المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رأي ابن عباس في تأويل النصوص المتشابهة في القرآن الكريم دراسة تحليلية وصفية

سالم أبو بكر الهدار

صفحة ٣ من ١٤

- 26 - وعن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس:أنه قال لعلي لما قال: سر، فقد وليتك الشام، فقال: ما هذا برأي، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنِّ ه، وَ ع ده.قال: لا كان هذا أبدا .وعن عكرمة : سمعت عبد الله يقول:قلت لعلي: لا تحك م أبا موسى، فإن معه ر جلا حذرا ، مرسا ، قارحا من الرجال، فلز ني إلى جنبه، فإنه لا يحل عقدة إلا عقدتها، ولا يعقد عقدة إلا حللتها.قال: يا ابن عباس! فما أصنع؟ إنما أوتى من أصحابي، قد ضعفت نيتهم وكل وا، هذا الأشعث يقول: لا يكون فيها مضريان أبدا ؛ فعذرت عليا "(1). وبعد وفاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه اعتزل عبد الله ب ن عباس أمور الولاية والحكم واشتغل بتعليم الناس وتفقيههم(2). (1)الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ج3 ص 351. (2)ينظر:الصفدي، الوافي بالوفيات، مرجع سابق، ج5 ص414. ابن الاثير، أسد الغابة، مرجع سابق، ج2ص131.

عدد الصفحات ٣٣

- 27 - المبحث الثالث موقف ابن عباس من الفرق في تلك الفترة ظهرت الفرق فمنها الخوارج والشيعة ( الروافض) والقدرية وغيرها، وكان لعبد الله بن عباس مع هذه الفرق مواقف تو ضح مجانبته لها، ونكيره عليها . أولا : الخوارج : هم فرقة خرجوا على علي بن أبي طالب عندما رضي بالتحكيم، وقالوا بكفره ووجوب قتله إن لم يتب، وكذلك الحكم في المحكمين وكل من رضي بالتحكيم وأصحاب الجمل، وقد انقسموا إلى عشرين فرقة، كلهم يقولون بكفر مرتكب الكبيرة وأنه خالد مخلد في النار -إلا فرقة النجدات -، ووجوب الخروج على الإمام الجائر (1). ومن أئمتهم نافع بن الأزرق ، والذي قال بكفر من لم يهاجر إليه، وأتباعه الأزارقة تقول أن كل كبيرة كفر ، وأن دار مخالفيهم دار كفر، ويرون جواز قتل الأطفال(2). وقد أرسل علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه - ابن عباس رضي الله عنه إلى الخوارج ، وقام ابن عباس بإقامة الحجة عليهم وا بطال مذهبهم (3). ثانياا: الشيعة الروافض: هم الذين شيعوا عليا -رضوان الله علي ه- ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان ابن عباس ممن ينكر عليهم في مغالاتهم، وذكر الإمام الأشعري أن الشيعة ينقسمون لثلاث طوائف، وهم : (1)أبو الحسنالأشعري، علي بن إسماعيل، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1 ص22، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان. ينظر:البغدادي، الفرق بين الفرق، مرجع سابق،ص35. (2)الأشعري، مقالات الإسلاميين، مرجع سابق، ص 22 . (3)أبو نعيم، حلية الأولياء، مرجع سابق، ج1 ص169 .

