المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ٨ من ٢٦

- 006 - إنه لم ينم، ولو لحظة واحدة هذا يبدو واضحًا على عينيه الحمراوين، وأجفانه المنتفخة والسواد الذي غزى أسفل عينيه، وعلى المنضدة المجاورة توجد منفضة سجائر قد فاضت بالأعقاب، لتحدد حجم المأساة الحقيقي.لقد أخطأنا جميعنا عندما أنصتنا لأمجد. لا يبدو أن رشاد سيمثل حائط مبكى جيدً ا اليوم، كما أن مزاجه غير رائق أبدًا هذا واضح من عصبيته، إن القلق محفور على وجهه بأزميل غير حاد. إن التجربة التي خضناها كانت مروعة .. من يصدق ما حدث !! أشعل سيجارة جديدة برغم أن الأولى مازالت مشتعلة في المنفضة، وأخبرني أنه قضى أسوأ ليلة في حيات ه، الكوابيس ظلت تطارده طوال الليل، والشياطين تحاول النيل منه دون هوادة، كما أن زوجته السابقة لم تتوقف عن الاتصال به على هاتفه المحمول، وكلما أجاب لا يسمع إلا صدىً وفحيحًا مخيفًا. الحيرة كانت مرتسمة على ملامحه، ولسان حاله يقول : ما علاقة كل هذا ببعضه ؟ ! إن عقله يكاد أن يذوب من حدة التفكير. إنه مؤمن تمامًا بوجد الجن والشياطين لأنه تم ذكرهم في القرآن الكريم، واقتصار الأمر على وجودهم هناك، كنصوص بداخل الكتب المقدسة،

عدد الصفحات ١١٥

- 007 - جعلهم بعيدين جدًا عن حدود عالمه، وجعله لا يضعهم أبدًا في حساباته كأذىً مستقبلي محتمل. ولكنهم الآن ملء العين والبصر، وهو خائف جدًا. خائف من المجهول. خائف من أشياء لا حدود لها، أشياء لا تلتزم إلا بقوانينها الخاصة. كيف كان الشيخ ياسين يتعايش مع كل هذا الهول ؟ ! لابد وأن قلبه قد مات منذ زمن بعيد !! أخبرته أن الأمر كله قد لا يكون بالسوء المتوق ع، بل هو ناتج عن تلك التجربة المريعة التي قمنا بها، وبدا عليه أنه غير مقتنع تمامًا، لقد واجه الرعب والموت، اقترب كثيرًا حتى كاد يحترق، ولكن ما كان يشغله أكثر هو مكالمات الهاتف الغامضة. إن زوجته خارج البلاد، فكيف يأتي الاتصال من رقمها المحلي . هل تركته مع أحد ليعابثه، ولكن لماذا تتذكره الآن ؟ ! لقد مر أكثر من عام على آخر لقاء تم بينهما !! ولماذا في هذه الليلة بالذات ؟! إنها أذكى وأعقل من ذلك، لابد أن في الأمر خطأً ما.

عدد الصفحات ١١٦

- 008 - أخبرته أن المصائب لا تأتي فرادى. ولكنه لم يقتنع. إن المصيبة التي تعرف رقم هاتفه، لا علاقة لها بالمصائب الأخرى. **** اندمجنا في الحديث، وطرحنا النظريات ولم يقطع نقاشنا إلا صوت جرس الباب، وكان القادم أفضل عامل في مصر، عامل توصيل الطلبات للمنازل .. إن للبيتزا وضعًا خاصًا في قائمة طعامي، ربما تلي المحشو مباشرة. لذلك كانت بهجتي لا توصف.. فأن يكون صديقك مطلقًا وثريًا فلك أن تتوقع ما لذ وطاب من تلك الوجبات السريعة المبهرة. لا توجد زوجة متسلطة تعد طعامًا لا يؤكل، ولا أطفال مزعجون ينغصون عليك جلستك. أنت وصديقك فقط وعلبة البيتزا العملاقة، إنه المشهد الأكثر إثارة في اليوم كله . توجهت صوب الحمام لأغسل يدي ، وأمام المرأة قررت أن أهيل الماء على رأسي عل الماء يلطف من حرارته . وعندما رفعت رأسي رأيت الوجه المخيف والعيون المشتعلة في انعكاس المرآة، ولمحت تلك الأصابع المخلبية تشير لي، بتلك الإشارة التي تمثل الذبح والتي لا تعني إلا التهديد بالموت.

