المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسلوب النداء في القرآن الكريم في سورتي البقرة وآل عمران دراسة بيانية

فايزة عوض زرم السرحاني البلوي

صفحة ٣ من ٨

25 "كىي مدنية، ركم أنيا أربعة عشر حرؼ كخمسمائة كخمسة كعشركف حرفان ، كثلبثة آلاؼ كأربعمائة كثمانكف كممة، كمائتا آية " (1). "كمقصدىا: التكحيد، كذلؾ أف الفاتحة، لما كانت جامعة لمديف إجمالان ، جاء ما بو التفصيؿ، كىك القرآف، الذم ىي أمُّ و، محاذيان لذلؾ، فابتدأ بسكرة الكتاب، المحيط بأمر الديف، كما أفَّ الفاتحة محيطة بأـّْ القرآ ف، ثـ بسكرة التكحيد، الذم ىك سر حرؼ الحمد، أكؿ حركؼ الفاتحة السبعة؛ لأف التكحيد ىك الأساس، الذم لا يقكـ بناء شيء مف الديف بدكنو،... كالدليؿ عمى أف المقصكد مف ىذه السكرة الدلالة عمى التكحيد: تسميتيا بآؿ عمراف، فإنَّ و لـ يعرب عف ىذا القصد في ىذه السكرة، ما أعرب عنو ما ساقو سبحانو فييا مف أخبارىـ، بما فييا مف الأدلَّ ة عمى القدرة التامَّ ة المكجبة لمتكحيد، الذم ليس في درج الإيماف أعمى منو، فيك التاج الذم ىك خاصة الممؾ المحسكسة، كما أف التكحيد خاصتو المعقكلة. كالتكحيد مكجب لزىادة المتحمّْ ي بيذه السكرة. "(2). سبب تسميتيا: كردت تسميتيا بػ آؿ عمراف صريحة في أكثر مف حديث عف النبي  منيا قاؿ النبي  ":اقٍرىءيكا الٍقيرٍآفى فىإًنَّوي يىأٍتًي يىكٍـى الٍقًيىامىةً شىفًيعنا لأًىصٍحىابًوً، اقٍرىءيكا الزَّىٍرىاكىيٍفً : الٍبىقىرىةى، كىسيكرىةى آؿً عًمٍرىافى، فىإًنَّييمىا تىأٍتً يىافً يىكٍـى الٍقًيىامىةً كىأىنَّييمىا غىمىامىتىافً، أىكٍ كىأىنَّييمىا غىيىايىتىافً، أىكٍ كىأىنَّييمىا فًرٍقىافً مًفٍ طىيٍرو صىكىاؼَّ، تيحىاجَّافً عىفٍ أىصٍحىابًيًمىا، اقٍرىءيكا سيكرىةى الٍبىقىرىةً، فىإًفَّ أىخٍذىىىا بىرىكىةه، كىتىرٍكىيىا حىسٍرىةه، كىلاى تى سٍتىطًيعييىا الٍبىطىمىةي ".(3) 1) ) السيكطي، عبد الرحمف بف أبي بكر، جلبؿ الديف السيكطي (ت 911ىػ)، الإتقاف في عمكـ القرآف، تحقيؽ: محمد أبك الفضؿ إبراىيـ، الييئة المصرية العامة لمكتاب، 1394ىػ1974ـ، ج1، ص 1974. 2) ) البقاعي، إبراىيـ بف عمر بف حسف الرباط بف ع مي بف أبي بكر البقاعي (ت 885ىػ، نظـ الدرر في تناسب الآيات كالسكر، دار الكتاب الإسلبمي، القاىرة ج 4، ص194. 3) ) أخرجو مسمـ في الصحيح ، كتاب صلبة المسافريف كقصرىا، باب فضؿ قراءة القرآف، كسكرة البقرة ، رقـ ( 804)، كالإماـ أحمد في المسند رقـ 22146) كلبىما عف أبي أمامة الباىمي  عف النبي بو

