المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ٤ من ٢٦

- 51 -

عدد الصفحات ٥١

- 51 - الشيطان هناك رأس محنطة أحاول إقناع نفسي بأنها غير بشرية .. ولكني قرأت من قبل عن هذه الرؤوس المجففة والتي تستخدم في طقوس السحر الأسود. مجموعة من الخطاطيف التي يستخدمها الجزار في تعليق الذبائح معلقة في سقف الغرفة، وتلك البقايا الملتصقة بها لن أجرؤ على تفحصها، ولكن رائحتها تشي بحقيقتها.

عدد الصفحات ٥٢

- 51 -

عدد الصفحات ٥٣

- 55 - - الغرفة- عندما تشعر بكونك تقترب من فخ محقق ولا تتراجع، فتأكد من شيء واحد.. أنت أحمق كبير . هذا هو ما شعرت به وما شعر به رفيقاي كذلك، الرعب الكبير المرتسم على وجهي أمين ونجيب، يؤكد لي حقيقة شعوري . ولكني كصاحب الفكرة، وكعاشق مكلوم، لم أرغب في أن أظهر بمظهر الجبان أو الخائف أمام رفاقي، لذا فإنني بدأت الحماقة وقررت أن أستمر فيها إلى النهاية. الأمر لم يكن يحتاج لمزيد من التأكيد لنعرف أن ما نحن مقبلون عليه خطير ومخيف، و ربما يكلفنا جميعًا أكثر مما نعتقد. فشخص مثل الشيخ ياسين لن يترك عرينه بلا حماية، وربما تصيبنا منه لعنة، كتلك اللعنات التي كان الفراعنة يحصنون بها مقابرهم. إنه ساحر والسحرة يجيدون مثل هذه الأشياء، وإلا من أين أتت سمعتهم السيئة عبر التاريخ. النقطة المثيرة للأعصاب هنا، هو كيف لم تأتِ هذه الفكرة إلى عقلي من قبل؟! إن الحماقة أعيت من يداويها.

عدد الصفحات ٥٤

- 56 - لا مجال للتراجع أو التخاذل بأي حال، إننا هنا الآن، لقد تورطنا جميعً ا وانتهى الأمر. فلا بأس من أن نحصل على ما جئنا من أجله. وإن كنا لا نعرف ما هو تحديدًا. فلنلخص الفكرة في الكتب والأوراق والرقاقات الجلدية التي لمحت الشيخ ياسين يحملها أكثر من مرة ليعبر بها صوب الغرفة. الخوف يلقي بظلاله على المكان، حتى الهواء نفسه مختلف وثقيل وكأن له قوامً ا. الرواق أمام الغرفة يبدو وكأنه يسبح في ضباب رمادي كثيف . مع صوت فحيح غريب، وصوت قرع جر س أقرب لأجراس الكنائس. التقطت أذني صوت هامس ، يدعونا لأن نقترب !!. تجمدت مكاني من الرعب للحظات، ثم استدرت بجذعي لأتطلع خلفي. - ألا يرى هذا الغبيان اللذان ير افقاني أي شيء مريب ؟! ولكني صدمت عندما رأيتهما، ورأيت الذهول المرتسم على وجهيهما وكأنهما ولدا به . مالهما متسمران هكذا كالتماثيل الشمعية ؟! إنني أشعر بتوتر شديد .. إنني خائف .. ولابد أن أعود .. لا يجب أن تستمر هذه الحماقة أكثر من ذلك.

عدد الصفحات ٥٥

- 57 - تيار من الهواءالبارد يجتاح جسدي، ويدفعني بعيدً ا عن الغرفة، مع إحساس مخيف بأن هناك أهدابً ا أو ممصات تداعب الأجزاء الغير مغطاة من جسدي، وكأن مئات من الفئران الصغيرة تتشمم جسدي . شعور قاتل وأكاد أفرغ منه معدتي . هل تشعرون معي بذلك الحضور الكثيف ؟! إن شيئًا شريرً ا يسكن هذه الغرفة دون شك.. شيئًا له حضور وتأثير ورائحة وكيان . شيء لا يرغب في دخولنا الغرفة. شيئًا يختلف عن تلك الهمسات التي تدفعنا لولوجها. هذا المكان تفوح منه رائحة الموت بطريقة مزعجة، كما أن طاق ة مخيفة تتماوج في المكان، كأن هناك مجالاً من نوع ما يحيط بالغرفة . هل هي كهرباء إستاتيكية ؟! الأمر يبدو و كأن الغرفة تحتوي على مولد كهرباء قوي، وإلا لماذا وقف شعر ساعدي ورأسي ؟! التردد يزيد من الخوف والقلق بداخلي، فالأفضل من انتظار الخطر هو وقوعه، لأن الانتظار سيتمثل فيه الموت بألف طريقة وطريقة. فلننتهي من الأمر سريعً ا ونغادر. لعنت قلبي الذي ينبض كمحرك قديم، فمتى بسط القلب سلطان ه على العقل، فلابد من حماقات كثيرة ترتكب باسم الحب .

