المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البناء التفسيري لآيات الأحكام في القرآن الكريم سورة النساء أنموذجا

عبد العزيز صالح الشمري

صفحة ٣ من ٥

25 وقد أودع معظم الأصوليين مبحث حروف المعاني في كتبهم، مع أنه خارج عن مباحث الأصول، لحاجة الفقيه إليها. والمتتبع لحروف المعاني يجد أنها ترد لأكثر من معنى ، فيستعمل بعضها في عشرة معانٍ ، وبعضها في أقل وبعضها في أكثر. 6.0.6 الترادف الترادف : التتابع1 هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد2 وهو تعدد الألفاظ للمعنى الواحد، أي وجود لفظين أو أكثر، يدلان على نفس المعنى، ومثلوا لذل بالسيف، مثل الصارم والمهند .3 واختلف العلماء من السابقين والمعاصرين في مسألة وقوع الترادف في اللغة على قولين: القول الأول: قول المثبتين للترادف ، ومنهم: الأمدي، المبرد وغيرهم وشدد الآمدي في الرد على من أنكر الترادف في اللغة فقال (ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة مصيرا منهم إلى أن الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى الآخر)4 وقال المبرد رحمه الله : (إن هذه الحروف أليفناها من كتاب الله عز وجل، متفقة الألفاظ مختلفة المعاني، متقاربة في القول ، مختلفة في الخبر، على ما يوجد في كلام العرب ، لأن من 1 ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم المقاييس في اللغة، (2/311) 2 السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هإ)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ت: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى، 1418هإ1998م، 1/311 3 انظر: الخالدي، صلاح عبدالفتاح، البيان في إعجاز القران، دار عمار، ط 3 (1413 - 1992( )114) 4 الامدي، أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، ((المتوفى: 131هإ)) الإحكام في أصول الأحكام ، ت عبدالرزاق عفيفي، المكتب الاسلامي، (1/23 )

عدد الصفحات ٣٤

26 كلامهم اختلاف اللفظين لا اختلاف المعنيين ) فنلاحظ أنه يثبت وقوع الترادف في اللغو بقوله (لأن من كلامهم اختلاف اللفظين لا اختلاف المعنيين) 1. القول الثاني: قول المنكرين للترادف : منهم: وابن فارس 2 وأبو هلال العسكري3 الراغب الأصفهاني 4 . وأبرز من قال بإنكار وقوع الترادف في القرآن الكريم من القدماء هو الراغب الأصفهاني (وأتبع هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل- بكتاب ينبئ عن تحقيق "الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة"، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرية والفؤاد مرة والصدر مرية، ونحو ذكره تعالى في عقب قصية : إ ن ف ي ذل كَ لآَياتٍ " لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ "الروم: 31]، وفي أخرى : "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ "يونس: 63]، وفي أخرى : " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ "البقرة : 631]، وفي أخرى : " لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [ "الأنعام: 11]، وفي أخرى : " لأُِولِي الأَْبْصارِ [ "آل عمران : 03]، وفي أخرى : " لِذِي حِجْرٍ " [الفجر: 1]، وفي أخرى : "لأُِولِي النُّهى[ "طه: 13]، ونحو ذلك مميا يعديه من لا يحقي الحقي ويبطل الباطل أنيه باب واحد ، فيقدير أنه إذا فسير : الْحَمْد لِلّ بقوله: الشكر لله و "لا رَ يْبَ ف يه ": لا شك فيه، فقد فسير القرآن ووفياه التبيان " 5 ويتضح أن منهج الراغب يمنع أن تكون الألفاظ المتقاربة بمعنى واحدٍ في السياق القرآنيي . القول بالترادف في القرآن الكريم فأمر يضعنا في مواجهة قضية السياق، وهل يجوز وقوع الترادف في العبارات والجمل كما يقع في المفردة المعجمية ؟ هذا ما قرره العلماء المتقدمون وغيرهم من باحثي الإعجاز من المحدثين. 1 المبرد، محمد بن يزيد، ما اتفق لفظه واختلف معناه، المطبعة السلفية، 1311، ص:3 2 أحمد بن فارس (319هإ)، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها 19-11 تحقيق عمر فاروق الطباع، ط1، مكتبة المعارف، بيروت، 1414هإ/1993م 3 العسكري، أبو هلال، الفروق اللغوية، دار الافاق الجديدة، ط1،1983، ص: 9 4 الاصفهاني، الراغب، المفردات في غري ب القران (1) 5 الراغب، المفردات، ص : (1)

