- 011 - حاولت أن أغلق الهاتف لأقطع الفحيح دون فائدة. الفحيح يتصاعد بوتيرة سريعة، والغريب أن الصوت أصبح مجسمًا ومحيطيًا، ويخرج من كل الموجودات من حولي، إن الصو ت ينبع من داخل الهاتف ومن كل قطعة أثاث في المنزل، حتى الجدران نفسها تردده . سحقني الخوف، لم أستطع أن أستدعي ربة اللامبالاة التي أواجه بها الأمر كلما حدث، وشعرت بأن الشقة تضيق على روحي، وبأنني سأجن لو بقيت لدقيقة واحدة زائدة.. غادرت الشقة، والبناية كلها، ثم استقليت سيارتي.. ذهني شارد.. عقلي مشتعل من التفكير. أجاهد لأحضر بعض الفهم، من داخل أتون الغموض، دون فائدة. فتحت علبة بيرة معدنية من التي أحتفظ بها بداخل مبرد السيارة، ثم رفعتها على فمي عندما شعرت بالقشعريرة تزحف على جسدي، فقد سمعت الفحيح مجددًا. عجلة القيادة تختل في يدي، السيارة تميل نحو الجانب الأيسر، وتكاد أن تخرج عن مسارها، لتسحقها ديناصورات النقل الثقيل التي ترتع على طول الطريق، ولكني تداركت نفسي بسرعة، وقمت بإدارة عجلة القيادة إلى الاتجاه العكسي وحافظت على توازنها، وفي أول مكان صالح، قمت بركنها، لأن أعصابي تلفت تمامًا وأشعلت أضواء الانتظار.
عدد الصفحات ١٣١- 011 - لابد أن أهدأ، إن هذه الطريقة في معالجة الأمور قد تكلفني ما هو أكثر من سيارة مهشمة، قد تكلفني حياتي. شعرت فجأة بخمول شديد، ورغبة عارمة في النوم. لقد أوقفت السيارة في الوقت المناسب تمامًا، لن أحاول أن أقاوم النوم، إنني في حاجة ماسه إليه بالفعل، فهذا يومي الثاني على التوالي دون نوم. سأحظى ببضع ساعات من الراحة، وبعدها ليكن ما يكون .. وقبل أن أستسلم تمامًا لقبضة النوم الحريرية، لمحت تلك العيون المخيفة في مرآة السيارة الداخلية. ولكن عقلي كان قد توقف تمامًا عن الاستجاب ة لأي مؤثرات، وبحيرة الأدرينالين الموجودة داخل جسدي كانت قد جفت تمامًا. وفقد جسدي تماسكه. إن النوم يحكم قبضته على روحي، الآن أنا هناك في مملكته الغامضة. **** فجأة استيقظت وكأن هناك من صفعني على وجهي، لأخرج من ذلك الحلم العجيب الذي رأيت فيه أمجد غارقًا في دمائه والحياة تنسحب من جسده.. والنيران تحيط به من كل جانب .. وبرغم هذا يجاهد ليخبرني أن أستيقظ لأخف إلى نجدة نجيب، لأنه بحاجة ماسة إلى مساعدتي.
عدد الصفحات ١٣٢- 011 - هززت رأسي نافضًا الحلم الغريب، ثم قدت السيارة عبر الطريق بدون وجهة أو اتجاه محدد..هائمًا على وجهي وبداخلي حنين لبيت أمي ولأطفالي. قررت أن أذهب إليهم لأتفقدهم وأتمتع ولو قليلاً بجو الأسرة البعيد عن كل هذا التعقيد، ومن ثم غيرت اتجاهي كليًا. وسلكت طريقًا آخر. الطريق كان خاليًا على غير العادة، فالشمس قد غابت ومعها غاب الزحام والضوء. تركت العنان لسيارتي، وعيني على الطريق. صداع متزايد يلتهم مخي .. لابد من قدح من القهوة .. انشغلت بعبارة شعبية مكتوبة على سيارة وحيدة خرجت من شارع جانبي لتسير أمامي، عندما رن جرس الهاتف . (نمشي على كف القدر ولا ندري ما المكتوب). نظرت إلى الشاشة المتذبذبة ثم ارتجفت. إنها لبنى من جديد. ماذا تريد لبنى مني ؟! هل تحاول الانتقام لأني هجرتها، ولكنه كان طلبها، هي من قررت أن تنهي هذه المرحلة من حياتنا . هي من أخذت المبادرة. صحيح أنني أسوأ زوج في العالم، ولكني لم أسئ لها بما يبرر هذه الأفعال الحمقاء.