عدد الصفحات ٣٤

- 28 - الطائفة الأولى: الشيعة الغلاة: وهم الذين غالوا في محبة علي بن أبي طالب حتى قالوا بألوهيته أو نبوته، ومن أئمتهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، و يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن روح الله كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت فيه، وزعم أنه رب وأنه نبي فعبده شيعته . ومن أئمتهم عبد الله بن سبأ الذي يقول أن عليا بن أبي طالب لم يمت وسيعود آخر الزمان(1). الطائفة الثانية: الرافضة : سم وا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر ، وهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على استخلاف علي بن أبي طالب، وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضل وا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول أنه ليس بإمام، وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس(2). الطائفة الثالثة: الزيدية: سموا زيدية لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد بن علي بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك، وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر بالكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه؛ فتفرق عنه الذين بايعوه فقال لهم: رفضتموني، وبقي في شرذمة ف قاتل فقتل(3). ثالثاا: القدرية: هم من ينكرون إضافة الخير والشر إلى القدر - الذي هو من الله تعالى-، وأول من دعا لهذه الدعوى هو معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وسار على هذا النهج واصل بن عطاء (1)الأشعري، مقالات الإسلاميين، مرجع سابق، ج1 ص 16 . (2) المرجع السابق، ج1 ص 16. (3)المرجع السابق، ج1 ص 16.

عدد الصفحات ٣٥

- 29 - الذي اعتزل الإمام الحسن البصري، وهم على هذا أصل المعتزلة الذين يقولون أ ن أفعال العباد وما يحصل ليس من الله، بل إن الله خلق في مخلوقاته قدرة تمكنهم من فعل ما يريدون (1). وقد كان عبد الله بن عباس يتعجب من الخوض في القدر، فقد روي عن سعيد بن جبير(2)، عن بن عباس رضي الله تعالى عنه، قال : لوددت أن عندي رجلا من أهل القدر فوجأت رأسه، قالوا: و لم ذاك؟. قال: لأن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ستين وثلثمائة نظرة، يخلق بكل نظرة، ويحيى ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء (3). (1)ينظر: الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل،ج1ص32،(1414هـ)، دار المعرفة، بيروت – لبنان تحقيق: محمد كيلاني. البغدادي، الفرق بين الفرق، مرجع سابق، ص96. (2 )سبقت ترجمته. (3)أبو نعيم، حلية الأولياء، مرجع سابق، ج1 ص172.

عدد الصفحات ٣٦

- 31 - الفصل الثالث التأويل و التفويض و أقوال العلماء فيهما وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: معنى التفسير والتفويض والتأويل المبحث الثاني: أقوال المفسرين المبحث الثالث: أقوال الفرق الإسلامية

عدد الصفحات ٣٧

- 31 - المبحث الأول معنى التفسير والتفويض والتأويل أولا : معنى التفسير: التفسير فى اللغة: هو التبيين والإيضاح مأخوذ من الفسر وهو البيان والوضوح (1). وعلم التفسير :علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التى ت حمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك(2). وعرَّفه الزركشى بأنه: "علم ي فهم به كتاب الله الم نَزَّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه "(3). قالالذهبي:" يرى بعض العلماء : أن التفسير ليس من العلوم التى ي تكلف لها حد، لأنه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التى أمكن لها أن تشبه العلوم العقلية، و ي كتفى فى إيضاح التفسير بأنه بيان كلام الله، أو أنه المبيِّن لألفاظ القرآن ومفهوماتها. (1 )ينظر:الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ص571،(1415هـ-1995م)، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت – لبنان، تحقيق: محمود خاطر. الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط،، ص 587، ط2 (1371هـ- 1952م)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج5 ص55 ، ط1، دار صادر، بيروت – لبنان. ابن زكريا، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة،ص4 ج514،(1423هـ-2112م)، اتحاد الكتاب العرب، تحقيق: عبد السلام محمد هارون. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ج2 ص472، (بدون)، المكتبة العلمية، بيروت – لبنان. (2 )أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط ،ج1 ص121، ط1(1422هـ-2111م)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، تحقيق: عادل عبد الموجود وآخرون. ينظر: الألوسي، محمود أبو الفضل، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج1ص4،(بدون)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. 3) )الزركشي، البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق، ج1 ص 13.