عدد الصفحات ٣٥

27 3.0.6 آثر البناء التفسيري لحروف المعاني من خلال نماذج من سورة النساء. النموذج الأول: أال تعالى " وَ َ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ الن ِسَاءِ إِ َّ مَا أَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْت ا وَسَاءَ سَبِيلا "1. اختلف المفسرون رحمهم الله في معنى"ما" في هذه الآية على قولين: القول الأول: "ما " اسم موصول بمعنى "من" وعليه فالآية تنهى المؤمنين عن نكاح زوجات الآباء، وتكون "من النساء" متعلقة بالفعل نكح. وهو قول جماهير السلف والخلف.2 جاء في كتاب الجامع لأحكام القران للقرطبي (قوله تعالى: {مَا نَكَحَ}قيل: المراد بها النساء . وقيل: العقد، أي نكاح آباؤكم الفاسد المخالف لدين الله ؛ إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه. وهو اختيار الطبري . فإ "من" متعلقة بإ "تنكحوا" و"ما نكح" مصدر. قال: ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع "ما" "من". فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأول أصح، وتكون "ما" بمعنى "الذي" و"من". والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى ؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء)3 القول الثاني: "ما" هي المصدرية ؛ فيكون معنى الآية، لا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم الباطل، وتكون متعلقة بفعل "تنكحوا" وهو قول الإمام الطبري 4 حيث قال(فإن قال قائل: وكيف يكون هذا القول موافقًا قولَ من ذكرت قولَه من أهل التأويل، وقد علمتَ أن الذين ذكرتَ قولهم في ذلك، إنما قالوا : أنزلت هذه الآية في الن هي عن نكاح حلائل الآباء، وأنت تذكر أنهم إنما نهوا أن ينكحوا نكاحَهم؟ 1: سورة النساء (22.) 2 الزمخشري، الكشاف،(1/124)، ابن عطيه، المحرر الوجيز(2/31)، القرطبي، الجامع لأحكام القران، (1/113)، ابن الجوزي، زاد المسير(2/44 )الالوسي، روح المعاني، (4/248 ) 3 القرطبي، الجامع لأحكام القران، (1/113) 4 الطبري، جامع البيان،(8/132)

عدد الصفحات ٣٦

28 قيل له: إنما قلنا إن ذلك هو التأويل الموافق لظاهر التنزيل، إذ كانت "ما" في كلام العرب لغير بني آدم ، وأنه لو كان المقصودَ بذلك النهي عن حلائل الآباء، دون سائر ما كان من مَناكح آبائ هم حرامًا ابتداء مثله في الإسلام ب نَهْي الله جل ثناؤه عنه، لقيل:"ولا تنكحوا مَنْ نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف "، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، إذ كان "مَنْ " لبني آدم، و"ما" لغيرهم = ولم ي قَلْ :"ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء"...)1 والطبري يوافقالجمهور على تحريم نكاح زوجات الآباء على الأبناء ، إلا أن الجمهور يرون أن هذه الآية نص في هذه المسألة، والطبري يرى أنها تبع للنهي عن النكاح الفاسد.2 النموذج الثاني: أال تعالى:" وَا ِنْ خِفْتُمْ أَ َّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ الن ِسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَ َّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِ كَ أَدْنَى أَ َّ تَعُولُوا "3. تنازع أهل العلم في العدد المباح للزوج أن يتزوجه على رأيين ، وسبب الخلاف هو ما يقتضيه حرف الواو في الأ ية فهل يقتضي التخيير أم الجمع وتفصيل ذلك على النحو التالي: الرأي الأول : وهو رأي جمهور المفسرين أن الواو هنا للتكرار وعليه لا يجوز الزيادة على أكثر من أربع نسوة ، قال الزمخشري :" الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أط لق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال- وهو ألف درهم - درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة . ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون أو؟ قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين ، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة : أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه 1 الطبري، جامع البيان،(8/138) 2 نفس المصدر. 3: سورة النساء (3.)