عدد الصفحات ١٣٣- 015 - أنا أعرف طريقة الاتصال المزعج أثناء القيادة، إنه الأداة المثلى للجريمة الكاملة. لن أجيب. لن أكون ضحية أخرى، لخبر كاذب يشتت ذهني أثناء القيادة . ثم كيف أتى الهاتف هنا ؟ ! لقد تركته في المنزل عندما عجزت عن إغلاقه . ارتفع صوت الهاتف بالفحيح مجددًا، لتشمل جسدي رعدة شاملة، ونظرت صوب المقعد المجاور حيث يقبع الهاتف المخيف ودقات قلبي تتصاعد، لم يكن الرنين بهذه القوة من قبل. إنه الآن يتعالى. إنه يدوي بقوة كجرس معدني، ثم كبوق سيارة نقل ثقيلة، ثم كدوي المدافع. تركت عجلة القيادة لحظة واحدة لأحمي أذني ، عندما شعرت بالارتطام. ضغطت دواسة الفرامل بكل قوة ولكن الكارثة كانت قد وقعت، القميص البرتقالي يلمع أمام عيني قبل لحظة من انفجار الوسائد الهوائية في وجهي لأرتد إلى الخلف مصابًا بكدمة في عيني. صوت صرخة نسائية . القميص البرتقالي ليس بغريب عني. يا إلهي هل صدمت نجيب ؟!
عدد الصفحات ١٣٤- 016 - - الغرفة الزرقاء- دقيقة واحدة كانت هي الفيصل بين الحياة والموت، لو تأخرتها لأي سبب، أو لو هداني تفكيري للذهاب به إلى المستشفى الحكومي القريب بما فطر عليه من بيروقراطية وروتين، لربما لم تطلع شمس اليوم التالي على نجيب ، ولكنت أنا خلف القضبان أحاكم بتهمة القتل غير المتعمد. رد فعلي كان مباغتًا لي أنا شخصيًا، فلم أظل في مكاني لحظة واحدة بعد الارتطام، ولم تشلني المفاجأة، بل دفعت باب السيارة التي ذابت إطاراتها من الاحتكاك المباغت، وكنت أول من وصل إلى جسد نجيب الممدد دون حراك بجانب الرصيف. لم أنتظر أن يتجمهر المارة وأن تحدث المشادات المعتادة، وخالفت كل التحذيرات الطبية المعروفة، وقواعد الإسعافات الأولية بعدم تحريك المصابين في حوادث السيارات، وانتظار المساعدة الطبية، وحملت جسد نجيب الغارق في الدماء والفاقد لتماسكه كدمية مهشمة بسرعة إلى داخل سيارتي، وانطلقت بها أنهب الطريق صوب عيادة الدكتور (راغب مهران) صديقي وطبيب العائلة وأنا أدعو الله ألا أزيد من سوء إصابته. كنت منزعجًا بشدة، ولكن هذا لم يؤثر على حكمتي وتقديري للأمور. فالسرعة تعني إنقاذًا سريعًا، وحصرًا للمضاعفات، كما أنها ستمنع أي شخص من إبلاغ الشرطة لأدخل في تحقيقات لا أول لها ولا آخر.
عدد الصفحات ١٣٥- 017 - صدقوني لن يكون أحد مبتهجًا بحضور الشرطة، حتى نجيب الراقد في المقعد الخلفي بين الحياة والموت سيؤم ن على قراري . أنا مؤمن أن ما حدث قضاء وقدر، وأنا لم أكن متعمدًا لدهس نجيب، كما أن الدكتور راغب جراح ماهر جدًا ويدين لي بعدة خدمات. يا إلهي ..لقد دهست نجيب.. !! بالطبع لم أنتبه للذباب إلا بعد أن وضعت نجيب في المقعد الخلفي، لم أستوعب الأمر في البداية، كان شيئًا عجيبًا ومخيفًا في نفس الوقت، ولكن لا محالة من معالجة أمر الذباب قبل أن أشرع في القيادة. إن الذبابة بذاكرتها التي لا تتعدى الثواني الخمس تعد أكثر الكائنات إزعاجًا في الكون. القيادة مع هذه المعاناة قد تتسبب في الحادث الذي لن يجدي معه أطباء. مسكين نجيب لا أعرف ماذا حدث له في تلك الساعات التي تلت مغادرته لشقتي، وما سر تكاثر الذباب من حوله، أعتقد أن كل ذباب مصر قد قرر أن يحج إلى جسد نجيب المهشم ليحصل على نصيبه من دمائه المتخثرة. هل أصبح مغناطيسًا بشريًا لا يجتذب إلا الذباب ؟