عدد الصفحات ٣٨

- 32 - ويرى بعض آخر منهم : أن التفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد الكلية، أو المَلَكات الناشئة من مزاولة القواعد، فيتكلَّف له التعريف، فيذكر فى ذلك علوما أخرى ي حتاج إليها فى فهم القرآن، كاللغة، والصرف، والنحو، والقراءات ... وغير ذلك. وا ذا نحن تتبعنا أقوال العلماء الذين تكلَّفوا الحد للتفسير، وجدناهم قد عرَّفوه بتعاريف كثيرة، يمكن إرجاعها كلها إلى واحد منها، فه ي وا ن كان مختلفة من جهة اللفظ، إلا أنها متحدة من جهة المعنى وما تهدف إليه"(1). ثانياا: معنى التأويل: التأويل لغة: مأخوذ من الأول وهو الرجوع (2)، وهو بمعنى مصير الشيء أي ما يرجع إليه (3). وقيلهو بمعنى الجمع والإصلاح، ف التأويل " جمع معانٍ م شكلة بلفظ واضح لا إشكال فيه(4). وقيل التأويل: بمعنى التفسير والتدبر(5). وقيل التأويل: تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه ( ). 1) )الذهبي، التفسير والمفسرون، مرجع سابق،ج1 ص 12. (2 )ينظر:الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، ج5 ص217، ط1(2111م)، دار إحياء الترا ث العربي، بيروت – لبنان، تحقيق: محمد عوض مرعب. ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، ج11 ص 32. 3) )الرازي، مختار الصحاح، مرجع سابق، ج1 ص 21. 4) )ينظر:الأزهري، تهذيب اللغة، مرجع سابق،ج5 ص 217 .ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، ج11 ص 32. 5) )ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، ج11 ص 32. 6) )ينظر: الأزهري، تهذيب اللغة، مرجع سابق،ج5 ص 217 .ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، ج11 ص 32.

عدد الصفحات ٣٩

- 33 - وقيل المراد بالتأْويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إ لى ما يَحتاج إ لى دليل لولاه ما ت ر ك ظاهر اللفظ (1). وعلى هذا فالتأويل بمعنى الرجوع هو باعتبار أحد معانيه اللغوية، فكأن المؤوِّل أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعانى. ثالثاا : معنى التفويض: التفويض مأخوذ من فَوَّض إليه الأمرَ، أي ردَّه إليه (2). والمراد بالتفويض هو ما نقل عن المتقدمين ومنهم سفيان بن عيينة والذي قال : ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية (3). رابعاا: العلاقة بين التفسير والتأويل والتفويض: بالنظر في تعريف المصطلحات الثلاثة، نجد أن التفسير والتأويل هو خوض في المعنى المراد من اللفظ غير الواضح، أما التفويض فهو الوقوف عند اللفظ غير الواضح دون خوض في معناه، فالعلاقة بين التفويض وبين التفسير والتأويل علاقة تناقض من حيث الخوض في المعنى المراد . 1) )ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، ج11 ص 32. (2)ينظر:الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح في اللغة، ج4 ص246، ط4(1991م)، دار الملايين، بيروت لبنان. الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مرجع سابق،ج2 ص 197.النووي، أبو زكريا محيي الدين بن شرف، تهذيب الأسماء واللغات، ج4 ص 125،(1998م)، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان. ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، 7 ص 211 .الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس،ج 8ص122،(1385هـ-1965م)، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، تحقيق: إبراهيم الترزي. 3) )البيهقي، أحمد بن الحسين أبو بكر، الأسماء والصفات، ج2 ص 117، ط1، مكتبة السوادي، جدة–السعودية،، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي. ينظر: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التأويل بالمأثور ، ج4 ص 248 ،(1993م)، دار الفكر، بيروت – لبنان.

