سجلها له التار يخ، منها رفضه لقرار فرنسي بغلق مدرسة عربية وتحويلها لتعليم الفرنسية بحجة عدم حصول أصحابها على رخصة قانونية لمزاولة التعليم بها وقال لمن جاء ينفذ الأمر: " لا يمكن أن تحلّ الفرنسية وتُطرد العربية من مدرسة أسّ سها الشعب بأمواله لتعليم العربية ، و لن تخرج العربية من هذه المدرسة حتى تخرج روحي من جسدي"(2) ، ومنها ردّه القويّ على تحرّش الصحافة الفرنسية عام 9111 بجمعية العلماء بعد أن قدمت جملة من المطالب لتحسين أوضاع الجزائريين الاقتصادية والاجتماعية والدينية، وتنبيهه غلاة المعمّرين إلى أن الزمن الذي كان فيه الشعب الجزائري مطأطئ الرأس ذليلا خائفا قد ولىّ إلى الأبد ببركة النهضة القرآنية التي سرت بين أفراده : "لم يسؤْ ني ما علّقتم به عليه من عبارات الحقد والتحريش ؛ لأن ذلك دليل حصول ما قصدته من تأثير الحق والصدق فيمن لم يتعوّدوا سماعه من المسلمين الجزائريين أمثالكم . ولا أ لومكم على ذلك ما دمتم ترونه إخلاصا لأمتكم ووطنكم ، كما كنت أنا مخلصا في منشوري لأمتي ووطني . وإنما أريد أن أحقق لكم أن تحريشكم لا يخيف صغارا من تلاميذنا، فمن باب أحرى وأولى أن لا يكون له أدنى تأثير في كبارنا في السير على خطتنا إلى غايتنا "(1) . ولم يهدر ابن باديس خلال هذه المرحلة دقيقة من وقته ، بل استغل كل لحظة لإنجاز عمل وكأنه يسابق الزمن ، فكان كثير الحركة جممَّ النشاط، لا يتأخر أبدا عن دروسه، ويكتب افتتاحيات مجلة الشهاب ويسافر إلى مختلف المدن والقرى الجزائرية بالليل حتى لا يضيع منه النهار ليتفقد أحوال الجمعية فيها، أو ليؤسس مدرسة جديدة أو مسجدا أو ناديا أو ليصلح بين المتنازعين أو ليلقي محاضرة في حفل أو درسا بمناسبة دينية (9)، وكان له في كل شبر من أرض الجزائر أثر، وكان يقول : " أنا رجل مسلم ورجل وطني ، كل حواس ي وكل عقلي لخدمة وطني ، نعم أخدمه وأدرجه حتى لا يكو ن هناك اندحار ولا انهيار "(0) .وظل متوهجا كالشعلة إلى أن لقي ربه وهو في أوج نشاطه وقمة عطائه، وكان من أجلّ أعماله قبل وفاته بقليل ختمه لتفسير القرآن الكريم تدريسا ، ومن أروع مواقفه في أخريات أيامه توقيفه لمجلة "الشهاب" عن الصدور وكانت من أحبّ أعماله إليه ، حتىّ لا يضطرّ تحت الضغط الاستعماري وظروف الحرب العالمية الثانية أن 9 - الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية . محمود قاسم. ص 91 2 - من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية . أحمد طالب الإبراهيمي . الشركة ال وطنية للنشر والتوزيع . الجزائر . ط 9 .ص11 1 - الشهاب. ج 8 .مج91 .ص181 9 - ملتقى الفكر الإسلامي الخامس عشر. أحمد حماني. "تفسير ابن باديس ومناهجه في التأويل " . كتاب الأصالة. دار البعث . قسنطينة. الجزائر . 9181 م. ج 9 .ص202 0 - الشهاب. ج 8 .مج92 . ص191

