المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ٢١ من ٢٦

- 111 - نائلة.. تتحدث بمشاعر هائلة متوهجة كاسحة، إنها ضحية وليست الجلاد.. خمسون عامًا من الاستعباد .. خمسون عا مًا بعيدة عن وطنها .. خمسون عامًا بعيدة عن طفلها لا تعرف عنه شيئًا ولا يعرف عنها شيئًا.. إنها شيطانة من عالم الجن ولكنها أنثى رغم كل هذا . لقد ا ختطفت من عالمها وظلت تحت التهديد والعقاب لخمسين عامًا كاملة.. تحلم في كل يوم بالتحرر واللحظة التي ستغادر فيها عا لم البشر بكل شروره. إنها ت قسم أن الشر الذي عاصرته في قلوب البشر يفوق أي شر آخر. وأنها كانت مجبرة على الإيذاء. وأن خوفها من المخلوق الشيطاني هو ما جعلها تلجأ إلى سادة الظلام في عالمها. إنها مخلوقة ضعيفة برغم كل شيء . حمدت الله أنها لم تتجسد بهيئتها الحقيقية وإلا لما صدقتها لحظة. الغريب لم يفصح عن شيء .. هو فقط مخلوق من بعد آخر يريد إنقاذ عالمه من دمار محتمل. خلاصة اللقاء أن هناك وسيلة للقضاء على المخلوق .. وهذه الوسيلة موجودة بقلب كهف الأمنيات .. إنها نفس التعويذة التي ا ستخدمت للسيطرة

عدد الصفحات ٣٢٣

- 115 - على المخلوقات الشيطانية منذ آلاف السنين، وهي مدونة على رق من جلد البشر، وهو محفوظ بداخل الكهف. الجميل هنا أن الوحيد القادر على الدخول إلى الكهف.. هو أنا.. لماذا ؟! لأن هذا قدري.. أو لأنني أحمق بما يكفي.

عدد الصفحات ٣٢٤

- 116 - - الرق- الجبال على مدى البصر، سيف من الصخر يخترق المدى، وينتهي عند ساحل المحيط الأطلسي، وأنا بينهم كنملة صغيرة تعتقد أنها قادرة على فعل المستحيل. توبيقال.. أعلى قمم جبال أطلس.. توبيقال.. حيث ينتظر الظلام اللحظة المناسبة ليسود.. تويبقال.. حيث البرد والصقيع يغمران كل شيء .. تويبقال.. حيث ق د ر لي أن أكون. الثلوج فوق قمة الجبل تمنح المشهد رهبة إضافية .. كتل الملابس الثقيلة التي أحيط بها جسدي تجاهد كي تبقيه دافئًا، والرياح لا ترأف بضعفي.. وتكاد تجمد الدماء في عروقي. أتحرك بصعوبة عبر الممر الصخري المهشم، وجسدي يئن من البرد متوقعًا انهيارًا جليدًا يدفنني في مكاني في أي لحظة. لا أعرف كيف وافقت على الخوض في الأمر. أين ذهب خوفي وروعي ؟! أين ذهب غضبي ؟! هل سيطروا على إرادتي بسحر ما، أم أنهم حف زوا غروري ونزقي. إن الغرور هو الفاجعة الكبرى التي بدأت كل هذا الهول .

عدد الصفحات ٣٢٥

- 117 - الغرورهو كلمة السر الآثمة التي توشك على إحراق العالم . لا أعرف حقيقة ما حدث لأن هناك جزءًا غائمًا في عقلي.. ولكن الشعور الذي تملكني بعد انتهاء اللقاء، أنني أستطيع.. لا شيء يمكن أن يهزمني أو يقهرني.. والجميل في الأمر أن الخطر المباشر انتهى.. فاللعنة توقفت بتحالفي مع نائلة.. نائلة بنت ملك الجن الأحمر.. حفيدة ملك الجن المهزوم. هل لهذا معنى ؟! الآن علي أن أحضر الرق. وأ تم التعويذة بمساعدتهم.. فأنا من تربطني صلة الدم بالشيخ ياسين.. وأنا من أستطيع القضاء على المخلوق الشيطاني.. اللقاء تم على مستوىً خارق وبعلوم ذلك الكائن.. وهو اتصال عقلي أكثر منه لقاءً حقيقيًا. لذا تجدونني أقوم بأعجب الأشياء بل وأشدها غرابة، أستخرج جواز سفر، نعم، فالسفر إلى المغرب يتطلب ذلك. الإجراءات تتم بسلاسة مخيفة.. أحصل على التأشيرة بسهولة تامة.. أقطع الطريق نحو جبال أطلس والعشرات يساعدوني بأريحية .. لا يمكن أن