عدد الصفحات ٥٦

- 58 - الغريب أني أشعر الآن أني بصدد مهمة تختلف تمامًا عن سبب قدومي إلى هنا. لم تعد سماح هي الفكرة. هناك فكرة أخرى تولد بداخلي وتتشعب وتتوغل وتستولي على كياني، وهي فكرة الخلاص. إنها لم تبدأ بذرة كما يحدث دائمًا، بل شجرة كام لة الفروع والأغصان والثمار، تضرب بجذورها في أعماقي. الآن أنا على يقين بأن سماح كانت الطعم، الذي قادنا ل هذا الفخ، وربما للموت كذلك. كل هذه الأحاسيس المخيفة والمشاهد المروعة، ولم أكن أنا أو رفيقاي قد تجاوزنا عتبة الغرفة الرخامية بعد.. أي هول تخفيه هذه الغرفة بداخلها، لتحيط بها هذه الطاقة النفسية المروعة. الآن فقط أتذكر أن ني لم أقترب ولو مرة واحدة من هذه الغرفة، كان هناك شيء ما يمنعني دون أن أعي من ولوجها، وكنت أستجيب له . لقد شغلني جدي عنها ببخله وطباعه، وتلك المشاكسات التي لا تنتهي.. فهل كان يتعمد هذا ؟ !

عدد الصفحات ٥٧

- 59 - هل استمر طوال سنوات متعاقبة لا يكف عن إلهائي ؟! وهل هذا ما يحدث الآن ؟! هززت رأسي في عنف لأوقف سيال الأفكار المتدفقة، ثم جذبت نجيب وأمين من ذراعيهما ، وسحبتهم ا معي لداخل الغرفة، وما أن عبرنا العتبة الرخامية حتى توقفنا وتعالت شهقاتنا . فالغرفة لم تكن غرفة عادية بأي حال من الأحوال. إنها إحدى بوابات الجحيم.. وصدقني لاشيء سيفاجئك في حياتك مثل محتويات غرفة الشيخ ياسين المغلقة، والتي كشفت لي عن أسرارها، دون مجهود مني أو من رفاقي، أو ربما هي تتمة الفخ. اتساع الغرفة غير طبيعي أبدًا، ربما هو تأثير تلك المرايا العاكسة المتناثرة في أرجا ئها، والتي تحتل إحداها جدار كامل، كما أن هناك ضوء لا نعرف مصدره يشع من كل الموجدات، و رائحة عضوية تذكرك بتلك الرائحة التي كثيرً ا ما حاولت ريا وسكينة أن تطمساها بالبخور، فرائحة الجثث المتعفنة تتشابه في كل مكان . الموت يعلن عن نفسه بقوة في هذه الغرفة. رأس محنطة أحاول إقناع نفسي بأنها غير بشرية .. ولكني قرأت من قبل عن هذه الرؤوس المجففة والتي تستخدم في طقوس السحر الأسود.

عدد الصفحات ٥٨

- 61 - مجموعة من الخطاطيف التي يستخدمها الجزار في تعليق الذبائح معلقة في سقف الغرفة، وتلك البقايا الملتصق ة بها لن أجرؤ على تفحصها، ولكن رائحتها تشي بحقيقتها. أصابتني حالة غريبة من الهذيان فصرت أكلم نفسي. أهذه عظام طفل ؟! هي بالتأكيد عظام طفل، فهذه الجمجمة لا تخص أي حيوان أعرفه. وهل هذا جرامافون. ما دخل الموسيقى بالسحر ؟! ربما الموسيقى هي لغة من نوع ما يخاطب بها الشيخ ياسين، الشياطين في بعدهم المتواري. ثم ما هذا الصوت القادم من خلف الصوان الخشبي الكبير ؟! إنه ثغاء دون شك، ينتمي لأحد الأنعام، إنها عنزة أو تيس، ماذا يفعل الشيخ ياسين بحيوان مماثل، ولماذا يحتفظ به بقلب الصوان ؟!. حالة نجيب وأمين لا تختلف أبدًا عن حالتي بل إنها أسوأ دون شك، وكأننا واقعين تحت تأثير مخدر ما.

