المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ٣ من ٢٦

- 16 - العشق جنون كما يقولون . أعتقد أن الصفع سيكون رد فعل منطقي من جدي لمجرد مفاتحته في الأمر. لن أجازف بالطبع بمواجهة جدي، كما أن الشعور الرافض بداخل صدري تعاظم ليسيطر على كياني، فليست هذه هي الطريقة التي أريد أن تبدأ بها قصتي مع سماح. لا إكراه في العشق الحقيقي. فما نفعي من دمية أحركها لتتفاعل معي كيف أشاء، دون إرادتها الحرة ؟ ! أي مشاعر يمكن أن أتبادلها مع تمثال جامد المشاعر مبرمج على السمع والطاعة، لا حياة فيه. أنا لن أقاتل لأحصل في النهاية على نسخة باهتة من عشق لم يمر بقلبها، ولم يجلسها لتتأمل النجوم وتناجي القمر. إن العشق دفء متبادل، ولو لم يكن صادقًا، خالصًا، فلا رجاء منه. ما أريده هو التفاعل التلقائي النابع من فيضان أحاسيسها الهادرة نحوي. ما أريده هو عشقها المتدفق من قلبها دون إجبار ؟! السؤال هنا ماذا لو ظلت على تجاهلها لي، ولمشاعري ؟!

عدد الصفحات ٣٥

- 17 - الإجابة هنا لم تكن معروفة لي في نفس توقيت طرح هذا السؤال، لصغر سني واندفاعي، ولتلك الظروف التي تحيط بي، وتلك الحرية الكبيرة التي أحظى بها مع خفوت دور جدي في حياتي، بعد أن ألقى بعبئي كله على كاهل عايدة، إلا أن هناك حقيقة لا يمكن أن تغيب على كل عين مبصرة، وهي أن مشاعر الحب في فترة المراهقة متطرفة. ولكن المتطرف أكثر هو الشعور بالفشل، عندما يصدك من تظن أن سعادتك أصبحت بيديه، هذا سيحبطك، سيحزنك، وفي النهاية سيغضبك، ونزق الشباب سيجبرك دون تردد على التهور، واجتياز خطوط حمراء كثيرة، وقد يجبرك على سلوك الطريق المظلم، لأنه الطريق الوحيد المتاح أمامك. وهذا ما حدث في وقت تال . أعملت فكري كثيرًا في الأمر، حتى أنهكت عقلي وأعيتني الحيل، وفي النهاية قررت أن أمنح نفسي فرصة أخيرة قبل أن أقوم بأي عمل متهور. لذا وفي مساء اليوم التالي انتظرتها، كنت أعرف أنها تتلق ى دروسًا خصوصية في أحد المراكز في قلب المدينة. لقد تبعتها ذات يوم ورأيتها تلج هناك قبل أن تختفي بالداخل. وعلى ناصية الشارع الذي يوجد به المركز وقفت أنتظر عودتها، وقد ارتديت أفضل ثيابي، وتعطرت بأفضل العطور والتي أخرجتها مؤخرً ا من متعلقات أبي الراحل.

عدد الصفحات ٣٦

- 18 - يقولون إن للزهور تأثيرً ا كاسحً ا على النساء، وخاصة الحمراء منها، ولكن للأسف لم يجدِ الأمر معها، لم تر الوردة الحمراء التي أحملها في يدي، ولم ترني. لم تتوتر كعادة كل الفتيات في مثل هذه المواقف، ولم ترتبك، أو يبدو أن وجودي قد لا مس وجودها ولو للحظة واحدة. إنني بالنسبة لها مجرد خواء. فقط عبرت بجواري بنعومة وسرعة سهم حاد يخترق الهواء. بلا أدنى انفعال أو اهتمام . و بنفس خطواتها السريعة الأقرب إلى العدو، وبردائها الأسود وبشعرها الناعم الذي يذوب مع لون الرداء نفسه. إن أندر العيون هي العيون السوداء، وهي كانت تمتلك زوجً ا متألقً ا منها، ولم تتلاق أعيننا قط. تجاوزتني وكأني لم أكن، ولا أشغل هذا الحيز الكبير من الفراغ، فقط ما نلته من مغامرتي الفاشلة، هو تنسمي لرائحة عطرها الفواح، الذي أصبح في أنفي يمثل رائحة الفشل، ولحظتها فقط شعرت بأنه لا أمل هناك، إنها مخلوقة من حجر صلد، ولن يحرك فيضان مشاعري، ولو خلجة من خلجتها.

