المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ٦ من ٢٦

- 81 - يسمح بتجارة المخدرات والدعارة المرخصة وبيع السلاح، لن ينظر لهذه الأشياء بالازدراء الكافي لجعلها خطيئة . ثم كيف تفوق الخطيئة خطيئة أخرى ؟! إن الأمر مطاط جدًا. الوحيد الذي أعرف أنه يمتلك ضعفًا حقيقيًا ربما يصل لمرحلة الشهوة والمرض هو نجيب، إنه يعشق الطعام أكثر من الحياة ذاتها، وربما هي الشهوة الوحيدة التي لا يمكن إخفاؤها بسهولة. وهي شهوة قاتلة دون شك على المدى البعيد، ولكن كيف ستقتله قبل اعتلاء القمر القادم قبة السماء ؟! باقي أصدقائي متشابهين ويميلون لنفس طريقة التفكير ولنفس النزق. ربما أعمارهم متفاوتة وظروفهم البيئية مختلفة، ولكن خيط الجموح يجمعهم . لابد من الجلوس معهم في جلسة مصارحة، كلٌ منا يجب أن يقاوم ضعفه ولا يستسلم. هكذا نستطيع أن نهزم اللعنة. قمر واحد فقط يمضي، ونكون قد هزمنا تلك الملعونة. الأمر دون شك مخيف بل ومدمر للأعصاب، ولكن الاسستسلام الآن لن يعني إلا الهلاك حقً ا، فقط يجب أن أواجه نفسي دون أن أجن أو أقتل نفسي، فتحقق الموت أهون من انتظاره كما يقولون. إنني أشعر بحيرة شديدة مختلطة بخوف مريع، إن استيعاب الأمر ليس هينًا، وهضمه يحتاج إلى جالون كامل من المشروبات الغازية، وربما لن أهضمه في النهاية أو أستوعبه.

عدد الصفحات ٨٣

- 85 - والسؤال هنا : كيف جرت الأمور بهذه السرعة ؟! هل كان الأمر عشوائيً ا، أم أن الأمر كله كان مرتبًا حقًا دون أن أدري ؟! ما أنا متأكد منه تمامً ا، أن الصدف في مثل هذه الأوقات، هي أفعال مع سبق الإصرار. فأن نكون سبعة، وأن يوافق الجميع على القيام بمغامرة غير محسوبة في منزل الشيخ ياسين الذي يخشى أعتى الرجال الاقتراب منه ، وأن يغادر الشيخ ياسين نفسه المنزل وتتبعه مدبرة المنزل عايدة - إن صح أن أطلق عليها هذه الصفة - إنها مؤامرة متكاملة الأركان .. فقط أنا من كنت أحمق ولم ألحظ في الأمر شيئًا مريبًا. ربما لاحظت وربما لاحظن ا جميعًا، وشعرنا بذلك الحضور الذي يدفعنا للولوج إلى الغرفة، ولكننا لم نبالِ ولم نفكر . إن الأمر كله خارج الحدود الطبيعية . ثم من هذا الأحمق الذي يقع في عشق شيطانة من الجن. مازالت الأمور مشوشة في عقلي وغير قابلة للتصديق والتساؤلات لا تنقطع. ماذا حدث حقًا بغرفة جدي ؟! وهل ما مررت به كان حقيقيًا وأن جدي لم يعد على قيد الحياة، أم إنه سيثبت للجميع أنه أقوى من الموت وسيعود ؟!!

عدد الصفحات ٨٤

- 86 - ما حقيقة هذه الشيطانة، وما حقيقة اللعنة التي ألقتها علي أنا وأصدقائي، وكيف لن يمر علينا القمر التالي، إن الأمر مخيف إلى أقصى مدى، ولابد من أن أستعين بشخص ملم بمثل هذه الأمور المخيفة، شخص يفهم فيها وقادر على التصدي لها وإنهائها. وفي حالتي هذه لا يوجد إلا الشيخ (تهامي الحو) شريك جدي في أعماله ورذائله. لن يفل الحديد إلا الحديد. **** في اليوم التالي غادرت منزل المعلم (عتمان) بأطراف مرتجفة وقلب منقبض وأعصاب هشة، لم أتصور نفسي عائدً ا بإرادتي الحرة إلى منزل الشيخ ياسين، بعد كل الأهوال التي مررت بها ولو للحظة واحدة، ولكن ما جعلني أوافق، أني عرفت أنها زيارة خاطفة، فقط لأحضر ملابسي كي أنتقل لبيت أحد أقربائي المجهولين والذين ظهروا فجأة من العدم ليطالبوا بالميراث. ولك أن تتأكد من شيء واحد فقط، أنك عندما ترث دجالاً بخيلاً ، فلك أن تتوقع ميراث قارون على أقل تقدير. وهذا الميراث سيجعلك تتحمل سخافة أن تستضيف مراهقًا مزعجًا مثلي في منزلك.

