المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ١٠ من ٢٦

- 018 - في اليوم التالي، أحضرت له بعض الطعام المنزلي، فالسطو اليومي على مطبخ العيادة سيسهل اكتشافه وربما يتسبب في طردي فالنظام هنا صارم جدًا ودقيق، ولولا ثقة الدكتور راغب في لما مرت مشكلة المورفين على خير. المكان هنا لم يكن عيادة عادية كما يتأتى لتفكيركم عند ذكر لفظ عيادة، بل إنه نوع خاص جدًا من المستشفيات والتي لا يرتادها إلا شخصيات عامة شديدة الخصوصية وبعض الأثرياء الذين يفضلون الحجز في ذلك المشفى الخاص، عن الذهاب لأي مستشفى شهير، فالدكتور راغب حو ل هذه الفيلا بالفعل إلى منتجع طبي متكامل، ولا يقبل فيه إلا حالات محدودة، فهي مستشفى خاصة للأثرياء والشخصيات المهمة، مكان يضمن السرية والأمان وعدم تسرب الأخبار التي قد تهز البورصة أو المطبخ السياسي. وبرغم ذلك يصر دكتور راغب على إطلاق اسم العيادة عليه، وبالطبع هو يتقاضى مبالغ فلكية من قاطنيه، بل ويقبل بالعديد من الحالات التي يحرصون فيها على عدم تدخل الشرطة ولكن هذا الكلام ليس للنشر. المهم أنني في ذلك اليوم وعندما انتهيت من الإجراءات اليومية المقززة كي أعبر لداخل غرفة الحديقة، والتي تحولت الأرض حولها إلى سجادة بشعة من الذباب الكثيف المحترق سيء الرائحة، بعد أن قام فهيم البستاني باستخدام، اللهب في حرق كميات كبيرة منها ليتيح لي وسيلة آمنة للدخول

عدد الصفحات ١٤٧

- 019 - بعد أن تضاعفت أعداد الذباب باضطراد حول الغرفة، وسدت المدخل تمامًا في مشهد مهيب. وفي اللحظة التي هممت فيها بعبور الممر المعزول محملة بالطعام وبضيقي الشديد، فاجأتني الصرخة الهادرة، فهرعت مسرعة إلى داخل الغرفة وخلفي بعض الذباب الذي لم أنجح تمامًا في القضاء عليه من لهفتي لاستجلاء الأمر، إنها صرخة نجيب دون شك. وعندما لامست قدماي أرض الغرفة دارت الدنيا برأسي على الفور وطفقت أفرك في عيني غير مصدقة، لابد أنها تلفت أو أنني أحلم، أو شيء ما أصاب العصب البصري فتوقف عن بث الصور الحقيقة إلى مخي، واستبدلها بتلك المشاهد المروعة، فالغرفة نفسها لم تكن على هيئ تها الطبيعية أبدًا. فالجدران زرقاء اللون تلاشت تمامًا وحلت محلها أشجار سوداء هائلة الحجم متفحمة الجذور يتصاعد منها الدخان دون توقف . وفي الخلفية سماء حمراء داكنة لا يتوقف البرق عن جرحها. الأرض نفسها كانت ترابية والتراب يتماوج طوال الوقت على شكل أعاصير صغير ة تطارد بعضها بعضًا. أما المشهد الذي لن يفارق مخيلتي في يوم من الأيام هو مشهد المذبح، ففوق مذبح حجري أملس ملطخ بالسواد تمدد نجيب بلا أي ضمادات أو دعامات جبسية، عاري الجسد كيوم ولدته أمه . منتصبًا أمامه وبارتفاع ثلاثة

