المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ١٩ من ٢٦

- 191 - وما أن غادرت الغرفة حتى انتفضت من رقدتي وكأنما لسعني عقرب سام، وأخذت بيدي أستكشف كل أجزاء جسدي لأتأكد من حقيقة استيقاظي، وأن الأمر لا يعدو مجرد حلم آخر، أو طريقة جديدة للتعذيب في ذلك الجحيم الجهنمي. قرصت نفسي عدة مرات فشعرت بالألم.. إنني يقظ بالفعل.. يقظ إلى درجة أني أرى مخلوقًا شفافًا بارد الملامح لا يراه غيري.. بل وأسمع صوته يتردد بداخل عقلي. يقظ لدرجة استيعابي أن وجوده لن يعني إلا المزيد والمزيد من الألم . وكأنما قرأ ذلك الشخص ما يدور في عقلي فقال بنفس الصوت العقلي الكئيب الذي حف ز روحي كي تغادر جسدي : - لن يراني أحد غيرك.. تمالك نفسك فبيننا حديث طويل.. ولابد أن تكون بكامل تركيزك لتسمعه . ثم أدار كامل وجهه في المكان وعيناه المتقلبتان ثابتتان كماستين معلقتين في تجويف وجهه واستطرد بصوته العقلي الكئيب، والذي لم يصل لأذني : - وهذا المكان لن يصلح لإتمام الحوار. ثم نهض كتمثال معدني ينفض عن عاتقيه غبار القرون، وتحرك نحو الحائط.. فبدا وكأن الحائط هو من يقترب منه، وقال كلمة واحدة جمدت الدماء في عروقي : - اتبعني.

عدد الصفحات ٢٩١

- 191 - وكأنما جسدي يمتلك إرادة ذاتية خاصة به، وجدت نفسي أزيح الغطاء وأخلع كل الإبر والخراطيم التي تصب سوائل الحياة في جسدي، ثم أتبعه بخطوات واهنة ثابتة نحو الحائط الذي اخترقه ببساطة وتبعه جسدي وأنا أتابع ما يحدث معي بذهول وكأنه يحدث لشخص آخر . **** كان الانتقال سلسًا ومريحًا، فقط أغشى الضياء عيني للحظات قليلة، وعندما صفت الرؤيا كان ما رأيته مدهشًا .. لم يصطدم جسدي بالجدار الصلب، ولم أعبر خلاله إلى الممر المجاور للغرفة كما توقعت، بل عبرت من خلاله إلى عالم مذهل من الضياء والكائنات، وكأن الجدار صورة وهمية لبوابة تقود عبر الأبعاد. المكان كله عبارة عن ف ضاء هائل زجاجي تتماوج فيه كائنات نورانية شفافة تتحرك في انسيابية عجيبة، منهمكة في أداء أشياء لا أدري كنهها بنفس حماس النحل الشغ ال في الخلية. لم يستوعب عقلي ما يراه للمرة الأولى، وتقلصت حدقتاي من تدفقات الضياء التي توحي بعمل عظيم ي نجز لا أحيط به ولا أدركه ، الأمر كله عجيب كأنني بقلب عالم رقمي ثلاثي الأبعاد مخلوقاته من مادة جيلات ينية حية ومتألقة تسبح في فضائها الخاص.. ومن خلال هذا العالم أشاهد العالم

عدد الصفحات ٢٩٢

- 191 - الطبيعي الذي غادرته منذ لحظات، وكأنه صورة منعكسة على سطح بحيرة، وكأني بداخل فقاعة زجاجية بقلب الماء . عقلي المنهك لم يستوعب ما يحدث ولكنه لم يتوقف عنده، فقط عيناي الفضوليتان كانتا تتطلعان لما يدور حولهما بذهول وانبهار . - لأين يأخذني هذا الغريب ؟! تقدمني ذلك الشخص المخيف والذي تبدلت هيئته على الفور ليصبح جيلاتنيًا مثل باقي المخلوقات المتواجدة في فضاء المكان، وتبعته وأنا أتابع بفضول تلك الهالة البنفسجية المتألقة التي أحاطت بجسدي كشمس متألقة، والتي ذكرتني بهالات كيرليان التي تحيط بالأجساد ويمكن رصدها بسهولة عن طريق أجهزة خاصة، وعن طريقها يمكن تحديد حالة الشخص النفسية حسب شكلها ولونها. وإن كنت أعتقد أن هذه الهالة تختل ف وأنها نوع ما من وسائل الحماية، رداء من نوع خاص، يمكنني من الولوج لهذا العالم الغريب دون أن أصاب بالأذى. نوع ما من أردية الفضاء .. يحمي جسدي من التغيرات الكثيرة التي تحيط به في ذلك العالم الجديد. أخترق ذلك الشخص الغريب المكان دون أن يلتفت لي، و بخطو ات طائر صغير يتعلم أولى حركات الطيران عبرت فضاء المكان. ثم حدث العبور الحقيقي.