عدد الصفحات ٣٧

29 القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع . وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره : أني الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وا ن شاءوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك"1 وقال القرطبي :" إعلم أن هذا العدد (مثنى وثلاث ورباع ) لا يدل لى إباحة تسع كما قاله مَنْ بَع د للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعَضَد ذلك بأن النبي صَل ى اللَّ عَلَيْه وَسَل م َ نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة، والرافضة وبعض أهل الظاهر، وذهب بعضهم إلى أقبح من ذلك، فقالوا بإباحة الجمع بين (ثمان عشرة ) وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، وقد أسلم (غيلان) وتحته عشر نسوة فأمره عليه السلام أن يختار أربعاً منهن ويفارق سائرهن. وقد خا طب تعالى العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول (تسعة وتقول: اثنين وثلاثة وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول : أعس فلاناً أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول (ثمانية عشر)2. الرأي الثاني : وهو رأي بعض الظاهرية والخوارج ، والشيعة3 أن الواو للجمع وهو مردود بما سبق، قال السمرقندي :" وقال بعض الروافض بظاهر هذه الآية أنه يجوز نكاح تسع 1:الزمخشري، الكشاف( 1 /418.) 2: القرطبي، الجامع لاحكام القران ( 1 /11.) 3 :الجزيري، عبد الرحمن بن محمد بن عوض الجزيري(1311هإ)، الفقه على المذاهب الأربعة، المكتبة العلمية، 2113م.

عدد الصفحات ٣٨

30 نسوة، لأنه قال مثنى وثلاث وَر بَاعَ، فيكون ذلك تسعاً. ولكن أجمع المفسرون أن المراد به التفصيل لا الاجتماع، ومعناه مثنى أو ثلاث أو رباع، وبذلك جاءت الآثار ".1 قال الجزيري:" ولا يعمل بقول الخوارج الذين قالوا: إنه بجوز العقد على تسع نسوة، مستدلين، بجمع النَب ي صَلَى اللَّ عَلَيْه وَسَلَم لثمان نسوة ولا يكون ذلك خصوصية له، لأنه قدوة لنا نقتدي به، ويحتجون بقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع }. والرد عليهم، بأن الزيادة على ا ربع من خصوصيات الرسول صلوات اللَّ وسلامه عليه وبأن حرف "الواو" في الآية بمعنى "أو" التي للتخير لا للجمع. وبما روي أن رجلاً أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي أن يمسك أربعاً ويفارق الباقي 2. النموذج الثالث: قال تعالى:" الر ِجَالُ أَوَّامُونَ عَلَى الن ِسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللََُّّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ أَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللََُّّ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُ وهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَََّّ كَانَ عَلِيًّا كَبِير ا ".3 اختلف العلماء في هذه الآية في العقوبات الواردة في هذه الآية هل هي على الترتيب أم لا ؟ ومنشئ الخلاف بيان معنى حرف الواو هنا هل هو للترتيب أم للجمع . فقال جماعة من أهل العلم إنها على الترتيب، وهذا رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة 4 فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، ثم الضرب، ولا يباح الضرب عند ابتداء النشوز، بل العقوبات على الترتيب . ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ يدل على الترتيب، والآية وردت على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي ثم إلى الأقوى فإنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى 1: السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (313هإ)، بحر العلوم، (دهإ). 2: الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة(1 /89.) 3: سورة النساء (34.) 4 :انظر الموسوعة الفقهية الكويتية(41 /311.)

عدد الصفحات ٣٩

31 التصريح بوجوب الترتيب، فإذا حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأش د. قال ابن العربي : "(من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول (سعيد بن جبير) فقد قال: «يعظها فإن هي قبلت وا لاي هجرها، فإن هي قبلت وا لاي ضربها، فإن هي قبلت وا لا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فينظران ممن الضرر وعند ذلك يكون الخلع"1. الرأي الثاني : وهو رأي الشافعية ورواية عند الحنابلة أن الواو على التخيير، قال النووي :" مراتب تأديب الزوجة ثلاث : إحداها: أن يوجد منها أمارات النشوز قولا أو فعلا، بأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان لينا، أو يجد منها إعراضا وعبوسا بعد طلاقة ولطف، ففي هذه المرتبة، يعظها ولا يضربها ولا يهجرها . الثانية: أن يتحقق نشوزها، لكن لا يتكرر، ولا يظهر إصرارها عليه، فيعظها ويهجرها، وفي جواز الضرب قولان، رجح الشيخ أبو حامد والمحاملي المنع، ورجح صاحبا المهذب الثالثة: أن يتكرر وتصر عليه، فله الهجران والضرب بلا خلاف، هذه هي الطريقة المعتمدة في المراتب الثلاث"2. فالذي يتضح من كلام النووي أن المذهب لم يراع الترتيب في العقوبات وأنما رأى من المصلحة جعلها على حسب خطأ الزوجة ، ولم ينظر إلى أن الواو تفيد الترتيب . 1: ابن العربي، تفسير آيات الاحكام ( 1 /421.) 2: النووي، روضة الطالبين(1 /313.)