عدد الصفحات ١٤٨

- 051 - أمتار وقف الشيطان بقرنيه العظميين وذيله المشقوق الذي يتلوى كالثعبان، وفي يده شوكته الشهيرة، ويبدو أن هناك حوارًا عنيفًا يدور بينهما. لم أتحرك من مكاني قيد أنملة، حتى عندما رأيت العقارب الهائلة تخرج من باطن الأرض وتنفض التراب عن جسدها المخيف لتتجه نحوي بقيت في مكاني. ما يحدث أمامي أفقدني صوابي، ولم يترك لي هلعي أي رد فعل، فقط في اللحظة التي هم الشيطان فيها بطعن نجيب بشوكته التي اشتعلت النيران في مقدمتها، انتزعت من داخلي صرخة واهنة لأجبره على التوقف، وكان هذا هو رد فعلي الأخير. فقد شقت الشوكة المتألقة الهواء في سرعة، لتلطم بحرابها المشتعلة جان ب وجهي الأيسر، لأشعر بعدها بآلام لا تطاق، وكأن هناك من سكب الحمض على وجهي. لم أتحمل الألم المريع لأكثر من لحظة واحدة، لأفقد الوعي بعدها . ولأستيقظ الآن، وهذا هو ما حدث بالتفصيل ودون زيادة أو نقصان. ساد الصمت للحظات، حتى بدى كضيف ثقيل ينازعنا الغرفة، وأنا أحاول مع الدكتور راغب استيعاب هذا الكم المذهل من الأحداث الغريبة التي قصتها سهى على أسماعنا، والتي لا تتفق مع شخصيتها ولا ثقافتها. كان من الطبيعي أن أصدق ما قصته علينا بعد تلك التجربة المريعة التي مررت

عدد الصفحات ١٤٩

- 050 - بها في غرفة الشيخ ياسين، ولكن عقلي أبى أن يصدق ما سمعت ه منذ لحظات، فكيف تقرر الشياطين فجأة أن تتجسد وتخرج من ب عدها المظلم لتواجه بعض البشر الواهنين، حقيقة تجسد الشيطان في العصور الغابرة لا مراء فيها، ولكن الآن .. الأمر صعب جدًا لا يتناسب مع روح العصر أو التكنولوجيا. إن الأمر غير قابل للتصديق ومخيف أيضًا. بل ويوحي بكارثة قادمة. كيف تبدلت حياتي على هذا النحو ؟ ! بل كيف سمحت بالأمر من الأساس؟! فبعد أن كنت أحظى خلال الأشهر الماضية بليال حمراء وخضراء وبكافة ألوان قوس قزح، وأقطف من ثمار الحياة ما يصيبني بالتخمة، ها أنا ذا في خضم أحداث مشؤومة لا أعرف لها رأسًا من قدم. أشياء لو حدثني عنها شخص آخر، لطلبت منه على الفور صنف الحشيش الفاخر الذي يتعاطاه. ماذا فعلت يا شيخ ياسين، وأي بوابات الجحيم قمت بفتحها ولماذا ؟! الخيط الوحيد الموجود أمامي الآن هو سهى، لذا فإنني سأتجاوز عن سوء حالتها وأحاول أن أعرف أكثر. هو تصرف غير إنساني ولكن لا مفر منه. أي معلومة قد تفيد في هذا الوضع الملتبس، فربما ما أخبرتني به هو مجرد هلاوس ناتجة عن الصدمة، وهناك في تلافيف عقلها تكمن القصة الحقيقية.

عدد الصفحات ١٥٠

- 051 - النقطة التي تحيرني هنا، إذا كان ما قصته هو مجرد اختلاق وخيال جامح، فأين ذهب نجيب ؟! وما هي طبيعة هذا الشيء الذي هاجمه، ولماذا ؟! نفضت الأفكار عن عقلي، وقررت أن أجرح الصمت الذي غلف الغرفة بعد أن انتهت سهى من سرد قصتها، وهو الصمت الذي احترمه الدكتور راغب . وقبل أن أشرع في نقاش سهى، فاجأتني هي، فقد زاغ بصرها وانقلبت سحنتها وتحشرج صوتها وصرخت متضرعة : - احرقوا الغرفة .. احرقوها.. إنها الثغرة التي تقود إلى حيث تسكن الشياطين. صدمتنا العبارة .. لا.. بل رو عتنا وخلخلت قلوبنا من موضعها، فعدنا أنا ودكتور راغب نتبادل النظرات الحيرى . المشكلة أن الصدق جلي وواضح في كلمات سهى، فإما أن ما تقوله حقيقي، أو أنها تؤمن بكونه حقيقي، في تلك الحالتين لم تكشف شيئًا من الغموض المحيط بالأمر. إن كل الطرق تقود نحو المجهول . ندت عن سهى آهة متألمة، فالتفتنا نحوها، قبل أن تكسر الصمت مرة أخرى، وهي تنظر صوب الدكتور راغب، بلوعة ويأس متضخمين وبصوت مذعور تساءلت وهى تتحسس الضمادة المحيطة بوجهها : - هل سيظل وجهي مشوهًا إلى الأبد ؟! وبكت قلوبنا حسرة، دون أن ننبس بكلمة.