عدد الصفحات ٢٩٣

- 195 - - الذين لا اسم لهم- يقولون إن أشد ملوك الجن طرًا، هو ملك الجن الذي يسكن أرض المغرب، هو وقبيله لا حد لقوتهم أو جبروتهم.. لذلك ينتشر هناك السحرة كملح الأرض، ويمارسون كل فنون الس حر دون مواربة.. فمنهم من يمارس السحر الأسود والكابالا، ومنهم من يمارس السحر الأبيض، ومنهم من يمارس الفنون المحرمة والآلاف يعملون في مهن مختلفة تخدم هذا الحقل. إن المغرب هي أرض السحر في عصرنا هذا، والمغاربة أنفسهم يؤمنون بالجن لدرجة الهلع، فيطلقون عليهم لقب (هدوك) أي الذين لا اسم لهم. وبالنسبة لهم، فالجن كائنات تستوطن عوالم الخفاء الممتدة في كل مكان من حولنا..و هم غير مرئيين بعيون البشر في الأحوال العادية لكن مع ذلك يمكن رؤيتهم - حسب المعتقد العامي - ليلاً خلال الفترة المتراوحة بين الساعة الحادية عشرة ليلاً والواحدة صباحً ا عدا ليلة الجمعة التي هي لحظات ابتهاج عام يستغلها الجن للتسكع في عالمنا حتى صباح السبت. ومن أجل حلولهم في عالم نا المرئي يضطر الجان إلى تقمص أشكال الحيوانات والحشرات فيتجسدون على شكل حمار، كلب، قط، صرصور، فأر ولذلك يحاذر المغاربة أن يقتلوا أو يلحقوا الأذى ليلاً بأي حيوان أو حشرة خصوصً ا إذا كان كلبً ا أو قطً ا أسود.

عدد الصفحات ٢٩٤

- 196 - فللجن هناك مكانة عظمى، والتعامل معهم حدث شائع و هناك مئات التحقيقات الصحفية عنهم وعن العاملين معهم على الشبكة العنكبوتية لمن يريد مطالعتها، ومنها بعض المعلومات المذكورة هنا . تعتبر عشيرة الفقها في المغرب هم أباطرة هذا العالم، فهم يصرفون ملوك الجان لخدمتهم، و يأسرون القلوب ويسكنون الأجساد ويعلنون حروبً ا مفتوحة جنودها "خدام الخواتيم". منهم فقها يطيرون، وفقها يختفون في رمش العين، وتتنوع جنسياتهم، فمنهم حاخامات يهود، إسبان ويونانيون ، أفارقة وخليجيون، وهم يسيطرون على العوالم السفلية، في البيضاء والرباط ومراكش والصويرة.. الفرق بينهم وبين "الشوافات" و"الفقها" العاديين، أن هؤلاء يملكون مفاتيح أخطر باب يفصل بين مملكتي الإنس والجان : السحر الأسود. أعمالهم تتجاوز قراءة الطالع واستطلاع الفال، إلى القيام بأعمال خارقة لا يصدقها عقل. أعمال السحر التي يقوم بها هؤلاء "الفقها" تبدأ من "المحبة" وهي "الخدمة" التي ي رجى من ورائها جلب الحبيب وإثارته رغمً ا عنه، و هذا النوع من السحر الأسود يشمل كذلك حل المشاكل العاطفية بين الأزواج من