عدد الصفحات ٦

7 ينشر فيها ما لا يرضاه لها ممّا تفرضه إدارة الاحتلال عليهإخلاصا لمبدئه الذي عبرّ عنه بمقولته الشهيرة : " لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله ما قلتها "(9). رحل ابن باديس عن هذه الدنيا بع د أن أحيا شعبا كان يشرف على الهلاك ، و انتشل أمة من موت محقق كان يتربص بها، وأعاد للناس الأمل في الحياة بعد أن حوّ لهم الطغيان الاستعماري إلى قطيع من المخلوقات التي لا تصلح إلا لخدمة الأسياد، وهو الذي وضع حجر الأساس المتين للنهضة المباركة التي طوت أبناء الشعب الجزائري تحت لوائها ثَ أهّلته فيما بعد ليخوض حربا طويلة ومريرة وقاسية ويفْتكَّ حريته التي رهنها الاحتلال الفرنسي لمدة قرن ونصف قرن من الزمان ، ويطهّ ر أرضه من أرجاسه . لقد ابتعثه القدر: " ليؤلف من الشعب ما عجزت عنه الأيدي المهزوزة ، ويفجّ ر فيه ما قصرت عنه ال عقول المتحجرة "(2). ثانيا: مركزية القرآن في المشروع النهضوي عند ابن باديس : بدأت علاقة ابن باديس بالقرآن الكريم في وقت مبكر جدا ، حينما كان صبيا ودفعه والده إلى أحد أكبر القراء آنذاك الشيخ محمد المداسي؛ ليحفظ على يديه القرآن فأبدع في حفظه وحسن ترتيله وختمه وهو في الثانية عشر من العمر، مما أثار إعجاب شيخه الذي قدمه لإمامة المصلين في الجامع الأكبر في صلاة التراويح لمدة ثلاث سنوات(1) متتاليات وهو لا يزال في هذه السن المبكرة . ثَ عمّق هذه العلاقة ووطّد أركانها مشايخه الذين اختارهم له والده بعناية فائقة لأنه كان يعلق عليه آمالا عريضة ، وكان يربأ به أن ينخرط في سلك التعليم النظامي الذي كانت تشرف عليه سلطات الاحتلال خوفا عليه من تبعاته وعواقبه الوخيمة ، و بينّ له بوضوح ما ينتظر منه فقال له : " يا عبد الحميد أنا أكفيك أمر الدنيا ، أنفق عليك وأقوم بكل أمورك، ما طلبت شيئ ا إلا لبيت طلبك كلمح البصر فاكفني أمر الآخرة ، كن الولد الصالح العامل الذي ألقى به وجه الله "(9) . وقد لقي هذا الاهتمام والرعاية الخاصة نفسا شفافة لدى ابن باديس ، وروحا متطلعة إلى المعالي ، وذكاءً وقادا يستوعب أبعاد الواقع ويدرك إدراكا جيدا متطلباته ، فتكوّ ن لديه وعي عميق بأن مهمة نبيلة تنتظره فعكف على طلب العلم وشغف بالاستزادة منه ، وقيّض الله له شيوخا و أساتذة أجلاء في جامع الزيتونة بتونس فتحوا له صدورهم وبذلوا له العلم والنصح لما لمسوا فيه من مخايل النبوغ ، إذ كان يدخل معهم في نقاشات عميقة وواعية حول مختل ف القضايا العلمية والأحداث المستجدّة فيجد لديهم ما يروي نفسه العطشى(0) ، كما أسهموا بقسط وافر في بث روح النهضة وإرادة 9 - ابن باديس وعروبة الجزائر . محمد الميلي . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر . ط 2 .9111 م. ص 91 2 - صالح خر. " المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث " . مجلة الثقافة . ع 29 .9119 .ص19 1 - عبد الحميد بن باديس مفسرا . حسن عبد الرحمن سلوادي . المؤسسة الوطنية للكتاب . 9189 .ص91 9 - حياة كفاح . أحمد توفيق المدني . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر . 9111 م. ج 2 .ص11 0 - أحمد توفيق المد. "عبد الحميد بن باديس الرجل العظيم " . مجلة الأصالة . ربيع الثاني 9111 هـ ـ9111 م. س 9 .ع99 . ص92

عدد الصفحات ٧

8 التغيير في نفسه تماشياً مع ما كان يشهده المشرق العربي من حركات إ صلاحية(9) ، وساعدوه على التخلص من بقايا التقليد وتقديس الرجال وأقوالهم فان فتحت له أبواب الإبداع والنبوغ الواسعة ، وحلّق في سماء التفكير الحر الإيجابي الذي يساير حركة الحياة المتغيرّة على الدوام ، ونبّهه شيخه محمد النخلي(2) إلى القيمة الحضارية التي تكمن في القرآن الكر فتغيرّ ت وجهة حياته واتضحت له أهدافه ، فهذا الشيخ هو الذي بث في روعه أن القرآن كتاب حياة وكتاب نهضة وكتاب مدنية وعمران وكتاب هداية للسعادتين ، يقول ابن باديس : " من يوم عرفت من الأ ستاذ أن القرآن صفاته تلك الصفات، أخذت أمقـْرمؤُهُ وأدرسه باعتباره كتاباً لتلك صفاته، وأطلب مـا فيه من مقتضيـات هذه الصفـات، وصـارت كلمة طالب قرآن عندي لها معنَ غير الذي كان لها "(1). تفاعل هذا الزاد العلمي الغزير الذي انطوت عليه جوانح ابن باديس مع مؤهلاته النفسية وقدراته العقلية الفذة ، واستعداداته المتميّزة، فاستطاع أن يرسم صورة متكاملة الجوانب للواقع الجزائري البائس ، ثَ عكف عليها يحللها ويستنطقها ليعثر في ثناياها على مفتاح الحل الذي يصل بالأمة إلى بر الأمان، ويجنّبها مغبّة الموت الحضاري الذي يتربص بها ، بخاصة وأن المشروع الصليبي الاستعماري كان قائما على قدم وساق يستعجل جني ثمرات قرن كامل من الجهود لاقتلاع الشعب من جذوره وتح ويل الجزائر إلى مقاط عة فرنسية ، فوجد أن الدواء الشافي يكمن في العودة إلى القرآن الكريم ومدّ جسور التواصل معه و تقوية علاقة الإنسان الجزائري به لاستمداد النور الذي يضيئ درب السائرين لأن: "القرآن هو شفاء الاجتماع البشري كما هو شفاء للأفراد . فقد شرع من أصول العدل وقواعد العمران و نظام التعامل وسياسة الناس ما فيه العلاج الكافي والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله "(9)، واعتماداً على ذلك فقد رسم ابن باديس استراتيجيته و قرر في حزم وقوة أنه لا تكون للبلاد نهضة إلا بالقرآن : " لا تكون لنا نهضة دينية إلا بالقرآن ... و إذا أردنا أن ننهض نهضة دينية بالقرآن ف لنتفهّمه ولنتفقّه فيه ولنعمل به، قادرين قدره، عارفين مزيّته. وعلى أهل العلم والفضل تبعة القيام بهذا وفي حضراتهم الثقة والرجاء . فليعملوا ، فالله مع العاملين "(0). وقد التقىفي تفكيره هذا مع كبار المصلحين عبر التاريخ ا لإسلامي الطويل الذين ساروا على مقولة مالك بن أنس الذي قرر أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. يقول الإبراهيمي : "وابن باديس له رأي في القرآن بنَ عليه كل أعماله في العلم والإصلا ح والتربية والتعليم وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هد ايته، والاستقامة على 9 - ابن باديس فارس الإصلاح والتنوير. محمد بهي الدين سالم . دار الشروق . ط 9 .9921 هـ. 9111 م. ص 91 2 - محمد بن محمد النخلي القيروا(9891 هـ ـ9129 م) عالم من علماء الزيتونة، واسع الاطلاع، دقيق البحث، كان من رواد الإصلاح الأوائل في تونس. 1 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. دار البعث . قسنطينة . الجزائر . ط9 .9919 هـ ـ9180 م. ج 9 .ص99 9 - تفسير ابن باديسفي مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . جمع وترتيب : توفيق محمد شاهين ، ومحمد الصالح رمضان . دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع . دمشق . ط 1 .9111 هـ ـ9111 م. ص 981 0 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. ج 9 .ص01