عدد الصفحات ١٥١

- 051 - - العبق- أمجد اختفى.. !! لا أحد يعرف عنه أي شيء، جيرانه يقولون إن أقاربه حملوه معهم إلى بلدتهم الفيوم، ولم يتركوا خلفهم عنوانًا ولا رقم هاتف يرشد إليهم . لذا فالبحث عنه الآن سيكون بلا طائل. خاصة وأن الفيوم ليست مدينة صغيرة، ومن السهل أن يذوب فيها أمجد للقرن القادم. وهذه مصيبة جديدة. لقد وضعنا أمجد في هذه المحنة ثم تلاشى من حياتنا وكأنه لم يكن يومًا. المرة الوحيدة التي أذكر فيها وجود أمجد خلال الأيام الماضية، عندما زارني في ذلك الحلم الذي مررت به أثناء غفوتي بالسيارة ووجهني لإنقاذ نجيب من خطر قريب. هل التقيته فعلا أم هو مجرد هذيان ؟! العجيب أنني لم أكن وسيلة الإنقاذ المنشودة، بل كنت الأداة التي كادت أن تودي بحياة نجيب لولا ستر الله ومهارة دكتور راغب وقتها . أنا المخطئ.. نعم أنا المخطئ.. إنني سهل الانقياد لا تغرن كم تلك الثقة المفرطة المرسومة على وجهي، إنها شبكة الصياد لإيقاع ضحاياه من النساء. لو لم أكن سهل الانقياد لما سمحت لزيجتي الأولى أن تفشل، على يد بعض العاهرات.

عدد الصفحات ١٥٢

- 051 - من قال إن كل النساء تتشابه في النهاية كان عبقريًا فعلاً.. فكل المغامرات التي خضتها أنبأتني بحماقتي، فلم تمنحني امرأة مهما همت بها أو تعلقت، أكثر مما منحته لي زوجتي. ربما هي الرتابة أو الملل أو التوق لمغامرات زمن ولى وانقضى، إن الرجل يريد أن يشعر أيضًا بكونه مرغوبًا وأنه لم يصل لنهاية الطريق بهذه السرعة. إن التعلق بامرأة واحدة كالتعلق بسيارة من السبعينات، ربما هي تتوافق مع حالتك المزاجية والنفسية ولكنها أصبحت أقل كفاءة و تقبلاً في الواقع المنطلق بسرعة الصاروخ . إنني أفتقد للشعور بالرضى، وهذا هو ضعفي الكبير.. وذلك الضعف في شخصيتي هو ما جعلني لا أفكر قبل أن أقدم على حماقات كثيرة . الخلاصة أنه لم يكن علي أن أطيع ذلك الهاجس، سواءً في إنهاء زواجي أوفي اتباع نصيحة أمجد . الشيء الغريب فعلاً، هو كيف آمنت لحظتها بكون الأمر رؤيا حقيقية، وليس مجرد حلم عابر ينفس به عقلي الباطن عن الضغط العاتي الذي تعرضت له طوال الأيام السابقة. ثم كيف عرفت الطريق بهذه الدقة، وكيف يتزامن وصولي مع قطع نجيب للطريق ؟!

عدد الصفحات ١٥٣

- 055 - هل كان الأمر مدبرًا من قبل قوى عليا، أم هو سوء الحظ عندما يتخذ طابعًا خارقًا ؟! اللعنة.. كل سؤال يقود لآخر في هذه الدائرة الجهنمية. لقد تصرفت بناءً على بوصلتي الداخلية الحمقاء وهذا يكفي الآن !! الأمر كله سوء حظ، فقط تجمعت قطع البازل في توقيت سيء، والدليل على هذا أنني لو عدت بذاكرتي لتفاصيل هذا الحلم لتأكدت من كونه كابوسًا وليس رؤيا، فأمجد نفسه كان يقف على سفح بركان مشتعل والدماء تغلي في عروقه، وتغرق جسده، والنيران تلتهم أطرافه. لا أحد يقطن الجحيم، وينثر الزهور. حقيقة لا أعرف ماذا أفعل الآن، ما هو التصرف المنطقي الذي يعيد حياتي لمجراها الطبيعي، كيف أنسى تلك التجربة المروعة بمنزل الشيخ ياسين، وكيف أنسى اختفاء أمجد، وكيف أتجاهل ذلك الفحيح الشيطاني الذي أحال حياتي لجحيم. تحتاج ذاكرتي دون شك لحمض كا و كي يطمس كل هذه الذكريات الشنيعة. فكل شيء حولي غامض، ويقودني نحو عالم لا أستوعبه نهائيًا - الجن والشياطين - لقد أصبح عالمي يغص بهم هذه الأيام، وكأن الهواء نفسه قد تعبق بوجودهم.