عدد الصفحات ٤٠

32 6.6 القراءات القرآنية وأثرها في البناء التفسيري عند المفسرين 0.6.6 تعريف علم القراءات وأأسامها أو : القراءات لغة واصطلاحا : أما القراءات لغة : فهي جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر قرأ، يقال : قرأ، يقرأ، قراءة، وقرآنا، بمعنى تلا، فهو قارئ، والقرآن متلو1. اصطلاحا: فهو العلم الذي يعنى بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم، واختلافها معزوا إلى ناقله2. وقال بعض العلماء: بأن القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن الكريم من تخفيف وتشديد، واختلاف ألفاظ الوحي في الحروف3. وقال الدمياطي: علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة ا لنطق والإبدال وغيره من حيث السماع 4. 6.6.6 أأسام القراءات . درج علماء هذا الفن على تقسيم القراءات إلى : قراءات صحيحة ،وقراءات شاذة ، وبناء عليه لابد من الوقوف عند تعريف كل واحدة منهما : 1: الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، القاموس المحيس (2111م)، مؤسسة الرسالة، (ص:12.) 2: ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف، منجد المقرئين ومرشد الطالبين،(1421)، دار الكتب العلمية، (ص: 3.) 3: القضاة، محمد أحمد مفلح، أحمد خالد شكرى، محمد خالد منصور، مقدمات في علم القراءات، 2111 م: دار عمار،(41.) 4: الدمياطي، أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي، إتحاف الفضلاء البشر،(دهإ)، عالم الكتب (ص:1.)

عدد الصفحات ٤١

33 1- القراءات المتواترة : كل قراءة وافقت العربية مطلقا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، وتواتر نقلها، هذه القراءة المتواترة المقطوع بها 1. وقال ابن الجزري :وأما القراءة الصحيحة فهي على قسمين : الأول ما صح سنده بنقل العدل الضابس، عن الضابس كذا إلى منتهاه، ووافق العربية، والرسم، وهذا على ضربين : ضرب استفاض نقله، وتلقاه الأئمة بالقبول، كما انفرد به بعض الرواة، وبعض الكتب المعتبرة، أو كمراتب القراء في المد ونحو ذلك، فهذا صحيح مقطوع به أنه منزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الأحرف السبعة كما نبين حكم المتلقى بالقبول، وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة، وا ن لم يبلغ مبلغها كما سيجيء2. 2- والقراءة الشاذة : كل قراءة خالفت الرسم العثماني، ولو صح سندها، ووافقت العربية . وي مَث ل لهذا النوع من القراءات بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - لقوله تعالى: وَالس ار ق وَالس ار قَة فَاقْطَع وا أَيْد يَه مَا جَزَاءً ب مَا كَسَبَا نَكَالاً م نَ اللَّ وَاللَّ عَز يزٌ حَك يمٌ {المائدة:38} .إذ قرأ بدل : {أيديهما} (أَيْمانهما). وقراءته أيضًا لقوله تعالى : فَص يَام ثَلاَثَة أَي امٍ {المائدة:89} .بزيادة ( متتابعات ) وقراءة عائشة رضي الله عنها لقوله تعالى : حَاف ظ وا عَلَى الص لَوَات وَالص لاَة الْو سْطَى {البقرة :238} إذ قرأت الآية : ( والوسطى صلاة العصر ) وكقراءة ابن عباس-رضي الله عنهما - لقوله تعالى: "وَكَانَ وَرَاءَه مْ مَل كٌ يَأْخ ذ ك ل سَف ينَةٍ غَصْبًا " {الكهف:19} .حيث قرأها : (وكان أمامهم ملك...). قال ابن الجزري، بعد أن ذكر نحو هذه الأمثلة: فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة، لكونها شذ ت عن رسم المصحف المجمع عليه، وا ن كان إسنادها صحيحًا3. 3.6.6 شروط القراءة الصحيحة، و حكم ا حتجاج بالقراءة الشاذة 1: ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الط البين(18) 2: ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين (19) 3: ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين (19.)