عدد الصفحات ٣٤

26 كمنيا أيضا قاؿ النبي :"ييؤٍتىى بًالٍقيرٍآفً يىكٍـى الٍقًيىامىةً كىأىىٍمًوً الَّذًيفى كىانيكا يىعٍمىميكفى بًوً تىقٍديميوي سيكرىةي الٍبىقىرىةً، كىآؿي عًمٍرىافى " كىضىرىبى لىييمىا رىسيكؿي ا﵀ً  ثىلبىثىةى أىمٍثىاؿو مىا نى سًيتيييفَّ بىعٍدي، قىاؿى : "كىأىنَّييمىا غىمىامىتىافً، أىكٍ ظيمَّتىافً سىكٍدىاكىافً بىيٍنىييمىا شىرٍؽه، أىكٍ كىأىنَّييمىا حًزٍقىافً مًفٍ طىيٍرو صىكىاؼَّ، تيحىاجَّافً عىفٍ صىاحًبًيًمىا ".(1) كبيَّف البقاعي أفَّ سبب تسميتيا بالزَّىراء؛ لأنَّيا جاءت بالتكحيد، فناسبيا الاسـ، قاؿ: " فمذلؾ سميت الزىراء، كىك في نفسو ممزكـ للؤنكار الزاىرة، كالأضكاء الباىرة كميا، التي ىي الأدلة الحقة لمديف الحؽ، فلب يمكف رؤيتيا عمى الحقيقة بدكف تصحيحو"(2). أم: لا يمكف الاستفادة مف الأدلَّة بدكف التكحيد الصحيح. فضميا: كرد فضميا كبياف قدرىا في كثير مف الأحاديث ،قاؿ النبي  : "ييؤٍتىى بًالٍقيرٍآفً يىكٍـى الٍقًيىامىةً كىأىىٍمًوً الَّذًيفى كىانيكا يىعٍمىميكفى بًوً تىقٍديميوي سيكرىةي الٍبىقىرىةً، كىآؿي عًمٍرىافى " كىضىرىبى لىييمىا رىسيكؿي ا﵀ً  ثىلبىثىةى أىمٍثىاؿو مىا نىسًيتيييفَّ بىعٍدي، قىاؿى : "كىأىنَّييمىا غىمىامىتىافً، أىكٍ ظيمَّتىافً سىكٍدىاكىافً بىيٍنىييمىا شىرٍؽه، أىكٍ كىأىنَّييمىا حًزٍقىافً مًفٍ طىيٍرو صىكىاؼَّ، تيحىاجَّافً عىفٍ صىاحًبًيًمىا ".(3) كعف ابف عباس رضي ا﵀ عنيما أىنَّوي بىاتى عًنٍدى مىيٍميكنىةى أيـّْ الميؤٍ مًنًيفى رىضًيى المَّوي عىنٍيىا -كى ىًيى خىالىتيوي - قىاؿى: فىاضٍطىجىعٍتي عىمىى عىرٍضً الكًسىادىةً، "كىاضٍطىجىعى رىسيكؿي المَّوً  كىأىىٍميوي فًي طيكلًيىا، فىنىاـى رىسيكؿي المَّوً  حىتَّى انٍتىصىؼى المَّيٍؿي - أىكٍ قىبٍمىوي بًقىمًيؿو، أىكٍ بىعٍدىهي بًقىمًيؿو - ثيـَّ اسٍتى يٍقىظى رىسيكؿي المَّوً  فىجىمىسى، فىمىسىحى النَّكٍـى عىفٍ كىجٍيًوً بًيىدًهً، ثيـَّ قىرىأى العىشٍرى آيىاتو 1)) أخرجو مسمـ في الصحيح ، كتاب صلبة المسافريف كقصرىا، باب فضؿ قراءة القرآف، كسكرة البقرة، رقـ ( 805)، كالإماـ أحمد في المسند، رقـ ( 17637) كلبىما عف النكاس بف سمعاف  عف النبي بو. 2) ) البقاعي: إبراىيـ بف عمر بف حسف الرب اط بف عمي بف أبي بكر البقاعي (ت 885ىػ)، نظـ الدرر في تناسب الآيات كالسكر، دار الكتاب الإسلبمي، القاىرة ، ج2، ص 68. 3)) أخرجو مسمـ في الصحيح ، كت اب صلبة المسافريف كقصرىا، باب فضؿ قراءة القرآف، كسكرة البقرة، رقـ ( 805)، كالإماـ أحمد في المسند، رقـ ( 17637) كلبىما عف النكاس بف سمعاف  عف النبي بو

عدد الصفحات ٣٥

27 خىكىاتًيـى سيكرىةً آؿً عًمٍرىافى، ثيـَّ قىاـى إًلىى شىفٍّ ميعىمَّقىةو، فىتىكىضَّأى مًنٍيىا، فىأىحٍسىفى كيضيكءىهي، ثيـَّ قىاـى ييصىمّْي"(1) كأنو كرد في بعض آياتيا اسـ ا﵀ الأعظـ، قاؿ النبي : "اسٍـي المَّوً الأٍىعٍظىـي فًي ىىاتىيٍفً الآٍيىتىيٍفً (ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ) [777] كىفىاتًحىةً سيكرىةً آؿً عًمٍرىافى (ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ) [9]"(2) 1)) أخرجو البخارم في الصحيح ، كتاب فضؿ الصلبة في مسجد مكة كالمدينة باب فضؿ الصلبة في مسجد مكة كالمدينة عف ابف عباس رضي ا﵀ عنيما ، رقـ ( 2/62.) 2)) أخرجو أبك داكد رقـ 1460) كابف ماجو رقـ 3855) كلبىما عف أسماء بنت يزيد ا﵀ عنيا.

عدد الصفحات ٣٦

28 الفصل الثاني دراسة تطبيقية بيانية لسورتي البقرة وآل عمران 1.2 أنواعالنداءات وثمراتيا في سورة البقرة: قولــــــو تعــــــالى: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ) [97] نوع النداء جاء النداء ىنا لمتنبيو، كأفَّ الأمر عظيـ، كىك نداء لمبعيد معرَّ ؼ بأؿ، كفي ىذه الآية الكريمة: نداء يعقبو الأمر، كىي ندا ء لبني الانساف. "(يا) حرؼ نداء، كعمى كثرة كقكع النداء في القرآف لـ يقع نداء إلا بيا، كىي أعـ حركؼ النداء . (ىا) حرؼ تنبيو".(1) قاؿ الزمخشرم "فقك لو: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) [97] خطاب لمشركي مكة، ك «يا»حرؼ كضع في أصمو لنداء البعيد، صكت ييتؼ بو الرجؿ بمف يناديو. كأما نداء القريب فمو «أم» كاليمزة، ثـ استعمؿ في مناداة مف سيا كغفؿ كا ف قرب. تنزيلب لو منزلة مف بعد، فإذا نكدم بو القريب المفاطف فذلؾ لمتأكيد المؤذف بأف الخطاب الذم يتمكه معنىٌ بو جدان. فإف قمت: فما باؿ الداعي يقكؿ في جؤاره: يا رب، كيا المَّو، كىك أقرب إليو مف حبؿ الكريد، كأسمع بو كأبصر؟ قمت: ىك استقصار منو لنفسو، كاستبعاد ليا مف مظافٌ الزلفى كما يقرٌبو إلى رضكاف المَّو كمنازؿ المقرٌبيف، ىضما لنفسو كا قرارا عمييا بالتفريط في جنب المَّو، مع فرط التيالؾ عمى استجابة دعكتو كالإذف لندائو كابتيالو"(2) 1) ) أبك حياف، محمد بف يكسؼ بف عمي بف يكسؼ بف حياف أثير الديف الأندلسي (المتكفى: 745ىػ) البحر المحيط في التفسير، تحقيؽ: صد قي محمد جميؿ، دار الفكر – بيركت الطبعة: 1420 ىػ ، ج1، ص 151، بتصرؼ يسير 2) ) الزمخشرم ، أبك القاسـ محمكد بف عمرك بف أحمد، الزمخشرم جار ا﵀ (ت: 538ىػ)، الكشاؼ عف حقائؽ غكامض التنزيؿ، دار الكتاب العربي ، بيركت، ط3، 1407 ىػ، ج1، ص 89.

