- 116 - ذكر أقوال بعض المفسرين في الترجيح بين الأقوال ومناقشتها: بالنظر في الأقوال المنقولة نجدها كلها تؤدي لمعنى واحد، وهو أن الجنب هو طاعة الله والتي فيها ثوابه وحقه، والمفسرون نفوا عن الله تعالى المعنى الحقيقي وهو الجارحة بمعنى جزء من الجسم (1) .وقال الرازي في استحالة حمل اللفظ على العضو المعروف :" ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا لله تعالى ، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه ، فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل"(2). ( (1أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج 9ص 383 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 13 ص 275 . الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 18 ص 1. ( (2الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 13 ص 275.
عدد الصفحات ١١٣- 117 - المسألة الثامنة القبضة قول الله تعالى:{ } [الزمر: 17] ورد في هذه الآية لفظ القبضة واليمين مضافين للمولى سبحانه وتعالى، ولم يرو في القبضة عن ابن عباس تفسير لمعناها بل أجراها كما هي بدون تفسير (1) .وكذلك روي عن الصحابة أحاديث في تفسير الآية مع إمرا ر اللفظ بدون تفسير، فعن عبد الله بن عمر أنه رأى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم على المنبر يخطب الناس، فمر بهذه الآية:( وَمَا قَدَر وا اللَّهَ حَقَّ قَدْر ه وَالأرْض جَم يع ا قَبْضَت ه يَوْمَ الْق يَامَة ) فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَ سَلَّم:"يَأْخ ذ السَّمَوَات وَالأرَضَينَ السَّبْعَ فَيَجْعَل هَا في كَفِّه ، ث مَّ يَق ول ب ه ما كمَا يَق ول الغ لام بالك رَة : أنا الله الوَاح د ، أنا الله العَز يز "حتى لقد رأينا المنبر وا نه ليكاد أن يسقط به(2) .وهو فعل التابعين ومن بعدهم من السلف(3).وكذلك فعل بعض المفسرين، ونقلوا آثارا عن الحسن وغيره تفيد إمرار اللفظ كما هو بدون تفسير (4). ( (1الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 21 ص 324 .ينظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 487. السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 156. ( (2متفق عليه. ( (3ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 21 ص 324 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 5 ص 278 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 7 ص 113 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 156. ( (4الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 21 ص 324 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 5 ص 278 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 7 ص 113 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 13 ص 285 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 18 ص 18.
عدد الصفحات ١١٤- 118 - ونقل عن ابن عباس في التفسير المنسوب إليه تفسير اليمين بالقدرة (1). ذكر أقوال بعض المفسرين في الترجيح بين الأقوال ومناقشتها: ما روي عن ابن عباس في القبضة هو التف ويض؛ لعدم النقل فيها، وأما في اليمين فنقل عنه أنه بمعنى القدرة (2).وحمل بعضهم القبضة واليمين على القدرة (3)،ورجح هذا القول الرازي في تفسيره (4).وضع فه الطبري وقال بالتفويض(5). وقال الإمام النووي نقلا عن المازري أن إطلاق اليدين لله تعالى متأول على القدرة ، وكن ى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس( ). قال ابن عطية: اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة ، وما اختلج في الصدر من غير ذلك باطل. وما ذهب إليه القاضي - ابن الطيب- ، من أنها صفات زائدة على صفات الذات ، قول ضعيف( ). ( (1الفيروز آبادي،تنوير المقباس، مرجع سابق، ج 1ص 485. ( (2الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 18 ص 17. الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج6 ص 312. ( (3القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 15 ص 234. ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 487 .الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 3 ص421. أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج 9ص 391 . الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج6 ص 312. ( (4الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 13 ص 286. ( (5الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 21 ص 329. ( (6النووي، يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج6 ص221، ط2 ( 1392هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت. ( (7ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 487.ينظر: أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج9ص 391.
عدد الصفحات ١١٥- 119 - وقال القرطبي في إثبات نفي الجارحة : "ثم نزه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال : {سبحانه وتعالى عما يشركون }"(1). وبالنظر فيما تقدم نجد أن جمهور المفسرين قد أخذوا بمذهب التفويض، وهو عدم الخوض في المعنى، مع تنزيه الله تعالى عن مشابهته للحوادث. ( (1القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 15 ص 243.
