- 011 - ما سأحكيه الآن يدخل في سياق الشطط والجنون، بل آخر درجات الجنون. الشطط لأني أنا شخصيًا لا أصدق حتى هذه اللحظة أني مررت به، والجنون لأنه شيء من وراء العقل، خارج عن المألوف، شيء مخيف . إنها اليقظة المرعبة. فضحية أي حادث سيارة عادي، لديه عدة خيارات معروفة، فإما أن يستيقظ في مستشفى أو في عيادة محاطًا بالأطباء والضمادات، أو على الطريق بعظام مهشمة غارقًا في دمائه، أو لا يستيقظ أبدًا. الخيار الرابع غير موجود في الظروف الطبيعية. وأنا قد مررت بهذا الخيار غير المألوف. فاللحظة التي اصطدمت بها السيارة بالأرض بعد أن قذفتها سيارة النقل إلى جانب الطريق، كانت هي آخر لحظات الوعي التي حظيت بها في هذه الليلة. الظلام أحاط بكل شيء كرداء قاتم، ثم ساد الصمت للحظة واحدة، وبعدها استيقظت. كل أجهزة جسدي تخبرني بأني استيقظت، ولكن عقلي يأبى أن يؤرخ هذه الحقيقة. فما يحيط بي لا يوحي بالاستيقاظ أبدًا.
عدد الصفحات ٩٩- 010 - المكان من حولي غريب، وكأني استيقظت في قلب العدم، جسدي سليم غير مصاب وهذا شيء مستحيل لأن الزجاج الذي تهشم لابد وأنه شوه وجهي، وبرغم ذلك بشرتي ناعمة كبشرة طفل حديث الميلاد . الظلام كثيف وثقيل، ورغم ذلك الرؤية ممكنة بل وواضحة. إنه الجنون الحق. كل شيء يوحي بأن الأمور تسير بخير، وبرغم ذلك كل الأشياء تنفيها، ثم كيف عاد إصبعي المبتور، إن مثل هذه الأشياء لا تنمو ببساطة، وإلا لجلس الأطباء في بيوتهم، فالأجزاء التي تتلف أو تقطع من جسدي لن تعود للنمو، أنا لست أميبا وحيدة الخلية لأعيد إنتاج أطرافي. عادت لي ذاكرة الحادث فنظرت حولي بحثًا عن مصابين أو قتلى ولكن لا شيء. ظلام متدرج ممتد إلى مالا نهاية. إنني وحيد بقلب العدم. لا سماء.. لا شمس.. لا قمر.. لا طريق.. لا بشر. فقط كتلة هائلة من السواد تحيط بي، مع فراغ لا نهائي، أسير فوق أرضية ناعمة لا تحدث احتكاكًا مع قدمي . بقلب اللامكان.
عدد الصفحات ١٠٠- 011 - دقائق عصيبة مرت علي وأنا أحاول اكتشاف ما يحدث. أو أضع له تفسيرًا معقولاً . ولكن كل الأفكار كانت قاصرة . هل فقدت بصري ؟! أم أنا الآن في القبر ؟! هل هذا السواد هو البرزخ الذي يقود نحو الموت. أم أنني أهذي ؟! إنه تفسير مريح، ولكن ما هو الدليل على صحته ؟! تاهت الأفكار من عقلي مع عجزي التام عن تفسير الأمر أو سبر أغواره، وعندما فقدت كل أمل في الفهم وتحول الأمر معي إلى هستريا وصراخ، بدأت التغير يحدث وفي البداية سمعت الأصوات. لابد وأنني جننت وما أعيشه الآن هو هلاوس سمعية وبصرية. بدأ الأمر بصوت أجر اس عالية، وكأن هناك من يقرع مئات من الآنية النحاسية بقضبان معدنية، الأصوات ليست عشوائية ولكنها عالية جدًا حتى تكاد تخرق طبلتي أذني. إنها أصوات متناغمة كترانيم متوحشة تدعو للقتل . إنها تبدأ من نقطة الصفر ثم تعود لتتصاعد فتجرح روحي وتمزق كياني، إنها هراوات موسيقية مدمرة.
عدد الصفحات ١٠١- 011 - الدماء تخرج من كل فتحات جسدي، الألم مفرط في حدته، العذاب أبدي ومستمر. لحظات ثم صمتت الموسيقى وبدأت الصرخات المزلزلة، لقد وصف دانتي صرخات المعذبين عندما وصف الجحيم في الكوميديا الإلهية . إنها صرخات مشابهة، تحس معها أن قلب الكون ذاته ينفطر أ لمًا عند سماعها. إنها الأرض البكر للألم والعذاب. أشعر بروحي ترتج داخل جسدي وكأنها على وشك الانفصال . الموت هو مطلبي الوحيد. الموت هو الراحة التي أصبوا إليها. إن جلدي يتشقق، أطرافي تتساقط، إنني أتألم كألف روح ت مزق. إن هذا العذاب لا يوجد إلا في الجحيم. إنني أندمج في دوامة الألم الكبرى. لا أذكر من الحياة إلا الألم أو ما فوق الألم. أتهيأ للموت برغم معرفتي بأنني قد عبرت هذه المرحلة . إنني في الجحيم حيث كل شيء أبدي .