عدد الصفحات ٣٧

29 "كلما كاجو تعالى الناس بالنداء أمرىـ بالعبادة، ، كالأمر بالعبادة شمؿ المؤمنيف كالكافريف. لا يقاؿ: المؤمنكف عابدكف، فكيؼ يصح الأمر بما ىـ ممتبسكف بو؟ لأنو في حقيـ أمر بالازدياد مف العبادة، فصح مكاجية الكؿ بالعبادة، كانظر لحسف مجيء الرب ىنا، فإنو السيد كالمصمح، كجدير بمف كاف مالكا أك مصمحا أحكاؿ العبد أف يخص بالعبادة كلا يشرؾ مع غيره فييا "(1) قاؿ الزمخشرم فاف قمت: لً ـى كثر في كتاب ا﵀ النداء عمى ىذه الطريقة ، ما لـ يكثر في غيره؟ قمت: لاستقلبلو بأكجو مف التأكيد كأسباب مف المبالغة؛ لأف كؿ ما نادل ا﵀ لو عباده- مف أكامره كنكاىيو، كعظاتو كزكاجره ككعده ككعيده، كاقتصاص أخبار الأمـ الدارجة عمييـ، كغير ذلؾ مما أنطؽ بو كتابو- أمكر عظاـ، كخطكب جساـ، كمعافو عمييـ أف يتيقَّ ظكا ليا، كيميمكا بقمكبيـ كبصائرىـ إلييا، كىـ عنيا غافمكف. فاقتضت الحاؿ أف ينادكا بالآكد الأبمغ. فإف قمت: لا يخمك الأمر بالعبادة، مف أف يككف متكجيان إلى المؤمنيف كالكافريف جميعان ، أك إلى كفار مكة خاصة، عمى ما ركل عف عمقمة كالحسف، فالمؤمنكف عابدكف ربيـ ، فكيؼ أمركا بما ىـ ممتبسكف بو؟ كأمَّ ا الكفار فلب يعرفكف ا﵀، كلا يقركف بو فكيؼ يعبدكنو؟ قمت: المراد بعبادة المؤمني ف: ازديادىـ منيا ، كا قباليـ كثباتيـ عمييا. كأمَّ ا عبادة الكفار فمشركط فييا ما لا بد ليا منو، كىك الإقرار "(2). ثمرة الن داء يحقؽ النداء قيمة التَّقكل، كذلؾ بزيادة الأعماؿ الصالحة، مف صلبة، كصياـ، كزكاة، كغيرىا مف الأعماؿ، كاستحضار ربكبيَّة ا﵀ جؿ جلبلو لمنَّاس، منذ الخمؽ مف العدـ، إلى آخر لحظة في أعمارىـ. 1)) أبك حياف، محمد بف يكسؼ بف عمي بف يكسؼ بف حياف أثير الديف الأندلسي (ت745ىػ، البحر المحيط في التفسير ، تح قيؽ: صدقي محمد جميؿ، دار الفكر ، بيركت الطبعة: 1420 ىػ. ج1، ص153. 2) ) الزمخشرم ، أبك القاسـ محمكد بف عمر ك بف أحمد، الزمخشرم جار ا﵀ (ت 538ىػ)، الكشاؼ عف حقائؽ غكامض التنزيؿ، دار الكتاب العر بي، بيركت، ط3، 1407 ىػ، ج1، ص 90.

عدد الصفحات ٣٨

31 قولو تعـالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [77] نوع النداء قاؿ القرطبي: " أمره ا﵀ أف يعمميـ بأسمائيـ بعد أف عرضيـ عمى الملبئكة ليعممكا أنو أعمـ بما سأليـ عنو تنبييا عمى فضمو كعمك شأنو، فكاف أفضؿ منيـ بأف قدمو عمييـ كأسجدىـ لو كجعميـ تلبمذتو كأمرىـ بأف يتعممكا منو. فحصمت لو رتبة الجلبؿ كالعظمة بأف جعمو مسجكدا لو، مختصا بالعمـ. الثانية: في ىذه الآية دليؿ عمى فضؿ العمـ كأىمو".(1) ك"نادل آدـى باسمو العمـ، كىي عادة ا﵀ مع أنبيائو، قاؿ تعالى: (ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ)[02]،( ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ) [730-732] ،( ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ)[73]، (ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [773] كنادل محمدان نبينا  كعمى سائر الأنبياء بالكصؼ الشريؼ مف الإرساؿ كالإنباء فقاؿ: (ﮔ ﮕ ) [41] ،(ﭶ ﭷ ) [64] فانظر تفاكت ما بيف ىذا النداء كذاؾ النداء، فمما أخبرىـ آدـ  بأسماء ما تقاصرت عنو عمكميـ، ظيرت فضيمتو عمييـ ".(2) كىك "مف أنكاع النداء القرآن ي المتبكع بأمر "(3). فقاؿ ﴿يىا آىدىـي﴾، فكمَّفو بإنبائيـ بالأسماء، "فإنو تعالى لما عمـ ما خفي عمييـ، مف أمكر السماكات كالأرض، كما ظير 1)) القرطبي ، أبك عبد ا﵀ محمد بف أحمد بف أبي بكر بف فرح الأن صارم الخزرجي شمس الديف القرطبي، (ت671ىػ)، الجامع لأحكاـ القرآف ، تفسير القرطبي، تحقيؽ: أحمد البردكني كا براىيـ أطفيش، دار الكتب المصرية ، القاىرة، ط 1،1384ىػ-1964ـ، ج1، ص 288. 2) ) أبك حياف، محمد بف يكسؼ بف عمي بف يكسؼ بف حياف أثير الديف الأندلسي (ت745ىػ، البحر المحيط في التفسير، تح قيؽ: صدقي محمد جميؿ، دار الفكر ، بيركت الطبعة: 1420 ىػ، ج1، ص239، ك240. بتصرؼ يسير . 3) ) تريكي: مبارؾ، النداء في القرآف، سكرة البقرة نمكذجا (رسالة دكتكراه غير منشكرة)، حامد ابف يكسؼ بف حده، الجزائر، 2007ـ، ص 141 .