عدد الصفحات ١١٧

- 009 - هززت رأسي بعنفنفض تلك الرؤى المخيفة، وعندما عدت ببصري إلى المرآة، كان سطحها المصقول لا يعكس إلا وجهي الممتلئ والذي غاضت منه الدماء، وعندما هممت بتجفيف وجهي بالمنشفة شعرت بألم حارق في معدتي، وكدت أتقيأ ..كان ألمًا عنيفًا لم أختبره من قبل بهذه الحدة، إنها قرصة الجوع أعرفه ا جيدًا، ولكنها لم تكن من قبل بهذه الطريقة العنيفة. خرجت من الحمام مسرعًا، والدموع تكاد تهطل من عيني ، والبيتزا تحتل كامل كياني .. نظرت إلى علبة البيتزا في نهم حيوان متوحش شم رائحة الدماء بعد طول حرمان، وكدت أخطفها من يد رشاد، لولا أن تماسكت بصعوبة. الجوع المفاجئ صدمني. إنها المرة الأولى التي أرى فيها الطعام فتتقلص معدتي بهذا الشكل. لابد وأن أقوم بعمل بعض التحاليل، إن جارنا كان يعاني من الديدان في معدته فربما أصبت بها مؤخرًا، لم يكن علي أن ألتهم تلك الكبدة غريبة الشكل من فوق تلك العربة مجهولة المصدر أثناء قدومي. لقد شكك أمين ذات يوم في نوع هذه الكبدة، فضخامة الشطيرة لا تتناسب أبدًا مع سعرها الزهيد ولا سعر الكبدة في السوق، وها هي النتيجة.

عدد الصفحات ١١٨

- 011 - شعرت للحظة بألم فائق في بطني، وكأن هناك من يسكب الحمض في معدتي، فكدت أصرخ لولا أن تمالكت نفسي وانقضضت على علبة البيتزا وكياني كله مركز على تناول الطعام، الذي وجدته الأسلوب الوحيد والفعال لإسكات الألم. انهمكت في التهام الطعام وأنا أشعر أنه مع كل قضمة يضاف لون جديد للحياة، وتتراجع موجات الألم، في حين انشغل رشاد في احتساء زجاجة باردة من البيرة ومراقبتي، لقد عافت نفسه الطعام الذي طلبه لسبب ما، كما أنه بادي الاضطراب، لابد وأنه يخفي عني شيئاً ما. وعندما بدأت في تناول المياه الغازية، لم أتوقف إلا بعد أن أنهيت اللترين بالكامل وعلى مرة واحدة. معدتي تتقلص ولكن الألم يجبرني على المتابعة وتناول الطعام، وعيون رشاد المتسعة تخبرني أن ما أقوم به مخيف. ورغم ذلك لم أتوقف لحظة واحدة، ولم يعلق رشاد.. لابد أن الذهول ألجم لسانه. وعندما شارفت على الانتهاء من البيتزا ذات الحجم العائلي، تركني ليذهب إلى الحمام، وأخذت أنا أعب من زجاجة البيرة الأخرى حتى أنهيتها دفعة واحدة، شعرت بامتلاء مريع.. ولكن التوقف كان دربًا من الخيال. الألم قلت حدته للحظات ثم عاد كموج هادر . هناك شيء ما أريده ولا أعرفه. هل أنا جائع حقًا ؟!.