عدد الصفحات ٤٠

- 34 - وأما العلاقة بين التفسير والتأويل فمما تقدم نقله يتضح أن حاصل اختلاف اللغويين بين التفسير والتأويل يدور حول رأيين : الرأي الأول : ترادف التفسير والتأويل : وهو بيان المعنى من الكلام، سواء أوافق ظاهر اللفظ أو خالفه، وهذا ما كان عليه أوائل المفسرين (1)، وفي مقدمتهم الإمام الطبري والذي يصد ر تفسيره لكل آية بقوله : " القول في تأويل قوله تعالى...". الرأي الثاني : أن التفسير هو حمل اللفظ على المعنى الظاهر، والتأويل: هو صرف اللفظ عن المعنى الظا هر لمعنى آخر لدليل منع حمله على ذلك الظاهر ، وجعله أقرب للمعنى البعيد (2)، وهذا هو المعنى الذي اشتهر عند أهل البلاغة وجعلوه من المجاز (3) وأصول الفقه(4)، وكذلك عند المتأخرين من علماء العقيدة بل وعلماء التفسير (5). ويتضح من هذا سبب اللبس الذي يقع؛ حيث إن اصطلاح المتأخرين وما اشتهر لديهم خلاف ما كان عليه المتقدمون( ). 1) )ينظر:ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير، ج1 ص 4،ط3(1414هـ)، دار صادر، بيروت – لبنان. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 2) )ينظر: ابن منظور،لسان العرب، مرجع سابق، 5 ص 55 .الفيروز آبادي،القاموس المحيط، مرجع سابق، ج1 ص 587 .الزبيدي، تاج العروس،ج7 ص 168. 3) )القزويني، محمد بن سعد الدين،الإيضاح في علوم البلاغة، ص 111، ط4(1998م)، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان. 4) )ينظر: العطار، حسن، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، ج4 ص 49،(1421هـ- 1999م)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. الجويني، عبد الملك بن عبد الله، البرهان في أصول الفقه، ج1 ص 336، (1418هـ-1987م)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، تحقيق: صلاح عويضة. 5) )ينظر: ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 4 .البغوي، الحسين بنمسعود، معالم التنزيل، ج2 ص11،ط4 (1417هـ- 1997م)، دار طيبة للنشر والنوزيع، المدينة المنورة، السعودية، تحقيق:محمد النمر وآخرون. الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ج4ص4،(1415هـ-1995م)، دار الفكر، بيروت – لبنان. 6) )الذهبي، التفسير والمفسرون، مرجع سابق،ج1 ص 12.

عدد الصفحات ٤١

- 35 - وهناك أوجه أخرى في الاختلاف بينهما، ولكن المشتهر هو ما ذكر في الرأي الثاني(1). 1) )ينظر: الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 1 ص 5.الذهبي، التفسير والمفسرون، مرجع سابق،ج1 ص 12.

عدد الصفحات ٤٢

- 36 - المبحث الثاني أقوال المفسرين تحدث كثير من المفسرين عن ضوابط وأصول التفسير، وكان لهم موقف من الخوض في معاني الألفاظ المتشابهة والتي منها آيات الصفات، بين مؤيد لها ومعارض، وسنتعرض لذكر آرائهم في ذلك . والخلاف يسري في ضابط المتشابه، وهو ما ورد في قول الله تعالى :{                                                   }[آل عمران : ] فهناك عدة أقوال في المراد بالمتشابه في هذه الآية (1)، وهي: 1) المحكمات: المعمول بهن، وهن الناسخات أو المثبتات الأحكامَ، والمتشابهات": المتروك العمل بهن وهن المنسوخات (2)، وتأويلهالعمل بالمنسوخ أو معرفة وقت نسخ المحكم الذي لم يقع(3). 1) )ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، ج 1 ص 311. 2) )ينظر: الطبري، محمد بن جرير بن يزيد، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج 6 ص 174، ط 1(1421هـ- 2111م)، مؤسسة الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر. الرازي، محمد بن عمر بن الحسين، مفاتيح الغيب، ج 4 ص 116،( بدون)، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان. السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ج2 ص 278. 3) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 211.

