المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رأي ابن عباس في تأويل النصوص المتشابهة في القرآن الكريم دراسة تحليلية وصفية

سالم أبو بكر الهدار

صفحة ٤ من ١٤

- 42 - 3- ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن: وهو ما يفهم بلسان العرب . وذلك: إقامة إعرابه، ومعرفة المسمَّيات بأسمائها اللازمة غير المشترَك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم. 4- ما يعلمه كل أحد ولا يعذر أحد بجهالته، وهو ما ورد من أحكام الحلال والحرام . وبعد ذكر هذه الأوجه قال الألوسي:" وا ذا عرفت هذا ظهر لك جواز الأمرين: الوقف على {إ لاَّ ا}، والوقف على{الراسخون } .وقال بعض أئمة التحقيق: الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على {إ لاَّ ا}، وا ن أريد ما لا يتضح- بحيث يتناول المجمل ونحوه- فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى"(1). وعلى القول بجواز التأويل في كثير من المواضع، فلماذا أحجم بعض السلف عن ذلك؟ أجاب الطبري عن ذلك فقال :" وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين بإحجامه عن التأو يل، فإن ف علَ من فعل ذلك منهم كفعل من أحجم منهم عن الف تيا في النَّوازل والحوادث، مع إقراره بأن الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة ح كم ا موجود ا بنصٍّ أو دلالة . فلم يكن إحجام ه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظه ر عباده، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه؛ فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف، إنما كان إحجامه عنه ح ذار ا أن 1) )الألوسي،روح المعاني،مرجع سابق،ج2ص425.ينظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 382.

عدد الصفحات ٤٩

- 43 - لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم "(1). وقال الطبري أن التفسير لا يكون بالرأي إذا اتبع المفسر الطريقة الصحيحة لكل وجه فقال:" أحقُّ المفسرين بإصابة الحق أوضح هم ح جة فيما تأو ل وفسَّر، مما ك ان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه: إمَّا من جهة النقل المستفيض، فيما و ج د فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وا مَّا من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النَّقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته؛ وأصحُّهم برهان ا ممَا كان م درك ا علم ه من جهة اللسان: إم ا بالشواهد من أشعارهم السائرة، وا م ا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائن ا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارج ا تأويل ه وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة"(2). وعلى هذا حمل المفسرون ذم التفسير بالرأي بأنه التفسير بدون علم، ومن اتبع العلم فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه، بل هو متبع لطريقة من طرق التفسير (3). ورد القرطبي قو ل من قال إن التفسير لا يكون إلا بالنقل فقال:" قال بعض العلماء: أن التفسير موقوف على السماع لقوله تعالى: {        } [النساء:5 ] وهذا فاسد ن النهي عن تفسير القرآن لا يخلو : إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط أو المراد به أمرا آخر، وباطل أن يكون 1) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 89 .ينظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 382.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 66. 2) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 93 .ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 1 ص 4. 3) )ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 382.القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 66 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1ص 5.

عدد الصفحات ٥٠

- 44 - المراد به أ يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه ، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد قرأوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله عليه و سلم ؛ فإن النبي صلى الله عليه و سلم دعا لابن عباس وقال: اللهم فقهه في الدين وعلِّ مه التأويل؛ فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك ! وهذا بي ن لا إشكال فيه"(1). وحمل القرطبي النهي في الحديث على أوجه: 1- أن يكون له في الشيء رأي واليه ميل من طبعه وهواه ؛ فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه (2). 2- أن يسارع الى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه (3). 3- الخوض في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا ا(4). 4- الجزم بأن مراد الله تعالى " كذا " على القطع من غير دليل(5). آيات الصفات وعلاقتها بالآيات المتشابهات: يرى بعض العلماء أن المتشابه المراد به هو آيات الصفات ( )، وبالنظر في هذا القول نجد أن معظم تعريفات المتشابه تنطبق عليه بوجه ما، كما قال أبو حيان :" وأرباب المذاهب 1) )القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 66.ينظر: الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 2) )القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 66. 3) )المرجع السابق. 4) )الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 6. 5) )الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 6. 6) )ينظر:أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 143 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 428.

