- 68 - كل منهم يتقدم نحوي باسطًا كفه، لأجرحه بنصل الخنجر فيسيل دمه في إناء خزفي ظهر هو الآ خر من العدم، الأول .. الثاني.. الثالث.. الرابع.. الخامس.. السادس.. .وأنا السابع. هل عرفتم الآن من هو صاحب السوء ؟! أمزج الدماء مع بعضها بنصل الخنجر.. صرخة هادرة مع ثغاء عال ، وكأنه ا صادرة عن تيس حقيقي. الدماء تتوهج بضوء أحمر قان .. دخان أحمر كثيف له رائحة عطرية يتسلل إلى روحي. سماح التي ليست سماح تمتزج بكياني، حتى إني أشعر بقبضتها فوق قبضتي على الخنجر. أتقدم من الصوان بخطوات مترددة وعيني مسلطة على عين التيس الذي لم تتوقف حوافره لحظة على جرح الأرض من تحته، وأعتقد أنه لولا السلاسل المعدنية القوية التي تقيده لإلتهمني أنا وأصدقائي أحياء. سماح تخبرني ألا أنظر في عينيه، ولا تعرف هذه الشيطانة أن عينيه هي التي تجتذبني.. إنه يحاول السيطرة علي.. !! ماذا.. أقاوم ؟! لن أستطيع أن أقاوم ؟! اتركي قلبي أيتها اللعينة إنك هكذا تقتلينني. حسناً ..حسناً ..توقفي وسأطيعك.
عدد الصفحات ٦٧- 69 - سأقتله ولكن ساعديني.. جيد.. هكذا سننهي الأمر. - توقف أيها التعس. هل هذا صوت جدي ؟! هل أتى الشيخ ياسين أخيرًا ؟! حسنًا.. حسنًا.. سأتجاهله. الآن الخنجر في يدي.. مشرع نحو السماء .. إنه يتألق.. نعم يتألق.. - لا تقتل المخلوق أيها الأحمق إنك بهذه الطريقة تقتلني. صوت الشيخ ياسين من جديد ولكني أسمعه بصعوبة. - ستقتلني أيها الأحمق. أتجاهل الصوت، أتقدم إلى الأمام، حرارة لافحة تغمر كل شيء، نافورة الدماء تنبثق من جديد من قلب العدم. إنني أفقد إرادتي.. كل شيء يدور من حولي. كما تريدين يا من لستِ سماح، سأقتل التيس.. الآن. **** لا أعرف ماذا أصابني في الدقائق السابقة، هذيان كان أم حقيقية، المهم أني في النهاية، أغمدت الخنجر في قلب التيس و الذي أطلق ثغاء طويلاً ،
عدد الصفحات ٦٨- 71 - وصوت حشرجة متألمة صفع كياني ، قبل أن يهو ي أرضًا، ليتحول إلى ما يشبه القطران، أو الهلام الأسود الحار. قطرة واحدة من الهلام أصابت يدي، قطرة واحدة وبدأ التآكل، إصبعي الصغير بدأ في التحلل والتساقط، ولكني لم أنتظر برغم الألم الشنيع، وبنفس الخنجر بترت الإصبع من قاعدته، لن أسمح بأن يمتد التآكل إلى باقي جسدي. الألم شنيع.. !!. هل سأفقد الوعي الآن ؟ ماذا يحدث لجدي الشيخ يا سين، هل قتلته بالفعل ؟! جسد الشيخ ياسين ينتفض في عنف أمام عيني، وكأنما أصابته حالة صرعية، وهاهو يرتعش والزبد يتساقط من بين شفتيه وكأنه يحتضر، وقبل أن أفقد الوعي رأيت الجسد يتصلب وكأنما فقد الحياة، وحوله تنا ثر أصدقائي فاقدي الوعي أو أموات لا أعرف حقًا. فقدان الوعي لم يستمر معي سوى لدقيقة واحدة، أو أنه كان سيستمر، لولا شعوري بالبرودة الشديدة مع إحساس عارم بالتحرر. إن الشيطانة تغادرني الآن لتتجسد في فضاء الغرفة كطيف جهنمي بعيون حمراء قانية متألقة وعلى رأسها قر نين مخيفين.