عدد الصفحات ٣٩

31 ليـ مف أحكاليـ الظاىرة كالباطنة ، عمـ ما لا يعممكف، كفيو تعريض بمعاتبتيـ عمى ترؾ الأكلى: كىك أف يتكقَّ فكا مترصّْ ديف لأف يبيّْ ف ليـ. كاليمزة للئنكار ، دخمت حرؼ الجحد ، فأفادت الإثبات كالتقرير ، كاعمـ أفَّ ىذه الآيات تدؿُّ عمى شرؼ الإنساف، كمزيَّ ة العمـ كفضمو عمى العبادة، كأنَّ و شرطه في الخلبفة، بؿ العمدة فييا"(1). كبو قيدّْـ آدـ  عمى الملبئكة المطيَّركف ثمرة الن داء: معرفة عمـ ا﵀ المطمؽ جؿ جلبلو، ككذلؾ يحقؽ النّْداء، قيمة تربكيَّة تعميميَّة، كىي التَّأدُّب في طمب العمـ، كالتَّمقّْي أكلان، كمف ثمرات ىذا النّْداء أيضان: تحقيؽ قيمة تربكيَّة أخلبقيَّة: كىي عدـ إصدار الأحكاـ مباشرة دكف تركٍّ، فقد يظير لؾ شيء، كيخفى عميؾ أشياء كثيرة. قولـــو تعـــالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) [72] نوع النداء كىذا كذلؾ نداء تكريـ كساب قو، كمع ككنو لمتكريـ لكنَّو مقركفه بالتَّحذير، كىك "نداء تسمية"(2) " قاؿ أبك حياف: "كفائدة النداء تنبيو المأمكر لو يمقى إليو مف الأمر، كتحريكو لما يخاطب بو، إذ ىك مف الأمكر التي ينبغي أف يجعؿ ليا الباؿ، كىك الأمر بسكنى الجنة"(3). 1) ) البيضاكم ، أنكار التنزيؿ كأسرار التأكيؿ، ناصر الديف أبك سعيد عبد ا﵀ بف ع مر بف محمد الشيرازم البيضاكم (ت 685ىػ)، تحقيؽ: محمد عبد الرحمف المرعشمي، دار إحياء التراث العربي بيركت، ط 1، 1418 ىػ، ج1، ص 70. 2) ) أحمد محمد فارس، النداء في المغة كالقرآف، ص 102. 3) ) أبك حياف، محمد بف يكسؼ بف عمي بف يكسؼ بف حياف أثير الديف الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيؽ: صدقي محمد جميؿ، دار الفكر، بيركت، 1420ىػ، ج1، ص251.

عدد الصفحات ٤٠

32 كىكمف أنكاع النداء القر آني المتبكع بأمر "(1) كىذا النداء يعد مف خطاب العيف؛ قاؿ الزركشي: " خطاب العيف نحك:( ﯖ ﯗ ) [35]".(2) كقد جاء ىذا التكريـ، بعد سجكد الملبئكة لو، فكاف تماـه لمتكريـ قاؿ ابف عاشكر(3) :"عطؼ عمى( ﮧ ﮨ ) [34] أم: بعد أف انقضى ذلؾ، جاء الأمر(ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [: 35] . كىذه تكرمة أكرـ ا﵀ بيا آدـ ، بعد أف أكرمو بكرامة الإجلبؿ مف تمقاء الملبئكة ، كنداء آدـ قبؿ تخكيمو سكنى الجنة، نداء تنكيو بذكر اسمو بيف الملؤ الأعمى؛ لأف نداءه يسترعي إسماع أىؿ الملؤ الأعمى ، فيتطمعكف لما سيخاطب بو، كينتزع مف ىذه الآية ، أف العالـ جدير بالإكراـ بالعيش الينيء، كما أخذ مف التي قبميا أنو جدير بالتعظيـ. كالأمر بقكلو: ﴿ ﯗ﴾[35] مستعمؿ في الامتناف بالتمكيف كالتخكيؿ ، كليس أمران لو بأف يسعى بنفسو لسكنى الجنة؛ إذ لا قدرة لو عمى ذلؾ السعي ، فلب يكمؼ بو."(4) 1) ) أحمد محمد فارس، النداء في المغة كالقرآف، ص141. 2) ) الزركشي ، أبك عبد ا﵀ بدر الديف محمد بف عبد ا﵀ بف بيادر الزركشي ( ت 794ىػ، تحقيؽ: محمد أبك الفضؿ إبراىيـ، الطبعة: الأكلى، 1376 ىػ-1957ـ، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحمبي كشركائو ، ج 2، ص،228. 3) ) محمد الطاىر بف عاشكر رئيس المفتييف المالكييف كشيخ جامع الزيتكنة كفركعو بتكنس عيف سنة 1932 ـ شيخا للئسلبـ مالكيا، كىك مف أعضاء المج معيف العربييف ف ي دمشؽ كالقاىرة، لو مصنفات مطبكعة مف أشي رىا: مقاصد الشريعة الإسلبمية. ك أصكؿ النظاـ الاجتماعي في الإسلبـ، التحرير كالتنكير فى تفسير القرآف صدر منو عشرة أجزاء. انظر: خير الديف الزركمى، الأعلبـ ، دا ر العمـ لمملبييف، ط 10،1992 ـ، ج 4، ص96. 4) ) ابف عاشكر، محمد الطاىر بف محمد بف محمد الطاىر بف عاشكر التكنسي (ت1393ىػ)، التحرير كالتنكير «تحرير المعنى السديد كتنكير العقؿ الجديد مف تفسير الكتاب المجيد»، الدار التكنسية لمنشر، تكنس، 1984ىػ، ج1، ص428.