عدد الصفحات ٤٣

- 37 - 2) المحكمات: ما أحكم الله فيه بيانَ حلاله وحرامه، والمتشابه : ما أشبه بعض ه بعض ا في المعاني، وا ن اختلفت ألفاظه(1) .وتأويله هو حمله على المعنى الذي يوافق الهوى (2). 3) المحكمات: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد ،والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجه ا(3) .وتأويله حصر المراد في معنى واحد وتعيينه (4)، وهو ما رجحه ابن عطية(5). 4) المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقَصَص الأمم ور سلهم الذين أرسلوا إليهم، ففص له ببيان ذلك لمحمد وأمته ، والمتشابه : هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، بقَص ه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقص ه باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى ( ). وتأويله الأخذ منه بمعنى يتوافق مع اعتقاداتهم الخاطئة والتي ردها القرآن في المواضع الأخرى ( ). 1) )ينظر:الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 176 .البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 8 .ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، ج2 ص 7، ط2(1421هـ-1999م)، دار طيبة للنشر والتوزيع، المدينة المنورة، السعودية، تحقيق: محمد سلامة. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 2) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 211 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 3) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 177 .البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 8.أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 144 .الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ج1ص243، مؤسسة الأعلمي، بيروت لبنان. 4) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 211. 5) )ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 382. 6) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 178 .الخازن، علي بن محمد، لباب التأويل في معاني التنزيه، ج1ص319،(1399هـ-1979م)، دار الفكر، بيروت لبنان . الثعلبي، أحمد بن محمد، الكشف والبيان، ج 3ص12، ط1(1422هـ- 2112م)، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، تحقيق: أبي محمد ابن عاشور. 7) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 211.ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 8 . الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421.

عدد الصفحات ٤٤

- 38 - 5) المحكم: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه ، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو وقت مَخْرج عيسى ابن مريم، ووقت ط لوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وما أشبه ذلك من أمور لا حاجة قصدها الشرع في معرفتها . وتأويله هو ادعاء العلم بها، ومنها الحروف المقطعة في أوائل السور والتي ادعى اليهود أنها تدل على أمور تتعلق بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1) .وهذا القولرجحه الطبري، وقال :" غير جائز أن يكون فيه – أي القرآن - ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل"(2). ) المحكم: ما يعرف معناه وتكون حججه واضحة ودلائله لائحة لا تشتبه، والمتشابه: هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل (3). الباطل(3). ) المحكم: ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا بردِّه إلى غيره (4). ) المتشابهات ما لا سبيل إلى معرفته ، كصفة الوجه ، واليدين ، واليد ، والاستواء، والمحكم ما عدا ذلك(1) . 1) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 179 .ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 379 .البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 8.أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 144 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 7. الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 2) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 181. 3) )ينظر: البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 9.أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 143 .ابن عجيبة، أحمد بن محمد، البحر المديد، ج 1ص288،(1423هـ-2112م)، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان .الشربيني، محمد بن أحمد، السراج المنير، ج1ص223،( بدون)، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان. 4) ) ينظر: البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 9 .الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 4 ص 116 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 144.

عدد الصفحات ٤٥

- 39 - وما سبق هو ذكر معنى المتشابه وتأويله الفاسد الذي أراده أهل الزيغ . وأما التأويل الصحيح له، فقد اختلف العلماء هل يعلمه غير الله كالعلماء أم ل؟ ومبنى الخلاف هو الوقف على لفظ الجلالة أو وصله بما بعده في الآية: القول الأول: الوقف على قوله تعالى:{وما يعلم تأويله إلا ا}وحده منفرد ا بعلمه، وأما الراسخون في العلم، فيقولون : آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جَميع ذلك من عند الله (2)، وهو ما رجحه الطبري وغيره (3).وهو ما ذهب إليه القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه(4). وقال الألوسي:" أنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة ، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ... ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة "(5) .وذكر الألوسي أجوبة على حجج أصحاب القول الثاني( ). 1) )ينظر:أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق،ج3ص144 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 428. 2) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 211.النسفي، عبد الله بن أحمد، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج1ص221،(2115م)، دار النفائس، بيروت- لبنان، تحقيق: مروان الشعار. ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 11 .السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص122،(1421هـ-2111م)، مؤسسة الرسالة، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق. 3) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 214 .ينظر: البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 11 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 144 .أبو السعود، محمد العمادي، ج2ص8،(بدون)، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان. 4) )ينظر:أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق،ج3ص148 .الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 5) )الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 6) )المرجع السابق، ج 2 ص 425-426.