عدد الصفحات ٥٩

- 60 - ماذا رأ ى نجيب ليظهر الفزع على وجهه بهذا القدر ؟! ولماذا ي تصلب جسده بهذه الطريقة وكأنه التصق بالأرض ؟ ! لماذا يقف مكانه هكذا دون حراك ؟! إنه يرى شيئًا مخيفًا لا أراه دون شك ؟! ثم لماذا سقط أمين على الأرض لينتحب ؟! هل بال أمين على نفسه ؟! لابد أن نغادر الغرفة على الفور، ولتذهب سماح والمغامرة إلى الجحيم. إنني في حالة انفصال تام عن جسدي، وكأن هناك من حقنني بمخدر نصفي، أرى ما يحدث، ولكني لا أستطع التصرف. أهي تعويذة دفاعية من جدي ؟! - نجيييييب.. .أمييييييييين، ساعداني أيها الكسولان، لماذا لا تجيبا ؟! أين أنتما، ثم ما هذا الضباب الأسود ؟! و ما الذي أتى بك هنا يا سماح ؟!

عدد الصفحات ٦٠

- 61 - - شيطانة- الجنون كان هو المتحكم والمسيطر علينا في هذه اللحظة، إما أننا واقع ون تحت تأثير سحر ما، أو أنه شيء مجهول في الهواء، و استنشقناه نحن في غباء فأثر على أعصابنا. - إنها غرفة جدي على أية حال وليست مقبرة فرعونية تحميها لعنة مهلكة. هذا هو ما حدثت به نفسي في محاولة بائسة كي لا يتوقف قلبي من الفزع . الحيرة تعصف بعقلي والتساؤلات تتزاحم وتتقاتل بداخله. ت رى هل كانت سما ح في غرفة جدي طوال الوقت ؟! ظهورها كان مفاجأة غير سارة لي، لأنها لم تكن سماح التي أعرفها أبدًا، فوجهها الذي طالما داعب أحلامي .. كان ملطخً ا بأصباغ سوداء وبيضاء متقاطعة، مع شحوب طاغ يجعلها أقرب إلى الموتى. جسدها الذي صار أكثر نحولاً ، ملفوف بجلد غير مدبوغ لحيوان كثيف الفراء، ليس الدب دون شك، و قدماها كان ت عبارة عن حافرين، كحوافر الماعز المشقوقة . وعلى رأسها انتصب قرنان بشعا الشكل يشبها الزوائد العظمية.

عدد الصفحات ٦١

- 61 - صدمت من منظرها، وكذلك نجيب الذي وقف مفغ و ر الفاه يسيل الزبد من شدقيه كمرضى الصرع، وأم ين الذي ارتخى جسده على الأرض تمامًا، فإما أنه فقد الوعي، أو ما هو أسوأ ! ثم بدأ الأمر. صوت سماح الذي لم أسمعه من قبل، أخذ يدوي بداخل رأسي مغريًا، يدفعني لفتح الصوان الخشبي، وأنا دون إرادة أطيع. الصوت لديه القدرة على التأثير على أطرافي، وبرغم ذلك لا يصل إلى أذني، أهذا سحر أم تليباثي. الصوت له قوة السلاح وقوة الكون ذاته. أحاول أن أفتح الصوان، و لكنه أقوى من كل محاولاتي، ثم إن صوت الثغاء، والحوافر الراكضة بداخله، تهو ن من حماستي ؟! أين أنتم يا أصدقائي ؟! لماذا تركتموني وحدي ؟ ! أضرب الصوان بيدي وقدمي ، حتى تدمي، وفي النهاية أجثو على ركبتي باكيًا. أضحك في هستريا.. هاهاهاها..لن أستطيع يا سماح أن أفتح الصوان.. .