عدد الصفحات ٤١

33 ثمرة الن داء اجتناب المنيي عنو، كلك كاف تصكَّرنا أفَّ ىذا النَّيي بسيط، فلب ننظر إلى بساطة النَّيي، بؿ ننظر إلى عظمة النَّاىي. ككذلؾ لمنداء ثمرة أيخرل، كىي: تحقيؽ قيمة تربكيَّة أخلبقيَّة أيسريَّة، كذلؾ بتماسؾ العلبقة الأيسريّْة، كتكميؿ كؿُّ كاحدو للآخر، فقد جاء النّْداء بتكحيد المسكف كالمأكؿ، كىذا إشارة إلى كحدة الأيسرة في جميع شؤكف الحياة، فإف تكحَّد المسكف كالمأكؿ، فمف بابو أكلى تكحيد العلبقات كالاتّْجاىات. قولو تعالى: (ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) [03] وقولـــــــــو تعـــــــــالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ) [47-122]. نوع النداء لمتذكير، ككذلؾ لمتيديد كالكعيد، قاؿ الألكسي:" خطػاب لطائفػة خاصػة مػف الكفػرة المعاصػريف لمنبػي  بعػػد الخطػاب العػاـ ، كأقبػػؿ عمػييـ بالنػداء ليحػػركيـ لسػماع مػا يػػرد مف الأكامر كالنكاىي" (1) كىكنداء النكع ، قاؿ السيكطي: "خطاب النػكع نحػك : ﴿ يىػا بىنًػي إًسٍػػػرىائًيؿى ﴾"(2) كعػػػػده السػػػػيكطي أيضػػػا نػػػػداء النسػػػػبة، فقػػػاؿ: "كنػػػػداء النسػػػػبة: (ﭴ ﭵ ) 1) ) الألكسي، شياب الديف محمكد بف عبد ا﵀ الحسيني الألكسي (ت 1270ىػ)، ركح المعاني في تفسير القرآف العظيـ كالسبع المثاني، تحيؽ: عمي عبد ا لبارم عطية، دار الكتب العممية، بيركت، الطبعة: الأكلى، 1415 ىػ ،ج1، ص،243. 2)) السيكطي، عبد الرحمف بف أبي بكر، جلبؿ الديف السيكطي (ت 911ىػ)، الإتقاف في عمكـ القرآف، تحقيؽ: محمد أبك الفضؿ إبراىيـ، الييئة المصر ية العامة لمكتاب، طبعة: 1394ىػ1974 ـ، ج3، ص،110

عدد الصفحات ٤٢

34 (ﮅ ﮆ) "(1) فػػي قكلػػو تعػػالى: (ﮅ ﮆ) كاليػػاء حػػرؼ نػػداء، كبنػػي إسػػرائيؿ : منادل مضاؼ(2) كفي الآية الثانية"كرر نداءىـ كتذكيرىـ بنعمتو عمييـ ، لمتككيد"(3). قػاؿ الفخػر الػرازم فػإف قيػؿ: فػإذا كانػت الػنعـ غيػر متناىيػة، كمػا لا يتنػاىى لا يحصػؿ العمػػـ بػػو فػػي حػػؽ العبػػد، فكيػػؼ أمػػر بتػػذكرىا فػػي قكلػػو: ( ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ) ؟ كالجػػػػكاب: أنيػػػػا غيػػػػر متناىيػػػػة بحسػػػػب الأنػػػػكاع كالأشػػػػخاص، إلا أنيػػػػا متناىيػػػػة بحسػػػػب الأجناس، كذلؾ يكفي في التذكير، الذم يفيد العمـ بكجكد الصانع الحكيـ. كاعمـ أنَّ و لمَّػا ثبػػت أفَّ اسػػتحقاؽ الحمػػد كالثنػػاء كالطَّ اعػػة، لا يتحقػػؽ إلا عمػػى إيصػػاؿ النعمػػة، ثبػػت أنػػو سبحانو كتعالى ىك المستحؽ لحمد الحامػديف... ك فػي الػنّْ عـ المخصكصػة ببنػي إسػرائيؿ ، قػػاؿ بعػػض العػػارفيف: عبيػػد الػػنعـ كثيػػركف ، كعبيػػد المػػنعـ قميمػػكف، فػػا﵀ تعػػالى ذكَّػػر بنػػي إسرائيؿ بنعمو عمييـ ، كلمَّ ا آؿ الأمػر إلػى أمػة محمػد  ذكَّػرىـ بػالمنعـ فقػاؿ: (ﯩ ﯪ) [152]. فدؿ ذلؾ عمى فضؿ أمة محمد عمى سائر الأمـ كاعمـ أف نعـ ا﵀ تعالى عمى بني إسرائيؿ كثيرة : استنقذىـ مما كانكا فيو مف البلبء، مف فرعكف كقكمو ، كأبدليـ مف ذلؾ بتمكينيـ في الأرض ، كتخميصيـ مف العبكدية كما قاؿ: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ) [ 5،6]، جعميـ أنبياء كممككان ، بعد أف كانكا عبيدان لمقبط، فأىمؾ أعداءىـ كأكرثيـ أرضيـ كديارىـ كأمكاليـ، كما قاؿ: (ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ) [59]. 1) ) السيكطي، عبد الرحمف بف أبي بكر، جلبؿ الديف السيكطي (ت 911ىػ)، معترؾ الأقراف في إعجاز القرآف، دار الكتب العممية، بيركت، لبناف، الطبعة الأكلى، 1408 ق-1988ـ، ج3، ص 15. 2) ) محي الديفالدركيش، إعراب القرآف الكريـ كبيانو، ص 90. 3) ) المرجع السابؽ، ص 95.