عدد الصفحات ٦٩- 70 - لقد انتهى الاستحواذ، ولكن لم ينتهي الأمر بعد. أطلقت الشيطانة أو شبحها صرخة عالية كادت أن تصيبني بالصمم ومعها بدأت النيران تشتعل في كل شيء، نيران زرقاء جهنمية لا دخان لها ولكنها تحيل ما تلمسه إلى تراب. إنها تمحوا كل الآثار، من سيأتي بعد فنائنا لن يعرف أننا كنا هنا . انتفضت برغم الأ لم الشنيع الذي شعرت به في مكان إصبعي المبتور، وعيناي مسلط تان على أجساد أصدقائي المسجاة على الأ رض، والنيران التي تقترب في سرعة جهنمية منهم، وبإرادة لا أعرف من أين نبعت، سحبت أجسادهم خارج الغرفة، جسدً ا خلف جسد،وأنا أكاد أفقد الوعي مجددًا من فرط المجهود والألم. وعندما أخرجت آخر فرد منهم، وغادرت الغرفة، تحولت الغرفة لآتون مشتعل من النيران وأتت على كل شيء حتى جثة جدي. وفي نفس اللحظة سمعت صرخة عاتية، صرخة آتية من أعماق الجحيم : - لاااااا.. اتركهم .. إنهم لي. وعندما نظرت نحو مصدرها وقلبي يكاد يثب من صدري، وجدت سماح تتجسد في المكان وكأنها طي ف هلامي شيطاني الملامح، مع إحساس عارم
عدد الصفحات ٧٠- 71 - بأنها تجاهد لتحتفظ بتواجدها في عالمنا. بدت كصورة تلفزيونية مشوشة . كانت تصرخ من الغضب وتصب علي رأسي كل أنواع اللعنات. ثم فجأة أطلقت صرخة مدو ية، بدا الأمر وكأنها ت ذبح أو أن هناك من ينتزع أحشاءها في قسوة. كانت تتألم، تتعذب، ثم بدأت تتلاشى ويخبو تألق عينيها، ثم وهي تتلاشى سمعتها تخبرني بما وددت لو أصبت بالصمم قبل أن أسمعه. كانت تخبرني بأن حماقتي حرمتها من الأضحيات السبع، وأنني انتزعتهم من بين أنياب الموت الحادة، ومنعتها من العودة لعالمها. لم أستطع أن أرد عليها أو أجيبها. فقط سقطت على ركبتي ، وأنا أتطلع نحوها بإرهاق ممزوج بالغضب . استمرت للحظات تصرخ وتتلوى وفي النهاية ألقت لعنتها : سبعة هربوا من أنياب الموت .. سبعة سيعودون لعرين الموت .. سبعة ستقتلهم شهواتهم الكبرى.. سبعة لن يروا القمر التالي.
عدد الصفحات ٧١- 71 - -اللعنة- عادت عايدة من الخارج، وذهنها المكدود يحسب الوقت المتبقي لها لتنظيف المنزل، وفي نفس الوقت يقيس حجم المنزل الكبير، وبحسبة بسيطة وجدت أنها فقدت وقتً ا ثمينً ا بالفعل. لقد أهدرت ساعة كاملة أو أكثر بالخارج، فهي استغلت فرصة غياب الشيخ ياسين لتعود صديقة قديمة لها في نفس البلدة، وصل لها بالصدفة خبر مرضها عن طريق صديقة مشتركة أخرى قابلتها في السوق هذا الصباح . لذا تجدونها عائدة وعلى وجهها علام ات التفكير العميق والهم ، تقطع الطريق بخطوات واسعة لتختصر الزمن، كانت تريد أن تنتهي من تنظيف المنزل في أسرع وقت، وقبل عودة الشيخ ياسين، فهي تحرص على عدم إثارة سخطه، خاصة وأن أحواله هذه الأيام غير مستقر ة، وأعصابه ثائرة على الدوام. لم تكن تتوقع مفاجآت من أي نوع عند ولوجها للمنزل، لذا فإنها عندما عبرت الباب الخارجي، ومشت صوب الصالة في الرواق القصير المفضي لداخل المنزل، أصابتها الصدمة بحالة وقتية من الذهول، فتجمدت مكانها كتمثال من الشمع، وهي تشاهد بقلب خافق وأنفاس لاهثة وعيون متسعة من الهلع، السيرك الجهنمي المنصوب في صالة المنزل.