عدد الصفحات ١٠٢- 011 - الألم أبدي. العذاب أبدي. الحياة أبدية. إنني هنا سألقى العذاب الذي لا راحة بعده. الرحمة يا رب الأكوان. **** فجأة هدأ كل شيء، وتلاشت الأصوات وتوقف الألم، ولكن ذكراه ظلت جاثمة في المكان لتشوه روحي. جسدي عاد سليمًا كأنما خ لقت به منذ لحظات، بصري عاد ليصطدم بالظلام وهو مازال قادرًا على الرؤية في وضع جهنمي مستحيل. قلبي لابد وأنه توقف عدة مرات قبل أن يعود ليخفق من جديد. أين أنا ؟! هل أنا في الجحيم حقًا ؟! ولكن ليس هذا هو وصف الجحيم كما أتى في الكتب السماوية، ولكن من أدراني. ربما هو جحيم آخر. هل لتلك الشيطانة يد فيما يحدث لي.
عدد الصفحات ١٠٣- 015 - تلفت حولي في رعب. إنني لن أتحمل العذاب مرة أخرى، بإمكاني أن أصمد لو أن الموت هو النهاية، ولكن الأبد شيء لا أفهمه ولا أستوعبه. لحظات ثم بدأ الصرير، وفجأة انشق العدم بضوء ساطع، عن كائن قبيح مخيف لا ملامح محددة له، يحمل في يده سوطًا يتلوى وكأنه يموج بالحياة. هل ما يتلوى في مقدمة السوط هي أفاعي ذات أنياب أم أني أهلوس ؟! تلك الضحكة الماجنة الشيطانية سمعتها من قبل ؟! ولكن أين ؟! نعم تذكرت . قبل أن ألج لغرفة الشيخ ياسين، ليتني مت قبلها أو لم تلدني أمي من الأساس. إنها سماح.. الشيطانة.. إنني في جحيمها الخاص.. لابد وأنها تسيطر على عقلي كما سيطرت عليه من قبل وجعلتني أقتل الشيطان . المخلوق المقزز يقترب مني وعيناه السائلتان تتألقان ببريق وحشي، وأنا أتراجع في خوف، إلى اللامكان. المسافة بيننا تتقلص بسرعة، وخلف ذلك المخلوق المشوه رأيت أبشع مشهد يمكن أن يسقط عليه بصري في حياتي، ففي تلك الن قطة حيث انشق العدم وظهر المخلوق الجهنمي، تألقت محيطات هائلة من النيران
عدد الصفحات ١٠٤- 016 - تقذف موجات عالية كالجبال من النيران المستعرة والحمم، ووسطها ما بدا وكأنهم بشر يحترقون، مئات الآلاف من البشر . جلود تحترق. شعور تتوهج. أطرف تتساقط. عظام تشتعل. عيون تنفجر. شياطين من لهب يعتصرون بقبضاتهم النارية الرؤوس والقلوب، وكأن هذا الشق، نافذة على الجحيم. هذا المشهد جعلني أنسى كل شيء حتى المخلوق المخيف الذي أكاد أشعر بأنفاسه الملتهبة تضرب وجهي. هذا هو الجحيم الحقيقي الذي و عد به القتلة والسفاكين والزناة والمنافقين والمرتشين. الجحيم الأبدي. امتصني المشهد تمامًا، وعندما هبط السوط الملتهب على وجهي ليشق لحمي عرفت أن للألم درجات لم أتخيل الوصول لها !
عدد الصفحات ١٠٥- 017 - ثم دوى صوت سماح الشيطاني: - ستظل في الجحيم حتى يحين موعدك، وساعتها ستتمنى لو أنك بقيت في الجحيم على أن تلقاني، لأن موتتك ستكون أقسى من الجحيم ألف مرة، وأشد عذابًا من عذاب كل الخطاة مجتمعين. صرخت في عنف . لعنتها.. نعتها بأقذع الألفاظ . وعندما عاد السوط ليمزق لحم ذراعي ويبتر كفي، عرفت أنه لا يوجد مخلوق في الكون سيستطيع مساعدتي. وربما كان القدر أرأف بأصدقائي مني. إن الخطايا ال سبع قاتلة، كما قال دانتي في الكوميديا الإلهية . ولأننا كنا سبعة فلابد وأن نخوض الجحيم حتى أطرافه. وليسعد من سيحتضنه الموت اليوم فقد نجا من العذاب. هل عرفتم لماذا لم أستطع أن أحذر أيًا من أصدقائي ؟ آه.. أرجوووك .. توقف إن الألم ساحق. لا تستخدم السوط من جديد.