عدد الصفحات ٣٧

- 19 - الطعنة في قلبي هذه المرة كانت نافذة، وعلى مقدار الألم يأتي الغضب، لذا ثارت مشاعري، وغلى الدم في عروقي، وكما قلت : إن كل المشاعر لدى المراهقين متعاظمة ومتطرفة، لذا فإنني قررت أن أجبرها على عشقي، وبرغبتها أو بدون ستأتي لي صاغرة تستجدي رضاي. وفي هذا الأمر، لن أوفر جهدً ا أو أعدم حيلة، حتى ولو اضطررت لاقتحام غرفة جدي، وقمت بالتعويذة الموجودة في كتاب شمس المعارف بنفسي. فأن تكون معي بغير إرادتها خير من ألا تكون معي أبدًا، وهذا هو القول الفصل. **** عندما عدت ليلتها إلى المنزل، كانت عايدة قد عادت من سفرها بعد أيام من الانقطاع قضتها في تلقي عزاء والدتها . عادت كئيبة داكنة البشرة، وفقد وجهها نضارته وازدادت نحولاً ..لم أبالِ بها ولا بطعامها، إن قلبي حزين .. حزين، ولا رغبة ل دي في الطعام ولا مواساة أحد. إنني أحتاج من يواسيني. الصمت يغلف المنزل، وجدي يغلق عليه غرفته كعادته، والأدخنة الناجمة عن حرق البخور تخرج من أسفل باب الغرفة، مختلطة برائحة عضوية

عدد الصفحات ٣٨

- 11 - غريبة، تعبق المكان، وكأنه يتخلص من جثة ما عن طريق الحرق، مع همهمات غليظة لا تتوقف. فليحترق العالم كله، فلم أعد أبالي . وبمجرد دخولي غرفتي، انفصل وعيي عن كل شيء، و انفجر بداخلي بركان من الحمم والدموع، وأصبح كل شيء له علاقة بحالتي المتردية . فلابد أن رائحة الشواء النفاذة هذه، هي رائحة أعصابي المحترقة، وسحب الكآبة التي تحيط بالمنزل، ناجمة عن حزني الكبير. إنني ضائع، وحيد، مكسور. إنني لا شيء بدونها. عدم يحيا في العدم، ويتلاشى في العدم. لماذا يا سماح لماذا ؟!. كانت حالتي تسوء بشكل واضح، ودون وجود من يهو ن على قلبي آلامه، فأنا أتجه صوب كارثة . إن أفراد شلتي، والتي جمعتها من خارج المنطقة و ممن لم ينفروا من مهنة جدي، كبيرة، متواجدون دائمًا لنجدتي، إن أعمارهم المتفاوتة تسمح بالكثير والكثير من وسائل الترفيه، فأصغرهم نجيب وهو في مثل سني وأكبرهم

عدد الصفحات ٣٩

- 10 - رشاد وهو شاب ثري في الخامسة والثلاثين،ولكن أيً ا منهم ليس قريبًا مني في هذه اللحظة لأفضي إليه. إنني وحيد.. تعيس.. حزين. ناقوس يدق في عوالم النسيان. الأفكار في عقلي جميعها خيالية وجامحة، فحتى لو اختطفتها فوق الحصان الأبيض، كيف أعبر بها الحدود دون جواز سفر، وكيف أصل بها إلى جزيرة مهجورة في قلب البحر . لم تعد هناك جزر مهجورة في هذا الكوكب المسمى الأرض، إن جوجول إيرث لديه خرائط تفصيلية عن كل شبر في العالم. إن العالم كله ضدي، لذا سأكتب لها ما يجيش في صدري في قصيدة : (أحلامي صغيرة طموحاتي صغيرة أن أكون أنا البحر وأنتِ بداخلي جزيرة). ... جزيرة لا يعرفها جوجل إيرث.