عدد الصفحات ٧٢- 71 - فأمام عين يها الجاحظتين، كان هناك سبعة من الشباب في أعمار مختلفة، ممددين فوق الأرض الصلبة الباردة، في حالة أقل ما يقال عنها مزرية وفي أوضاع غير مريحة، ويبدو على وجوههم رعب عات ، وكأنهم قابلوا شياطين الجحيم قبل لحظات من موتهم أو فقدانهم الوعي. عايدة حتى هذه اللحظة لم تتأكد بعد، ولن تجرؤ على التأكد من حقيقة كونهم أحياء أم لا، لأنها تؤمن بالفعل بكونهم أموات. اليقين سيفقدها صوابها، إن ميراثها القديم من القصص المخيفة عن الجن والشياطين والأشباح، والذي أججها عملها ل دى الشيخ ياسين، يحطم جدران تعقلها وتماسكها. إنها لا تصدق ما يحدث، أقصى كوابيسها بشاعة أن يصيبها الشيخ ياسين بلعنة عند غضبه أو يخرج لها شبح من خلف باب غرفته المغلقة، لذلك كانت تطيعه ولا تعصي له أمرً ا كي تتحاشى مثل هذه الأشياء المخيفة. إنها قادرة على التصد ي لكل ما يمكن لمسه وقياسه، حتى إنها تصدت ذات يوم للص يفوقها قوة وجندلته بعزيمتها ولكن ما تراه الآن من خارج عالمها، شيء لا يمكن التصدي له أو حتى مجابهته، هذا لو استطاعت تصديق وجوده من الأساس. الموقف الآن يفوق كل حدود إدراكها، لذا فإنها تقف بالقرب من غرفة الشيخ ياسين والتي تشتعل النار بداخلها كالجحيم في ذهول، قابضة على
عدد الصفحات ٧٣- 75 - تلك الأكياس التي تحتوي على المنظفات، وكأنها تستمد منها عونً ا غير موجود. تشاهد ألسنة اللهب وتسمع فحيحها بعيون وآذان مكذبة . وحتى هذه اللحظة لم تنتبه إلى أن النار المستعرة بلا دخان، وأن هذه النار الهائلة لم تتجاوز حدود الغرفة، حتى إنها لم تلمحها عند قدومها من الخارج برغم كثافة النيران. بالطبع كان هذا جزءً ا من الحظ الحسن الذي لن يراه الفتيان بعد اليوم، فالنار لم تغادر الغرفة، ولم يمتد تأثيرها إلى أي مكان آخر، وإلا لأتت على المنزل بالكامل وجعلتهم جثثً ا متفحمة. وهذا بالتأكيد يدل على كونها نيرانًا غير طبيعية تمامًا. أنفها المتقلص يلتقط رائحة شنيعة، وكأن هناك من يحرق جثة حيوان نافق كثيف الشعر وهذا أثار تقززها. أما ما جعلها تترك كل شيء لتفر مغادرة المنزل، وصرخاتها لا تنقطع، هو تلك الشياطين التي كان تصطلي بداخل النيران. إن أبشع ما رأته في حياتها يومًا، كان وجه زوجة أخيها المشوه بعد أن احترق بالكامل، عندما انفجر فيه موقد الكيروسين، هذا الوجه المشوه والذي ذابت ملامحه وطمست، ظل يطاردها في أحلامها لشهور طويلة،
عدد الصفحات ٧٤- 76 - هذا الوجه المشوه، كان هو الجمال المجسد بجوار الهول الذي تراه بداخل النيران. الشر البكر. والقبح البكر. والرعب البكر. لم يستطع جهازها العصبي أن يتحمل أكثر. هل جنت ؟! هل استحوذت عليها روح شريرة ؟ ! هل قتلتها الشياطين ؟! لا أحد يعرف أو يهتم، هي فقط غادرت، ولم تعد إلى الأبد. شباب الحي، هم من أنقذوا المراهقين السبعة من بين أنياب الموت المحقق، خاصة وأن المنزل العتيق قد بدأت بعض جدرانه تتشقق وتتصدع ، وكأن هناك زلزال محدود يضرب المنزل فقط، دون باقي المنطقة . لحظات عصيبة مرت على الجميع، وفي النهاية هدأ الأمر، وبداخل منزل أحد أثرياء الحي، وهو المعلم (عتمان) تاجر الخردة المعروف و المشهور، تم عيادتهم وإفاقتهم.