عدد الصفحات ٨

9 طريق ته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله "(9)، وهذا اعتمادا على السنن الإلهية التي تتحكم في الأنفس والمجتمعات والتي عبر عنها مالك بن نبي بقوله إن : "نهضة مجتمع ما تتم في نفس الظروف العامة التي تم فيها ميلاده ، كذلك يخضع بناؤه وإعادة هذا البناء لنفس القانون "(2). وحيث أن المجتمع الإسلامي الأول الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بناه على دعائم القرآن الكر وأن المجتمع الجزائري يعدّ امتدادا له بحكم الإطار المرجعي الواحد الذي يتحكم في كلا الكيانين ، فقد رسخ لدى ابن باديس اعتقاد جازم أن القر آن هو سبيل النجاة : " لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه، والعذاب المنوّع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه ، والتفقّه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه ، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة ا لفهم"(1)؛ لأن القرآن الكريم جمع بين دفتيه جميع ما يحتاجه المسلمون في حياتهم، وهم ليسوا بحاجة إلى مصدر آخر ليرسم لهم سبيل الخروج من حالة التردي التي يعيشونها : " القرآن شامل لكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل، ووجوه الإحسان، كل هذا فُص لم في القرآن تفصيلاً على غاية البيان والإحكام"(9). وبذلك حدد ابن باديس بدقة معاإستراتيجية مشروعه النهضوي، وارتكز بصفة رئيسية على القرآن الكريم ليكون المنطلق الذي يبدأ منه : "وليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا وسنة نبينا وسيرة صالح سلفنا ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق ويبصرنا في العلم ويفهمنا في الدين ويهدينا إلى الأخذ بأسباب القوة والعزة والسيادة العادلة في الدنيا ونيل السعادة الكبرى في الآخرة ، وليس هذا عن العاملين ببعيد، وما هو على الله بعزيز "(0)، واستهل دروسه بتفسير القرآن وتدبّره بطريقة تحقق هذا الهدف الكبير، معرضا عن جميع ما اشتملت عليه التفاسير القديمة والحديثة التي اطلع عليها من الاختلافات اللغوية و الكلامية والفقهية وغيرها، مركزا على أهمية التدبّر ليكون سبيلا إلى التطبيق العملي، فهو يرى أن علاقة المسلم بالقرآن يجب أن تـُبـْنَم على : "التفهم والتدبر لآياته ، والتفطن لتنبيهاته ووجوه دلالته ، واستثارة علومه من منطوقه ومفهومه على ما دلت عليه لغة العرب في منظومها ومنثور ها، وما جاء في التفاسير المأثورة ، وما نقل من فهوم الأئمة الموثوق بعلمهم وأمانتهم"(9) للاستهداء بنوره والاس شاد به في شؤون الحياة، لا للاستغراق في المباحث القديمة التي التي شغلت الناس لقرون عديدة عن الهدف الأسمى من وجوده بينهم . لذلك كان في مجمل تفسيره متوجها مباشرة إلى المعاني الخلاّ قة التي تحُ رّك القلب والضمير، وتهز وجدان الإنسان وتخلق فيه الرغبة القوية في التغيير ، وتدفعه إلى ترجمة هذه المعاني إلى فكرة ثَ سلوك حيّ وطاقة فيّ اضة تسعى في الأرض 9 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب . ص 20 2 - ميلاد مجتمع. مالك بن نبي .دار الفكر . دمشق . ص 91 1 - تفسير ابن باديس من مجالس التذكير من كلام الحكي م الخبير . ص 280 9 - المصدر نفسه . ص 99 0 - المصدر نفسه. ص 911 9- تفسير ابن باديس من مجالس التذكير من كلام الحكيم الخب ، ص 919