عدد الصفحات ٣٢٦

- 118 - يحظى ملك متوج بمقدار ما حصلت عليه من دعم ونفوذ واستقبال جيد في طريق رحلتي . بلدة إملشيل بلدة الأساطير، بلدة الحب الضائع.. لقد وصلت في لحظة مميزة، وهي تلك اللحظة التي ا خت تم فيها موسم الخطوبة السنوي في إملشيل، القرية الواقعة في جنوب شرق المغرب، حيث يتم إقامة عرس تقليدي جماعي لثلاثين من العرسان والعرائس الذين ينحدرون من مختلف قبائل المنطقة. إملشيل التي لا يمل سكانها تذكير ضيوفهم الم غاربة والأجانب المتقاطرين من القارات الخمس، بأسطورة الحب الضائع التي تؤطر احتفالاتهم المتواصلة حتى اليوم. وهي تتحدث أن فتىً من قبيلة "آيت إبراهيم" ارتبط في زمن غابر بقصة حب جارفة مع فتاة من قبيلة "آيت عزة". العداوة المستحكمة بين القبيلتين تحرم الحبيبين من الاجتماع تحت سقف بيت واحد، فيفران الى جبل مجاور، ويذرفان دموع اليأس التي تفج رت بها بحيرتان شهيرتان في المنطقة تحملان اسم العريس (أيسلي) والعروس (تسليت). ومنذ ذاك الوقت تحرص هذه القبائل على الاحتفال بزيجاتها تكفيرً ا عن تجنيها على الحبيبين الخائبين. الاستقبال أسطوري.

عدد الصفحات ٣٢٧

- 119 - الجميع يخبروني أنهم ينتظرونني منذ قرون. أنا المنتظر. الأدلاء رافقوني حتى موقع معين في الجبل المختار ثم تركوني .. لأني الوحيد المسموح له بالعبور إلى هذا المكان .. وحيد ولكني غير خائف، وهي ميزة مذهلة. خريطة المكان ز رعت في تلافيف عقلي، ولكن إمكانياتي الجسدية هي العائق الوحيد.. أعبر الممر إلى ساحة متسعة معبدة ومستوية لا ثلوج فيها . وعند النقطة المحددة أتوقف، أنزع حقيبة الظهر الثقيلة وأخرج منها الهدهد. لا أعرف لماذا تم اختيار هذا الطائر بالذات.. ولكني أنفذ التعليمات.. إن للهدد مكانة مميز ة من عصر سليمان الحكيم. الطائر يتملص من يدي ثم يطير باتجاه الساحة الممهدة.. وفي نقطة محددة يهبط ويبدأ بمنقاره الطويل في الحفر. أعرف من قراءتي أن الهدهد ي ستخدم كأضحية للتقرب للشيطان.. فهل هذا ما نقوم به بالفعل ؟.

عدد الصفحات ٣٢٨

- 111 - الهدهد مستمر في عمله ولا يبدو أنه يشعر ب ذلك البرد القارص الذي يعصف بجسدي. صوت النقر يوترني ولكني مستمر في المتابعة. نقرة أخيرة ثم صوت فوران. نافورة دماء تتفجر من موقع النقر.. ومعها لسان من اللهب يصعد للسماء قبل أن يتلاشى. الهدهد يسقط ميتًا وتغمر الدماء جثته وتجرفها إلى الظلام. الدماء تغمر كل شيء ثم تسير في مسارات محددة أخفتها القرون ولكنها مازالت صالحة لتتم مهمتها. نجمة خماسية مقلوبة تتشكل في الفراغ . صوت عال كأنه قصف الرعد يدوي فيهتز الجبل لأسقط أرضًا متشبثًا في نتوء بارز. وكأنما أصابه زلزال . النجمة الخماسية تتحرك وتتحول لصخرة عملاقة تخرج من قلب الأرض.. تهتز الصخرة في عنف قبل أن تمور وتتفتت ليظهر المدخل. صوت ما في عقلي يحثني على التقدم فأستجيب..