عدد الصفحات ١١٩

- 010 - لحظات ثم تعالى صوت رنين هاتف رشاد المحمول، فأتى صوته غير الواضح من الحمام يخبرني بأن أجيب على الهاتف أو خيل إلي ذلك. وعندما ضغطت زر إت مام الاتصال، ووضعت الهاتف المحمول على أذني سمعت صوت الفحيح المخيف، فانقبض قلبي ، وشعرت بغصة في حلقي. لم يكن فحيحًا مبهمًا كما ظن رشاد.. إنه صوت أنثوي يتوعد، ولكنه كان مشوشًا، وإن استطعت بصعوبة التقاط بعض الكلمات : - إنه دورك.. أنت الأول.. أبواب الجحيم تهلل بانتظارك.

عدد الصفحات ١٢٠

- 011 - - الجوع- صدمتني الكلمات وهبطت على أذني كالصفعة، حتى إنه فلتت من بين شفتي صرخة مكتومة تعبر عن هلعي وفزعي، ودون إرادة ألقيت الهاتف المحمول من يدي فسقط فوق الموكيت والفحيح مازال يصدر عنه . تراجعت ملتصقًا بالمقعد وكل خلية في جسدي ترتجف من الرعب، ما هذا الصوت الشيطاني، وكيف استطاعت زوجة رشاد أن تقوم بهذه الحيلة المخيفة، إن هذا الفحيح يحطم الأعصاب. شعرت بالألم يتصاعد في معدتي والعصارة تحرق جدرانها وتكاد روحي أن ت زهق.. سيطر الرعب على أحاسيسي، و عندما حدث التجسد، كنت خارج الشقة بل العمارة كلها، أعدو بلا هدف في الشوارع، وقد شاب شعري . فعندما نظرت لشاشة الهاتف المحمول، كان اسم لبنى زوجة رشاد السابقة يتذبذب، لحظات وخرج بخار متراقص أسود اللون وأخذ يتشكل في هيئة مخيفة شيطانية أفزعتني وجمدت الدماء في عر وقي، مصحوباً بصرخات مدوية وكأن هناك من ي مزق وهو على قيد الحياة، ثم أصبح المكان شديد الحرارة، وأخذ الهواء يتلاشى من المكان. صرخت من الرعب وبصوت لابد وأنه أفزع كل سكان العمارة وقررت الفرار. أي شيطان هذا الذي سيخرج من الهاتف، لو كان مصباحًا قديمًا لتوقعت خر وج جني ما، ولكن قلبي المنفطر يخبرني أن ملك الموت هو من

عدد الصفحات ١٢١

- 011 - سيخرج عبر الهاتف، لسنا في ألف ليلة وليلة على كل حال . ولست أنا علاء الدين، ثم إن ألف ليلة وليلة لم يكن فيها هواتف محمولة. لم أنتظر لأعرف ما سيحدث عند انتهاء التجسد، يكفي الفحيح الذي عم المكان والرائحة الكبريتية الكريهة التي آذت أنفي. لا أعرف كيف عدوت بمثل هذه السرعة الفائقة، لقد قطعت عدة كيلومترات في دقائق معدودة، قبل أن أتوقف بأنفاس لاهثة متلاحقة والطعام يكاد يثب عبر حلقي وجسدي البدين يترجرج و لا يتوقف عن الارتجاف، وعندما سكن جسدي سقطت على ركبتي باك يًا فوق عشب تلك الجزيرة الخضراء الموجود عبر الطريق وسؤال قاتل يدور في رأسي : إننا بالنهار، فكيف تخرج الشياطين بالنهار ؟!! تعاظمت الآلام بمعدتي .. صرخت كمن بتروا له ساقه وهو مستيقظ . لحظات كاسحة من الألم .. ثم فقدت الوعي. **** لا أعرف كم بقيت فاقدًا لوعي، ولكني عندما استيقظت كانت النجوم في السماء والألم في معدتي لا يقاوم. ما هذا الجوع العنيف ؟ ! وكأن هناك من يحرق أغشية معدتي باللهب، أو لعلي أصبت بقرحة معدية لا يهد ئها إلا الطعام.