عدد الصفحات ٥١

- 45 - مختلفون في المحكم والمتشابه، فما وافق المذهب فهو عندهم محكم، وما خالف فهو متشابه. فقوله: {      }[الكهف:44] عند المعتزلة محكم {       }[الإنسان:33] متشابه. وغيرهم بالعكس "(1) .وهذا ينطبق على آيات الصفات. ترجيح التفويض عند المفسرين: بعد استعراض أقوال المفسرين في معنى المتشابه ، والخلاف في معرفة العلماء لمعنى المتشابه رج ح المفسرون التفويض في معنى المتشابه لله سبحانه وتعالى؛ لأن صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منف صل، وا ذا تعددت المعاني المحتملة؛ فليس الحمل على أحدهما أولى من العكس؛ لأن ذلك يكون ترجيح مجاز على مجاز ، وتأويل على تأويل بدون مرجح (2). قالالقرطبي حاصل كلام العلماء في المشكلات ثلاثة أقوال: 1- نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وذهب إليه كثير من الأئمة، كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : {     }[طه: 5] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء ! أخرجوه . 1) )أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 145.ينظر: الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 4 ص 111 . ابن عادل، عمر بن علي، اللباب، ج5ص28،(بدون)، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان. 2) )أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 145.

عدد الصفحات ٥٢

- 46 - 2- قال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة ، وهذا قول المشبهة. 3- قال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها (1). 1) )القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق،ج1 ص 291.

عدد الصفحات ٥٣

- 47 - المبحث الثالث أقوال الفرق الإسلامية بعد ما تقرر أن آيات الصفات من المتشابهات ، وهي الآيات التي يوهم ظاهرها النقص في حق المولى سبحانه وتعالى ، فقد اختلفت الفرق الإسلامية في الخوض فيها، وحاصل آراء الفرق في ذلك ينقسم إلى رأيين : الرأي الأول :التفويض: وهو عدم صرف اللفظ لمعنى آخر غير الظاهر . الرأي الثاني : التأويل: صرف اللفظ عن المعنى الظاهر لمعنى آخر محتمل . وتعريف التفويض بما سبق لأن الناظر في أقوال الفرق يجد أنهم قد اختلفوا في معنى عدم الخوض، ولذا أنكر بعض من قال بالتفويض على بعض آخر يد عي القول بالتفويض، كما سيتضح أن من قال بالتأويل قد ذم نوعا من التأويل،فكلا الرأيين ينقسمان في الحقيقة لمحمود ومذموم. وحيث إن هذه المسألة من عويصات علم التفسير وعلم العقيدة، فلن نخوض في استدلالات كل فريق وجوابه عنها، بل نكتفي بذكر الآراء مع أدلتها . الرأي الأول : التفويض: وهو عدم صرف اللفظ لمعنى آخر غير الظاهر .وهم في ذلك منقسمون لقسمين: القسم الأول: ل يخوض في معنى اللفظ على الإطلاق، ويفوض المراد من اللفظ لله تعالى، ولا يحمل اللفظ على حقيقته، بل يقول : تفسيره تلاوته . أي أنهم يَ ك لون المعنى جملة وتفصيلا لله تعالى فلا يحملون اللفظ على ظاهره ولا يؤولونه، فيقولون الله مستو على عرشه

عدد الصفحات ٥٤

- 48 - استواء لا نعلم معناه، وهذا مذهب المتقدمين من العلماء(1)، وقد تقدم ذكرهم في الحديث عن الخوض في معنى المتشابهات. وهؤلاء مع تفويضهم المعنى ينفون حمل اللفظ على المع نى الذي يدل على المشابهة والتجسيم، ويحذ رون من اعتقاده، قال في العقيدة الطحاوية: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه (2). القسم الثاني: ل يحملون اللفظ على معنى غير ظاهر، ولكن يثبتون اللفظ بالمعنى الحقيقي، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى، ويقولون لله يد حقيقية لا كيد المخلوقين ، والله مستو على عرشه استواء حقيقيا ولا نعلم كيفيته، وهكذا في بقية آيات الصفات. وهؤلاء وقع في كلامهم لبس، حيث نقل عن بعضهم تفسير الاستواء بالجلوس وهو المعنى الظاهر للاستواء، فكأنه أثبت الجلوس ونفى علمه بالكيفية فقط، وأل ف ال علماء توضيحا لمعنى التفويض، وأن القسم الثاني هو خوض في المعنى، وأن إثبات الكيف مع نفي العلم به لا يعد تفويضا ، وليس هو مذهب السلف الصالح(3). فالسلف رضوان الله عليهم ينفون علمهم بمعنى اللفظ جملة وتفصيلا ، والمشبهة يثبتون علمهم بالمعنى وأن المراد منه المعن ى الظاهر ويثبتون أن له كيفا ولكنهم يجهلونه. 1) )ينظر:الميداني ، عبد الغني الغنيمي ، شرح العقيدة الطحاوية، ص73 تحقيق: عبد السلام بن عبد الهادي شنار، ط1 ( 1425هـ- 2115م)، دار البيروتي – لبنان. الكرمي، مرعي بن يوسف، أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والمحكمات والمتشابهات، ص111، ط1(1416هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، تحقيق:شعيب أرناؤؤط 2) )ينظر: الميداني، شرح العقيدة الطحاوية، مرجع سابق، ص73 .التميمي، محمد بن خليفة، مواقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات، ص17، ط1(1422هـ-2112)، دار أضواء السلف، الرياض، السعودية. 3) )الغزالي ، أبو حامد محمد بن محمد، إلجام العوام عن علمالكلام، ص87-95 ، ط(1416هـ- 1985م)، 1، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان.