عدد الصفحات ٢٩٥

- 197 - خلال ما يعرف بـ"التهييج" وهو عمل يقوم على أساس تقريب المسافة بين الزوجين، لدرجة يستحيل معها أن ينظر أحدهما إلى غير الآخر . قائمة "الخدمة" التي يشملها هذا النوع من السحر الأسود تشمل أيضً ا معالجة الأمراض الجنسية والعقم إلى جانب طرد الجن المتلبس بأجساد الضحايا من الرج ال والنساء كما يمكن لـ "الفقيه" أن يصرف قدراته الخاصة من أجل إنزال عقاب بشخص أو أسرة ، وهو ما يتم عن طريق "التقاف" الذي يستهدف التعجيز الجنسي، أو "التراجيم"، وهو حينما يسخر الساحر الجني الذي يكون "خديما" عنده لرجم بيت بالحجارة المتقدة والنيران . ولسحر الفودو نصيب كبير هناك أيضً ا، يعتمد سحرة "الفودو" على الدمى لاعتقادهم بقدرتها على التأثير في الشخص الذي يرغب الزبون في سحره عن طريقها. يبدأ الأمر بإحداث المقصود بعمل السحر كما يعتقدون، ثم يبدأ الساحر في وخز مكان القلب بإبرة حادة ما يؤدي إلى إحداث آلام فظيعة للشخص المسحور على الفور. وفي المغرب تقام أغرب محاكمة في التاريخ، أبطالها ملوك الجن وخاصة ملك الجن شمهورش، حيث يعتقد البعض بجدوى الاحتكام إلى الجن لحل ما يعانون منه من مشكلات، وفي المغرب يوجد في عمق جبال أطلس مقام لملك من ملوك الجن يتوافد عليه من ينشدون سماع حكمه .. وهو ضريح "سيدي شمهروش "، و يقول الحاج أحمد، أحد القي مين على الضريح في

عدد الصفحات ٢٩٦

- 198 - أحد تصريحاتهلإحدى الصحف : نحن نتبرك بهذا المقام لأنه مقدس، وهنا توجد أكبر محكمة للجن". أناس كثر يتحلقون حول المكان، جلهم نساء، منهم من افترش الأرض ومنهم من جلس إلى طاولات مهترئة بالمقهى الوحيد بالمكان، وبين الفينة والأخرى تطلق الغربان التي تحوم بالمكان أصواتً ا تنقبض لها الأوصال . وكأن الأمر ينقصها هي الأخرى . يعتقد زائرو المقام أن "سيدي شمهروش " و هو ملك ملوك الجن بحسب الموروث الشعبي المغربي، يقوم بنفسه بالبت في القضايا العالقة بين الإنس والجن. ويضيف الحاج أحمد: "سيدي شمهروش جن حي وليس بالميت، وكما أن هناك محكمة للإنس، فهناك محكمة للجن ". أرى عيونكم تستنكر هذا الإقحام للمغرب وجنها وشياطينها في الأحداث، ولكني أعرف أنكم ستشكرونني في وقت لاحق على هذه المقدمة الطويلة نسبيًا، لأن هذا المكان الذي أخبرتكم قصته هو المكان الذي وجدت نفسي فيه في وقت لاحق .. بعد أن عبرت خلف ذلك الشخص الغريب الذي لم أعرف بعد قصته. القمر غائب والظلام دامس والضريح يبدو كنذير سوء، وأ مامي عاد ذلك الشخص الغريب إلى هيئته الأولى الباردة الشفافة. نعيب الغربان لا ينقطع، والغربان في القصص المماثلة تجسيد للشياطين.