عدد الصفحات ٤٠

- 11 - بداخلي.. بداخلي.. بداخلي.. الكلمة تتردد في عقلي كموسيقى حالمة .. ما أروع الاحتواء .. إن الأحلام لا حدود لها. لن أطمع كثيرًا.. لا أريدها بداخلي.. ولا بالقرب مني.. فقط أريد منها لمحة من الاهتمام، نظرة دافئة، كلمة ولو كانت سبابً ا، أن تشعرني بأني موجود في هذا العالم. نظرت نحو الكلمات التي خطتها يدي منذ لحظات، ثم مزقت الورقة. إنني يائس بشكل مخيف، الأمر لم يكن هينً ا على نفسيتي أبدًا، خاصة وأنها كانت تشبه أمي الراحلة في لون عينيها. شعرت بضعف. بوهن. بضياع . دخلت الفراش، لأنتحب، ودون أن أشعر غفوت، وبقلب عالم الأحلام، وجدتها هناك. تنتظرني.. تبتسم وتمد يديها لي.. تخبرني باسمها. كانت تريد أن تصحبني معها، لذلك الوادي المتألق في البعد. سأذهب معها لأي مكان.

عدد الصفحات ٤١

- 11 - إنني أهفو لصحبتها.. ولكن لا.. إن هذا ليس بضياء، إنه نيران. نيران حارقة. لا لا لا لا لا لا.. لن أذهب معكِ . أنتِ لستِ سماح.. أنتِ شيطانة.. شيطانة. وعندما استيقظت، وبمجرد أن فتحت عيني، وجد ت جدي يقف عند رأس الفراش، وعلى وجهه علامات تفكير عميقة، ممزوجة بقلق. انكمشت في مكاني مرتجفًا وأنا أفكر. هل يستطيع قراءة أفكاري ؟! ولكن جدي ظل على وقفته هذه لم يتحرك، لدقائق كادت روحي أن تزهق فيها، وفي النهاية غادر الغرفة، وبعد وقت ليس بالقليل عاد ومعه قنينة بلاستيكية، و أخذ يسكب ما فيها من سائل في أركان الغرفة، وهو لا ينفك عن ترديد تلك الكلمات المبهمة غير المفهومة، ما استطاعت أذني أن تلقطه منه بضع كلمات لا معن ى لها - الوحي الوحي.. العجل العجل.. الساعة الساعة.. كلمات غير مفهومة ولكنها أثارت رعبي وجعلتني أؤجل مشروعي الكبير لأجل غير مسمى. لأن بداخلي تعاظم شعور مضني بأني في خطر مروع .

عدد الصفحات ٤٢

- 11 - - الخطة- لم تظهر سماح في الأيام التالية، قلبت عليها الدنيا رأسًا على عقب، لم أترك حجر إلا وبحثت تحته، ولم تأتني فكرة مهما كانت مجنونة إلا وجربتها، حتى أني اقتحمت غرفة شئون الطلاب وبحثت في الكشوف التي تحتوي على أسماء الطلبة – في مغامرة ستقضي على مستقبلي لو كشف الأمر – ولكني برغم التهور والجهد المبذول لم أعثر لها على أثر، هناك اثنان سماح غيرها بالمدرسة ولكني أعرف عنهما كل شيء . انتظرتها بالساعات في كل الأماكن التي أتوقع وجودها فيها، وأثناء بحثي المضني اكتشفت أنني أجهل أهم معلومة عنها. أين يقع منزلها ؟! كيف وصل بي الغباء بألا أتبعها ولو مرة واحدة لأعرف مكان منزلها، إن هذه هي أبسط القواعد وكل عاشق أحمق يعرفها . كيف سيؤثر روميو على جولييت لو لم يتبعها إلى منزلها ويلقي على مسمعها أغاني العشق ويسمع السباب من والديها. وفي النهاية. لا أحد يعرف شيئًا !! ولا أحد رأى شيئًا !! إن الأمر مريب حقًا !!