عدد الصفحات ١٥٤

- 056 - المرة الوحيدة التي خضت فيها في دروب هذه العوالم المشؤومة، كانت عابرة، وعلى سبيل الدعابة، مجرد قراءة كف، وقام بها ساحر أفريقي أسود البشرة كالباذنجان يدعى ريحان وكانت هذه المرة في فيلا صافيناز شاكر، سيدة المجتمع الشهيرة والمعروفة بحفلاتها شديدة الفخامة والبذخ والغرابة. أعتقد أن صيحات الحفلات المختلفة التي يقوم بها الأثرياء في مصر هذه الأيام، تنبع أولاً من فيلتها لتصير صيحة يتناقلها الأثرياء، إنها هي من بدأت موضة تصوير الحفلات وبثها على الهواء مباشرة على بعض تلك القنوات الفضائية التي لا تعرف هدف فتحها من الأساس. تعشق صافيناز شاكر كل ماهو غريب وجديد ومبتكر. إنه الملل الذي يتبع الثراء الفاحش. فوجود تلال من النقود تتزايد في كل لحظة، تجعلك لا تشغل بالك إلا بالبحث عن تلك الأفكار الجديدة والمثيرة التي تمنحك تلك الهالة المخيفة التي تسمح لك بالسيطرة على من حولك، وأي فكرة مهما كانت مجنونة فهي قابلة للتنفيذ على الفور .. فالنقود تصنع المعجزات في هذه الأيام. وصافيناز شاكر من أصول تركية، لذا فإن لديها ذلك الرأس الصلب والإرادة التي لا توهن والعزم الذي لا يلين. هي من أصرت على أن يقوم ريحان بقراءة كفي لمعرفة طالعي، وقد أخبرتها وقتها أن طالعي سيء ولا يحتاج لمنجم ليخبرني به. فقد كنت قد انفصلت

عدد الصفحات ١٥٥

- 057 - عن زوجتيمنذ أيام معدودة، ولكنها كانت مصرة كعلقة من النوع مصاص الدماء، إن العرق التركي بداخلها جعلني أوقن أن الخلاص منها لن يكون إلا بالموت، فوافقت على مضض، وروحي متشبعة بضيق بلا حدود. ثم جاء ريحان ليزيد الطين بلة. لا أعرف لماذا كرهته من النظرة الأولى، هناك لزوجة عجيبة تحيط بأرواح هؤلاء المشتغلين في حقل السحر سواء أكانوا صادقين أو دجالين. لزوجة جعلتني أنفر منه ومن ملمس يديه الشبيه بجلد الثعبان. شعرت بأن مجرد لمسته لي انتهاك لخصوصيتي وقدسية جسدي، ولكني قررت التحمل أكثر فأنا أدين لصافيناز بالكثير، وطالما جعلتني مهرج الحفل لهذه الليلة فعلي أن أطيع. لذا فإنني تركت كفي لريحان ليمارس شعوذته، مع شعور عارم بالنفور يتزايد في كل لحظة، وعندما قبضت يد ريحان الأبنوسية على يدي ونظر بعينيه الضيقتين كثقب الإبرة إلى خطوط كفي حدث شيء غريب. لقد ارتجف.. نعم ارتجف وبدا عليه الذعر، وطلت من عينيه نظرة سوداء مخيفة، ورفض أن يكمل قراءة كفي . ونالته مني نظرة ساخرة محرقة من نوع : - هل تعتقدني غر ساذج أيها الدجال القادم من مجاهل أفريقيا ؟ ! لقد كشفت أسلوبه من اللحظة الأولى.