عدد الصفحات ٩

10 سعياً إيجابياً ينفض عنها غبار الجمود والركود ، ويخرجها من دائرة السلبية ا لساكنة إلى دائرة الفعل والتأثير . يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مشيداً بهذا الأسلوب المميّز في فهم القر آن : " لقد كان من حسن حظ الجزائر أن باعث النهضة العلمية فيها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس قد وضع أساس هذه النهضة على قواعد صحيحة من أول يوم، فسلك في درس كلام الله أسلوباً سلفي النزعة والمادة ، عصريّ الأسلوب والمرمى ، مستمداً من آيات القرآن وأسرارها أكثر مما هو مستمد من التفاسير وأسفارها "(9). ولم يكن ذلك أمراً هيّ ناً في ظل الفصام الذي وقع بين المسلمين وكتاب ربهم فباعد بين القرآن والفعل الحضاري وأحاله إلى نص جنائزي لدى العامة : " وخلف ت من بعدهم خلوف اتخذوه حرفة وتجارة ، وجاؤوا بقراءته على الأموات بوجوه من ا لبشاعة والمهانة والحقارة فأذلوا أنفسهم وأذلوا ا سم حامل القرآن بقبيح أعمالهم فأذلهّم الله"(2)، كما زرع متأخّرو الصوفية الرهبة في النفوس من محاولة فهمه والاقتراب منه مبالغة منهم في تقديسه ، وإنما هم يحرمون أنفسهم من خيره. يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ناع ياً على الصوفية تخويف المسلمين من محاولة الاهتداء بالقرآن: "فهم الذين أبعدوهم عن القرآن، وأضلوهم عن سبيله، بما زينوا لهم من اتباع غير سبيله، و بما أوهموهم أنه عال على الأفهام، وما دمرموْا بأن من لازم هذا المذهب كمفمرم ، وهو أنّه إذا كان لا يـُفْهمم فإنزاله عبث، وأنىَّ يكون هذا ومُنـمزّلُهُ ـ تعالت أسماؤه ـ يصفه بأنه عربيٌّ مبين، وأنّه غير ذي عوج، وأنّه ميسّر للذكر، وينعته بأنه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يـُفْهمم ؟ "(1)، إضافة إلى الجهل والأميّةوطول زمن الاستعباد والقهر . غير أن عزيمة ابن باديس كانت أقوى من كل التحديات ، فلبث يخاطب العقول والقلوب، ويسلك إليها كل طريق ، ويستنفذ الجهد في توصيل الحقائق القرآنية إليها كأصفى ما تكون ، وفي توضيح المراد الإلهي من الإنسان، ويزيل التصورات الخاطئة ، والأفكار المريضة ، والاعتقادات السقيمة بهدوء وحكمة ، ولين ورفق ، ويقرّب الناس من كتاب ربهم شيئاً فشيئاً حتى يستأنسوا به ويحسوا بحلاوته في نفوسهم فيقبلوا عليه برغبة ملحّة، ويربطهم به ربطا تدريجيا حتى يصلوا إلى المرحلة التي يقتنعون فيها أن حياتهم كلها متصلة به ، وأنهم مدفوعون دفعا إلى تحكيمه في جميع شؤونهم . وهو يعبرّ عن صعوبة هذه المهمّة حينما يستعرض مواقف عديدة لمجددين مسلمين حاولوا إرجاع الناس إلى كتاب ربهم وسنة نبيّهم في قرون مضت لكن التحديات كانت أكبر منهم فيقول : " فإذا كان الحال هكذا من تلك الأيام، في تلك الديار، وقد مضت عليه القرون في هذه البلاد وغيرها، فإن قلعه عسير، والرجوع بالتعليم إلى التفقّه في الكتاب والسنة وربط الفروع 9 - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي . دار الغرب الإسلامي . بيروت . ط 9 .9111 م. ج 9 .ص191 2 - ابن باديس حياته وآثاره . إعداد وتصنيف : عمار الطالبي .الشركة الجزائرية . الجزائر . ط 1 .9991 هـ ـ 9111 م. ج 9 .ص 211 1 - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي . ج 9 .ص229