عدد الصفحات ١٠٦- 018 -
عدد الصفحات ١٠٧- 019 - 10 اللعنة الأولى- الشراهة عرفها دانتي على أنها : هي النهم والجشع في المأكولات والمشروبات، مرتبطة بإله الظلام Beelzebubملك الذباب، واللون البرتقالي. أنا الشراهة.. والداي ماتا كلاهما .. ولم يتركا لي شيئًا..إلا معاشًا ضئيلاً .. وهو يشتري لي ثلاثين وجبة في اليوم.. وعشر كؤوس من الشراب ..وهذا قدر ضئيل ليسد الرمق.. لقد ولدت من سلالة ملكية.. فوالدي كانا فخذ عجل مقدد.. ووالدتي كانت برميلاً من النبيذ الأرجواني.. لقد كانت سيدة مرحة .. ومحبوبة كثيرًا في كل مدينة.. كان اسمها السيدة مارغري البيرة .. والآن يا أنت .. لقد سمعت كل شيء عن أسلافي .. ألا تدعوني للعشاء.. !!
عدد الصفحات ١٠٨- 001 -
عدد الصفحات ١٠٩- 000 - - رشاد- قبل أسبوع : يقول نجيب : إنني مختلف تمامًا عن الآخرين، وربما لا أشبههم في شيء إلا في الحماقة. والدي يخبرني دائمًا أن عقلي ثخين ولا يستوعب الأمور بسهولة، ولولا شخصية والدتي الكاسحة لكنت خارج المدرسة منذ زمن طويل، أعمل في ورشة الحدادة الخاصة به، وسط النيران والحديد المنصهر والقلوب الغليظة، أتلقى الصفعات من والدي طوال الوقت ، وأرى خيبة الأمل في عينيه. في كل صباح وعلى مائدة الإفطار ينظر لي أبي في اشمئزاز، وهو يجيل عينيه في جسدي البدين، ثم يشيح بوجهه قائلاً : - فقط النيران .. هي التي تستطيع أن تذيب هذه الكتل المتراكمة من الدهون والشحوم.. الورشة هي الحل الوحيد لمعضلتك. كانت أمي تتصدى له وتطيب خاطري وكأني أبالي.. لقد اعتدت حديثه القاسي هذا، حتى إنه لم يعد يثير بداخلي أي نوع من المشاعر . إنني عنيد جدًا، ولو كان الأمر بيدي لما غيرته للأفضل..
عدد الصفحات ١١٠- 001 - إن العناد يولد الكفر ذاته .. العناد هو ما جعل الشيطان لا يراجع موقفه عندما سجدت الملائكة لآدم. برغم أنه كان في حضرة رب العالمين. أنا أعرف أن المشكلة ليست في الطعام نفسه، فلي صديق آخر يلتهم مثل ما ألتهم وربما أكثر، ولا يتأثر جسده بما يتناوله أبدًا، بل هو مستمر على نحافته كإصبع الموز النحيل، وكأن معدته موقد عملاق يحرق كل ما يلقى بداخلها أولاً بأول. إن جيناتي هي السبب، وإن كنت فعليً ا أعشق تناول الطعام، وهذا ما جعل والدي - كتلة العضلات المتحركة - يتمنى لو أنه أنجب ابنة بدلاً عني، فلم يكن ساعتها ليأبه بحجمها أو بعضلاتها الضامرة المختفية تحت كتل الدهون. لأنها في النهاية ستذهب إلى رجل آخر، والرجال الذين يقدرون الأنثى بوضعها في الميزان يزدحم بهم العالم. لم أتقبل يومً ا طريقة معاملة والدي لي.. إنه يقسو علي دائمً ا، والدتي تخبرني أنه يريد صالحي، فشقيق والدي مات بسبب السمنة من قبل، كما أن كل أب يتمنى أن يجد ابنه في ظهره، يستند على ساعده عندما تق سا عليه ظروف الحياة. ولكني غير مقنع بكل هذا، وغير مبال كذلك . لقد رفع أبي بيني وبينه سدًا عملاقًا، لن تكفي كل الكلمات الناعمة من أمي لهدمه، كما أنني ذو رأس صلب، وكلما ساءت الأمور بيني وبين أبي، كنت أسلك طريق العناد و أدفن ضيقي وحزني في الطعام، إنه رفيقي الوحيد الذي