عدد الصفحات ٤٣

- 15 - ضاع كل مجهودي ومجهود أصدقائي في تتبعها أو العثور لها على أثر، بعض الفتيات ممن كانوا على علاقة ببعض أفراد شلتي، أنكروا وجودها من الأساس في المدرسة ومركز الدروس الخصوصية، مما جعلني أشك في أن يكون لجدي يد في اختفائها، ألم تختفِ في الليلة التالية، لقيامه بسكب تلك السوائل كريهة الرائحة في غرفتي وترديده لتلك التعاويذ الغامضة. لو رأيتم نظرته في تلك الليلة التي زارتني فيها سماح في منامي، لأدركتم أنه أحاط بأمري كله، سواء بقدراته أو بالاستعانة بملوك الجن. إن جدي هو المتهم الأول في نظري، وربما لو فتشت في أوراقه لوصلت لطرف خيط. أعرف حقيقة أن ما يدور في عقلي جنون، ولكن من وقع في العشق، لن يرى مبالغات في حديثي ، إنني أتبع قلبي فقط . ثم من قال إن السحرة يحتفظون بسجلات يدونون فيها أسماء ضحاياهم. المعضلة الكبرى هنا أنني لو أردت أن أ تأكد من شكوكي، ف لابد لي من دخول غرفة جدي المغلقة دومًا، والتي لا يغادرها إلا لمامًا. ولابد من سبب وجيه يدفعه للخروج وفي نفس الوقت ينفي تهمة الاقتحام عني.. إن الحصول على الأوراق / الكتب ستمثل فرصة جيدة لمعرفة حقيقة ما فعله مع سماح، أو هذا ما أتمناه !!.

عدد الصفحات ٤٤

- 16 - أعرف أن العقاب سيكو ن أسطوريً ا لو سقطت بين يديه، ولكن ما باليد حيلة، لابد وأن أنفي عنه التهمة أو أثبتها عليه لأعرف طبيعة الخطوة التالية التي سأخطوها. ثم إن هناك صوتً ا بداخلي، يخبرني أنني على الطريق الصحيح، وهذه الأحاسيس مؤشرات لا يجب تجاهلها، لأنها رسائل من عالم آخر أكثر شفافية وصدقً ا. و السؤال هنا : من أين أبدأ، وبمن سأستعين ؟! ومن سيكون غير أفراد شلتي بالطبع !! هل أخبرتكم بأن سماح زارتني ليلة أمس في الحلم، وأخبرتني أن جدي هو من يمنع تواصلنا ؟ !.. أعرف أن الاعتماد على دليل واه كهذا درب من الحماقة، ولكن الغريق يتعلق دومًا في عود واه من القش، فما بالكم لو كان فرع شجرة قديم كالشيخ ياسين. والشيخ ياسين تحيط به من الشكوك ما يجعل نصف حوادث المنطقة الشنيعة تنسب إليه. فإن كان هناك متهم يسكن معك تحت سقف واحد ، فأي مصيبة ستقع لك لابد وأن له يد فيها. وسماح أخبرتني في الحلم بذلك ! ****