عدد الصفحات ١٣٦- 018 - أثار الذباب جنوني، فهو يعوق الرؤية وطنينه لا ينقطع، لذلك وجدت أسلم حل أن أفصل مقعدي عن المقعد الخلفي بالحاجز الزجاجي، والذ ي كنت أستخدمه في الفترة التي استعنت فيها بسائق خاص عندما جاءتني فوبيا القيادة، وكي لا يتلصص على ما أقوم به مع فتياتي في تلك الفترة المظلمة من حياتي التي تلت انفصالي عن زوجتي، وليرحم الله نجيب حتى نصل . فتحت الشباك متلمسًا الهواء المتدفق والذي يعمل كمروحة عملاقة كحل هزيل لمواجهة الذباب، وتكفل الهواء المندفع مع السرعة العالية، بطرد معظم جحافل الذباب المهاجمة، ولكني لم أتحمل حتى النهاية. وفي منتصف الطريق كانت روحي قد بلغت الحلقوم، لم أستطع الصمود أكثر أمام مضايقات العدد المتزايد من الذباب الذي لم يستطع الهواء طرده، واضطررت للتوقف على جانب الطريق للحظات واستخدام نظارة السباحة، والتي أخرجتها من حقيبتي الرياضية . وشغلت فمي بسيجارة مشتعلة أخذت أنفس دخانه في غضب. قطعت المسافة الفاصلة عن عيادة الدكتور (راغب مهران) في وقت قياسي وعن طريق الهاتف المحمول، أخبرت الطبيب بما حدث فشرع في إعداد غرفة العمليات، كما أخبرته بمشكلة الذباب، ورغم تعجبه وتهيبه إلا أنه تجاوز عن الأمر بصعوبة غير مصدق، وقال أنه سيعد العدة. لم يتوقع الدكتور مهران مقدار الإصابة ولا حجم الذباب .
عدد الصفحات ١٣٧- 019 - ولكنه قام بعمل أسطوري في تلك الأجواء العجيبة، إنها الجراحة ا لأولى التي يقوم بها وسط مبيدات الحشرات، وفي أجواء غير معقمة تمامًا، وفي النهاية أنقذ نجيب الذي تحطمت نصف عظامه، وفقد بصره جراء ارتطام وجهه بشبكة السيارة الأمامية. اعتصرني تأنيب الضمير، ولم أقو على منع دموعي من الهطول وأنا أتذكر بسمته الطفولية وحكايته التي لا تنقطع عن أبيه وقسوته.. واسيت نفسي بأنه على الأقل مازال حيًا، وهو دون شك سيحتاج لوقت طويل ليستوعب الصدمة، ولكني أعرف أنه سيتجاوزها. المصيبة الكبرى في كيف سنخبر والديه بما حدث، وأشار علي دكتور راغب بأن أؤجل الأمر قليلاً حتى يتسنى نقله من العيادة ليبعد عن نفسه أي مشكلة، كما أنه الآن في حالة خطرة لن تسمح بنقله . وافقته على هذا الحل لأنه كان قريبًا مما كنت أفكر فيه، ثم أسداني دكتور راغب خدمته الأخيرة، حيث قام بعزل نجيب في غرفة خاصة تم تخصيصها له في طرف فيلته التي يستخدمها كعيادة، والت ي كانت تستعمل كمخزن لأدوات الحديقة وبعض الأشياء الأخرى. تكلفت هذه الغرفة المجهزة مبلغًا فلكيًا، ولم أتوان في دفعه فآخر شيء أفكر فيه الآن هو النقود . وخلال اثنتين وسبعين ساعة كان قد تم نقل نجيب إليها والذي بدأ يعود إليه وعيه.