عدد الصفحات ١١١- 001 - لم يخذلني مرة واحدة، إنه اللمسة السحرية في اليوم كله، إنه الشيء الوحيد الذي يمنحني النشوة. تلك النشوة التي لا يقدر حتى الحشيش على إيصالي لها. الطعام.. من لا يعشق تلك الكلمة السحرية. أحب الطعام في كل مراحل إعداده، وكنت ألتهم أصابع المحش و نيئًا قبل طهوه، وعندما تنهرني والدتي وتخبرني أن الطعام النيء سيؤذي معدتي، كانت جدتي تلومها، وتقول لها المقولة الشهيرة : - النيء في معدة الشباب ينضج.. كم أنتِ عظيمة يا جدتي !! لذلك فعند عودتي من تلك المغامر الشنيعة في منزل الشيخ ياسين، كنت محطم الأعصاب، أبكي كفتاة واجهت منذ لحظات ذلك السفاح ال ذي تهرب منه كل الفتيات الأخريات، ولأني لا أملك إلا نهمي في مواجهة التوترات، قضيت على نصف الطعام الموجود في الثلاجة، قبل أن أخلد لنوم عميق بلا منغصات. لابد وأن الدهون تسد قنوات البث الخاصة بالأحلام. ****
عدد الصفحات ١١٢- 001 - وفيالظهيرة كنت قد استجمعت شتات نفسي، وقررت أن التأثير السلبي لتلك التجربة المخيفة لن يبرح روحي إلا ببعض الحديث، شخص ما يستمع ويستمع وأفرغ على يديه توتري، إن قلبي مازال منقبضًا، وقدمي مازالت ترتجف من هول ما واجهته في منزل الشيخ ياسين. هل ما حدث حدث فعلاً ؟! إن للخوف تأثيره الكاسح، على العقل، إنه يجبر العقل على استخدام كافة دفاعاته، وعقلي بالذات يميل إلى إنكار المشكلة عندما لا يستوعبها. لم يكن عندي خيارات كثيرة لأفاضل بينها، وعلى الفور استقللت سيارة أجرة، و توجهت إلى منزل رشاد. لا مدرسة اليوم، لا يوجد بداخل رأسي عقل صالح لتلقي أي معلومة، كما أن موقع تنزانيا سيبقى كما هو، ولن يغير فيثاغورث في القوانين الرياضية، ولن يحذف أبو الأسود الدؤلي النقاط من فوق الحروف، لمجرد أنني لم أذهب إلى المدرسة ليوم واحد . لابد من شخص يحتويني ويخبرني ب أن الأمور ستصبح أفضل حتى ولو كان خداعًا. رشاد هو أكبر أفراد الشلة، سيبلغ الخامسة والثلاثين بعد عدة أيام، وهذه المعلومة قد صدعنا بها لأنه ينوي القيام باحتفال أسطوري في عيد ميلاده القادم. لأنه يوم خاص جدً ا في حياته ويستبشر به كما يد عي، ففيه حدثت له كل الأم ور الجيدة، ويكفي البشرية فخرًا، أنه اليوم الذي كللها فيه بالغار
عدد الصفحات ١١٣- 005 - عند مولده. وهو شيء لا أستوعبه تمامً ا، إن يوم الميلاد يوم كأي يوم آخر، فقط من يستفيد منه، الذين يحصون عمرك لتصل لسن المعاش كي تغادر لتترك موقعك لمن يليك. ورشاد غريب الأطوار إلى حد ما، ورث عن جده رجل الأعمال الثري الذي كان يهيم به حبًا مبلغً ا ضخمً ا من المال، هذا غير قطعة الأرض الشاسعة في الساحل الشمالي والعقارات، ولأن والديه غارقان في دوامة جمع المال، لم يباليا بما يفعل، طالما لا يعترض مجرى المال المتدفق. تزوج مرة واحدة ومنحهم ا طفلين جميلين ثم أخذت الرياح كل وعود الزواج الجميلة، و بوجود الطفلين معهما لم يعد مدينً ا لهما بشيء. لا أعرف كيف انضم لشلتنا الغريبة، ولكنه في وقت قياسي صار الأب الروحي للشلة وحائط المبكى الذي نشد الرحال إليه كلما ضاقت بنا الحياة والسبل، إنه مستمع جيد كما أن شقته لا تخلو من الطعام والمشروبات وبعض الأشياء الأخرى المثيرة. قصدته بعد صلاة الظهر بساعة، ووجدت بالفعل أن حالته مزرية هو الآخر.. التجربة فاقت كل تحملنا دون شك، لست وحدي الواهن إذن، جميعنا نعاني من تبعات الأمر، وإن كانت حالتي أنا – ويا للعجب - تبدو أفضل. النوم..
عدد الصفحات ١١٤