عدد الصفحات ١٢٢

- 011 - لقد أنساني الألم العنيف الهول الذي رأيته منذ لحظات بشقة رشاد، وتكفل الذباب بما تبقى من تعقلي.. إنني سأجن حتمًا، أسراب هائلة من الذباب تهاجمني في شراسة، وتكاد تصيبني بالعمى. إنني أستحم كل يوم فما الذي يجذب الذباب لي، ولماذا هو بهذه الكثافة وهذه الضراوة ؟! ماذا يحدث لي حقًا، أي لعنة تطاردني ؟! تكالبت أسراب الذباب علي ففررت منها، وطنينها يكاد يفقدني صوابي، وتلك الذبابة التي ابتلعتها جعلتني أتمنى لو أنزع حلقي . يا إلهي.. أي جحيم هذا.. إن الذباب يطاردني.. ومعدتي تتمزق. لن أستطيع التحمل أكثر. أعتقد أن الموت سيكون أكثر رأفة. شيطانة.. وذباب.. وجوع قاتل.. إنها حياة لا تستحق دون شك. تلك السيارات المسرعة في الطريق ربما تكون الحل. بل هي الحل. المصباحان يعميان عيني ولكني أغمضهما من الذباب، صوت احتكاك إطارات.

عدد الصفحات ١٢٣

- 015 - صوت لا أميزه يصرخ طالبًا مني أن أحترس. توقف الزمن للحظة، ثم شعرت بالارتطام . يا إلهي كم مرة سأفقد الوعي اليوم. ربما ليس الوعي هذه المرة.. !! **** عندما استيقظت، التقط أنفي رائحة المطهرات، ثم سمعت كلمات ساخطة، وتلا الأمر صوت هسيس مرتفع، ليتسلل إلى أنفي رائحة مبيد الحشرات القاتل، ثم التقطت أذني الطنين المزعج. وسمعت السب ة.. حاولت أن أحرك جسدي و لكني لم أستطع، أشعر بثقل هائل يكبل صدري وقدمي ...أين أنا ؟! شعرت بتشوش لفترة من الزمن، قبل أن يقوم مخي بتشغيل برنامج النوافذ الخاص برأسي . ثم تذكرت كل شيء، وكلكمة مؤلمة عاد لي إحساسي بجسدي، وفي اللحظة التالية كنت أصرخ من الألم في معدتي .. - إنني جوعان.. بل أكاد أقضي جوعًا. أحضروا لي كل ما لديكم من طعام، الرحمة .. الرحمة . الألم غير محتمل ..هناك آلام مختلفة في جسدي ولكن آلام المعدة تمحوها كلها .

عدد الصفحات ١٢٤

- 016 - الرؤية منعدمة تماما ،وكأن هناك شخص ما قد غطى عيني بضمادة من القطن، أو أن كلتيهما أصيبتا في الحادث . جسدي يرتجف من هو ل ما أقدمت عليه ، هل جننت كي أقتل نفسي، أي شيطان تلبسني في هذه اللحظة لأقدم على هذه الفعلة الشنعاء ؟. وعلى ذكر الشياطين دارت في رأسي مشاهد مختلفة، من تلك الأحداث التي مرت بي في غرفة الشيخ ياسين، ثم المشهد المذهل لتلك الشيطانة التي خرجت من قلب الهاتف المحم ول، ثم شعرت باللسعة، وبدأ وعيي يغيب. ويسحبني بعيدًا عن شواطئ الألم. لابد أن صراخي أجبرهم على إعطائي حقنة مخدرة. وقبل أن يغيب الوعي تمامًا سمعت صوتًا أنثويًا يقول : - ما كومة المخلفات هذه التي يجبرونني على علاجها، إن الذباب يقاتل للوصول إليه. شعرت بالألم في معدتي، ثم رددت دون وعي : - عن أي ذباب تتحدث. ثم فقدت الوعي. ****