عدد الصفحات ٤٢

34 أو: شروط القراءة الصحيحة . تابع العلماء في هذا الميدان إمام القراء ابن الجزري في شروط القراءة الصحيحة مع اختلاف عليه أحيانا، وسوف أذكر الشروط هنا مع أقوال العلماء في حال الخلاف. القراءة الصحيحة عنده هي من توفر قيها ثلاثة شروط : 1- موافقة وجه صحيح في اللغة العربية : أي موافقة القراءة للقواعد والآراء النحوية المستقاة من النطق العربي الفصيح 1. 2- موافقة أحد المصاحف التي أرسلها عثمان بن عفان رضي الله عنه للأمصار، والرسم العثماني : هو كيفية كتابة الحروف والكلمات القرآنية بما يوافق ما استقر عليه أمر القرآن في العرضة الأخيرة، ، وكانت غاية رسم المصحف بهذه الكيفيات نفي الروايات التي لم تثبت قرآنيتها؛ أي : لإخراج القراءات الشاذة والآحادية2. 3- حصول التواتر: وهو رأي جمهور القراء وهو قول الأصوليين والفقهاء 3. قلت: وخالف مكي بن أبي طالب، وابن الجزري في اشتراط التواتر ركنا في القراءة الصحيح ة، وقالا: إن صحة الإسناد مع الاشتهار تكون كافية لإثبات القراءة القرآنية، إضافة إلى الركنين الآخرين وهما موافقة سنن العربية وموافقة الرسم العثماني . ووجه الفرق بين الفريقين بالنسبة للركنين الآخرين سوى التواتر : أن الركنين الآخرين عند القائلين بالتواتر، هما رك نان لازمان للتواتر، بمعنى : أن القراءة المتواترة لا بد فيها من تحقق الشرطين الآخرين بطريق التيبع. 1:القضاة، مقدمات في علم القراءات (19.) 2: القضاة، مقدمات في علم القراءات (19.) 3:السنيكي، زكريا الانصاري السنيكي، غاية الوصول في شرح لب الأصول،(د هإ)، دار الكتب العربية الكبرى (32)، الفتوحي، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد، (1991)، شرح الكوكب المنير، مكتبة العبيكان(2/128.)