عدد الصفحات ١٣٨- 011 - لم تكن غرفة عادية، وبالتالي تجهيزاتها، فقد طليت بطلاء أزرق وهو أكثر لون يكرهه الذباب بعد أن خلط بمادة كيماوية عديمة الرائحة ذات تأثير طارد للحشرات، وتم تزويدها من الخارج بجهاز ذبذبات مخصوص أرسله أحد زملاء دكتور راغب من ألمانيا بالبريد السريع يطلق ذبذبة تؤذي الذباب، وأخيرًا الأبواب والشبابيك العازلة والتي تشبه أبواب الثلاجات. من يفكر أن خمسة أيام فقط هي التي مضت على وقوع الحادث وإنشاء الغرفة، سيعرف دون شك أن النقود تصنع المعجزات . إنها عصا ساحر العصر الحديث. وفي اليوم السادس طلب دكتور نجيب استشارة بعض زملائه من علماء الحشرات في ألمانيا وقرر بعضهم القدوم لمشاهدة الحالة وإسداء النصيحة مع ملك الذباب هذا، واقترح عليه أحدهم استخدام بعض النباتات آكلة الحشرات حول الغرفة لتقلل من تكاثفها. وتم الأمر بالفعل، ولكن أيًا من هذه الحلول لم يأتِ بالنتيجة المرجوة . الذباب كان يصنع ستارة كثيفة حول الغرفة وكأنها خلية نحل وليست مجرد غرفة، واضطرت الممرضة المكلفة بمباشرة حالته، لارتداء زي أشبه بزي المتعاملين مع النحل، وكانت تدخل لممر فاصل معزول يقودها صوب الغرفة، وما يصحبها من ذباب تقضي عليه مباشرة بالمبيد قبل أن تدخل
عدد الصفحات ١٣٩- 010 - لتمنح نجيب الدواء والغذاء الموضوع في علب بلاستيكية خاصة محكمة الغلق. لم تكن الممرضة تخفي ضيقها وتبرمها من ذلك المريض الجاذب للذباب، برغم الراتب الإضافي الذي كانت تحصل عليه مني . وإن لم يستمر الأمر على منواله للنهاية. وفي اليوم السابع كانت المفاجأة . فعندما أقبلت إلى عيادة الدكتور راغب، حاملاً معي البيتزا التي يعشقها نجيب والتي قمت بوضعها بداخل حقيبة مخصصة تحفظها ساخنة ومعزولة، وقمت بقطع الممر الفاصل المؤدي إلى غرفة نجيب لم أسمع الطنين المميز لأسراب الذباب، والذي لا ينقطع ليل نهار وعندما ظهرت الغرفة لناظري، اتسعت عيناي من المفاجأة. لقد ذهب الذباب !! ذهب بغير رجعة، تلك الستارة الكثيفة التي كانت تحيط بالغرفة إحاطة السوار بالمعصم.. تلاشت نهائيًا. لم أستطع أن أسيطر على نفسي من السعادة، وأطلقت صيحة فرح، وكدت أن أقفز لأعلى من الفرح، قبل أن أندفع كالصاروخ نحو غرفة نجيب المغلقة. وهناك كانت تنتظرني مفاجأة أكثر وطأة وقسوة.
عدد الصفحات ١٤٠- 011 - ففراش نجيب كان خاليًا ووسائده ممزقة وأحشاؤها متناثرة في كل مكان، وكأن هناك من مزقها متعمدًا. والشراشف غارقة في كمية هائلة من الدماء، وأثار الدماء توحي بأن هناك، معركة نشبت فوق الفراش، وأن هناك من انتزع نجيب انتزاعًا من فوق الفراش.. قبل أن يجره صوب الجدار المقابل لتنتهي الآثار والدماء هناك، وكأنه طار إلى السماء أو ذاب في العدم أو ابتلعه الحائط.. وعلى الجدار المقابل كان القميص البرتقالي خاليًا، ملتصقًا بالحائط ومحترقًا من الوسط، وآثار الاحتراق على هيئة وجه مخيف له قرون وأنياب حادة. لم أستطع التحكم في معدتي فتقيأت ما بها من طعام. وعندما انتهيت، ومن وسط عيني الغارقتين في الدموع، لمحت على الجانب البعيد من الفراش، الممرضة (سهى) ملقاة على الأرض في وضع غير مريح وفاقدة للوعي . ثم رأيت ما أثار ذعري. فعلى الحائط القائم خلفها، وبالدماء الحمراء التي تخص نجيب دون شك، والتي تحولت للون قاتم فوق الطلاء الأزرق كانت العبارة المخيفة التالية مكتوبة : - الثاني يتلاشى في اليوم السادس.
عدد الصفحات ١٤١- 011 - 20 اللعنةالثانية - الرغبة عر فها دانتي : الحب الطبيعي للآخرين يتحول إلى عاطفة آثمة، يغلب فيها حب البشر على حب الآلهة.. مرتبطة بأمير الجحيم أزمودياس Asmodeus واللون الأزرق... من أنا؟ أنا يا سيدي.. أنا التي أ حب بوصةً من اللحم.. أكثر من ذراع من السمك.