عدد الصفحات ١١٦- 111 - المسألة التاسعة اليمين الموضع الأول: قول الله تعالى:{ }[الزمر:17] قد تقدم الكلامعليها عند الحديث عن القبضة في المسألة التي قبلها. الموضع الثاني: قول الله تعالى:{ }[الحاقة: 51] روي عن ابن عباس أن اليمين : هي القوة والقدرة (1)، وبه قال بعض المفسرين (2) .وقد تقدم بيان ذلك. وقيل: إن معنى قوله:( لأخَذْنَ ا م نْه ب الْيَم ين ) : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، أي بيمينه، كما أن قو له تعالى {لقَطعنا منه الوتين} :لقطعنا وتينه، والمراد إهانة العاصي (3). وقيل معناه: لانتقمنا منه باليمين، أي بالحق وذكر اليمين لأنها أشد في البطش(4). وبالنظر في الأقوال نجدها تدل على معنى القدرة والغلبة والقهر – حتى على القول بأنها يمين المخلوق -، وهو ما روي عن ابن عباس . ( (1الفيروز آبادي،تنوير المقباس، مرجع سابق، ج 2 ص 114 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 6 ص 414. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 8 ص 214 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج11ص 363 . السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 381. ( (2الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 23 ص 593 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 6 ص 71 . الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 16 ص 11 .ابن السمين، الدر المصون، مرجع سابق، ج 11 ص 431.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج15ص243.الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج6 ص 312. ( (3الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 23 ص 593 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 6 ص 414. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 8 ص 214 .الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 4 ص619. الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 16 ص 11. أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج11ص 336 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 8 ص 218 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 21 ص 248. الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج6 ص 298. ( (4الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 16 ص 11.ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 8 ص 218. أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج11ص 336.
عدد الصفحات ١١٧- 111 - المسألة العاشر ة النور قال تعالى :{ }[النور: 81] الله نور السماوات والأرض: 1 /روي عن معاوية(1)، عن علي بن أبي طلحة(2)، عن ابن عباس، قوله:( اللَّه ن ور السَّمَاوَات وَالأرْض ) يقول: الله سبحانه هادي أهل السماوات والأرض (3). فالنور بمعنى الهادي لهم، وروي عن أنس بن مالك (4)، وبه قال بعض المفسرين (5). ( (1معاوية بن صالح، سبقت ترجمته. ( (2سبقت ترجمته. ( (3الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 177 .ينظر: الفيروز آبادي، تنوير المقباس، مرجع سابق، ج 1 ص 369 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 45 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 4 ص 446 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 313 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 326 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 57) السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 285.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 435. ( (4الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 177 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 57. ( (5الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 177.
عدد الصفحات ١١٨- 112 - 2 /روي عن ابن عباس في قوله :( اللَّه ن ور السَّمَاوَات وَالأرْض ) : يدبر الأمر فيهما(1).فمعنى النور هنا هو المدبر. ذكر الأقوال الأخرى : 1) قيل: هو الضياء، وروي عن أبي بن كعب (2)، والمعنى الله مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبي اء والعلماء والمؤمنين. وقيل: معناه الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة أي منه الرحمة (3). 2) قيل: المعنى أن الله هو الحق، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه (4). ذكر أقوال بعض المفسرين في الترجيح بين الأقوال ومناقشتها: رجح الطبري حمل النور على الهادي؛ لأنه مما يقتضي ه السياق، فقال:" وا نما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك ؛ لأنه عقيب قوله:( وَلَقَدْ أَنزلْنَا إ لَيْك مْ آيَاتٍ م بَيِّنَاتٍ وَمَثَلا م نَ الَّذ ينَ خَلَوْا م نْ قَبْل ك مْ وَمَوْع ظَة ل لْم تَّق ينَ ) فكان ذلك بأن يكون خبر ا عن موقع يقع تنزيله من ( (1الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص. ينظر: ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 4 ص 446 . الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 326 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 57 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 285.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 435. الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج5 ص 221. ( (2الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 178 .البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 45 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 57 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 285. ( (3ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 45 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 313 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 326 .القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233. ابن السمين، الدر المصون، مرجع سابق، ج 8 ص 435.الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 434. ( (4الزمخشري،الكشاف،مرجع سابق، ج 3 ص245. ابن السمين،الدر المصون، مرجع سابق، ج 8 ص 435.