عدد الصفحات ١٢٥

- 017 - لا يمكن أن أصف لكم الساعات التالية. ولكن رشاد يستطيع، الملخص لحالتي أنني كنت على حافة الموت من شدة الألم، أتمناه ولا أجده .. أسعى إليه ولا تطاله يدي. إنني ممدد داخل مستشفى خاص وفي غرفة صممت خصيصاً من أجلي.قابع وسط رداء كامل من الجبس يقيد حركتي، لم يكن الحادث هينًا إذن ، لقد انتشلوني من على حافة الموت وليتهم ما فعلوا. نقود رشاد المتدفقة هي التي أخرت الكارثة، بل الكوارث المتعددة التي اجتاحت عالمي في هذه الفترة القصيرة ،فهناك الذباب السمج الذي يقاتل ليعبر إلي في مكمني ، والألم الساحق الذي عجزت كل الأدوية المهدئة عن إيقافه، والجوع الوحشي الذي يكاد يطيح بعقلي ، والذي برغم عنفه لم يسمح لي الأطباء بالكمية المناسبة من الطعام التي توقف ثورته. بل غمروا جسدي بالمحاليل والمهدئات التي لا تسمن ولا تغني من جوع . ربما لو نجوت من هذه المحنة، سأظل مدمنًا على المورفين لما تبقي لي من العمر. الآن أترككم مع رشاد لأن كل الأمور مختلطة بداخل عقلي .

عدد الصفحات ١٢٦

- 018 - - الحادث- يقول رشاد : أعتقد حقيقة أنني مختل، أو أن هذه الكيماويات التي لا أتوقف عن صبها في دمائي قد أثرت على توازني العصبي، لأن ما سأقصه عليكم الآن لا يمكن أن يقبله عقل متزن. إنني أقف على تلك الحافة الفاصلة بين العقل والجنون، ولابد من شخص يشاركني هذا الجنون، وإلا لصرت مجذوبًا آخر فقد عقله، وينتظره القميص مغلق الأكمام. بدأت الأمور المخيفة بقدوم نجيب إلى شقتي، كان يرتدي قميصًا برتقاليًا غريب اللون، مع سروال رمادي حال لونه، وذلك الصندل الذي يحتاج لجورب أبيض متسخ لتكتمل الصورة الشاذة. حقيقة لا أعرف كيف انخرطت في هذا الأمر ولا كيف أصبحت فردًا في هذه الشلة العجيبة، كل شيء ك ان مريبًا في البداية ولكني لم أكن لأقف في هذه المرحلة من حياتي عند أي شيء غريب. إنني أمارس كل فنون الغرابة دون هوادة، إنني كائن متقلب، غريب الأطوار كما نعتني أمجد من قبل عند نقاشنا حول السبب الحقيقي لطلاقي.

عدد الصفحات ١٢٧

- 019 - عندما أتى نجيب في هذه الظهيرة المشؤومة إلى شقت ي، كنت قد طلبت بعض الأطعمة السريعة كعادتي منذ انفصلت عن زوجتي، برغم أني عزوف عن الطعام منذ فترة. لم أكن جائعًا، ولكني طلبت الطعام بلا سبب معين، ربما هو قدوم موعد الغداء الذي تعودت تناول الطعام فيه أو الفراغ . وفي اللحظة التي فتحت فيها باب شقتي لأستقبل نجيب، لن أخفي عليكم الأمر، فقد انقبض قلبي وشعرت بسوء قادم، لا أعرف لماذا ربما هي حاسة رسخها عدم تقبلي للانضمام لهذه الشلة العجيبة، وتوقعي السوء من هذه العلاقة العجيبة. نجيب كائن بدين طيب القلب، ربما هو أكثر فرد في هذه الشلة استفادة من انضمامه لجماعتنا، لأن من هم مثله ببدانته واستيعابه الضعيف لا شعبية لهم ولا يجدون أصدقاء بسهولة، خاصة في تلك الفترة العمرية التي يسعى فيها المراهقين لإثبات رجولة لم يحن موعدها بعد، فقط كنت أحب ابتسامته الفطرية، التي تبشر بكون بكر يخلو من التعقيد، وجميع البدناء لديهم مثل هذه الابتسامة الطفولية العذبة. المهم أنني كنت غارقًا في أفكاري الخاصة بعد تلك الليلة السوداء التي قضيناها في منزل الشيخ ياسين، لا أعرف حقيقة كيف قبلت بخوض مغامرة مماثلة، ولكني لم أستطيع ولو للحظة واحدة أن أعارض أو أخالف أمجد