عدد الصفحات ٤٥

- 17 - اليوم عرفت من عايدة أن جدي سيغادر إلى منزل الشيخ( تهامي الحو ) لأن لديه عمل سيأخذ منه ساعات النهار كلها، ولذلك فهي ستقوم بتنظيف أرضيات المنزل والجدران، وستعني بالسقيفة، وأنها ستغادر لمدة ساعة واحدة ستقوم فيها بشراء الكميات المطلوبة من المنظفات ومتطلب ات المنزل، لتنهي بها مهمتها العاجلة. من يرى عايدة الآن، لابد وأن يعرف أن للحزن آلته الزمنية الخاصة، والتي يلتهم بها نضارة وشباب من يقع تحت مخالبه الحادة التي لا ترحم. حزنها على وفاة أمها، جعلها تبدو أكبر سنًا، وأوهن روحًا، وتحول كيانها الغض ووجها الصبوح، إ لى كيان ووجه مومياء، فغارت عيونها إلى داخل جمجمتها، وشحبت ملامحها فهي أقرب للموتى، وفقدت حيويتها فظهرت كسيدة على أعتاب الأبدية تنتظر الموت، ولكن الموت يأبى أن يسعفها بقبلته القاتلة. الدموع تكاد تحفر على وجنتها مجار واضحة، والسواد الذي يظلل عينيها، يبدو و كأنه ناجم عن حرق، والنوم لا يبدو رفيقًا جيدًا معها. لقد أصبحت بعد وفاة أمها، مجرد حطام إنسان، س حق، وينتظر أن تذروه الرياح. ما لاحظته عليها من طول عشرتي لها، أنها عندما تحزن فإنها تقتل نفسها بالأعمال المنزلية، لذا أتوقع أن يصير المنزل بعد عنايتها به كالجد يد.

عدد الصفحات ٤٦

- 18 - الآناتركونا من عايدة مؤقتًا، فلو ظللت أحكي عن حالتها المتردية لسودت مجلدات، أعرف أن بعضكم يروق له الحديث عن الحزن، وأعدكم لو تبقى لي وقت، أن نبكي وننتحب ونغرق سويًا في بحر الحزن الأزلي، فالأحزان في قصتي بحر لا قرار له. فقط دعونا الآن نلتفت لتلك الخدمة الجليلة، التي قدمتها لي عايدة دون أن تشعر، فالمنزل سيصبح ملكي لمدة ساعة، وهي فرصة ربما لن تتكرر لعدة أشهر قادمة وربما سنوات، فجدي يزداد ضعفًا ونحولاً ، ومنذ فترة يلازم غرفته بالأيام لا يغادرها. لقد سمعت أن الفنون السوداء، تتغذى على روح الإنسان وتضعف جسده . ولابد وأن جدي يقوم بعمل شنيع يستنزف روحه وحيويته هذه الأيام. لابد وأنه يعاني ليبعد سماح عني. المهم، أنني لم أكذب خبرًا، المنزل ملكي للمرة الأولى، ولابد وأن أستغل الفرصة، فشوقي لسماح هادر، والألم الناجم عن الفقد، لا يماثله ألم آخر. تجمعت مع شلتي، ولحسن الحظ كنا في فترة الأ جازة الصيفية، ومن يعمل منا قرر بأريحية مريبة أن يتخلف عن عمله، وإن عارض بعضهم في البداية. ستة من الأصدقاء وأنا سابعهم قررنا أن نقوم بالمهمة، يدفعنا إحساس غامض هامس، وكأن اقتحام الغرفة، هو العمل الأكثر أه مية وقداسة في هذا العالم.

عدد الصفحات ٤٧

- 19 - هل شككنا للحظة في شيء ؟! بالطبع لا.. ولو شككنا لم تكن هناك قوة في الكون ستمنعنا عن إنهاء ما عزمنا عليه. ما اعتقدته حقًا وقتها أنهم سيستمتعون بمغامرة غير مسبوقة تبدد رتابة الأيام الحاضرة، وأنا سأصل لليقين الكامل وربما يرتاح قلبي من ناحية سماح و الشيخ ياسين، فبرغم جفاء سماح، ومهنة جدي الشنيعة لا أريد أن أفقد أحدهما أو أحمل له بقلبي ضغينة، لذا قررت أن نقوم بالمهمة على الفور ووضعت خطتي المرتجلة. البعض سيقوم بمهمة المراقبة، لتحذيرنا في الوقت المناسب من أي خطر قادم، والبعض الآخر سيساعدني في الدخول إلى الغرفة المغلقة. ولأن المهمة لم تكن بسيطة فقد أحضر كل منهم شيئًا مفيدًا في الوقت البسيط الذي يفصل اتصالي بهم عن قدومهم. لذا فإن أمين أحضر معه عتلة من متعلقات والده، وقام زياد ب إحضار ميدالية المفاتيح الضخمة التي يحتفظ بها والده في قبو المنزل، والتي تغص بمفاتيح من كافة الأشكال والأحجام، وأحضر رشاد مدية سويسرية أصلية، كان قد أحضرها معه من رحلته الأخيرة في أوروبا، وشحتة عرض أن يحضر