عدد الصفحات ٦٢

- 61 - هاهاهاها.. إنه مغلق بوسيلة جهنمية.. هاهاهاها..مغلق يا سماح برغم عدم وجو د أقفال على بابه ؟! الضحكات تنقلب لنحيب، ووجه سماح الغاضب ينذرني بالويل. لن أستطيع أن أفتح الباب.. ثم إني خائف.. لا أريد أن أفتح هذا الباب. أصرخ من أعماقي.. أقاتل عدوً ا وهميً ا.. أنذر وأهدد وأتوعد.. لالالالالالالالا..لا يا سماح كفاك دفعي نحو الجحيم .. إن دموعك هذه.. . لا يا سماح لا أستطيع أن أفقدك مرة أخرى.. ولكن هذا ليس بابً ا عاديً ا.. إنه باب يطل على الجحيم. - الدم.. أي دم يا سماح ؟! وكيف يكون دمي هو المفتاح ؟!!!. أرجوك يا سماح . لا لا لن أستطع تحمل شعور الفقد مرة أخرى، سأفتح الباب ؟!

عدد الصفحات ٦٣

- 65 - ها هو النصل الحاد، وها هي دمائي تسيل لتغرق باب الصوان.. لا يا سمااااااااااااااااح.. الباب لم ينفتح.. !! لماذا خدعتِ ني.. لماذا خدعتِ ني يا سماح. الباب.. يا إلهي.. ماذا فعلت بنفسي ؟! أنا آسف يا سماح.. الباب لا يستجيب، لابد وأن دمائي.. . صوت صرير مزعج.. الباب ينفتح بالفعل ولكن ببطء شديد. ما هذا الحر الشديد ، إن وجهي يلتهب، أي جحيم كان الباب يحصره بداخل الصوان !!. ما هذا الدخان الكثيف ؟! إنني أختنق يا سماح. أحقً ا ما تقولين ؟! هل سأموت ؟! لا يا سماح لقد فعلت ما طلبتِ ه مني.

عدد الصفحات ٦٤

- 66 - أنتِ لست سماح.. نعم أنتِ لست سماح.. ولكني لا أعرف لك اسمًا آخر. أنتِ شي طانة من شياطين الشيخ ياسين. اتركيني أرحل يا سماح .. اتركيني .. لا تكبليني بسحرك. نافورة من الدماء تغرق كل شيء، الهول قادم، إن الشيطان سيخرج ! لا يمكن أن أسمح له. وهذا التيس ذو القرون واللحية، والعين الدموية المشتعلة، ليس تيسًا طبيعيً ا، إنه يطلق ثغاء مثله، لكن أقسم لك إنه ليس طبيعيً ا. إنه الشيطان، أو هو تجسد مادي له. لا يمكن أن أسمح له بالخروج . لا تخبريني بأنك معي في هذا الأمر.. أنا وحدي من أواجهه.. أنا وحدي أحترق بنيرانه.. ليكن.. ليكن.. ولكن كفي عن الإلحاح .. أخبريني يا من لستِ سماح.. كيف أقضي على الشيطان.. إنني لم أدخل معه معركة من قبل إلا وهزمني .. - الدم. ولكن كيف ؟ !

عدد الصفحات ٦٥

- 67 - - دماء سبعة من الذكور على نصل مطلسم، تقضي على الشيطان . إذن ليست صدفة أنني وأصدقائي سبعة. بالفعل يا سماح لا يمكن أن يجتمع سبعة من الأصدقاء بهذه الأعمار المختلفة، وهذا الاختلاف في الطباع والطبقات الاجتماعية، ثم يحدث بينهم انسجام إلا لو كان في الأمر شيء مريب يجمعهم، شيء شيطاني . - لا يوجد شيء في الكون يخضع للصدفة.. حسنً ا حسنً ا.. أنتِ على حق .. كم أنا أحمق.. إذا هل ستسمحين أن أخرج لأجلب باقي الأصدقاء ؟! لماذا تضحكين ؟! وكيف هم معي منذ البداية ؟! الدخان ينقشع، سماح تتلاش ى، ولكني أشعر بوجودها بداخلي، وبأنها أحكمت سيطرتها على روحي. إنها تستحوذ على جسدي بعد أن استحوذت على روحي من قبل. الخنجر المطلسم في يدي، له ملمس غريب وكأنه يموج بالحياة . من أين أتى ؟! لا يهم، هاهم أصدقائي يتقدمون مني، الرعب على وجوههم محفور وكأنهم ولدوا به، عيونهم زائغة زجاجية وكأنهم دخنوا الحشيش منذ لحظات قليلة .

عدد الصفحات ٦٦