عدد الصفحات ٤٣

35 بخلاف القائلين: بأن التواتر ليس شرطا في صحة القراءة فإن الركنين الآخرين يعتبران ضروريين لاعتبار صحة القراءة فكون القراءة وردت بطريق الآحاد لا يكفي لاعتبار صحة القراءة بالحرف المروي . وحينئذ يظهر: أن الخلاف بين الفريقين خلاف مؤداه واحد، ذلك أن الفريقين يشترطان التواتر لاعتبار إثبات القراءة وبيان ذلك : أن القائلين بالتواتر يعتبرون الشرطين الآخرين بمنزلة تحصيل الحاصل وتابع لتواتر الرواية، وكذلك الحال بالنسبة للقائلين بصحة السند مع الاشتهار، مع موافقة الوضع العربي والرسم العثماني، فإن هذين الشرطين يعطيان الرواية الصحيحة المشتهرة قوة التواتر فيأتلف الكلام حينئذ ولا يختلف1. ثانيا: حكم ا حتجاج بالقراءة الشاذة . القراءة الشاذة إذا صح سندها فقد ذهب العلماء في الاحتجاج بها مذاهب شتى بين مؤيد ومعارض، ويمكن الوقوف على آراء المفسرين حول احتجاجهم بها وموقفهم منها على النحو التالي: اتفق المفسرون على عدم اعتبار القراءة الشاذة قرآنًا، ولكنهم اختلفوا في الاحتجاج بها في تفسير الآية وبيان معناها على رأيين مختلفين : أولا : فالإإإإإإإذين عارضإإإإإإإوا الاحتجإإإإإإإاج بإإإإإإإالقراءة الشإإإإإإإاذة فإإإإإإإي تفسإإإإإإإير بعإإإإإإإض الآيإإإإإإإات وتجليإإإإإإة معانيهإإإإإإا إنمإإإإإإا ذهبإإإإإإوا هإإإإإإذا المإإإإإإذهب لأنهإإإإإإم يإإإإإإرون (أن الإإإإإإراوي لإإإإإإم يإإإإإإروه فإإإإإإي معإإإإإإإإإإإإإرض الخبإإإإإإإإإإإإإر بإإإإإإإإإإإإإل فإإإإإإإإإإإإإي معإإإإإإإإإإإإإرض القإإإإإإإإإإإإإرآن ولإإإإإإإإإإإإإم يثبإإإإإإإإإإإإإت فإإإإإإإإإإإإإلا يثبإإإإإإإإإإإإإت 2 . وتإإإإإإزعم هإإإإإإذا الإإإإإإرأي المعإإإإإإارض للاحتجإإإإإإاج بالشإإإإإإاذ الإمإإإإإإام الإإإإإإرازي وكإإإإإإذا ابإإإإإإن العربإإإإإإي المإإإالكي، فكإإإان الإإإرازي يإإإذكر القإإإراءة الشإإإاذة ثإإإم يناقشإإإها ويردهإإإا بوضإإإوح ففإإإي أولاااه تعااااالى: ﴿ لِلَّااااذِينَ يُؤْلُااااونَ مِاااانْ نِسَااااائِهِمْ تَاااارَبُّصُ أَرْبَعَااااةِ أَشْااااهُرٍ فَااااإِنْ فَاااااءُوا فَااااإِنَّ اللَََّّ غَفُااااورٌ رَحِاااايمٌ ﴾ [البقاااارة : 662 ]بزيااااادة لفااااظ((فاااايهن)) بعااااد ((فااااإن فاااااءوا)) أااااال 1: القضاة، مقدمات في علم القراءات (11)، القيرواني، أبو محمد مكي بن أبي طالب،(المتوفى: 431هإ)، (د،هإ)، الإبانة عن معاني القراءات، دار نهضة مصر للطبع والنشر، (11.) 2: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، الطبعة : الثانية، 1384هإ، دار الكتب المصرية، (1 /41.)

عدد الصفحات ٤٤

36 الاااااارازي:"والصإإإإإإحيح أن القإإإإإإراءة الشإإإإإإاذة مإإإإإإإردودة لأن كإإإإإإل مإإإإإإا كإإإإإإان قرآنًإإإإإإا وجإإإإإإإب أن يثبإإإإت بإإإإالتواتر فحيإإإإث لإإإإم يثبإإإإت بإإإإالتواتر قطعنإإإإا أنإإإإه لإإإإيس بقإإإإرآن وأولإإإإى النإإإإاس بهإإإإذا أبإإإإإو حنيفإإإإإة فإنإإإإإه بهإإإإإذه الحإإإإإروف تمسإإإإإك فإإإإإي أن التسإإإإإمية ليسإإإإإت مإإإإإن القإإإإإرآن فإإإإإالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة وجب القطع بفسادها"1. ويقول ابن العربي : "القراءة الشاذة لا تثبت علما ولا عملا "ً2. ثانيا: وهو الفريق الذي يرى أن القراءات الشاذة قرانا ، وتزعم هذا الرأي الإمام الطبري ، والقرطبي يقول القرطبي : "وا ن لم يثبت كونه قرآنًا فقد ثبت كونه سنة وذلك يوجب العمل كسائر أخبار الآحاد"3. وهذا ما أكده أبو عبيد رحمه الله بقوله: "المقصد من القراءات الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها كقراءة عائشة وحفصة : "والوسطى صلاة العصر"، وقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانها"، وقراءة جابر "فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " قال فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن . وقد كان يرو مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن فكيف إذا روي عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة فهو أكثر من التفسير وأقوى فأدنى ما يستنبس من هذه الحروف معرفة صحة التأويل " 4. على هذا فالقراءة الشاذة التي خالفت رسم المصحف وصح سندها إما أن يصرح الصحابي برفعها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فتكون بمثابة خبر الآحاد المنقول 1:الرازي،أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي، مفاتيح الغيب، (1421 هإ)، دار إحياء التراث، (1 /432.) 2: ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي ، المحصول في أصول الفقه، (الطبعة الأولى،1999م) دار البيارق، (ص: 121.) 3: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (1 /41.) 4: البغدادي، أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، فضائل القران الكريم، (الأولى، 1411)، دار ابن كثير، (ص: 321.)