عدد الصفحات ١٠

11 بالمأخذ والأدلة أعسر وأعسر"(9) ثَ يستأنف قائلاً في حزم وعزم : " غير أن ذلك لا يمنعنا من السعي والعمل بصدق الرجاء وقوة الأمل ، وسننفّذه في دروسنا هذا العام والله المستعان"(2). وا خفّف عليه وطأة المهمة الثقيلة، و زوّده بالأمل، وملأ قلبه بالصبر أن عزوف المجتمع الجزائري عن القرآن وهدايته لم يأت من إعراضه عنه، بل لا يزال يحتلّ في نفسه المكانة المقدسة التي لا تعلوها مكانة، وإنما جاء من تراكم الجهل وطغيان الاستعمار: " غير أن الذي يـُبْقى لنا في المسلمين الرّ جاء، ويـُفْسح لنا المجال، ويبعثنا على العمل هو أن ما عليه أكثرنا ليس عن زهد في الإسلام ولا عن قلة محبّة فيه ، وإنما هو جهل طال عليه الأمد ، وغفلة توالت عليها الحقب"(1)،بالإضافة إلى طيب معدن الإنسان الجزائري وحبّه للخير ، فهو يصف الأمة الجزائرية بأنها : "معْ وانمة على الخير، منطوية على استعدادات الكمال، وأنها ذات نسب عريق في المحامد والفضائل"(9) . وسجل المفكر الجزائري مالك بن نبي أثر ابن باديس القويّ في تحريك الواقع الجزائري الجامد وتهيئته للنهوض اعتماداً على القرآن الكريم الذي كانت تدور حوله جميع دروسه وتوجيه اته بقوله : " لقد بدأت معجزة البعث تتدفّق من كلمات ابن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري الم خدّر يتحرّك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة ، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم ، فتحوّلت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل . وهكذا استيقظ المعنَ الجماعي، وتحوّلت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب"(0). لقدشرع ابن باديس في تفسير القرآن الكريم ربيع سنة 9112 هـ الموافق لعام9199م ، وظل ملتزماً التزاماً عجيباً بدرس التفسير الذي يلقيه يومياً بين صلاتي المغرب و العشاء إلى أن انتهى منه في ربيع سنة 9101 هـالموافق لعام 9118 .يقول الإبراهيمي : " أتمّ الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درساً على الطريقة السلفية ، وكا ن إكماله إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة مفخرة لهذا القطر "(9) .و يختم القرآن تفسيراً عن طريق التدريس في الجزائر أحد غيره منذ أن ختمه أبو عبد الله التلمساني (1)في المائة الثامنة للهجرة . للهجرة . 9 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. ج 9 .ص89 2 - المصدر نفسه ، ص89 1 - عبد الحميد بن باديس. "أيها المسلمون احفظوا الإسلام على أبنائكم إن كنتم مسلمين " . جريدة الصراط . ع 9 .س9 .91 جمادى الثانية9102هـ ـ أكتوبر9111 م 9 - ابنباديس حياته وآثاره . إعداد وتصنيف : عمار الطالبي . مج 9 .ج9 .ص11 0 - شروط النهضة. مالك بن نبي . ترجمة : عمر كامل مسقاوي وع بد الصبور شاهين، ط1،دار الفكر، 9191م، ص11. 9 - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي . ج 9 .ص198 1 - أبو عبد الله محمد بن أحمد الإدريسي الحسني الشهير بالشريف التلمساني (191 ـ119 هـ) كان مفسرا مشهودا له بالبراعة، محدّثا وإماما مجتهدا، من كبار علماء المال كية ، ملأ المغرب الإسلامي علوما ومعارف . ختم تفسير القرآن تدريسا في ربع قرن وأتى فيه بالعجب العجاب . (راجع ترجمته في : معجم أعلام الجزائر . عادل نويهض . ص 981)

عدد الصفحات ١١

12 وبذلك يكون قد قضى ربع قرن كامل في تدبّر القرآن وخدمته قراءة وتلاوة وتفسيراً على الطريقة السلفية . وكان يغتنم كل فرصة سانحة في دروسه القرآنية لتحليل أمرا ض المجتمع الجزائري بصفة خاصة ، وأمراض المجتمع الإسلامي بصفة عامة، فيركز عليها الأنظ ار، وينبه إليها الأذهان والعقول ، ويوجّه تلامذته ومستمعيه إلى وجوب العمل الجاد المنظم لتخليص المجتمع منها(9)، ويغرس في أعماق النفوس أن القرآن الكريم ملاذ الأمة وحصنها الذي لا بديل لها عنه، ودستور حياتها الذي ارتضاه لها رب العالمين . ويذكر طلبته أنه أثناء رحلاته كثيراً ما يختار تفسير آية أو عدة آيات قرآنية لتكون موضوع الدرس المطلوب منه إلقاؤه في مختلف القرى والمدن التي يزورها . وعندما أبدى تلامذته المقربون إعجابهم الكبير بطريقته في الت فسير وأسلوبه الفذ في تدبّر القرآن، وأدهشهم بغزارة علمه، وحسن استنباطه ، وتوفيقه في تنزيل أحكام القرآن على الواقع الجزائري ، رغبوا إليه أن يستغل هذه ال قدرات الفذة في تأليف الكتب النافعة، فأجاب أحدهم بما يكشف عن هدفه البعيد وحسن تقديره للوضع : " إن الشعب يا بنيّ ليس اليوم في حاجة إلى تأليف الكتب بقدر ما هو في حاجة إلى تأليف الرجال . همبْ أنني انصرفتُ إلى التأليف ، وانقطعت عمّا أنا اليوم بصدده من نشر العلم وإعداد نشء الأمة من أمثالكم لمواصلة عملي، فمن يقرأ كتبي وتآليفي ما دام الشعب يتخبط في ظلمات الجهل والأمية. إن إعداد معلم واحد كفء يتصدى لمحاربة الجهل الفاشي في ربوعنا لخير لمجتمعنا من ألف كتاب "(2). فلم يصلنا من تفسيره إلا تلك المقالات التي كان يكتبها في مجلة الشهاب يفسر فيها بعض الآيات ويسميها "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير " وقد أسف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رفيق دربه في الإصلاح على هذه الثروة العلمية التي ضاعت من المسلمين والتي لا تقدّر بمال فقال : " فإن من دواعي الأسف أنه لم ينتدب من مستمعي هذه الدروس من يقيّدها بالكتابة، ولو وُجد من يفعل ذلك لربحت الأمة ذخراً لا يـُقموَّمُ بمال، ولاضطلع هذا ا لجيل بعمل يباهي به جميع الأجيال، ولتمخض لنا ربع قرن عن تفسير يكون حجّة هذا القرن على القرون الآتية، ومن قرأ تلك النماذج القليلة المنشورة في الشهاب باسم مجالس التذكير، علم أي علم ضاع وأيُّ كنز غطّى عليه الإهمال "(1). ومثلما كان تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائري ين عام 9119 مردا على الاحتفالات الفرنسية بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر والإع لان عن تشييع جنازة الإسلام فيها ، كان الاحتفال بختم ابن باديس لتفسير القرآن الكريم عام 9118 مفي حفل بهيج جدا دام قرابة أسبوع كامل ردا على قرار وزير الداخلية الفرنسي (شوطان) الذي صدر قبل حفل الختم بثلاثة أشهر، واعتبر أن اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر يحرم تعلُّمُ ها وتعليمها ، فكان هذا الاحتفال: " بمثابة مظاهرة إسلامية وقومية عبرّت فيها الجزائر عن أصالة عروبتها ، وعمق إسلامها، وشدة تعلقها بكتاب العربية الأكبر : القرآن الكريم "(9). 9- الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر . تركي رابح . ص 298 2 - من ذكري اتي عن الإمامين الرئيسين . باعزيز بن عمر . منشورات الحبر . الجزائر . 2119 .ص29 1 - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي . ج 9 .ص199 9 - الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر . تركي رابح . ص 982