عدد الصفحات ٢٩٧

- 199 - السؤال هنا: لماذا هذا المكان ؟! من يهتم بتاريخ الجن والسحر سيجد المغاربة غارق ين في ذلك العالم المخيف حتى الأذنين، الدولة تحارب الأمر والشرطة لا يمر يوم دون أن تقوم بالقبض على العديد من السحرة النصابين، هؤلاء السحرة هم الإفراز الطبيعي لسيطرة تلك الخرافات على عقول الناس هناك، لن نقول البسطاء، لأن المتعلمين والصفوة يلجئون إليهم أيضًا، فقط النصابين والمبتدئين يسقطون في يد الشرطة، أما الكبار فهم بمعزل عن كل هذا العبث، لهم مكانتهم وسطوتهم. والصفوة من الكبار الملمين بتاريخ المكان يعرفون أن هناك سرًا قديمًا رهيبًا، يختبئ في عمق جبال أطلس، سرًا لم يعد هناك من يتحدث عنه. من يعلمون عن هذا السر لا يتعد ون أصابع اليد الواحدة .. والمعرفة لا تتعدى الصدور.. ولن تتعداها. تجسدنا نفسه لم يكن طبيعيًا، لقد تجسدت أنا وذلك الغريب في مستوى غير أرضي.. يمكن أن نسميه ب عد آخر ومن الممكن أن نطلق عليه لفظ الممر. لحظات من عدم الفهم لاحقتني، وفي لحظة ما لم أكن أدري أي شيء عن المكان، وفي اللحظة التالية أصبحت أعرف كل شيء، ليس كل شيء ولكن التاريخ الذي يعرفه العامة والدارسين.

عدد الصفحات ٢٩٨

- 111 - نحن الآن بأعماق سلسلة جبال أطلس الهائلة، التي تمتد من المغرب إلى الجزائر ثم إلى تونس وتنتهي منحدرة نحو المحيط الأطلسي. يعزي البعض تسميتها أطلس كما في الميثولوجيا الإغريقية إلى أحد الآلهة الوثنية أطلس والذي يحمل قبة السماء على عاتقيه كعقاب أبدي من سادة الأوليمب. ولكن بعيدً ا عن هذا الجو الوثني يشير أيضً ا أحد الباحثين المهتمين بالميثولوجيا الأمازيغية "حفيظ خضيري " أن كلمة أطلس كلمة محضة ذات علاقة مع الظواهر الطبيعية وهي كلمة مركبة بالنطق الأمازيغي"antel+as" أي مقبرة الشمس، وقديمً ا كان البشر يعبدون الشمس ويعتقدون أنها تعود إلى المغرب كموطن يدعى مملكة الموت أو أرض الله. و يذهب الدكتور "أحمد الهاشمي " أستاذ الطوبونيميا بجامعة ابن زهر بالمغرب إلى احتمال أن يكون أطلس أصله "أدلاس" الذي يجمع في صورة "تيدلاس" التي تنجز في صورة "تيلا س" أي الظلمات، وذلك بالمماثلة الصوتية بين الدال واللام وإدغامهما؛ فيكون معنى صيغة "أدلاس" المظلم، وهذا ما يفسر تسمية الجغرافيين العرب القدماء المحيط الأطلسي ببحر الظلمات. "توقف عن صب المعلومات في رأسي توقف، من أنت وماذا تريد مني؟".

عدد الصفحات ٢٩٩

- 110 - خرجت هذه العبارة من بين شفتي بصعوبة، بعد أن شعرت أن عقلي سينصهر، إن ما يحدث لي كثير جدًا، لا يمكن أن أخرج من جحيم إلى آخر دون أن أعترض، ثم ما شأني أنا بجبال أطلس وجنها وشياطينها وسرها المظلم. تردد الصوت المقبض في عقلي : - إن المعرفة حمل ثقيل ولابد من تهيئتك قبل أن تخوض في بحارها المتلاطمة، من يعرف ليس كمن عرف . قاطعته صار خًا : - اقتلني إذن كان هذا غرضك في النهاية .. اقتلني ودعني أستريح.. لا أريد أن أعرف أي شيء.. لا أريد. عاد الصوت أكثر تجهمًا ليصدم حواسي : - كل شيء بدأ من هنا.. وكل شيء يجب أن ينتهي هنا . هطلت دموعي على وجهي كالمطر وقلت : - اقتلني إذن.. عجل بنهايتي.. أو أطلق سراحي وامنحني الحياة. الصوت الكئيب يجلد روحي :