عدد الصفحات ٤٣

35 كأنزؿ عمييـ الكتب العظيمة، التي ما أنزليا عمى أمة سكاىـ ، كما قاؿ: (ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ) [21]،ك ركل ىشاـ عف ابف عباس ، أنو قاؿ: مف نعمة ا﵀ تعالى عمى بني إسرائيؿ ، أف نجَّ اىـ مف آؿ فرعكف ، كظمؿ عمييـ في التيو الغماـ، كأنزؿ عمييـ المفَّ كالسَّ مكل في التيو ، كأعطاىـ الحجر الذم كاف كرأس الرجؿ ، يسقييـ ما شاءكا مف الماء متى أرادكا ، فإذا استغنكا عف الماء رفعكه ، فاحتبس الماء عنيـ، كأعطاىـ عمكدان مف النكر ؛ ليضيء ليـ بالميؿ ، ككانت رؤكسيـ لا تتشعث كثيابيـ لا تبمى".(1) ثمرة الن داء "الدعك ة إلى التزاـ أحكاـ الإسلبـ ، كعدـ الاعتداء، كتبياف ما اشتمؿ عميو التشريع الاسلبمي "(2) كىك كذلؾ"نداء لمتذكير بالنعمة كما أصاب مف التكىت عقكليـ عف قبكؿ دعكة الحؽ"(3) كفيو عبرة بعدـ الاغترار بالنّْعـ، كأفَّ كثرتيا ليس دليلبن عمى رضى ا﵀ جؿ جلبلو. قولو تعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ) [54]. 1)) الرازم ، أبك عبد ا﵀ محمد بف عمر بف الحسف بف الحسيف التيمي الرازم الممقب بفخر الديف الرازم خطيب الرم (ت 606ىػ)، مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي ، بيركت، ط3 ، 1420ىػ، ج3، ص475 – 477، بتصرؼ يسير 2) ) فارس، أحمد محمد ، النداء في المغة كالقراف، دار الفكر المبناني، بيركت، ط 1، 1989ـ.ص،137. 3) ) فارس، أحمد محمد، النداء في المغة كالقراف، دار الفك ر المبناني، بيركت، ط1،1989ـ، ص137

عدد الصفحات ٤٤

36 نوع النداء لمزجر، كالعتاب، ليترككا ىذا الجرـ العظيـ، كيتكبكا إلى ا﵀ تعالى، كىك "نداء تسميو"(1) "يىا" حرؼ نداء ، كقكـ: منادل مضاؼ (2) كذكر أحب الأسماء لمترغيب بالطاعة " كناداىـ بكصؼ القكمية تحببان، كتكددان، كا ظياران بأنو ناصح ليـ؛ لأف الإنساف ينصح لقكمو بمقتضى العادة"(3) ثمرة الن داء قتؿ النكازع الشّْرّْيرة في النَّفس، كاستئصاؿ مادَّة الشرؾ مف القمكب، قبؿ أف تقتمنا في الدُّنيا، كتيمكنا في الآخرة، كتحقيؽ التَّكبة الصادقة مع ا﵀ جؿ جلبلو، كيحقؽ النداء كذلؾ قيمة تربكيَّة في مسيرة الحياة: كىي عدـ الالتفات إلى مغريات الحياة، كالمظاىر الخدَّاعة؛ لأنَّيا ظيمـ لمنَّفس، كصرفيا عمَّا خيمقت لو: كىك عبادة ا﵀ جؿ جلبلو. قولـــــــــو تعـــــــــالى: (ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸) [22] نوع النداء لمتيديد كالكعيد، ككذلؾ فيو معنى التككيد كالعناد، ككأنَّيـ يتحدَّكف مكسى  بكبرياء، كىك نداء تسميو" (4) كىذا النداء لا يرتقي ف ي الأدب كا نزاؿ المكانة التي تميؽ بنبي مف أنبياء ا﵀ ، قاؿ أبك حياف :" في نداء بني إسرائيؿ لنبييـ باسمو سكء أدب منيـ معو، إذ لـ يقكلكا: يا نبي ا﵀، أك يا رسكؿ ا﵀، أك يا كميـ ا﵀، أك غير ذلؾ مف الألفاظ التي تشعر بصفات التعظيـ، كىي كانت عادتيـ معو: ( ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ )[77] ( ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ) [772]( ﮊ ﮋ ﮌ 1) ) فارس، النداء في المغة كالقراف، ص102. 2) ) محي الديف الدركيش: إعراب القرآف الكريـ كبيانو، ص 103. 3) ) العثيميف: محمد بف صالح بف محمد العثيميفت 1421ىػ) تفسير الفاتحة كالبقرة ، دار ابف الجكزم، ال مممكة العربية السعكدية، الطبعة الأكلى، 1423 ىػ ، ج1، ص186. 4) ) أحمد محمد فارس: النداء في المغة كالقرآف، ص 102.