عدد الصفحات ٤٦

- 41 - القول الثاني:الوصل، والمعنى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون :"آمنا به كل من عند ربنا"، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله(1)، وبه قال بعض الفقهاء والمفسرين، وقالوا : الخطاب بما لا يعلم بعيد(2).وهو الذي ذهب إليه سائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه(3)، ومن أشهر المفسرين الذين رجحوا هذا القول الزمخشري (4) .وذكروا لقولهم هذا عدة حجج(5). قال ابن عطية: "وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق ، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين: - محكما ومتشابها - فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس، ويستوي في عل مه الراسخ وغيره والمتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة، كأمر الروح ، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى {    } [النساء: 1 1 ]إلى غير ذلك، ولا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قد ر له، وا لا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخا ، وقوله تعالى: {وما يعلم تأويله}الضمير عائد على جميع متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا ، فقوله {إلا الله }مقتض ببديهة العقلأنه يعلمه على الكمال والاستيفاء- يعلم نوعيه جميعا - 1) )ينظر: الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 6 ص 213. البغوي، معالم التنزيل، مرجع سابق، ج 2 ص 11 .ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 11 .الماوردي، علي بن محمد، النكت والعيون، ج1ص372،( بدون)، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، تحقيق: السيد بن عبد المقصود. 2) )ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن،مرجع سابق،ج2ص11 .أبو حيان، البحر المحيط، مرجع سابق، ج3 ص 143. 3) )الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 2 ص 421. 4) )الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في أوجه التأويل، ج1 ص 365،(بدون)، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، تحقيق: عبد الرزاق مهدي. 5) )الرازي،مفاتيح الغيب، مرجع سابق، ج 4 ص 116.

عدد الصفحات ٤٧

- 41 - فإن جعلنا قوله: {والرا سخون }عطفا على اسم الله تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه ، وبديهة العقل تقضي بهذا"(1) .وذكر هذا الجمع بمعنى قريب منه ابن كثير (2) . تفسير القرآن بالرأي : ذم المفسرون تفسير القرآن بالرأي ، وهو أن يتكلم فيه بدون علم صحيح (3)،وقال العلماء أن ما جاء في القرآن على أربعة أوجه، وقد رويت عن ابن عباس (4): 1- ما لا يتوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم بنصٍّ منه عليه، أو بدلالة قد نصَبها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله، ونقله لنا العلماء، وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه ونَدْب ه وا رْشاده-، وصنوف نَهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، وما أشبه ذلك من أحكام آية. 2- ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، ولا يعرف أحدٌ من تأويلها إ الخبرَ بأشراطها، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيا م الساعة، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك : فإن تلك أوقاتٌ لا يعلم أحدٌ حدودَها، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئ ا من ذلك، لم يدل عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته (5). 1) )ابن عطية، المحرر الوجيز، مرجع سابق،ج 1 ص 382. 2) )ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 11-12. 3) )الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 22. 4) )ينظر:الطبري، جامع البيان، مرجع سابق،ج 1 ص 74. ابن كثير، تفسير القرآن، مرجع سابق، ج 2 ص 11. 5) )ينظر:ابن عطية،المحرر الوجيز،مرجع سابق،ج1ص39.القرطبي،الجامع لأحكام القرآن،مرجع سابق،ج1ص 66.

عدد الصفحات ٤٨