عدد الصفحات ١٢

13 ثالثا: تدبر القرآن عند ابن باديس : دلالاته وأبعاده: 9 ـــ التدبر المفهوم والأهمية : أ ـــ مفهوم التدبر : يدور لفظ التدبر في معناه العام حول النظر في عواقب الأمور والتفكّ ر في أدبارها ، أما في معناه الاصطلاحي فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم، ويكاد معنَ التدبّر يقتصر عليه لوروده في عدد من الآيات القرآنية التي تحث عليه وتستنكر إهماله، وتبينّ أهميته القصوى في تثبيت الإيمان ومعرفة الخالق عز وجل ، وتيسير سبل الهداية و الامتثال لأوامر الله ونواهيه بحب واستسلام . وقد امتلأت كتب التفاسير والدراسا ت القرآن ية بالتعاريف الكثيرة التي تدور حول معنَ التدبر عند التعرض للآيات الكريمة التي ورد فيها هذا اللفظ ، وعرض كل واحد ما توصّل إليه جهده في فهم المراد القرآني ، وإن كانت أغلبية هذه التعاريف تصب في مجرى واحد وتلتقي عند معاني متشابهة تنتهي إلى أن تدبر القرآ ن هو فهمه والنظر فيه برويّة وتفكّر لاستخلاص المعاني العميقة التي يشتمل عليها والوقوف عند آياته والتأمل فيها والتفاعل معها للانتفاع بها والامتثال لما فيها. قال النسفي في معنَ "ليدّبّروا":"ومعناه ليتفكروا فيها فيقفوا على ما فيه ويعملوا به "(9)، وقال الشيخ سلمان السنيدي: " تدبر القرآ ن هو تفهم معاني ألفاظه والتفكر فيما تدل عليه الآيات مطابقة وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به مما لم يعرج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك ، بخشوعه عند مواعظه ، وخضوعه لأوامره ، وأخذ العبرة من ه"(2). وقالالشيخ الطاهر بن عاشور: "والتدبر: التفكر والتأمُّل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنمَّا يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه، بحيثُ كُلَّما ازداد المتدبر تدبرًا، انكشف له معانٍ لم تكن بادية له بادئ النظر"(1). ويرى عبد اللطيف البريجاوي أن التدبر هو : "محاولة إخراج ما في النص من مختلف الدلالات التي لا تظهر بادي الرأي ، وليس من معنَ التدبر : الإتيان بالغريب من الأقوال التي تعارض ظاهر النصوص ، وإنما هو كشف لمعاني مستك نَّة في النصوص لا تتحصل إلا بالفهم العميق والنظر والتأمل الكثير"(9) . وقال الحسن البصري : "والله، ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتىَّ إنَّ أحدهم ليقول : قرأت القرآن كله، وما يرى له القرآن في خلق ولا عمل "(9). 9 - تفسير النسفي. أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي . دار الكتاب العربي . بيروت . ج 9 .ص18 2 - تدبرالقرآن . سلمان السنيدي. مجلة البيان . الرياض . ط 2 .9921 هـ ـ2112 م . ص 99 1 - تفسير التحرير والتنوير . محمد الطاهر بن عاشور . دار سحنون للنشر والتوزيع . تونس . 9111 م. ج99 .ص202 9 - رؤى في قصار السور. عبد اللطيف البريجاوي . ص 21