عدد الصفحات ٤٥

37 ﮍ ) [770] كقد قاؿ ا﵀ ليذه الأمة: (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ) [77] "(1). ك"﴿يىا ميكسىى﴾ ﴿ يىا﴾ حرؼ نداء لممتكسط، ك﴿ ميكسىىٰ ﴾ منادل مفرد عمـ " (2) قاؿ الشعراكم بعد أف تاب ا﵀ عمى قكـ مكسى، بعد عبادتيـ لمعجؿ.. عادكا مرة أخرل إلى عنادىـ كماديتيـ. فيـ كانكا يريدكف إلون مادّْ يَّ ان .. إلون يركنو، كلكفَّ الإلو مف عظمتو أنو غيب، لا تدركو الأبصار كاقرأ قكلو تعالى: (ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [113] فككف ا﵀ سبحانو كتعالى فكؽ إدراؾ البشر.. ىذا مف عظمتو جؿ جلبلو. . كلكف الييكد، الذيف لا يؤمنكف إلا بالشيء المادم المحس كس، لا تتسع عقكليـ كلا قمكبيـ، إلى أف ا﵀ -سبحانو كتعالى- فكؽ المادة كفكؽ الأبصار.. كىذه النظرة المادية نظرة حمقاء. . كا﵀ تبارؾ كتعالى قد لفتنا إلى قضية رؤيتو جيرا في الدنيا بقكلو تعالى: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ) [21] أم: أف ا﵀ جؿ جلبلو كضع دليؿ عمى كجكده. كضع ىذا الدليؿ في نفس كؿ كاحد منَّ ا. كىي الركح المكجكدة في الجسد. كالإنساف مخمكؽ مف مادة نفخت فييا الركح ، فدبَّ ت فييا الحياة كالحركة كالحس ، إذف كؿ ما في جسدؾ مف حياة، ليس راجعان إلى المادة التي تراىا أمامؾ، كا نَّ ما يرجع إلى الركح التي لا تستطيع أف تدركيا إلا بآثارىا ، فإذا خرجت الركح ذىبت الح ياة، كأصبح الجسد رمة. إذا كانت ىذه الركح التي في جسدؾ، كالتي تعطيؾ الحياة لا تستطيع أف تدركيا ، مع أنيا مكجكدة داخمؾ، فكيؼ تريد أف تدرؾ ا﵀ سبحانو كتعالى ؟ كاف يجب أكلان أف تسأؿ ا﵀ أف يجعمؾ تدرؾ الركح التي في جسدؾ، كاقرأ قكؿ ا﵀ جؿ جلبلو: (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [85] 1) ) أبك حياف، محمد بف يكسؼ بف عمي بف يكسؼ بف حياف أثير الديف الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيؽ: صدقي محمد جميؿ، دار الفكر، بيركت، 1420ىػ، ج1، ص340. 2) ) الدركيش، محي الديف، إعراب القرآف الكريـ كبيانو، ص 105.

عدد الصفحات ٤٦

38 إذا كانت ىذه الركح ك ىي مخمكقة لا تدركيا ، فكيؼ تطمع أف ترل خالقيا ؟ كانظر إلى دقة الأداء القرآن ي في قكلو سبحانو: ( ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ) [22] فكممة(نرل )، تي طمؽ كيراد بيا العمـ. مثلبن في قكلو: (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ) [07] أم: أعممت، كلكف جاءت كممة (جيرة ) لتنفي العمـ فقط ، كتطالب بالرؤية مجيكرة كاضحة يدرككنيا بحكاسّْ يـ. كىذا دليؿ عمى أنيـ متمسّْ ككف بالماديَّ ة التي ىي قكاـ حياتيـ".(1) كىنا لطيفة: كىي ما الفرؽ بيف طمب مكسى  رؤية ا﵀ عز كجؿ في قكلو تعالى : (ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﮼ ﮽ ﮾ ﮿ ﯀ ﯁ ﯂ ﯃ ﯄ ﯅ ﯆ ﯇ ﯈ ﯉ ﯊ ﯋ ﯌ ﯍ ﯎ ﯏ ﯐ ﯑ ﯒ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [707] كبيف طمب بني إسرائيؿ ؟ قاؿ الزمخشرم : "ما كاف طمب الرؤية إلا ليبكت ىؤلاء الذيف دعاىـ سفياء كضلبلا. كتبرأ مف فعميـ، كليمقميـ الحجر، كذلؾ أنيـ حيف طمبكا الرؤية أنكر عمييـ كأعمميـ الخطأ كنبييـ عمى الحؽ، فمجكا كتمادكا في لجاجيـ كقالكا: لا بدَّ، كلف نؤمف لؾ حتى نرل ا﵀ جيرة، فأراد أف يسمعكا النص مف عند ا﵀ باستحالة ذلؾ، كىك قكلو لىفٍ تىرانًي ليتيقنكا كينزاح عنيـ ما دخميـ مف الشبية، فمذلؾ قاؿ: (﮶ ﮷ ﮸ ﮹) فإف قمت: فيلب قاؿ: أرىـ ينظ ركا إليؾ؟ قمت: لأفٌ ا﵀ سبحانو إنما كمـ مكسى  كىـ يسمعكف، فمما سمعكا كلبـ رب العزة أرادكا أف يرل مكسى ذاتو فيبصركه معو، كما أسمعو كلبمو فسمعكه معو، إرادة مبنية عمى قياس فاسد. فمذلؾ قاؿ مكسى: فمذلؾ قاؿ مكسى ( ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ) كلأنو إذا زجر عما طمب كأنكر عميو مع نبكتو كاختصاصو (1) الشعراكم ، محمد متكلي الشعراكم (ت 1418ىػ)، تفسير الشعراكم -الخكاطر، مطابع أخبار اليكـ، ج1، ص 345 – 346.