عدد الصفحات ٨٥

- 87 - لم أكن مهتمًا للحظة واحدة بمثل هذه التفاهات من مير اث وخلافه، إني أواجه مصيبة كبرى، مصيبة لا تعني أن في عمري وقت كاف للدخول في صراع على شيء لا قيمة له كالميراث، مصيبة لا تعني إلا شيئًا واحدًا.. أني وحيد في مواجهة هذه القوة الغاشمة الآتية من عالم آخر .. والتي فتح بوابتها شيخ أحمق ظن أن قدراته السخيفة وعلمه السطحي بأمور السحر.. قادرة على التحكم في ذلك العالم المخيف وشياطينه، إن الغرور البشري سبب كل المصائب بدءًا من صراع قابيل وهابيل حتى حماقة الحرب العالمية. هناك من يظن نفسه أعلى مرتبة من كل البشر، ومن هنا يبدأ في استخدام كل الوسائل التي تجعل منحنى بشريته وإنسانيته، يهبط إلى أدنى مستوياته. وتتلخص مصيبتي في أن من قررت أن أستعين به في مواجهة هذه القوى المخيفة، خذلني، وغادر هذه الدنيا ليتركني وحيدًا. لقد مات الشيخ (تهامي الحو). مات محترقًا هو الآخر وتفحمت غرفته، تقريبًا في نفس اللحظة التي مات فيها الشيخ ياسين، ولم يخبرني أحد بهذه الحقيقة ربما لأنه لا يربطني به صلة قرابة، أو هي حالتي المتدهورة وقتها، أو جو الشؤم العام الذي ظلل الحي، فلم أعرف إلا الآن.

عدد الصفحات ٨٦

- 88 - وليتني ما علمت، إن وجود الأمل مهما كان مستحيلاً، يمنح طاقة هائلة من القدرة على الصمود والمواجهة، ولكن يبدوا أن هذه الشيطانة تعرفني جيدًا أو تعرف السبل التي سأسلكها، لذا فهي ستظل متقدمة عني بخطوة، وهذه الخطوة ستجعلها متحكمة تمامًا في كل مراحل اللعبة. قط وفأر. صياد وطريدة. موت الشيخ (تهامي الحو) لم يكن هادئًا مثل موت جدي الشيخ ياسين، من كان وا بالقرب من المنزل حكوا أشياءً تشيب لها الرؤوس. لابد أن شيئًا ما كان يربط بينه وبين الشيخ ياسين وبين هذه الشيطانة، وبين التيس الذي كان في الصوان الخشبي . سحر المشاركة .. نعم هو سحر المشاركة دون شك . أن ترتبط حياتهم جميعًا، بتعويذة واحدة، لذا كان القضاء على أحدهم هو القضاء عليهم جميعًا. كيف كان الشيخ ياسين بهذه الحماقة ؟ ! إن سحر المشاركة أعقد أنواع السحر وأشدها سوادًا، وأكثرها ضررًا خاصة مع مرور الزمن.

عدد الصفحات ٨٧

- 89 - فالشياطين لديهم دورة حياة تفوق دورة حياة البشر، إنهم يصبرون حتى يصاب البشري بالضعف ثم ينقضون عليه مثلما حدث مع الشيخ ياسين. فالشيء الأكيد أن التيس كان هو الوسيلة التي استخدمها الشيخ ياسين للتحكم في هذه الشيطانة، وهو ما كان يجبرها على طاعته، ويجبرها على التواجد في عالمنا طوال الوقت. وعندما قررت الفرار والانتقام، كان لابد لها من القضاء على الشيطان المتجسد في شكل التيس، وأيضًا الشيخ ياسين وشريكه (تهامي الحو). ما حكاه جيران الشيخ (تهامي الحو) كان مريعًا، فالنساء اللائي شهدن هذا الموقف شابت شعورهن والأطفال أصيبوا بالتبول اللاإرادي. ففي نفس اللحظة التي احترق فيها الشيخ ياسين، شعروا بأن الجو ا كفهر، ورأوا الشمس وقد غابت خلف مجموعة من السحب السوداء التي انشق العدم عنها، وانقبضت قلوبهم عندما اجتاحت المنطقة رياح ساخنة جعلت صدورهم تضيق، وأنفاسهم تتلاحق، ووجوههم تلتهب من الحرارة، قبل أن تنطلق الصرخات . صرخات عاتية مشؤ ومة.. أتت من قلب الجحيم.