عدد الصفحات ٤٥

37 عنه في تفسير القرآن، وا ما أن لا يصرح الصحابي برفعها فأدنى أحوالها أن تكون من قول الصحابي في تفسير القرآن . وبهذا نعلم أن القراءة الشاذة مفيدة في بيان الآية القرآنية خلافًا لمن رأى عدم الاحتجاج بها في مجال التفسير، وعليه فالقول الراجح هو العمل بالقراءة الشاذة التي صح سندها ووافقت العربية وخالفت رسم المصحف . 3.6.6 آثر القراءات في البناء التفسيري ونماذج على ذلك من سورة النساء النموذج الأول: أوله تعالى: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ "1. فقد جاء في قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أمه )بزيادة "من أمه"2 ونحوها وفي نحو قوله تعالى (فإذا أحصن) وسبب اختيار هذه الآية في موضوع أثر الآيات الشاذة في بناء التفسير لدى المفسرين؛ هو أن الآية (وله أو أخت) مما نقل الإجماع على أن المقصود هنا هم الإخوة لأم، وذلك لما ورد من قراءة شاذة عن سعد بن أبي وقاص بزيادة من أمه ، وقراءة عبد الله بن مسعود كان يقرآن : "وله أخ أو أخت من أم" 3. أي أن القراءة الشاذة المذكورة كانت سبباً في إجماع العلماء على تفسيرها فقد جاء في مفاتيح الغيب: "أجمع المفسرون هاهنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ : وله أخ أو أخت من أم، وا نما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة : (قل الله يفتيكم في الكلالة) (النساء: 111 ) فأثبت للأختين الثلثين، وللإخوة كل المال، وهاهنا أثبت للإخوة والأخوات الثلث، فوجب أن يكون المراد من الإخوة والأخوات هاهنا غير الإخوة والأخوات في تلك الآية، فالمراد 1: سورة النساء (12.) 2: أورد هذه القراءة الطبري في تفسيره (8 /12)، والأثر موجود في كتب الحديث فهو في البيهقي، أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى (1 /223.) : 3 الرازي، عبدالرحمن بن محمد المعروف بإ ابن أبي حاتم، ت اسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط3 1419، تفسير ابن أبي حاتم(3/888)

عدد الصفحات ٤٦

38 هاهنا الإخوة والأخوات من الأم فقس، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب"1. وجاء في تفسير زاد المسير "وله أخ أو أخت يعني من الأم بإجماعهم"2. وقد تبين أني الإخوة لأم لهم حالتان : 1- أخ لأمي منفرد، أو أخت لأم منفردة ، وله أو لها السدس. 2- أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفي هذه الحالة يكونون شركاء فيالثلث، يقسيم بينهما بالسوية ، لأنثاهم مثل ذكرهم ، لأن مطلق التشريك يدلي عليه . ويمنع الإخوة لأمي من الميراث الوالد والولد مطلقاً سواء كان ذكراً أو أنثى، لأني اللَّي جعل لهما ذلك النصيب إذا كان الميت يورث كلالة ، وقد ذكرنا أنيها من يرثه غير الوالد والولد . النموذج الثاني: أوله تعالى: أَوْ مَسْتُمُ الن ِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا [الن ساء: 3 / 33.] قرأ حمزة، والكسائي، وخلف : ( أو لمستم النيساء ). وقرأ الباقون : أَوْ لامَسْت م الني ساءَ 3. وكذلك في سورة المائدة في آية الوضوء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَ نُوا إِذا أُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَا ِنْ كُنْتُمْ جُنُبا فَاطَّهَّرُوا، وَا ِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ مَسْتُمُ الن ِساءَ [المائدة: 1 /1.] 1:الرازي، مفاتيح الغيب (9/123.) 2:ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي(المتوفى: 191هإ): الأولى - 1422 هإ، زاد المسير في علم التفسير، ت : عبد الرزاق المهدي الناشر : دار الكتاب العربي – بيروت،(1 /381.) 3: الجزري، شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف(المتوفى: 833 هإ)، النشر في القراءات العشر، المحقق : علي محمد الضباع (المتوفى 1381 هإ)،المطبعة التجارية الكبرى، (2 / 211.)