عدد الصفحات ٥٥

- 49 - فمثلا في الاستواء: السلف يقولون الله مستو على عرشه استواء لا نعرفه والله منزه عن الصفات الحادثة، أما المشبهة يقولون الله مستو على عرشه استواء حقيقيا ، لا نعلم كيف هذا الاستواء. فنجد أن كلا القسمين قد توقفا في أمر، ولكن السلف فو ضوا علم المعنى والمشبهة فو ضوا علم الكيفية. قال ابن خلدون:" ذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود، بالتنزيه المطلق، الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة، وهي سلوب كلها وصريحة في بابها، فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها . ثم وردت في القرآن آي آخرى قليلة توهم التشبيه، مرة في الذات وأخرى في الصفات . فأما السلف فغل بوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه ، وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمع ناها، ببحث ولا تأويل ، وهذا معنى قول الكثير منهم : اقرأوها كما ج اءت، أي آمنوا بأنها من عند الله ، ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها، لجواز أن يكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له . وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه: ففريق شبهوا في ا لذات باعتقاد اليد والقدم والوجه، عملا بظواهر وردت بذلك، فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق ؛ لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار. وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق - التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة - أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية، وجمع بين الدليلين بتأويلها . ثم يفر ون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام . وليس ذلك بدافع عنهم؛ لأنه قول متناقض، وجمع بين نفي وا ثبات"(1) . 1) )ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، ص 268،ط4، دار إحياء التراث العربي، بيروت– لبنان.

عدد الصفحات ٥٦

- 51 - وبسبب هذا اللبس لجأت بعض الفرق للتأويل مع ترجيحهم للتفويض الذي قال به السلف. و من أهم أدلتهم هو استدلالهم بقوله تعالى: {     }والوقف على لفظ الجلالة كما تقدم، وبما ورد من النهي عن الحديث بالرأي، وبما ورد من النهي عن الظن، والتأويل من الظن، وقد تقدم تفصيل ذلك، و استدلوا بعدم ورود التأويل عن السلف(1). الرأي الثاني : التأويل: صرف ال لفظ عن المعنى الظاهر لمعنى آخر محتمل، وهم ينقسمون لقسمين، وهما: القسم الأول: من حمل اللفظ على معنى يقرب من سياق الآية، ولم يذهب لمعنى بعيد لا يعرف في اللغة، وهو ما سار عليه متأخرو الأشاعرة . وهؤلاء خاضوا في الآيات المتشابهة في الصفات، وحملوها على معاني تعرف في اللغة العربية ولكنها ليست هي المتبادرة للذهن (2). واستدلوا على ذلك بقراءة الوقف على لفظ : " والراسخون في العلم "، وبقول ابن عباس المتقدم ذكره، وبالحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله عز و جل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟! أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك 1) )الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام، مرجع سابق، ص65 .ينظر: العصري، سيف بن علي ، (2111م)، كتاب القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام، (ط2)، دار الفتح، عمان– الأردن. 2) )الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج2 ،ص 428.