عدد الصفحات ٣٢٩

- 110 - البرودة تتلاشى من حولي بمجرد عبوري إلى الساحة مع دفء محبب يغزو أطرافي، الأرض الصخرية تتشرب الدماء في جشع ..المدخل يتألق بضياء باهر. الآن أنا أتوقف أمام المدخل. أنزع الثياب الثقيلة التي تكبل حركتي، أ خرج من حقيبتي الخنجر المطلسم .. نفس الخنجر الذي قتلت به التيس من قبل.. نعم أنا قادر على فعلها.. أنا قادر على قهر العالم كله لو أردت .. أقف منتصبًا مواجهًا المدخل. أصرخ بكلمات قديمة لا أعرف من أين أتيت بها. - إيموك.. بلزاموك.. تريهام.. سوجاش. لسان هائل من البرق يشق السماء. - إيموك.. بلزاموك.. تريهام.. سوجاش. لسان آخر من البرق يضيء السماء. - إيموك.. بلزاموك.. تريهام.. سوجاش. الخنجر يتألق في يدي بضوء أحمر باهر والضوء يخرج منه ليعانق البرق. أصرخ بصوت وحشي بدائي : - لقد أتيت.. لقد لبيت النداء.

عدد الصفحات ٣٣٠

- 111 - وبحزم وقوة.. أدرت الخنجر المطلسم ليواجه صدري.. ثم أغمدته في عنف.. الألم مريع.. أنفاسي تتقطع.. أشعر بالقبضة القوية.. لقد نجح الأمر.. - إيموك.. بلزاموك.. تريهام.. سوجاش.

عدد الصفحات ٣٣١

- 111 - نهاية ما.. - يا حارس الكهف.. أنصت لي.. لقد لبيت النداء.. فأتم عهدك.. - يا حارس الكهف أنصت لي لقد قدمت نفسي كأضحية .. فمتى تتلاشى الحجب.. لقد لبيت النداء.. فأتم عهدك.. - يا حارس الكهف أنصت لي أنا الفرع الممتد للجذور .. أنا الدماء المتصلة عبر الآباد.. يا حارس الكهف عاد الخطر من جديد.. عاد.. فأوفي بعهدك.

عدد الصفحات ٣٣٢

- 111 -

عدد الصفحات ٣٣٣

- 115 - - مخلوقات من دم ولحم- فجأة اختفى من حوله كل شيء يعرفه، وكأنما أصابه شهاب حارق فتبخر أو تلاشى في العدم فلم يعد له أثر.. حتى الفريسة التي أغرقت دماؤها الزرقاء صدره لم يعد لها وجود.. وكأنها لم تكن هي الأخرى . لم يكن ليهتم لو اختفت الفريسة فقط.. فالأشياء تختفي من عالمه طوال الوقت دون أن يثير ذلك بداخله أي قلق، وعلى كل فقد كان مذاقها سيئًا وبالطبع ليس أسوأ مما يحدث له الآن.. انطلق من بين شفتيه الغليظتين عواء حاد مختلط بعويل وعدم فهم، فأن يختفي كل شيء من حوله بهذه الطريقة المباغتة أوقعه في حيرة لحظية . تحرك ذيله الحرشفي الشفاف في عصبية بقلب ذلك الظلام الدامس الذي يحيط به، وعقله يحاول استيعاب ما يحدث لجسده من تغيرات مروعة وكأن هناك من يسحق خلاياه خلية خلية. شعر ببرودة شديدة تجتاح كيانه وبريح عاتية تضرب وجهه فتساءل في قلق : - لماذا صار الطقس من حوله بهذه البرودة ؟ ومن أين تأتي هذه الر ياح ؟! نفث من بين منخاريه بخارًا كبريتيًا ملتهبًا تلاشى في العدم، ثم شعر بأن الكون من حوله يرتج، وبألف صاعقة تضرب أعماقه بقوة .. حاول أن يتشبث بأي شيء عندما بدأت الرياح العاتية تسحبه نحو المجهول.

عدد الصفحات ٣٣٤

- 116 - شعر بألم مروع يجتاح خلاياه ويكاد يزهق روحه ..دون أن يشعر بدعم بني جنسه عن طريق صلتهم الروحية.. هاج وماج وصرخ وحاول أن يتماسك دون أدنى فائدة.. إن تلك القبضة المروعة تكبله.. إنه لم يعد قادرًا على الحركة.. أو اتخاذ أي ردود أفعال إرادية.. إن جسده يؤلمه وهو شعو ر غير معتاد بالنسبة له.. حاول أن يستخدم قدرته المتفوقة على الإفلات ولكنه شعر بعجز لا يوصف.. إن جسده لا يطيعه.. جسده الذي كان طوع بنانه منذ لحظات . ماذا يحدث له ومن من يطلب العون ؟! صرخ في قوة.. طلب العون من خليلته.. نادى الشيطان الأكبر.. أرسل استغاثة عقلية واسعة المدى لعل أحد بني جنسه يكون بالقرب فيستجيب لاستغاثته.. ولكن لا فائدة.. الاتصال انقطع بينه وبين الجميع.. وظل السؤال يتردد في عقله دون هوادة : - ماذا يحدث حقًا ؟!