عدد الصفحات ٨٨

- 91 - صرخات لم تكن صافية، ولكنها مختلطة ب صوت الشيخ تهامي وهو يعوي متألمًا كمن ي شوى في سقر، أو كأن هناك من يسكب الحمم الملتهبة في جوفه. وكالعادة لم يجرؤ أحد على التدخل لنجدته، وظل وحده يعاني لساعة كاملة حتى فارقته الحياة. حقيقة مؤكدة ومدعمة، أن من يسلك هذا الطريق، يلقى نهايته وحيدًا على الدوام وبأبشع طريقة ممكنة. هذا ما ردده العجائز الذين حضروا موت الشيخ تهامي ولم يفارقوا الحياة من الفزع . أما الملاحظة التي أثارت رعبي ووترت أعصابي، هي تلك العبارة المشؤومة التي وجدت على جدار البيت الخارجي مكتوبة بالدم : - الأول يتلاشى في اليوم السابع. وأسقط في يدي. إنها طريقة مشهورة لدى القتلة المتسلسلين في اقتناص الضحايا، ربما تنقص هذه الشيطانة روح الابتكار، ولكن الأمر لا يحتاج لتوابل إضافية ليكون مخيفًا، إن التهديد بالقتل له تأثيره المفزع في كل وقت.

عدد الصفحات ٨٩

- 90 - غادرت منزل الشيخ ياسين بصحبة شيخ المسجد وبعض شباب الحي؛ الذين تطوعو ا لمصاحبتنا لحمايتنا من أي شر قد يكون متواجدًا بداخل هذا المنزل. لقد تحول المنزل لمنزل أشباح آخر. وربما لن يقطنه أحد للقرن القادم. لم يجرؤ أي منا على مجرد النظر نحو غرفة الشيخ ياسين التي تداعت جدرانها، إنها لم تعد غرفة عادية، لقد اكتسبت شخصية مخيفة، وأصبح لها حضور يجثم على الصدور. شيخ المسجد نفسه والذي يحمل القرآن كاملاً في جوفه، لم يتوقف جسده لحظة عن الارتجاف طوال فترة وجودنا بالمنزل. وبالفعل تمت المهمة، وقبل أن أغادر المنزل لمحت بطرف عيني ذلك الطيف يخترق إحدى جدران البيت. لقد كانت سماح تنتظرني هناك، تنتظر عودتي. وعلى وجهها المشوه لمحت ابتسامة مخيفة، فغاص قلبي في قدمي. اليوم هو اليوم السابع. ولا وقت للاجتماع مع أحد، خاصة وأني سأغادر ع لى الفور إلى محافظة أخرى، إلى الفيوم فالسيارة تقف بانتظاري وتنفث العادم وكأنها ثور غاضب، كدليل على حاجتها لـ(عمرة ) سريعة.

عدد الصفحات ٩٠

- 91 - ركبت السيارة دون أن أودع أحدًا، حتى أصدقائي غادرتهم دون أن نجتمع معًا لنتباحث في أمر اللعنة التي لا يدرون عنها شيئًا. فلينجوا كل من ا بنفسه لهذا اليوم، وغدًا سأجد وسيلة لأتصل بهم وأحذرهم. ت رى من سيكون أول الملعونين ؟! فليرأف القدر بمن سيتلاشى اليوم.

عدد الصفحات ٩١

- 91 - - الجحيم- انطلقت السيارة البيجو تنهب الأرض، غير عابئة بما يدور بداخل صدور ركباها وقلوبهم الخافقة، إنها فقط تريد أن تنتهي حتى يستريح موتورها ويستعد للرحلة القادمة . أشعر بها تمامًا، وكأن هناك تواصل روحي بيننا، أنا وهي جزء واحد من كل عظيم، أنا وهي نعزف نفس النغمة ونرد د نفس اللحن، ونتناغم كمقطوعة موسيقية حالمة. الزمن هو هذه اللحظة اللانهائية، والمكان هو الاحتواء الكلي، أنا أفهم شعورها تمامًا، أتفاعل معها، كم هذا غريب. إن الأمر يفوق كل شعور تمل ك روحي ذات يوم، كيف أتواصل مع كومة من الأسلاك والمعدن تسير بوقود عضوي فوق إطارات مطاطية. أم هي اللعنة ؟ ! هل سأكون أنا الأول ؟ ! هل سيكون رأسي أول رأس يحصده الموت. أنا من بدأت الأمر فلا عجب أن أكون أول المتلاشين. توترت أعصابي للحظات ثم عدت لأستغرق في التفكير أكثر. هل يشعر الجماد، وهل من الممكن أن يبادلنا المشاعر ؟! لما لا.. !!