عدد الصفحات ١١٩- 113 - خلقه. ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه"(1).وكذلك رجحه الرازي (2) .وهوما روي عن ابن عباس، والمعاني المنقولة عنه وعن غيره كلها تدل على أ ن المراد أن الله هو الهادي الخلق للحق، وهو مدبر شؤون حياتهم، ففيها كمال معنى النعمة. مثل نوره : 1 /روى معاوية (3)، عن علي(4)، عن ابن عباس( مَثَل ن ور ه ) مثل هداه – أي القرآن - في قلب المؤمن(5). 2 /روي عن ابن عباس قال : هو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى ( ). ذكر الأقوال الأخرى : 1) قيل: الضمير يعود للمؤمن، وروي عن سعيد بن جبير( ). ( (1الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 178. ( (2الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 326. ( (3معاوية بن صالح، سبقت ترجمته. ( (4علي بن أبي طلحة، سبقت ترجمته. ( (5الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 181 .ينظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 49 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 4 ص 446. أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 313 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 285.الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 436. ( (6الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 181 .ينظر: البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 45 .ابن كثير، تفسير القرآن، مر جع سابق، ج 6 ص 58 .القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 437. ( (7ينظر:الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 178 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 6 ص 45 .ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 4 ص 446 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 57 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 437.
عدد الصفحات ١٢٠- 114 - 2) قيل النور: محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: الهاء التي قوله:( مَثَل ن ور ه ) عائدة على اسم الله(1). ذكر أقوال بعض المفسرين في الترجيح بين الأقوال ومناقشتها: رجح الطبري حمله على القرآن (2)، وكذلك الرازي (3)، وهو قول ابن عباس في الرواية الأولى، وبالنسبة للرواية الثانية وهي حمل النور على الطاعة، والأقوال الأخرى فكلها تدل على أن المراد بالنور هنا هو الحق المطاع سواء كان هو الرسول صل الله عليه وآله وسلم أو القرآن، وأثر اتباع ذلك في قلب المؤمن . يهدي الله لنوره : لم ينقل فيها عن ابن عباس شيء إلا ما روي في التفسير المنسوب إليه من أن النو ر هو المعرفة والدين (4)، وقال المفسرونهو القر آن(5)، وقيل: الهداية( )، وكلها بمعنى. ( (1ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 179 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 4 ص 446 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 313 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 335 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج4 ص 285 .القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 437. ( (2الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 184. ( (3الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 331. ( (4الفيروز آبادي،تنوير المقباس، مرجع سابق، ج 1 ص 369. ( (5ينظر:الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 19 ص 188 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 316 . ( (6ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 6 ص 61.
عدد الصفحات ١٢١- 115 - والنور هو الضوء المشاهد بالعين، وهو محال بهذا المعنى على الله تعالى(1) .وقد رد الرازي على من أجاز ذلك من المجسمة المشبهة فقال : يحتج على فساد قولهم بوجهين : الأول : قوله : { } [الشورى : 11 ]ولو كان نورا لبطل ذلك لأن الأنوار كلها مخلوقة، الثاني: أن قوله تعالى : {مَثَل ن ور ه}صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه. وكذا قوله: {يَهْد ي الله ل ن ور ه مَن يَشَاء }فيه دلالة واضحة على مغايرة الهادي – وهو الله - لما يدعو إليه – وهو الدين الحق -، الثالث : قوله سبحانه وتعالى : {وَجَعَلَ الظلمات والنور } [الأنعام: 1 ]وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورا (2) . وما قالهالرازي يوضح صحة ما نقل عن ابن عباس وما أخذ به جمهور المفسرين من حمل النور على الهداية والطاعة والحق ونحو ذلك، وعدم إمكان حمله على ظاهره . ( (1ينظر:ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 5 ص 76. أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج8ص 313 . القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 13 ص 433. الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، ج5ص 221. ( (2الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 11 ص 325- 326 .ينظر: القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 12 ص 233.