عدد الصفحات ٣٣٥

- 117 - لابد وأنه ل عن.. أو أن هذه الفريسة كانت مسمومة .. !! غضب عات يجتاح كيانه .. عقله يكاد يحترق من التفكير.. يزوم بوحشية. ومن أعمق أعماق عقله أخذت ذكرى قديمة تلح في رأسه .. إنها قصة قديمة سمعها ذات مرة.. ثم واراها بداخل عقله.. بل هي أسطورة مخيفة.. هل حقًا أصابته اللعنة ؟! لا يمكن أن يكون هو من دون باقي جنسه.. لا يمكن أن يسقط في يد تلك المخلوقات كثيفة المادة المخلوقة من لحم ودم. لقد سمع عنهم.. عن قسوتهم.. عن حقارتهم.. إنهم جنس متوحش.. يستخدم الفنون المحظورة لاختطافهم واستعبادهم. لقد سمع كل القصص عمن يذهبون .. ولكن لم يعد أحد منهم ليقص ما حدث له هناك. الألم عات .. ولكنه لم يمنعه من التفكير. سيحاول بقدراته المتعددة أن يفلت من هذه القبضة الشريرة.. إنه لم يعتد الاستسلام قط.

عدد الصفحات ٣٣٦

- 118 - طوال عمره الذي يمتد لقرون طويلة لم يستسلم أو يتوه ن قط. ولكن ما يحدث له مخيف لو كان ما يفكر فيه حقيقة .. هل توجد حقًا مخلوقات بهذا الشر تعيش في مكان آخر من الكون ؟! الأبخرة تتصاعد من فمه، بشرته الرقيقة تؤلمه، ولكن الألم في قرنيه هو الأصعب. الظلام من حوله كثيف، ولكنه لا يأبه، فقط ما يريده هو الفرار من مخالب هذه القبضة المؤلمة.. التي تحاول انتزاعه انتزاعًا من عالمه. لا يمكن أن تنتهي حياته على هذا النحو. أصدر خوارًا مخيفًا وردد كلمات قديمة لا يعرفها عالمنا. كلمات محظورة.. استغاث بالشيطان الأكبر مجددًا.. حاول أن يتواصل مرة أخيرة مع عالمه وخليلته، ثم فشل مجددًا. لقد انقطعت تلك الصلة الروحية التي تربطه مع بني جنسه. للحظات ساد صمت ثقيل و هدأت حدة الألم ثم سمع الصوت المفزع. صوت غليظ كريه يتحدث بلغة مخيفة . صوت له رائحة الموت والضياع .

عدد الصفحات ٣٣٧

- 119 - لا لم يكن صوتًا واحدًا بل صوتين مختلفين.. المفاجأة جعلته لا يميز من اللحظة الأولى ولكنه الآن يميز جيدًا. صوت أسود مقبض يخاطب آلهتهم الوثنية ويستجدي الشيطان الأكبر. وصوت بار د قاس يردد الكلمات القديمة . حاول أن يصم أذنيه ولكن الصوت المخيف كان يخترق أذنيه رغمًا عنه ويزلزل كيانه ويطالبه بالطاعة . الكلمات تتردد عبر الآباد فتجرح روحه بمخالبها وتنتزع من جسده قوته . الكلمات تسيطر عليه. سمع الثغاء ففتح عينيه وكل خلية في جسده ترتجف . أي هول هذا الذي يراه. الكائنان المخيفان ذوا شعر الوجه الكثيف يرددان الكلمات دون توقف، وكأن حياتهما تتوقف على هذه الكلمات . وأمامهما كائن آخر صغير ذو قرون وحوافر يكاد يمزق الأرض بحوافره من الغضب. هو لا يعرف أن لهذه الكائنات أسماءً .. ففي عالمه لا توجد أس ماء. ولو علم لما استفاد شيئًا. ولكننا نعرف من هما.

عدد الصفحات ٣٣٨