عدد الصفحات ١٣

14 بـــ أهمية التدبر : يكاد يجمع أغلب من تطرق إلى هذا المصطلح أن التدبر مقصد عظيم من مقاصد القرآن، وركن متين من أركانه لكونه سبيلاً ناجعاً من سبل التعامل مع كلام الله ، والتفاعل الإيجابي معه ، والتعرض من خلاله لنفحات الرحمن ، واستمطار حسن توفيقه وإرشاده وهدايته ، وحمل النفس على اتباعه، وترجمة تعاليمه إلى سلوك فعلي وهو الهدف الأكبر للرسالات السماوية والمهمة الأسمى للأنبياء والرسل . قال ابن تيمية :"حاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن، والفهم الصائب أساس العمل الصالح، وإذا لم يتحقق حسن الفهم فإنه لا مناص من أمرين : الحيرة والاضطراب وعدم العمل، أو العمل على أساس منحرف أو مختل لا يوصل إلى الغاية المنشودة والنهاية المح مودة. والمراد بالتدبر تفهّم المعاني وتدبر المقاصد ليحصل الاتعاظ ويقع العمل، وهو أمر مهم جعله الله مقصداً أساسياً لنـزول القرآن "(2). من هنا اكتسى التدبر أهميته القصوى في حياة الفرد والمجتمع ، وكان ـ منذ نزول القرآن الكريم ـ علا مة فارقة في حياة الأمة : "ما كان الصدر الأول من سلفنا صالحا بالجبلّة والطبع، فالرعيل الأول منهم ـ وهم الصحابة ـ كانوا في جاهلية جهلاء كبقية العرب ، وإنما أصلحهم القرآن لما استمسكوا بعروته ، واهتدوا بهديه، ووقفوا عند حدوده، وحكّموه في أنفسهم، وجعلوا منه ميزاناً لأهوائهم وميولهم، وأقاموا شعائره المزكّية، وشرائعه العادلة في أنفسهم و فيمن بليهم كما أمر الله أن تقام، فبذلك أصبحوا صالحين مصلحين "(1).فهو تجلّ لأسمى علاقة تربط المسلم بكلام ربه، لأن التدبر ينبع من الاهتمام الكبير الذي يوليه المتدبر لما بين يديه من الآيات الكريمة، يبحث فيها عن منهج الحياة التي ينبغي أن يحياها، ويستنطق الآيات ويُ سائلها عن أمور حياته كلها كيف يريد الله منه أن يسير فيها، ويغوص بفكره عميقاً في ألفاظها ومعانيها لعله يقتبس نوراً من أنوارها إيمانا منه أن هذا الكتاب الكريم قد جمع بين دفتيه خيري الدنيا والآخرة : " ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ النحل: 81 وإيقانا بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو حبلُ الله المتين وهو الذ كرُ الحكيمُ وهو الص راطُ المستقيمُ ، هو الَّذي لا تزيغُ به الأهواءُ ولا تلتب سُ به الألس نةُ ولا يشبمعُ منه العلماءُ ولا يخلمقُ عن كثرة الرَّد ولا تنقضي عجائبُه) (9). هذا الاهتمام الواعي هو الذي ينقل الوحي الإلهي الذي نتلوه من ال سطور ليتحوّل إلى واقع عملي معيش، ويتجسّد في شكل سلوكيات ذات أبعاد حركية توجّه العمل الإنساني وتعطيه صبغته المتميّزة وتنأى به عن الأهواء وتنزهه عن المصالح الضيقة، وهذا هو الهدف الأساس الذي نزل من أجله القرآن الكريم ، حيث تكمن قيمته الحقيقية في قدرته على التغيير وترشيد حركة البشرية في تدافعها وإفساح المجال له ليقودها : " فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبّر 9 - تفسالقرآن العظيم . إسماعيل بن عمر بن كثير . تحقيق : سامي بن محمد السلامة . دار طيبة للنشر والتوزيع . ط 2 .9921 هـ ـ 9111 م. ج 9 .ص91 2 - مجموع الفتاوى . تقي الدين بن تيمية . تحقيق : عبد الرحمن بن مح مد بن قاسم . مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف . المملكة العربية السعودية .9999 هـ ـ9110 م. ج 91 .ص111 1 - آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي . ج 9 .ص 221 9 - رواه ابن كثير في فضائل القرآن . رقم 29

عدد الصفحات ١٤

15 والتفكّر ، فإنه جامع لجميع منازل السائرين ، وأحو ال العالمين، ومقامات العارفين ، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل ، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر ؛ لاشتغلوا بها عن كل ما سواها ...؛لأن قراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب "(9) . وقال الشيخ عبد الرحمن بن السعدي موضّحا أهمية تدبّر القرآن والثمرات اليانعة التي يجنيها المتدبّر له : "يأمر - تعالى - بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه ، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك ؛ فإن تدبُّر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف ، وبه يُستنتمج كلُّ خير وتُستمخرمج منه جميع العلوم، وبه يزد اد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه يعر ف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يُنزَّه عنه من سمات النقص، ويعر ف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعر ف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب . وكلما ازداد العبد تأملاً فيه، ازداد علماً وعملاً وبصيرةً ، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أ نه ( هو ) المقصود بإنزال القرآن »(2) . والعاكف على القرآن المتدبّر في آياته برغبة قوية ونية صادقة لا بدّ أن تمتلئ نفسه نوراً ، وتتفتّح بصيرته على حقائق الوجود ، وتنكشف له أسرار ا لحياة التي كانت خافية عليه ، وتتجلّى له سنن الله التي تحكم الأنفس والآفاق فيحسن تحليل الأحداث ووزنها بالميزان الصحيح ليضعه ا في موقعها الصحيح من هذه السنن، ويقبل على نفسه يبحث فيها عن مواطن الخلل ليصلحها، ويعرض شؤونها على كتاب ربه ليقول كلمته فيها ، و يتحوّل إلى طاقة حيّة، وهذا هو السبيل الوحيد ليستعيد القرآن الكريم حيويته وفعاليته . وقد أشار المفكر الإسلامي محمد إقبال إلى هذا المعنَ إشارة لطيفة حينما تحدث عن النصيحة التي أسداها إليه والده بخصوص تلاوة القرآن فقال له : " اقرأ القرآن كأنما أنزل عليك "؛ لأن قراءته بهذه الطريقة تستحضر القلب وتستدعي تركيز العقل ، وتستشعر النفس أن الخطاب موجّه لها فتستعد وتنتبه لتستجيب لأمر الله ، وهذا هو الهدف الأسمى للتدبر وهنا تكمن أهميته . واعتبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أن تدبّر القرآن هو الذي أحدث هذا الفرق الشاسع بين صدر الأمة الذي كان يقف على قمة المجد ويتربع على سنام الحضارة ، وبين آخر الأمة الذي يعيش المغلوبية الحضارية والاستتباع الأممي ، وفي ذلك يقول : " تدبّر القرآن واتباعه هما فرق ما بين أول الأمة وآخرها وإنه لفرق هائل ، فعدم التدبّر أفقدنا العلم، 9 - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرا دة . ابن القيّم . دار ابن عفان . الخبر . المملكة العربية السعودية . ط9 .9999 هـ. ص 229 2 - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان . عبد الرحمن السعدي . مؤسسة الرسالة للطباعة وا لنشر والتوزيع . بيروت . 2112م. ج 9 .ص981 ـ911