عدد الصفحات ٣٠٠

- 111 - - من قال أننا من سنمنحك الحياة .. أنت المختار .. أنت من سيمنح الحياة للجميع .. أنت من سيعيد التوازن .. لقد اختارتك الأقدار .. لتمنع الظلام من أن يبعث من جديد. الآن أصبح عقلي كالهلام، كل حديث الغريب لا يصفوا على معلومة واحدة مفهومه، كلامه يبدو كنبوءات العرافين، يحاول أن يمنحني مكانة ليست لي، يحاول أن يقنعني بكوني المنقذ لا الضحية، الغيوم كثيفة، وعقلي يذوب والشخص الغريب لا تعبر ملامحه الباردة عن شيء. أعتقد أن قلبي سيتوقف. وسينتهي كل شيء الآن . سأنهيه بيدي. ولكن فقط فليحط الظلام بي لأمتزج بليله المدلهم. **** - توقف أيها الأحمق.. توقف.. الصوت يصفع عقلي .. صاعقة مؤلمة تجتاح جسدي .. وجه الشخص الغريب يتبدل إلى وجه كائن نوراني شديد البهاء ولكن قسماته تعبر عن غضب عات .

عدد الصفحات ٣٠١

- 111 - - توقف أيها الأحمق توقف.. أنت هنا في عرين ملك الجن.. وهنا تتحقق الأمنيات السيئة.. اطلب الحياة.. لا تطلب الموت. عقلي كصندوق مغلق، لا أفهم ما يحدث من حولي ولكني أنصت لصوت الغريب، لا أعرف ما أريد.. فأستجيب لما يريد. - الحياة.. الحياة.. الحياة.. صاعقة مؤلمة أخرى.. ثم عاد لي وعيي.. وشعرت بفزع ثم بغضب ع ات من نفسي.. كيف استسلمت لذلك الجانب المظلم من روحي .. كيف استسلمت لنداء الموت.. كيف توحدت مع الظلام. الصوت المقبض من جديد : - الآن أنصت جيدًا لتعرف ما يدور حولك، الآن أنصت جيدًا.. فالمعرفة نصف النصر.. سآخذك معي في رحلة عبر التاريخ والزمن، والشيء الوحيد الذي أطلبه منك ألا تقاطع. قاطعته هذه المرة وأنا أنوي أن تكون الأخيرة، لذلك لم يغضب : - ما هذا المكان ؟! دوى صوته الثقيل في عقلي : - هذا المكان هو كهف الأمنيات، أنصت جيدًا، ولن أبخل عليك بالمعرفة.. ففي قلب هذا الكهف ولد الظلام والشر..

عدد الصفحات ٣٠٢

- 111 - - كهف الأمنيات- وضع الشخص الغريب يده على رأسي فشعرت بملمسها البارد للحظات، قبل أن ترتفع درجة حرارتها لدرجة غير محتملة فهززت رأسي، عندما لم أشعر براحة، فدوى صوت الغريب في رأسي دون أن يمر بأذني كالعادة : - لا تقاوم ودعني أريك كل شيء . لم أكن أنوي المقاومة، أو القيام بأي رد فعل، وكدليل على استسلامي، أغمضت عيني ، وتركت جسدي ليسترخي، فانخفضت درجة حرارة قبضته، وفي اللحظة التالية كنت هناك .. في اللحظات الأولى لميلاد الظلام. الآن أنا والغريب طيفان يسبحان في فضاء الكون المدلهم الخالي من النجوم.. ألم تولد النجوم بعد ؟ أم أنها تخجل من الإعلان عن نفسها كي لا تبدد جلال المشهد ؟! نقترب حثيثًا من تلك الكرة الزرقاء المتألقة المسماة الأرض، والمعلقة في قلب الفضاء السرمدي.كماسة هائلة تحتضن القمر. أشعر بدرجة هائلة من التحرر، الكون كله يضمني بذراعيه . بل أنا الكون الذي يحتضن كل الأشياء . أين الطريق إلى السماء ؟!