عدد الصفحات ١٤٢- 011 -
عدد الصفحات ١٤٣- 015 - - التي رأت الشيطان- " لتعلو مملكة الهلاوس والجنون". هذا هو ما حدثت به نفسي عندما سمعت ما رددته الممرضة (سهى ) بعد أن استفاقت من غيبوبتها، وقد استحالت خصلة لا بأس بها من شعرها الفاحم إلى اللون الأبيض، وتشوه جانب وجهها الأيسر بحروق مخيفة من الدرجة الثانية، يصحبها إصابات غائرة مزقت لحم الوجه بعنف، و تبدو والإصابة وكأنها حدثت بأداة معدنية مسننة ذات أطر اف حادة، مما يشي بأن أي مجهود سيصرف على عمليات التجميل، هو جهد ضائع، لقد تشوه وجهها بطريقة مريعة، والشي ء المؤكد أن عقلها بات على حافة الهاوية والخبال. تقول سهى : لا أعرف لماذا غزت الشفقة قلبي تجاه هذا الصبي المعزول في غرفة الحديقة، والذي لا يكف الذباب عن محاولة الوصول إليه ليل نهار. وكأنه قطعة الحلوى التي ستهب للذباب الخلود. لم أستوعب الموقف في البداية، فما يحدث حولي هو شيء ينتمي لعالم آخر لا أجيد قراءة مفرداته .. فلا يوجد مرض في الدنيا من الممكن أن يجذب هذه الأسراب الهائلة من الذباب، حتى الجروح المصابة ب التعفن
عدد الصفحات ١٤٤- 016 - والغرغرينا لا تجذب هذه الكمية الهائلة من الذباب، والتي تكفي لإقلاق راحة مدينة بأسرها. بكاء نجيب المتواصل هو السبب الرئيسي في اهتمامي به. فالبكاء هو نقطة ضعفي الكبرى، فقلبي الضعيف جعلني لا أتحمل أن أرى طفلاً يبكي، وحالته المتدهورة هذه جعلته يشبه الأطفال تمامًا. نحيبه المتألم كان يمزق نياط قلبي وإلحاحه المستمر في طلب الطعام كان يفتت كبدي، فكنت أخالف أوامر الدكتور راغب وأمرر له بعض الطعام من حين لآخر. لقد رأيت فيه أخي الذي اختفى منذ اندلاع الثورة ولم يظهر من حينها برغم وجود تأكيدات على اعتقاله في أحد ا لسجون الحربية، أعتقد أن كل البدناء متشابهون ولكن نظرة عينيه الشبيهة بنظرة أخي لا يمكن أن أخطأها. عندما منحته الدواء المسكن أخبرني صوته الباكي بما يريد، ونازعتني أمومتي وقسم مهنتي، وفي النهاية تغلبت مشاعر الأمومة بداخلي على كل شيء آخر.. إنه مجرد طفل جائع !! طفل يحتاجني وأنا لن أخذل من يحتاجني أبدًا. عندما كلفني الدكتور راغب بالانقطاع للعناية بنجيب، لم أشعر بأنه تكليف قدر ما هو عقاب، ربما لم ينس دكتور راغب موضوع زجاجات المورفين
عدد الصفحات ١٤٥- 017 - التي اختفت من عهدتي بعد. وها أنا ذا وخلال مدة قصيرة، أرتكب الخطأ الثاني بعصيان تعليماته. المهم أنني تسللت إلى مطبخ العيادة الضخم المتخم بالطعام والشراب وأحضرت له عدة أرغفة من الخبز الطازج، وثمرتي برتقال، ونصف دجاجة مسلوقة، وشرعت في إطعامها له .. وبعيون تكاد تقفز من محجريهما، جلست أتابعه وهو يلتهم الطعام. لم أر في حياتي نهمًا مماثلاً، ولا معدة من الممكن أن تتقبل مثل هذه الكمية من الطعام . فقبل أن ينتهي يطلب المزيد، وقبل أن يبتلع القطعة الحالية يريد القطعة التالية، إن هذا شيء مخيف بلا شك، ولولا وجوده بداخل السترة الجبسية لربما ظل يأكل حتى انفجرت معدته وأمعاءه. المشكلة كانت في الإخراج، فمع كل كمية الطعام هذه لا يبدو أن جهازه الإخراجي يعمل بكفاءة . وهذا كان يمثل عب ئً ا إضافيًا علي ، ولكني تقبلته على مضض، فمن يبدأ فعل الخير عليه أن يتمه، مهما كان مقززًا. الخلاصة أني اعتبرت نجيب مسؤوليتي، وقررت ألا أتخلى عنه أبدًا، فربما الخير الذي أقدمه هنا ينعكس على أخي هناك، فيرأف به سجانه ويمنحه بعض الراحة وسط وصلات التعذيب التي لا تتوقف في المعتقل الحربي المظلم.
عدد الصفحات ١٤٦