عدد الصفحات ٧٥- 77 - الصمت كان إجابتهم على كل الأسئلة، الصدمة كانت تكتسحهم، لقد مروا بتجربة عمرهم، ولن يعودوا لطبيعتهم قبل وقت طويل، وربما لن يعو دوا أبدا، وهذا فتح باب التكهنات والتفسيرات والاجتهادات لدى الجميع في تلك الجلسة الطارئة بمنزل المعلم (عتمان). إن موت الشيخ ياسين حدث جلل وأصاب الجميع بالصدمة، وبرغم رؤيتهم جميعًا للغرفة المتفحمة، مازالوا لم يصدقوا تلك الحقيقة المجردة، أن من هو مثله من الممكن أن يموت. البعض ردد وهو يبسمل ويحوقل، أن الجن قتله. والبعض قال إنها الشياطين، وفي النهاية قال شيخ المسجد إنها أعماله الدنسة هي التي قادته للهلاك. الجزاء من جنس العمل، فالله لا يترك فاسدًا ولكنه يمهله بعض الوقت لعله يتوب عن غيه، والشيخ ياسين كان من هؤ لاء المدنسين الذين عقدوا مع الشياطين معاهدة، فجاءت نهايته في قلب نار الدنيا وغدًا يصطلي في نار الجحيم. وكانت هذه هي الفكرة الرئيسية التي دارت حولها أحاديثهم المطولة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن لهجة الحديث جميعها، كانت ممزوجة بالتشفي وخاصة مع طريقة موت الشيخ ياسين البشعة واحتراق جثته.
عدد الصفحات ٧٦- 78 - ومجمل الحوار كان فكرة لم تقل صراحة مراعاة لمشاعري، وكأني في هذه اللحظات كنت مصغيًا أو مهتمًا، و هي أن الشيخ ياسين قد نال ما يستحق، وهو ما دفع تاجر الخردة المعلم (عتمان) ليتحدث بأريحية أكثر وهو يعدل من وضع الجلباب الذي يرتديه، قبل أن يعبث في شاربه قائلاً : - إنها النهاية المتوقعة لكل دجال ومشعوذ. ثم حكى بطريقة العالم ببواطن الأمور، قصة ذلك الدجال الآخر الذي كان يمارس فنون السحر السوداء في إحدى البلاد البعيدة التي زارها في بداية حياته، قبل أن يصير ذلك الثري الذي يرونه الآن، والذي كان يفسد كل عرس لم يقم أهله بطلب بركته ودفع الإتاوة التي يحددها، وذلك عن طريق التفريق بين الأزواج، لدرجة أن إحدى الزوجات كانت ترى زوجها كلما اقترب منها وحشًا مخيفًا شنيع الشكل، وكيف أن نهايته جاءت تحت عجلات سيارة نقل كبيرة، سوته بالأرض مزجت لحمه بعظامه عندما كان خارجً ا من المقابر بعد أن قام بدفن أحد الأعمال السفلية بها. وكيف أن دجا لاً آخر، كان مدمنًا على الكحول الأحمر، وكيف أنه ظل يعاني من العذاب لثلاثة أيام وحيدً ا في غرفته بعد أن سمم الكحول الملوث دماءه، حتى عثروا على جثته المتعفنة.