عدد الصفحات ١٢٨

- 011 - في أي شيء قرر أن يشركني به، وكأن ما ي ربطنا شيء أقوى من الصداقة، شيء من خارج هذا العالم الملموس . شيء لا اسم له ولكنه أقوى من الحياة نفسها. إنه أحد هذه الأشياء الكثيرة، العصية عن الفهم، والتي عند فهمها تصبح عصية على التصديق. و برغم صغر سن أمجد بالنسبة لسني، إلا أنني كنت أهابه لسبب مجهول بل وأشعر بقشعريرة باردة تزحف على روحي كلما نظرت لعينيه . عندما بدأ نجيب في التهام الطعام، لم أحب طريقته المحرومة في تناول الطعام، وكأنه ذلك الجائع الأبدي الذي دخل المدينة المصنوع كل شيء فيها من الحلوى والطعام. كانت تتساقط من فمه فتاتات الخبز وبعض قطع الخضروات الموجودة في قطع البيتزا، مما أصابني بالاشمئزاز وأصبحت أكثر عزوفًا عن تناول الطعام. ضايقني جدًا أنه لم يستأذن قبل أن يشرع في تناول الطعام، لقد انقض على علبة البيتزا فور خروجه من الحمام، وكأنه استباح المكان والطعام، وعندما زايلني ضيقي بعد لحظات، شرعت أتابع ذلك السيرك المنصوب في صالة شقتي، الذي لم يكن فيه إلا مهرج واحد يتناول الطعام بأغرب طريقة في العالم، وأنا على مقعد المتفرج أحتسي زجاجة بيرة باردة .

عدد الصفحات ١٢٩

- 010 - كانت تبدو على وجهه معاناة مريعة . وألم غريب، إن الاستمتاع المعتاد غائب، وهذا لا ينفي أن شهيته تفوق شهية الأفيا ل، إن علبة البيتزا التي شارفت على الانتهاء، تكفي لأربعة أشخاص وربما خمسة مع الاقتصاد. فكيف استطاع بهذه السرعة أن يلتهمها ؟ ! وزجاجة المياه الغازية التي جرعها على مرة واحدة، لو استمر الأمر على هذا المنوال ستنفجر أحشاؤه. لا أعتقد أنه يمضغ، إنه يبتلع القطع ربما دون أن تلمسها أسنانه. لا أعرف ما الذي ألجم لساني وكيف لم أجبره على التوقف كي لا يؤذي نفسه، ربما عدم معقولية الأمر برغم حدوثه أمامي. لحظات وبدأ مفعول البيرة المدر للبول، فقمت من فوري لألبي نداء الطبيعة، تاركًا نجيب في ملحمته الأسطور ية، وتوجهت صوب الحمام. لحظات ورن هاتفي المحمول.. أخبرته بألا يرد على الهاتف، فلا أحب أن تكون العلاقة بيننا حميمية إلى هذه الدرجة . إن الهاتف كالخزانة لا يصح لأحد أن يقتحمها دون إذن صاحبه . وعندما عدت من الحمام، دهشت لأقصى مدى، فهاتفي كان مفتوحًا وعلى شاشته المتذبذبة رقم لبنى والفحيح المخيف لا يتوقف. لماذا أجاب هذا المتطفل على الهاتف، لقد أخبرته ألا يجيب ؟!!

عدد الصفحات ١٣٠