عدد الصفحات ١٥٦

- 058 - إنه يمارس تلك الألاعيب المفضوحة التي نسيها عالم الدجل منذ قرون . التردد والإحجام ثم النبوءة .. هلم أيها الدجال لا نريد منك إلا جملة مسجوعة لينفض السيرك. هل كذبت وصدقت كذبتك، وستبالغ في رفضك .. هيا لا تكن ثقيل الظل. حقيقة أنا لا أؤمن بمعظم دروب السحر وفنونه، وخاصة تلك التي تتبخ ر فور انصراف الساحر . وأؤمن أنها مجرد خدع متقنة وخفة يد لا أكثر، ناهيك عن أن معظمهم نصابين، يكفيك فقط أن تفتح صفحة الحوادث لتتسع عينيك دهشة من أعدادهم التي تفوق أعداد الجراد. الساحر الحقيقي لن يحضر الحفلات المماثلة ليقرأ الكف مقابل حفنة من الأوراق المالية، ولن يظهر على شاشة التلفزيون ليقوم ببعض الحيل الساذجة.. الساحر الحق هو الذي لن يجد مجهودًا في أن يصير زعيم العالم ويمتلك خزائن كنوز الأرض، ويصل لنبع الشباب والخلود . أما هؤلاء المتسولون فلا يحظون مني بأي احترام، لقد جاريتهم فقط لإضفاء بعض المرح على جو الحفل الرسمي. فرشاد الدنجوان الشهير لابد وأن يمارس كل الحماقات التي تغري الفتيات بالتعلق به وفي نفس الوقت يرضي هفوات صافيناز شاكر. إنها قواعد هذه الحفلات. وأنا أتيت بكامل إرادتي الحرة.

عدد الصفحات ١٥٧

- 059 - برغم كل ما قصصته عليكم وصدعت به رؤوسكم، وإيماني الشديد بكون ريحان نصاب آخر ، لكني لن أخفي شعوري لحظتها، فالأمر لم يكن بالبساطة المتوقعة، فريحان ساحر ومشعوذ وله مريدوه، وتأثيره الذي جعله - وهو الأقرب للشحاذين - يحظى بمكانة رفيعة في حفل صافيناز شاكر لا ينكره إلا أعمى، كما أنه قد أتى من مجاهل أفريقيا السمراء حيث السحر الأسود مازلت نبتته تتمسك بالأرض مقترنة بسحر الكابالا اليهودي، وحيث مازالوا يقتلون الأطفال على المذبح إرضاءً لآلهة السحر الوثنية، كما أن إيمان من حولي به والنظرة الخرساء على وجوههم، فور إحجامه عن قراءة كفي جعلت شيئًا من الذعر يتسلل بداخلي وإن أخفيت الأمر على من حولي بقنا ع من السخرية والبرود. إن التوافق الجمعي مسيطر وموح . لذا فإنني تجاهلت الجميع ورسمت على وجهي ابتسامة ساخرة، وأشحت بيدي في لامبالاة، وكأن ما توقعته يحدث، وإن تمنيت بأعماقي ألا يستجيب المشعوذ لضغط صافيناز، كي تبقى هالة الغموض التي صنعتها كلمات ريحان من حولي . تلك الهالة التي قد تجذب فراشات منبهرات حتى غرفة نومي. كاد الأمر أن ينجح ويمر مرور الكرام، لولا ذلك العرق التركي اللعين، الموجود في حمض صافيناز النووي.

عدد الصفحات ١٥٨

- 061 - فقد أصرت صافيناز على أن يقوم ريحان بقراءة كفي، ورفض هو عدة مرات، ولكنها قست عليه، حتى شعرت ببعض الشفقة نحوه، إن الحيوان الذي سقط بين فكي التمساح الهائلين لابد وأنه شعر بشعور مماثل وهو يحتضر، وعلى مضض أعاد ريحان النظر في كفي وعلى وجهه ارتسمت آثار المعاناة، وكمن ينتزع روحه من جسده قال : - طالعك نحس.. وروحك أسيرة الظلام.. لو كان الأمر بيدي لاخترت لك الموت.. لكن الموت راحة.. ومثلك سيشقى إلى الأبد. شعرت لحظتها برعب عات ارتسم على وجهي للحظة، مما أثار شهية صافيناز شاكر للضحك، فأطلقت لحظتها ضحكة ماجنة ماكرة، ثم جرت ريحان من يديه وهي تردد : - أيها الشقي.. لقد أثرت ذعره. لا أعرف لماذا تذكرت هذه الحادثة الآن . هل بدأت أؤمن بتلك الأشياء ؟! حقيقة، إن الاقتناع بالخرافات لا يحتاج لأكثر من الوقت المناسب . ****