عدد الصفحات ٤٧

39 كزلفتو عند ا﵀ كقيؿ لو لف يككف ذلؾ كاف غيره أكلى بالإنكار كلأف الرسكؿ إماـ أمتو فكاف ما يخاطب بو أك يخاطب راجعا إلييـ "(1) ثمرة الن داء الإيماف بالغيب، كاستشعار كجكد ا﵀ جؿ جلبلو مف خلبؿ مخمكقاتو، في سماءه كأرضو، سكاءن كانت كائنات حيَّة أك جمادات، ككذلؾ ييقدّْـ لنا النّْداء قيمة تربكيَّة أخلبقيَّة، كىي: الاستجابة كعدـ العناد كالتَّعصُّب، كترؾ اليكل، كاتّْباع طريؽ اليدل. قاؿ الفخر الرازم :" عمـ أف ىذا ىك الإنعاـ السادس، بيانو مف كجكه، أحدىا: كأنو تعالى قاؿ: اذكركا نعمتي حيف قمتـ لمك سى لف نؤمف لؾ حتى نرل ا﵀ جيرة فأخذتكـ الصاعقة ثـ أحييتكـ لتتكبكا عف بغيكـ كتتخمصكا عف العقاب كتفكزكا بالثكاب، كثانييا: أف فييا تحذيرا لمف كاف في زماف نبينا محمد  عف فعؿ ما يستحؽ بسببو أف يفعؿ بو ما فعؿ بأكلئؾ." (2) قولو تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﮼ ﮽ ﮾ ﮿ ﯀ ﯁ ﯂ ﯃ ﯄ ﯅ ﯆ ﯇ ﯈ ﯉ ﯊ ﯋ ﯌ ﯍ ﯎ ﯏ ﯐ ﯑ ﯒ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [77] نوع النداء التَّدلُّو كالتَّضجُّر، كىك "نداء تسميو"(3) ك"يىا ميكسىى"." يىا" حرؼ نداء لممتكسط ، 1) ) الزمخشرم ، أبك القاسـ محمكد بف عمر ك بف أحمد، الزمخشرم جار ا﵀ (ت 538ىػ)، الكشاؼ عف حقائؽ غكامض التنزيؿ، دار ال كتاب العر بي، بيركت، ط3، 1407 ىػ، ج2، ص 154 ، 153. 2)) الرازم ، أبك عبد ا﵀ محمد بف عمر بف الحسف بف الحسيف التيمي الرازم الممقب بفخر الديف الرازم خطيب الرم (ت 606ىػ)، مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي ، بيركت، ط3، 1420ىػ، ج1، ص 518. 3)) أحمد محمد فارس ، النداء في المغة كالقرآف، ص 102.

عدد الصفحات ٤٨

41 ك"ميكسىىٰ " منادل مفرد عمـ "(1) كىك "مف أنكاع النداء القرآن ي المتبكع بأمر ".(2) قاؿ الطاىر بف عاشكرفالذم عندم في تفسير الآية، أنَّ يا انتقاؿ مف تعداد النعـ المعقّْ بة بنعـ أخرل ، إلى بياف سك ء اختيارىـ في شيكاتيـ ، كالاختيار دليؿ عقؿ المبيب، كا ف كاف يختار مباحان ، مع ما في صيغة طمبيـ مف الجفاء، كقمة الأدب مع الرسكؿ كمع المنعـ ، إذ قالكا: لف نصبر ، فعبَّ ركا عف تناكؿ المفّْ كالسمكل بالصبر المستمزـ الكراىية ، كأتكا بما دؿَّ عميو كىك: (لف) في حكاية كلبميـ ، مف أنَّ يـ لا يتناكلكف المفَّ كالسمكل مف الآف ، فإفَّ (لف) تدؿُّ عمى استغراؽ النفي ، لأزمنة فعؿ نصبر، مف أكليا إلى آخرىا ، كىك معنى التأبيد، كفي ذلؾ إلجاء لمكسى أف يبادر بالسؤاؿ، يظنُّ كف أنَّ يـ أيأسكه مف قبكؿ المفّْ كالسمكل بعد ذلؾ الحيف ، فكاف جكاب ا﵀ ليـ في ىذه الطمبة، أف قطع عنايتو بيـ كأىمميـ، كككميـ إلى نفكسيـ، كلـ يرىـ ما عكدىـ: مف إنزاؿ الطعاـ ، ك تفجير العيكف بعد فمؽ البحر، كتظميؿ الغماـ، بؿ قاؿ ليـ: (﮺ ﮻ ﮼) [77] فأمرىـ بالسعي لأنفسيـ ، ككفى بذلؾ تأديبا كتكبيخان ".(3) ثمرة الن داء الصبر المقركف بالشُّكر، كالرّْضى باختيار الرَّب جؿ جلبلو، كتقديمو عمى اختيار النَّفس كشيكاتيا، كما أنَّ و يعطينا قيمة تربكيَّة أخلبقيَّة، كىي: حيسف الطَّمب كالسُّؤاؿ كالتَّأدُّب مع المسؤكؿ. 1)) دركيش، محيي الديف بف أحمد مصطفى (ت 1403ىػ، إعراب القرآف كبيانو ، دار الإرشاد لمشئكف الجامعية -حمص-سكرية ، ( دار اليمامة - دمشؽ - بيركت) ، (دار ابف كثير- دمشؽ - بيركت) الطبعة الرابعة ، 1415 ىػ، ج1، ص 105. 2) ) أحمد محمد فارس: ال نداء في المغة كالقرآف، ص 141. 3) ) ابف عاشكر، محمد الطاىر بف محمد بف محمد الطاىر بف عاشكر التكنسي (ت1393ىػ)، التحرير كالتنكير «تحرير المعنى السديد كتنكير العقؿ الجديد مف تفسير الكتاب المجيد »، الدار التكنسية لمنشر، تكنس، 1984ىػ، ج1، ص 521.

عدد الصفحات ٤٩