عدد الصفحات ٣٠٣

- 115 - عيناي تمسحان كل شيء كرادار هائل، ولكنهما تظلان معلقتان بتلك الكرة الساحرة التي تزداد في الحجم والتألق في كل لحظة . من هذا المكان لن تعرف اتجاه السماء الأولى التي تفصلنا عنها مسيرة خمسمائة عام كما ذ كر في الكتب الدينية.. فهنا لن تعرف الاتجاهات الصحيحة .. لن تعرف أين يوجد الأعلى وأين يوجد الأسفل، فالظلام دامس لا يجرحه إلا بريق كرتنا الأرضية . المشهد مبهر، وكلما اقتربنا من الأرض أكثر كلما تبدل المشهد وأصبحت الأحزمة الضوئية أكثر وضوحًا. عيناي منبهرتان وكأننا نتحدث عن زحل بحلقاته المتألقة . كوكب الأرض يظهر أمام عيني في صورة لم أعهده عليها من قبل حتى في أشد صور ناسا وضوحًا، وكأنه منشور زجاجي يقسم الضوء من حوله إلى سبعة ألوان. كل لون يعبر عن عالم كامل بكافة ما به من مخلوقاته وكائنات . هذا سر جديد يفصح لي الكون عنه .. يهمس به في أذني .. يداعب به معتقداتي وأحلامي. لا يوجد سبعة كواكب كالأرض .. ولكن توجد سبعة أراضي، تحتل نفس الموقع والمكان ولكن في أبعاد ذات ذبذبات مختلفة.

عدد الصفحات ٣٠٤

- 116 - صوت علوي يهمس. لست وحدك أيها الكائن المغرور من يقطن هذا الكون، هناك مخلوقات أخرى تحيا بجوارك، لصيقة بك، ولكن رحمة الخالق هي ما تجعل بينها وبينك حجاب، لأنك أقل قوة مما يصوره لك غرورك. السموات سبع والأرض مثلهن .. الأساطير تحدثت عن الأراضي السبع، والكتب السماوية ذكرتهن صراحة، حكايات الشعوب والأساطير لم تخلو منهن. وأنا الآن أراهم وأوقن بوجودهم.. لقد عرفت جزءًا من السر.. دائمًا ما يبحث الإنسان في اتجاه خاطئ. صوت الشخص الغريب يتردد هذه المرة بداخل عقلي ولكن دون أن أشعر بأي مشاعر مقبضه.. إنه حيادي تمامًا هذه المرة : صمت للحظات ثم عاد واستطرد : - في هذا الزمن الذي لم ترصده كتب التاريخ، وفي تلك ال فترة التي سبقت ظهور البشر أغرقت الدماء الأرض، كل الدلائل تشير إلى حرب رهيبة س فك فيها من الدماء ما يكفي لصنع محيط آخر بجانب المحيط العملاق، الذي تسبح بداخله القارة الوحيدة التي تشكل اليابسة على كوكب الأرض . قبائل الجن المقاتلة منهمكة في حربها الضروس، من أج ل إثبات قوتها، وفرض سيطرتها على عالم الجن بالكامل.. حرب رهيبة يستخدمون فيها كل

عدد الصفحات ٣٠٥

- 117 - أنواع الأسلحة من سيوف ورماح ومنجنيق كأسلحة عادية، والأسلحة التي تعتمد على السحر من تسخيرهم للرعد والبرق والرياح، وسيطرتهم على الحشرات والحيوانات والطيور، حرب جهنمية لا رحمة فيها ولا هوادة. اشتركت في الحرب كل قبائل الجن، سواء من يعيش على البر أو في البحر أو من يطيرون. استمرت الحرب لفترة طويلة من الزمن، غرقت فيها الأرض بالدماء، ومع الوقت مالت كفة أحد الملوك على الآخر، وهنا بدأ الأمر يأخذ منحىً مخيفًا. أحد المردة وهو في نفس الوقت ملك جيش الجن الأحمر المتفسخ، شعر ببوادر الهزيمة بعد مقتل قائد جيوشه وفناء ميمنته، فقرر أن يكسر العهد، وأن ينتزع النصر من بين فكي الهزيمة، فلا عهد في الحروب . اجتمع هو وكهنته وسحرة مملكته وقرروا إما النصر أو يهدموا المعبد على رؤوس الجميع .. واتخذوا القرار ا لرهيب.. وقرروا فتح الفجوة التي ستمنحهم السلاح الخارق الذي سيستطيعون عبره.. إنهاء الحرب وإعلان نصرهم.. الدماء بالخارج تصبغ كل شيء، حتى أن النهر القريب تحولت مياهه للون الأحمر القاني.. وبالداخل يقوم الجنود بذبح ألف أسير لإتمام التعويذة.. و..

عدد الصفحات ٣٠٦