عدد الصفحات ٤٧

39 فقد قرأ الكوفيون إلا عاصما بالقصر: لمستم، ومراده في ذلك أن اللمس هو ما دون الجماع كالقبلة، والغمزة، واللمس باليد، وهو مذهب ابن عمر، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وا براهيم النيخعي، وابن شهاب الزهري . و بذلك فإنهم يجعلون الفعل هنا للرجال دون النساء1. وأما اختيار الباقين فإنهم فهموا منه المجامعة، إذا الألف للمفاعلة، والمفاعلة تكون من اثنين، واستدلوا لذلك بما روي في التفسير أني علييا رضي الله عنه قال : لامَسْت م الني ساءَ : أي جامعتم، ولكن الله يكني». ورويأيضا عن ابن عباس قوله: «هو الغشيان والجماع»2. ثمرة الخلاف : فقد اختار الشافعية أن (لمستم) ظاهرة في مجرد اللمس من غير جماع، وأما قراءة لامَسْت م فقد جعلوها مبالغة في اللمس، ولم يصرفوها إلى معنى آخر، وقالوا : لما أورد الجماع بقوله: لا ج ن باً [النيساء: 4 /43]، كان تكرار ذلك غير فصيح ، واستدليوا كذلك بما قدمناه من مذهب ابن مسعود3. واختار الحنفية أن الليمس والملامسة حقيقة في الجماع، ولكن الله يكني، وقد استدلوا لذلك بما قدمناه من مذاهب الصحابة كابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما4. وقد توسيس المالكية فجعلوا ن قض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة، فجعلوا الضابس لنقض الوضوء حصول اللذة، ونصيوا على أن القبلة تنقض الوضوء مطلقا بين البالغين لأنها مظنية الشهوة، وهو شبيه برأي الحنابلة في المشهور1. 1: ابن زنجلة، عبد الرحمن بن محمد، أبو زرعة ابن زنجلة (المتوفى: حوالي 413هإ)، (ده)، حجة القراءات، سعيد الأفغاني، الناشر : دار الرسالة، (ص: 211.) 2: السيوطي،الدير المنثور في التفسير بالمأثور (2 /111.) 3: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ( 1 /224.) 4: السيوطي،الدير المنثور( 2 /111.)

عدد الصفحات ٤٨

40 النموذج الثالث: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَا كَثِير ا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَََّّ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ إِنَّ اللَََّّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَأِيب ا " (النساء0.) قرأ حمزة : (والأرحام ) بالخفض. وقرأ الباقون : وَالأَْرْحامَ بالنصب2. وتتجه قراءة حمزة إلى العطف على تقدير الخافض أي : تسألون به وبالأرحام، فيما يرى سائر القرياء لزوم النيصب على تقدير: واتيقوا الله أن تعصوه واتيقوا الأرحام أن تقطعوها3. ثمرة الخلاف : أن كلاي من القراءتين المتواترتين أفاد حكما جديدا جديرا بالاعتبار . فقراءة حمزة أفادت جواز التساؤل بالريحم، والاستعطاف بالآباء، وهو قول مروي عن ابن عباس، ومجاهد بن جبر، وا براهيم النخعي، والحسن البصري، وغيرهم . وهو معنى يتصل بتعظيم الريحم، والنيهي عن قطيعتها. وقراءة الجمهور أفادت وجوب تقوى الله في صلة الأرحام، وهو أصل من أصول الدين تضافرت في الدلالة عليه الآيات والآثار . أجود الأقوال في الجمع بين النصوص قول من قال: إن الآية لم تأت في القسم بغير الله، وا نما أتت في التساؤل بغير الله، والتساؤل غير القسم، وهو كقولهم: أسألك بالله وبالريحم، فهي استعطاف وليس يمينا4. 1: الزحيلي، د. وهبة الزحيلي ، (ده) موسوعة الفقه الإسلامي وأدليته، (ط: الرابعة، دار الفكر، 1 / 211. 2: عبد الغفار، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيي الأصل، أبو علي (المتوفى: 311هإ)، الحجة للقراء السبعة، المحقق : بدر الدين قهوجي - بشير جويجابي، دار المأمون للتراث - دمشق / بيروت، الطبعة: الثانية، 1413 هإ- 1993م،(3 /121.) 3: حبش، محمد حبش، القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، (ط: 1999)، دار الفكر بيروت، (ص: 348.) 4: الصابوني، روائع البيان (1 /424 /421.)

عدد الصفحات ٤٩