عدد الصفحات ١٢٢- 116 - القسم الثاني صفات الأفعال وفيه سبع مسائل: المسألة الأولى:الستهزاء المسألة الثانية:القرب المسألة الثالثة:المعية المسألة الرابع ة: الخداع المسألة الخامسة: الستواء المسألة السادسة: اللقاء المسألة السابعة: المجيء والإتيان
عدد الصفحات ١٢٣- 117 - المسألة الأولى الستهزاء قال تعالى: { }[البقرة : 1] 1 /روى أبو ك ريب(1) قال: حدثنا عثمان بن سعيد(2)، قال: حدثنا بشر بن ع مارة(3)، عن أبي رَوْق(4)، عن الضحاك(5)، عن ابن عباس، في قوله:"الله يَسْتَهْز ئ ب ه مْ "، قال: يسخر بهم للنقمة منهم( ). وفي سند الرواية ضعف، فالضحاك لم يسمع من ابن عباس، وفيها بشر بن عمارة وهو ضعيف. 1) )محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني، ثقة حافظ، روى عن: إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، وعثمان بن سعيد الزيات،وخلق كثير.وروى عنه: الجماعة، و عبدالله بن أحمد ابن حنبل، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. الصفدي، الوافي بالوفيات، مرجع سابق، ج1 ص 484 .ابن حجر العسقلاني،تقريب التهذيب ، مرجع سابق، ج1 ص 511. 2) )عثمان بن سعيد، يقال: ابن عمار الازدي، روى عن: بشر بن عمارة الخثعمي، وعبيد الله بن عمرو الرقي ،وعلي بن غراب الفزاري . وروى عنه : البخاري، وأبو كريب محمد بن العلاء الهمداني .قال أبو حاتم : لا بأس به . ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب ، مرجع سابق، ج1 ص 383.المزي، تهذيب الكمال، مرجع سابق، ج19 ص379. 3) )بشر بن عمارة الخثعمي المكتب الكوفي.روى عن: أبي روق عطية بن الحارث الهمداني .وروى عنه: أحمد بن موسى، وعثمان بن سعيد الزيات وخلق كثير.قال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث.وقال البخاري: تعرف وتنكر.وقال النسائي: ضعيف. المزي، تهذيب الكمال، مرجع سابق، ج4 ص 137. 4) )عطية ابن الحارث أبو روق- بفتح الراء وسكون الواو بعدها قاف - الهمداني الكوفي صاحب التفسير.روى عن: الضحاك بن مزاحم ، وعامر الشعبي، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن جحادة، وأبي إسحاق الشيباني. وروى عنه: بشر بن عمارة الخثعمي ، وسفيان الثوري ، صدوق. ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب ، مرجع سابق، ج2 ص 393.المزي، تهذيب الكمال، مرجع سابق، ج11 ص144 . 5) )الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم ويقال أبو محمد الخراساني.روى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن أرقم وأنس ابن مالك، وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة.وعنه أبو روق عطية ابن الحارث الهمداني ، ونهشل بن سعيد وأبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي ومقاتل ابن حيان النبطي وجماعة. ثقة، مأمون. وقال أبو أحمد بن عدي : عرف بالتفسير، فأما رواياته عن ابن عباس، وأبي هريرة، وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر. مات سنة ست ومئة. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، مرجع سابق، ج4 ص 397. المزي، تهذيب الكمال، مرجع سابق، ج13 ص 293. ((6 الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 314 .السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج1 ص 36 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 183-184.
عدد الصفحات ١٢٤- 118 - 2 /روي عن ابن عباس : أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه فيغلق ، ثم يفتح لهم باب آخر، فيسرعون فيغلق ، فيضحك منهم المؤمنون (1). ورواه البيهقي بلفظ مقارب (2). ذكرالأقوال الأخرى (8): 1) أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النَّار لهم كما تجمد الإ هالة في القدر، فيمشون فتنخسف بهم (4). 2) أن الاستهزاء بهم : إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب ، فيبقون في الظلمة (5). 3) أن المراد به : يجازيهم على استهزائهم ( )، فقوبل اللفظ بمثله لفظا وا ن خالفه معنى، كما قال جل ثناؤه:( ) [سورة الشورى : 43 ]، ومعلومٌ أن ((1 ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 23. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 1 ص 68. الفيروز آبادي، تنوير المقباس، مرجع سابق، ج 1 ص 3. الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341. السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج1 ص 36.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج 1 ص 253. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1ص 168. ((2 ولفظهأخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبور ، أَخْبَرَنَا الحسين بن محمد بن هارون ، أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد بن نصر ، حَدَّثَنَا يوسف بن بلال ، حَدَّثَنَا محمد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس: يقول الله تعالى : {الله يستهزئ بهم}في الآخرة يفتح لهم باب في جهنم من الجنة ، ثم يقال لهم: تعالوا ، فيقبلون يسحبون في النار ، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم ، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم فيضحك المؤمنون منهم ، فذلك قول الله عز وجل : {الله يستهزئ بهم}في الآخرة ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب فذلك قوله : {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون}على السرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار} .البيهقي،الأسماء والصفات، مرجع سابق، ج2 ص 437. ((3ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 23. ((4 ابن عطية، المحرر الوجيز،مرجع سابق،ج 1 ص 32.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 253. ((5الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 311. ((6 الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341. الزمخشري، الكشاف، مرجع سابق، ج 1 ص 115 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 168.