عدد الصفحات ٤٨

- 51 - سلاحًا ناريًا ولكني رفضت .. فلسنا ذاهبين لاقتحام بنك، وحانت ساعة الصفر. ولأضعكم في الجو أكثر سأخبركم بالوضع الآ ن. زياد، وخليل على ناصية الشارع لتحذيرنا عند قدوم عايدة أو الشيخ ياسين، شحتة ورشاد، أمام باب المنزل لأن التواصل سيكون بالصفير، أنا وأمين ونجيب، دخلنا لنتعامل مع باب الغرفة، وقبل أن أدخل نهرت نجيب ليتوقف عن التهام الطعام فما نحن بصدده يحتاج إلى كل تركيزنا . وبعدها تحركنا بهدوء وبدون ضجيج، وعين نجيب تكاد تثب من محجريها على الشطيرة التي أحتفظ بها شحتة معه. كل من أصدقائي شغل موضعه المتفق عليه و المرسوم في الخطة بدقة، وأنا ومن معي دخلنا إلى المنزل بقلوب صاخبة وأعصاب مرتجفة من الإثارة والتوتر. وبداخل المنزل كانت تنتظرنا مفاجأة مروعة. يا للكارثة .. فغرفة الشيخ ياسين التي كانت على الدوام مغلقة، وجد ناها مفتوحة لدى دخولنا، وبابها مواربً ا.

عدد الصفحات ٤٩

- 50 - وهذا ليس شي ئًا غريبً ا فقط، ولكنه مخيف أيضًا، إن هذا يجهض خطتي بالكامل، ويجعل العقاب الذي كاد أن يفتر عزيمتي من قبل، لا يفصله عني إلا عدة أمتار، مما فجر في عقلي طوفان من الأسئلة : - هل عاد الشيخ ياسين إلى المنزل، أثناء وجودي بالخارج أرتب لاقتحام عرينه ليأخذ شيئًا نسيه ؟ أم عاد ليكمل عمله بغرفته ؟ أم أنه علم بقدراته الشيطانية بما نرتبه من أجله فحضر ليلقنا درسًا قاسيًا ؟!! - ماذا سيحدث لو ا كتشف ما نحن بصدده أو ما نحن عازمون عليه، كيف سيكون عقابه لي ولأصدقائي ؟! جمدتني المفاجأة للحظات، ولكني تغلبت عليها بسرعة، فليس هذا وقت تمثيل دور المصدوم، وأشرت لرفاقي بأن يتواروا للحظات كي أتفقد المكان، ثم تقدمت صوب غرفة جدي بخطوات من هلام، وقلبي يخفق كجناحي طائر يقاوم الغرق، وعندما أدخلت رأسي عبر فرجة باب الغرفة، وبعد تردد، وجدتها خالية من البشر ، لا أثر للشيخ ياسين بها، فعدوت بسرعة صوب دورة المياه، فربما هو بداخلها يفرغ مثانته، فلم أجد أحدً ا هناك. تنفست الصعداء، ثم ذهبت إلى حيث يختبئ صديقاي، أمين ونجيب وطلبت منهما أن يتبعاني، وبدأ الأمر. هل سمعتم معي تلك الضحكة الشيطانية ؟! - ...... لابد وأني واهم إذن.

عدد الصفحات ٥٠