عدد الصفحات ١٥٩

- 060 - - طق.. طق.. طق. في المساء وعندما سمعت طرقات الباب، كان عقلي مازال مشغولاً باختفاء نجيب وأمجد . وبنبوءة ريحان، وبتلك العبارة التي وجدتها منقوشة على الحائط في غرفة الحديقة بالدم. - الثاني يتلاشى في اليوم السادس. إنها تيمة شهيرة استخدمت في العديد من الأفلام والروايات التي تدور حول القتلة المتسلسلين .. ما علاقتي أنا بأي قاتل متسلسل، وهل هناك في العوالم الشيطانية، قتلة متسلسلون لديهم هوس نفسي ؟! ثم ما أهميتي أنا وهذه الشلة المخبولة، ليتبعنا قاتل متسلسل سواءً أكان بشريًا أو شيطانًا، ثم من قال إن نجيب ق تل من الأساس. الدماء لا تعني أبدًا أنه ق تل، ربما هو مصاب في مكان ما. ماذا حدث بالفعل في غرفة الشيخ ياسين ؟! هل أصبنا بلعنة ما ؟! هل سأتلاشى مثلما حدث مع نجيب، وهل اختفاء أمجد مبرر ؟! ضبطت نفسي أناقش هذه الخواطر المريضة مع نفسي وأتعمق في تفاصيلها أكثر وأكثر، فعرفت أن عقلي يئن بالفعل من الإرهاق، لقد اختلط كل شيء

عدد الصفحات ١٦٠

- 061 - ببعضه بداخله. وربما احترقت بداخله خلايا كثيرة لم تستطع أن تفك تلك الطلاسم التي تحيط بي. القتلة مع الشياطين مع الإرهاق وقلة النوم، توليفة مميزة تقود بخطى حثيثة نحو الاكتئاب والذي سيسحبني بدوره لدروب الانتحار المعبدة. - طق.. طق.. طق.. الطرقات من جديد، هل هناك من يحاول هدم أعمدة عقلي ؟! - طق.. طق.. طق.. هذه الطرقات.. تنبهت أخيرًا إلى أن هذه الطرقات لا تنبع من داخلي، ولكن تأتي عبر باب الشقة. فقمت بروح منقبضة لأفتح . الساعة في الصالة تشير إلى الثالثة صباحًا. من الذي سيأتي لز يارتي في مثل هذا الوقت ؟! عندما فتحت الباب، هبت علي نسائم الجنة، واجتاحني العبق.. عطر ساحر ق طفت أزهاره من بساتين الجنة . أدار رأسي للحظات فوصلت بنشوتي للذروة دون نساء ودون مداعبة . ثم تنبهت لتلك الحورية المذهلة ذات الجسد الممشوق المستندة إلى حافة الباب . ففغرت فاهي ووقفت كالمشدوه أتطلع في عينيها إلى كل أسرار الدنيا .

عدد الصفحات ١٦١

- 061 - ما هذا الجمال ؟! ما هذه الفتنة ؟! هل يتحمل كوكب الأرض هذا الدلال كله، فلا تنصهر نواته الحديدية . الأنوثة مقطرة .. الفتنة مجسدة .. إنها المرأة التي يخشى وجودها كل العشاق.. فبهبوطها على الأرض ستنهار قصص الحب، وسيلهث خلفها الرجال، وستلعنها النساء وهن يحتضن الوسائد وحيدات باكيات. إن للأنوثة معيارًا، وهي تخطت كل المعايير. هل دار بيننا حوار ؟! هل عرفت سبب قدومها في مثل هذا الوقت المتأخر ؟! هل جالستها حتى الصباح ؟! هل تمرغت بين ذراعيها على سطح القمر ؟ ! هل تناولنا نجمتين بطعم الكروم المثلج ؟! هل رسمنا الأمنيات على أجسادنا العارية ؟! هل سبحنا في بحيرات العطر، وامتزجنا حتى انصهر الكون من حولنا ؟ ! ربما.. إذن أين ذهبت ؟! لقد ظهرت كقمر وتلاشت كحلم رائع .

عدد الصفحات ١٦٢