عدد الصفحات ١٢٥- 119 - الأولى من صاحبها سيئة، إذْ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عَدلٌ فالجزاء لا يكون سيئة ، لأنها من الله جزاءٌ .وقال تعالى: { }[البقرة :1 4]،والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق وجب (1). 4) استهزاؤ ه: استدراجه إياهم بدرور النعم الدنيوية عليهم، ومنها إجراء أحكام المسلمين عليهم ظاهرا ، ويستر عنهم من عذاب الآخرة فيظنون أنه راض عنهم ، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء وم كر وخداع (2) . 5) أنه إيقاع استهزائهم بهم ، ورد خداعهم ومكرهم عليهم(3) . ) استهزاؤه بهم، توبيخ ه إياهم وتخطئتهم، ولومه لهم على ما رك بوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال:"إن فلان ا لي هْزَأ منه منذ اليوم، وي سخر منه"، ي راد به توبيخ الناس إياه ولومهم له، أو إهلاكه إياهم وتدمير ه بهم(4). ذكر أقوال بعض المفسرين في الترجيح بين الأقوال ومناقشتها: ((1 ينظر:الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 312. ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 32. ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 1 ص 183 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341 .القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 253. ((2ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 313 .الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 1 ص115 . القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 253 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 32 . الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341 .قال الرازي:" وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا". ((3ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 312. ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 1 ص 183 . الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341 .الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 1 ص115 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 168. ((4الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 311.
عدد الصفحات ١٢٦- 121 - ذكرالمفسرون أوجها كثيرة للاستهزاء، وبعد نقلها رجحوا ما يرونه، فقال الطبري: " والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب : إظهار المستهز ئ للمستهزَا به من القول والفعل ما ي رضيه ظاهر ا، وهو بذلك من ق يله وف عْله به م ور ثه مَساءة باطن ا"(1). وقال القرطبي : "يجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم ا لذنب هذا قول الجمهور من العلماء"(2). وبعض المفسرين الذين لم يرجحوا أحد الأقوال، بدأوا بنفي المعن ى الظاهر للاستهزاء، فقال الزمخشري :" لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح ، والسخرية من باب العيب والجهل..."(3) .وكذلك الرازي (4)،وقال الألوسي أن نفي المعنى الظاهر مذهب أكثر العلماء(5). والإمام الطبري بعد ذكره للأقوال أنكر حمل اللفظ على غير الظاهر، و قال أن رواية ابن عباس تؤيد حمل الآية على ظاهرها ، وقال: أن من أنكر ذلك فقد أنكر ما أثبته الله لنفسه في القرآن، وقاس الاستهزاء عل ى الخسف بجامع العقوبة في كل، ونفى أن يكون الاستهزاء معناه العبث واللهو ، وحمله على ما يحصل لهم في الآخرة كما ورد في رواية ابن عباس( ). ((1المرجع السابق،ج1 ص 314. ((2 القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 253. ( (3الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 1 ص115. ((4 الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 1 ص 341 . ((5الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 168. ((6الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 314.
عدد الصفحات ١٢٧- 121 - وقال الألوسي أن أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل حملوا الاستهزاء منه تعالى على حقيقته، وقالوا : إنه التحقير على وجه من شأنه أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك، ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد (1). وجميع المعانيالمنقولة عن العلماء تتفق في المعنى من أن الاستهزاء هو عقوبة من الله للمنافقين، ولكن باختلاف العبارات . وموضع الخلاف بين الطبري وغيره أن الطبري اعتبر حمل الاستهزاء على تعذيب المنافقين بعد أن رأوا مساواتهم في الأحكام الدنيوية مع المسلمين هو ظاهر اللفظ، واعتبر ه غيره حمل للفظ على غير الظاهر. وقال الآخرون أن الاستهزاء في ظاهر اللغة يقتضي الجهل والعبث واللعب، فنفوا ذلك عن المولى – كما نفاه الطبري – وأثبتوا الآية وحملوها على الغاية من اللفظ(2). فيتضح جليا من كل ذلك أن الخلاف بينهما لفظي، فالكل متفق على أن المعني المتبادر من الاستهزاء الصادر من المخلوقين لا يليق بحق المولى سبحانه وتعالى . وأنه يحمل على معنى آخر غير ذلك، وبذلك يكون جمهور المفسرين قد أخذوا بما روي عن ابن عباس. ((1الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 168. ((2 الزمخشري،الكشاف، مرجع سابق، ج 1 ص115.
عدد الصفحات ١٢٨