عدد الصفحات ٧٧- 79 - كان ما يحكيه شنيعًا، ولكن المستمعين كانوا يتابعون بشغف، وكلاً منهم يؤمن بأنه أقل مما يستحقون. وردد أحدهم أن أيام المجد القديمة قد ولت، فهم في العصور السابقة كانوا يحرقون السحرة في بلدان عدة. شجعت حميمية الحوار الجميع، حتى إن أحدهم، وهو شاب نحيل مجعد الشر أدلى بدلوه هو الآخر في الحديث وقال : لقد قصت عل ي جدتي وأنا في الخامسة عشرة من العمر كيف أن أحد هؤلاء الدجالين، استحضر جنً ا لم يستطع أن يصرفه، وظل هذا الجن أسبوعً ا كاملاً ، يهشم في عظامه الواحدة تلو الأخرى، دون أن تمتد يد لتساعده، وفي النهاية مات في غرفته من الجوع والعطش والأل م. كانت حكايات يشيب لها الولدان وتقشعر منها الأبدان، وكانت النهاية لهذه الليلة الطويلة، وعندما ذهب كل صبي إلى منزله، كانت هناك عين مشتعلة بالغضب تتابعه في قسوة.
عدد الصفحات ٧٨- 81 - - ماذا حدث ؟! - يقولون إن النوم بروفة يومية للموت، وهي حقيقة ساندتها بعض النصوص الدينية، وأنا شخصيً ا أ ؤ من بها، وبالتالي أؤمن أن كل يقظة حياة جديدة يمنحها لنا الخالق ويجب أن نحمده عليها إلى آخر نفس. ولكن ماذا عن الاستيقاظ وأنت تعلم جيدًا أن هناك من يسعى للانتقام منك ومحوك من سجلات الأحياء ؟! ماذا عن الاستيقاظ وأنت تعلم أن الموت صار قاب قوسين أو أدنى من عنقك حتى إنك تشم بأنفك المتقززة رائحته، وتشعر بأهدابه الناعمة تداعب روحك المهشمة ؟! هل ستستسلم أم ستقاوم ؟! أنت في السابعة عشر ة من العمر، لا تملك خبرة أو قوة أو أعوانً ا ؟! أنت فقط أمام الموت.. !! الموت الذي أفنى قبلك من هم أكثر قوة وشجاعة وأعز نفرًا. لنفكر سويً ا، لو كان هذا الشخص بشريً ا عاديً ا، فربما لتوصلت لوسيلة لاكتشاف نقطة ضعفه والقضاء عليه قبل أن يقضي هو عليك. لكنه للأسف ليس بشريًا حقًا.. !!
عدد الصفحات ٧٩- 80 - فهل يقتله ما يقتل البشر ؟! إنه مخلوق من عالم آخر..عالم مظلم.. عالم لم يعرف إلا الشر. صدقني، أنت في هذه اللحظة ستستيقظ من موت ليستقبلك موت آخر أشد قسوة. ستستيقظ بلا أمل.. لأنك تتوقع الموت في كل لحظة . أنت فقط ستستيقظ لتعيش العذاب قبل الموت، فالأفضل لو ظللت في موتتك الأولى الرحيمة، لأن الشياطين حين تقرر الانتقام، سيكون انتقامها أسطوريًا. وهذه كانت حقيقة مشاعري عندما استيقظت في الصباح التالي كما اعتقدت، وبعد ستة أيام من الحادث كما أخبرني المعلم ( عتمان ) صاحب المكان الذي يؤويني الآن. ظننت في البداية أن الأمر كله مجرد كابوس آخر، وسينتهي بمجرد أن أفتح عيني، وحاولت أن أستسلم لهذا التفسير المريح، ولكني عندما فتحتها وجدت نفسي في مكان غريب عني كليًا، الأثاث مختلف والصور مختلفة، والضوء يعشش في كل مكان، إنه النقيض الحقيقي لمنزل الشيخ ياسين الذي لا تكفي ألف شمس لتمحو ظلمته.