عدد الصفحات ٥٧

- 51 - وأنت رب العالمين ؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي"(1) .فقالوا هذا الحديث صريح في وجوب تأويل المتشابه في حق المولى سبحانه وتعالى. وبما روي من تأويلات عن السلف الصالح والذي نقله العلماء عنهم في كتب التفسير كتفسير الطبري وابن كثير والسيوطي، وألفت في ذلك كتب (2). القسم الثاني: من حمل اللفظ على معنى بعيد لا يدل عليه السياق، ومنهم الباطنية، والذين عطلوا الأخذ بما هو ظاهر ولا اشتباه فيه وخاضو ا في معناه بما لا تعرفه العرب، مثاله: من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة و عقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادة المطيعين وشقاوة المذنبين، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله وليس فيه وجوب الصلاة المأمور بها ، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية . وقد ذم أصحاب القسم الأول من يقول بتأويلات الباطنية، قال الرازي في معرض رده على الزمخشري عندما أراد أن يجعل صرف اللفظ عن ظاهره هو الأو لى دائما :" ولما ذكر هذه الوجوه- في معنى القبضة- عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدا ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك ظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وا خراج له عن أن يكون حجة في شيء، وا ن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه 1) )رواه مسلم في صحيحه، باب فضل عيادة المريض،(الحديث رقم 2569.) (2 )ينظر: الراعي، محمد توفيق،(1427هـ-21116م)، أقوال العلماء الأثبات في آيات وأحاديث الصفات، (ط2)، دار بدر، المنصورة - مصر. حمد السنان، فوزي العنجري، ( بدون)، أهل السنة الأشاعرة ( شهادة العلماء وأدلتهم)، (ط1)، دار الضياء، بيروت لبنان.

عدد الصفحات ٥٨

- 52 - لايجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل ، فهذ ه هي الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع في التأويلات العسرة والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق المو حدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طر يقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلا ، والله أعلم" (1.) وبعد النظر في قسمي كل رأي يتضح أن القسم الرابع رده جمهور العلماء، وحصل الخلاف في جواز الخوض في التأويل بين أصحاب الرأي الأول وبين القسم الأول من الرأي الثاني. ويتضح أيضا أن علماء أهل السنة والجماعة – من قال بالتفويض الصحيح أو التأويل- قد اتفقوا على تنزيه الله عن مشابهته لخلقه، وخلاصة مذهبهم في آيات الصفات بكلمات ثلاث ذكرها الشيخ الشنقيطي فقال : "الكلمات الثلاث: 1- أن تنزهوا ربكم عن مشابهة صفات الخلق. 2- أن تؤمنوا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا مبنيا على أساس التنزيه على نحو: {لَيْسَ كَم ثْل ه شَيْءٌ وَه وَ السَّم يع الْبَص ير }. 3- أنتقطعوا الطمع في إدراك الكيفية لأن الله يقول: {وَ ي ح يط ونَ ب ه ع لْما }"(2). 1) )الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج13،ص 285. 2) )ينظر: الشنقيطي، محمد الأمين الجنكي، الأسماء والصفات نقلاً وعقلاً، ص 46، ط 4(1414هـ)، دار السلفية، الكويت، تحقيق: عطية محمد سالم.

عدد الصفحات ٥٩

- 53 - وهذا هو المتفق عليه بين العلماء، وحصل الخلاف في الخوض في معنى آيات الصفات؛ ولأن مدار أدلة كل فريق منهم على ال نقل عن السلف من الصحابة والتابعين، ولورود آثار متعارضة في ظاهرها عن ابن عباس، استدعى البحث والدراسة عن أقوال ابن عباس في آيات الصفات وموقفه منها ، وتم تقسيم الصفات إلى صفات خبرية، وصفات أفعال.

عدد الصفحات ٦٠

- 54 - الفصلالرابع روايات ابن عباس في تفسير آيات الصفات وفيه قسمان: القسم الأول: الصفات الخبرية القسم الثاني: صفات الأفعال

عدد الصفحات ٦١

- 55 - القسم الأول الصفات الخبرية وفيه عشر مسائل: المسألة الأولى:الوجه المسألة الثانية:النفس المسألة الثالثة:اليد المسألة الرابعة : العين المسألة الخامسة: الساق المسألة السادسة: الروح المسألة السابعة: الجنب المسألة الثامنة: القبضة المسألة التاسعة: اليمين المسألة العاشرة : النور