عدد الصفحات ٩٢

- 91 - كل من يقود سيارة لوقت طويل يشعر بهذه الصلة، من يعمل على ماكينة لزمن ممتد يشعر بهذا التواصل، حتى إنه لو جرب قيادة أو العمل على واحدة أخرى من نفس النوع، لا يجدها تتفاعل معه بنفس الطريقة وتمنحه نفس الأداء. إن الجماد ي سبح لله طوال الوقت، وهذا مذكور في نصوص القرآن، فقط نحن لا نفقه تسبيحه، ولكن هل يتفاعل مع البشر ؟! أنا أعتبر النبات كائنًا حيًا، ومؤخرًا كشف العلماء أنه يتألم ويفرز مادة مسكنة، بل ويحذر النباتات الأخرى في ساعات الخطر بتلك المواد التي يفرزها، ولكن هذا ليس سؤالي. إنني أصغي الآن لمشاعر السيارة. هل الأمر حقيقي ؟! أم هو خلل حدث لعقلي من هول التجربة ؟! هل امتلكت الموهبة أم هي طريقة فذة لإصابتي بالجنون، إن من يستمع للجماد قد يفقد عقله ببساطة من الصخب والضجيج الذي لن يتوقف، ولكني أحمد الله أن الأمر اقتصر مؤقتًا على السيارة. هززت رأسي ونفضت أفكاري وقررت أن أتشاغل بموقفي الجديد، إنها المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي أغادر فيها القاهرة.

عدد الصفحات ٩٣

- 95 - في الحادث الأول غادرت من مدينة نصر إلى شبرا، أما الآن فأنا أقطع الطريق الصحراوي نحو الفيوم . التي لا أعرف عنها إلا أن أسفل مياه بحيرتها يقبع كنز قارون والذي خسف به الله وب داره الأرض، وهو شيء غير مبهج فالذي يصطفيه الله بعذاب خاص هو أشد أهل الأرض تعاسة، وبلدته لن تكون أقل منه تعاسة. الصحراء تمتد على مدى البصر، والفكرة تداعب خلايا عقلي مرة أخرى، ماذا لو لم يمنع الله عنا صوت التسبيح القادم من ترليونات ذرات الرمال. هل كنا لنست طيع يومًا الاقتراب من الصحراء . مع الصخب والأصوات الهادرة التي ستخرج من مخلوقات لا هم لها إلا طاعة الخالق ومرضاته. مخلوقات قررت أن تترك الأمانة وتتفرغ لعبادة الخالق . مخلوقات لم تصب بالغرور كبني البشر . مرة أخرى سيطر علي الأمر وشتت تفكيري، ربما كان الأمر بالنسبة لي مجرد هلاوس. فالصلة التي نشأت للحظات بيني وبين السيارة انقطعت الآن. وبصعوبة عدت ببصري من خارج السيارة لداخلها، كنت أجلس وحدي في المقعد الخلفي الذي يتسع لفردين، وأفراد عائلتي الذين ظهروا في محيط حياتي من العدم كنبتات شيطانية، محشورون معًا في الم قعد الأمامي

عدد الصفحات ٩٤

- 96 - والأوسط، إنهم يرسلون لي رسالتهم منذ اللحظة الأولى.. أنت لست مرغوبًا فيك ولكنها الظروف التي تجبر الجميع. الجلي الآن أنهم قد عزلوني عنهم ولم يقبلوني كفرد بينهم . لم يتبادل أي منهم معي ولو حتى كلمة واحدة مجاملة أو مواساة، إنهم جاءوا للحصول على الميراث فقط ثم عادت معهم هذه المصيبة المتمثلة في شخصي. قررت أن أغمض عيني للحظات فالطريق طويل، وهذا الصمت المخيم على السيارة يطبق على صدري، ومنظار الدنيا الأسود عاد ليغطي وجهي ليشي بطبيعة الأيام القادمة. النوم كان مستحيلاً . ولكني فضلت أن أغمض عيني كي أمنحهم مساحة من الحرية في الحديث . وفور أن شعروا بهدوء أنفاسي، وأيقنوا بنومي بدأ الحديث وظهرت كمية الجشع والسعادة التي يشعر بها كلٌ منهم لفوزه بجزء من وليمة الميراث. فالشيخ ياسين رجل ثري.. عكس ما أعرف تمامًا !! لديه حساب متضخم في البنك يتعدى الأصفار الستة، كما أنه يمتلك ثلاث عشرة قطعة أرض استولى على بعضها من الفلاحين عن طريق أعماله