عدد الصفحات ١٥

16 وعدم الاتباع أفقدنا العمل . وإننا لا ننتعش من هذه الكبوة إلا بالرجوع إلى فهم القرآن واتباعه ، ولا نفلح حتى نؤمن ونعمل الصالحات "فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" "(9) . وفي تشديده على أهمية التدبر في حياة المسلم يقول ابن باديس في تفسيره لقوله تعالى : ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ الفرقان : 11 " :قد صوّرت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ينكبّ عليه ، ويتلقاه بالقبول، ثَ لا يتفهّمه و لا يتدبّره بحالة الأصمّ الأعمى في عدم انتفاعه بما انكبّ عليه ، تقبيحاً لعدم الفهم والتدبّر من المؤمن للآيات، وتحذيراً منه، وتنبيهاً على الانتفاع بالقرآن الذي تتفتّح به البصائر، وتتسع به المدارك، وتتهذب به الأخلاق، وتتزكّى به النفوس، وتتقوّى به الأعمال، وتستقيم به الأحوال، إنما يكون بتفهّمه وتدبّره دون مجرد الانكباب عليه بلا تفهّم ولا تدبّر "(2) . واعت الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أن أسلوب التعامل مع القرآن الكريم هو الذي يتحكم في النتائج المترتبة عنه، وأن ما حصل مع الجيل القرآني الأول سيتكرر إذا توفّرت مقدماته الأساسية وهي حسن تدبّره والعمل بمقتضى هذا التدبّر: "وكما أتى القرآن لأول نزوله بالعجائب والمعجزات في إصلاح البشر ، فإنه حقيق بأن يأتي بتلك المعجزات في كل زمان إذا وجد ذلك الط راز العالي من العقول التي فهمته، وذلك النمط ال سامي من الهمم التي نشرته وعممته ، فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تولّته بالفهم عقول كعقول السلف، وتولّته بالتطبيق العلمي نفوس سامية وهمم بعيدة كنفوسهم وهممه م. أما انتشاره بين المسلمين بهذه الصورة من الحفظ المجرد ، وبهذا النمط من الفهم السطحي، وبهذا الأسلوب من التفسير اللفظي، فإنه لا يفيدهم شيئاً ولا يفيد لهم شيئاً ، بل يزيدهم بعداً عن هدايته، ويزيد أعداءهم استخفاف اً بهم، وإمعاناً في التغلب عليهم"(1). 2 ـــ الأبعاد الكبرى للتدبر: كان اختيار ابن باديس لتفسير القرآن وتدبّره ليبني عليه إستراتيجيته لإيقاظ الشعب الجزائري من سباته و بعث بشائر النهضة في أوساطه يستلزم منه إيجاد الطريقة التي تتناسب مع الظرف التار يخي الاستثنائي الذي كان يعيشه ، فلم يكن الوضع يسمح بالتبسط في المسائل اللغوية والفقهية، والدخول في الاختلافات الكثيرة التي شغلت علماء الإسلام طوال قرون عديدة، ولا الوقت الحرج يتيح له بسط المسائل البلاغية بكل تعقيداتها ، ولا المباحث الفلسفية المغرقة في التجريد . و لم يكن يهدف إلى أن يضيف تفسيرا جديدا إلى التفاسير الكثيرة التي تزخر بها المكتبة الإسلامية وإنما كان هدفه الأول والأخير إعادة الشعب الجزائري إلى حظيرة القرآن بعدما أبعدته عنه قرون الجمود العقلي والتعصب المذهبي والتصوف المنحرف ، و حجبه الاستعمار الفرنسي عن الاهتداء بنوره : "وكان يرى ـ حين تصدى لتفسير القرآن ـ أن في تدوين التفسير مشغلة عن العمل المقدم وإضاعة لعمر الضلال ، لذلك آثر البدء بتفسيره درسا تسمعه الجماهير فتتعجّل 9 - آثار الإماممحمد البشير الإبراهيمي . ج 9 .ص121 2 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . ص 181 1 - تفسير ابن باديسفي مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير . تقديم : محمد البشير الإبراهيمي . ص 21

عدد الصفحات ١٦