عدد الصفحات ٦٢

- 56 - المسألة اولى الوجه ذكر لفظ الوجه مضافا للفظ الجلالة في عدة مواضع وهي: الموضع الأول: قال تعالى:{                }[البقرة : 1.] 1 /روى ابن أبي حاتم (1) في تفسيره قال : حَدَّثَنَا أَب و سَع يدٍ الأَشَجُّ (2)، ثنا عَبْدَة بْن س لَيْمَانَ الْك لاب يُّ (3)، عَنْ نَضْر بْن الْعَرَب ي (4)، عَنْ ع كْر مَةَ (5)، عَن ابْن عَبَّاسٍ : " فَأَيْ نَمَا ت وَ لُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه "، ق بْلَة اللَّه "( ). (1)أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم محمد بن إدريس ، ثِقَةٌ حَافِظٌ.سمع من أبيه وأبى زرعة وأبي سعيد الأشج وخلق كثير. روى عنه أبو الشيخ بن حيان ويوسف الميانجي وخلق كثير. كان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال.مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، طبقات المفسرين ،ج2ص 52، ط1(1396هـ)، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر. ابن العماد، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج2 ص 318، دار ابن كثير، دمشق، سوريا، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، محمود الأرناؤوط. (2)أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي. محدث الكوفة وحافظها. صدوق. حدث عن عبدة بن سليمان وعقبة بن خالد وخلق كثير.وعنه أبو زرعة وأبو حاتم وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق كثير. توفي سنة سبع وخمسين ومائتين .الزركلي،خير الدين بن محمود، الأعلام،ج 4ص91 ،ط15(2112م)، دار العلم للملايين، بيروت لبنان. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ج12 ص 183. (3)أبو محمد الكلابي الكوفي واسمه عبدة بن سليمان بن حاجب بن زرارة. ثقة،.حدث عن عاصم الاحول وهشام بن عروة والنضر بن عربي وخلق كثير.وعنه أحمد وابو كريب وأبو سعيد الأشج وآخرون.مات سنة ثمانين ومائة، وقيل غير ذلك. الصفدي، الوافي بالوفيات، مرجع سابق،ج 6 ص 311. الذهبي،تذكرة الحفاظ ، مرجع سابق، ج 1 ص 277. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ج8 ص 512. (4)النضر بن عربي الباهلي وقيل العامري، مولاهم، أبو روح، وثقه كثير. وروى عن: عطاء بن ابي رباح، وعكرمة ، ومجاهد بن جبر المكي ونافع.روى عنه: سفيان الثوري، وعبدة بن سليمان الكلابي وخلق كثير ،مات سنة ثمان وستين ومائة. المزي، تهذيب الكمال، مرجع سابق، ج13 ص396. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، مرجع سابق، ج11 ص 395 .الذهبي، سير أعلام النبلاء،مرجع سابق، ج7 ص 415. (5) سبقت ترجمته في الفصل الأول المبحث الثاني. ((6 ابن أبي حاتم ، تفسير القرآن،ج 1ص311،( بدون)، المكتبة العصرية، صيدا - لبنان . ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 1 ص 391. السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج1 ص 218. الفيروز آبادي، محمد بن بعقوب، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ج 1، ص 18،ط1(1412هـ-1992م)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 115.

عدد الصفحات ٦٣

- 57 - وهذه الرواية ليس فيها ضعف، بل كل رواتها من الثقات، وفي رواية عكرمة عن ابن عباس كلام طويل بين العلماء، وحاصل كلام ابن حجر اعتماد روايته فقال: "ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر و لا تثبت عنه بدعة" (1) . وقد روي هذا القول عن مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وزيد بن أسلم (2). 2 /روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أن كلمة الوجه هنا صلة، والمعنى فثم الله: أي علمه وحكمه (3) . ونقل هذا القول عن الكلبي(4). ذكر الأقوال الأخرى : نقل بعض العلماء في معنى الوجه أقوالا أخرى وهي: 1) وجه ا : أي إليه القصد والنية، والمعنى العمل لله ، قاله الفراء (5) ، قال الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل ( ) ((1 ابن حجر العسقلاني،تقريب التهذيب ، مرجع سابق، ج2 ص 397. ((2الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 2 ص 529. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 1 ص 139 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 142 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج1 ص 471 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 1 ص 391 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 478. ((3أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج1 ص 471. ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 115. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 1 ص 139. ((4البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 1 ص 139. ((5 أبو حيان،البحر المحيط، مرجع سابق، ج1ص471.القرطبي،الجامع لأحكام القرآن،مرجع سابق،ج2ص 77. ((6 البيت من الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه ولا يعرف قائلها. وهو شاهد عند النحاة على أن أصله "أستغفر الله من ذنب" ثم أسقط الجار، فاتصل المجرور بالفعل، فنصب مفعولا به.

عدد الصفحات ٦٤