عدد الصفحات ٩٥

- 97 - الشيطانية، ويمتلك أيضًا ثلاثة بيوت غير الذي مات فيه، ولديه نصف السوبر ماركت الموجود في شارع شبرا . غير ما ورثه عن ولده المتوفى. ثروة هائلة تكفل لهم ولأحفادهم عيشًا رغيدًا، خاصة مع ار تفاع أسعار الأرض الجنوني. بعد النشوة والفرح جاء همزهم ولمزهم على مصيبة تواجدي، وحاول كلٌ منهم أن يلقي بعبء إيوائي على الآخرين، وفي النهاية قرروا أن أقضي عامًا كاملاً عند كل منهم على أن يبدأوا من الأكبر للأصغر سنًا. كسرني هذا الجفاء والجحود وقررت بداخلي أني لو عبرت هذه المحنة، أن أهرب حتى أبلغ سن الرشد ثم أعود مطالبًا بميراثي. **** هبط الليل، ومعه غاب الجميع عن الوعي ماعدا السائق بالطبع، إن المسافة طويلة ومع الازدحام المروري لا أمل في أن يصلوا قبل عدة ساعات.. يبدو وجه السائق في المرآة الداخلية كئيبًا، والظلام يغلف كل شيء كما لو كان لوحة لفنان مجنون لا يملك إلا اللون الأسود. الطريق خال . لا صوت إلا صوت المحرك فراديو السيارة لا يعمل.

عدد الصفحات ٩٦

- 98 - السائق يتململ ثم يشعل سيجارة تشي رائحتها بكونها غير بريئة، وكل عدة دقائق تتجاوزنا سيارة مندفعة . ونحن مازلنا على سرعتنا التي لم تتجاوز التسعين كيلومترًا في الساعة. وفي لحظة ما قرر السائق أن يطلق العنان لسيارته. لابد أن الحشيش لعب في رأسه. وكفهد سريع انطلقت السيارة تنهب الطريق وتخترق قلب الظلام . متى ظهرت سماح ؟! لا أستطيع أن أحدد تقريبًا، ولكن بين حالة اليقظة والنوم التي انتابتني، لمحت شبحها يظهر من قلب العدم في منتصف الطريق، وعلى بعد عدة أمتار من السيارة المندفعة ليطير النوم من عيني. السائق فقد أعصابه من اللحظة الأولى، ومع السرعة العالية، وفقدان التحكم الكامل، كان لابد من وقوع الكارثة . شبح سماح بعينيه الحمراوين المتألقتين يعترض السيارة، السائق يصرخ في رعب ليستيقظ الجميع. المرأة الشمطاء التي لا أعرف اسمها تحتضن ذلك البدين الذي لا أعرف اسمه أيضًا، والذي يبدو أن قلبه لن يتحمل هذا الموقف العصيب و سيتوقف قبل الاصطدام الوشيك.

عدد الصفحات ٩٧

- 99 - الرجل ذو النظارة السميكة متصلب وكأنما استحال لتمثال من الشمع، والسيدتان ذاتا الرداء الأسود تصرخان دون توقف . أما أنا فقد نظرت إلى عيني سماح التي انعكست في كل شيء، المرآة الداخلية والمرآة الخارجية ووجه القمر، ثم نطقت الشهادتين وانتظرت الموت. اختلت عجلة القيادة في يد السائق، فاندفعت السيارة كالصاروخ، لتمزق ذلك السلك المعدني الذي يفصل الطريق لحارتين، لتقابلها سيارة نقل ثقيلة، تحمل على ظهرها أسياخ الحديد المشر عة كالرماح. وما حدث في اللحظات التالية كان مخيفًا. فالسيارة بعد أن صدمتها سيارة النقل المسرعة، طارت في الهواء وحلقت للحظات كنسر مكسور الجناح، قبل أن تصطدم بالأرض في قوة، ثم أخذت تنقلب على جانبيها عدة مرات في عنف، قبل أن تتوق ف ويسود الهدوء كل شيء . ****

عدد الصفحات ٩٨