عدد الصفحات ٨٠- 81 - الجميع هنا غرباء عني، وهذا كله يؤكد لي حقيقة واحدة، أنني في مأزق فكاك منه. انقبض قلبي عندما تذكرت الأحداث الأخيرة، وطفت على السطح كلمات تلك الشيطانة والتي أخذت تدوي بداخل رأسي، لتحيل يومي لعذاب مقيم، و ظلت سحنتها المخيفة التي بدا وكأنها التصقت بعيني تورثني رعبً ا لا مثيل له. لوقت طويل لم أستطع السيطرة على جسدي وكأنني أصبت بشلل مؤقت، تذكرت والدي ، وبكيت وأنا أستجدي مساعدتهما كطفل صغير، إنها اللحظة الفارقة التي أحتاج فيها إلى من يعانقني ويربت على كتفي، ويخبرني أن الأمور ستكون على مايرام، ولكنهما رغم كل شيء مرا على عقلي كطيفين ولم يمنحاني السكينة التي أرجوها . إنني في منزل غريب، و هناك من يعودني و يعولني ويمنحني الطعام ويحرص على راحتي. إن الأمور جيدة إلى حد ما ولكنها ليست الجنة حتمً ا وليست نهاية مشكلاتي. إلى متى سيتحملونني وإلى كم سأتمادى ؟!.. إنني خائف، وخوفي هذا يدفعني للهروب من التفكير في تلك اللعنة المخيفة التي تلاحقني. وبرغم أن هروبي من التفكير في الأمر لن يغير من كارثيته شيئًا ولن يعني عدم وجوده، إلا أني لست على استعداد الآن لمواجهته، وهذا هو المخيف في الأمر.
عدد الصفحات ٨١- 81 - لن أستطع أن أهرب من المسئولية مدعيًا صغر سني فمن همفي مثل عمري رزقوا بطفلهم الأول، وبعضهم ارتكب جريمته الأولى والبعض الآخر يواصل رحلة هروبه مطاردً ا، لذا فالاستسلام لن يعني الفشل ولكنه سيعني الموت، على الأقل فلأثبت لنفسي أنني لست جبانً ا أو أحمق، إن أرواح أصدقائي معلقة في عنقي بعد أن زججت بهم في هذه المغامرة القاتلة . يجب أن أهدأ وأن أعقل الأمر، فلو نظرت لنص اللعنة لوجدت أن تلك الشيطانة الجهنمية، حددت طريقة هلاكنا عن طريق استسلام كل منا لشهوته الكبرى. حقيقة لا أعرف ما هي شهوتي الكبرى، وإن كان من في مثل سني قد يمتلك ما يمكن أن يطلق عليه شهوة. ما أعرفه أنه قد يكون تعلقً ا أو اندفاعً ا. لا أعتقد أن الشر الحق قد تمكن من أرواحنا بعد في هذه السن الصغيرة. بالإضافة إلى أن كلاً منا ينظر لنفسه على أنه الإنسان الكامل، والإنسان الكامل يتحكم في نفسه ولا تسيطر عليه نزواته أو نقائصه، هذا إن كان يؤمن بوجود هذه النقائص. لذا فتحديد تلك الشهوة التي ستجر كلاً منا إلى الهلاك وارتكاب إحدى الخطايا الكبرى والتي سنعاقب عليها بالموت، أمر صعب جدًا بل مستحيل أيضًا. فنظرة المجتمع للفعل هي التي تحدد درجة سوئه، فالمجتمع الذي
عدد الصفحات ٨٢