- 176 - الشحن.. ثم أخذت في الحفر بالسكين الذي أحضرته معي في نفس النقطة المحددة على الخريطة بخطين متقاطعين. دقات قلبي تتعالى وذلك الشريان النابض في رأسي لا يوحي بأن الأمور ستمر على خير. الحفرة تتسع والوقت يمضي وأنفاسي تتلاحق. من يصدق ما أفعله الآن !! السكين يصطدم بجسم معدني، مما شجعني على الحفر بسرعة أكبر .. لحظات ثم ظهر الصندوق.. لم يكن صندوقًا بالمعنى المتعارف عليه، بل هي علبة معدنية من ذلك النوع الذي تأتي فيه الشيكولاته في المناسبات أصابها بعض الصدأ. أ حرر العلبة المعدنية من بين تراب المقابر الذي لوث يدي ووجهي وأبصق ما كدت أبتلعه منه .. وما إن قبضت على الصندوق، حتى دوت الصرخة وانطفأت كل الشموع . احتضنت العلبة المعدنية بيد وباليد الأخرى قبضت على السكين وأخذت أتلفت في الظلام. الذعر تملك مني وقلبي يوشك على التوقف. أبحث عن الكشاف فلا أجده.
عدد الصفحات ٢٧٥- 177 - أشعلت قداحتى بصعوبة، وعلى هدى الضوء المتسرب منها بدأت في صعود الدرج عندما شعرت بالقبضة المخلبية تنغرس في ظهري . لقد استيقظ الموتى. دفعت القبضة بيدي دون أن أعرف نوع العدو الذي يواجهني ثم عدوت خارج المقب رة.. جلست على الأرضية المتربة ألهث ويداي ميتتان على العلبة المعدنية التي لا أعرف محتوياتها . ثم زحفت على الأرض بصعوبة حتى جعلت ظهري لشاهد قبر، ثم - وبمجهود مضاعف - فتحت العلبة المغلقة، وكدت أتقيأ من محتوياتها. جثة فأر محنطة .. ورحم أنثى مختلط بدماء طمس، عظ مة ضلع طفل .. بعض الأوراق المكتوبة بسائل أحمر غير الدم، وخنجر يدوي الصنع له يد خشبية ونصله غارق في الدماء. نظرت لكل هذه الأشياء بحيرة.. ما هي الخطوة التالية ؟! لم أعرف ماذا أفعل غير حرق هذه الأشياء. وضعت العلبة أمامي ثم رفعت ضغط الغاز بداخل القداحة، ثم أ شعلتها فانطلق عمود من اللهب المركز ما أن لامس الأوراق .. حتى سرت النار في كل محتويات العلبة بسرعة رهيبة وأتت عليها في لحظات ليبدأ الهول.
عدد الصفحات ٢٧٦- 178 - ففي نفس اللحظة التي خبت فيها النيران .. لمحت ذلك الشيطان الذي انتصب أمامي كالمصيبة، مجسدًا أعقد كوابيسي وأكثرها بشاعة . لا يمكن أن يكون هناك شيء مرعب أكثر. العيون المشتعلة.. الجسد الحرشفي.. المخالب والأنياب.. القدم المشقوقة كقدم الماعز، وتلك الأدخنة التي تظهر من حوله مع رائحة الكبريت التي عبقت الجو. الشيطان كما ينبغي له أن يكون ومن خلفه ظهرت سهيلة وقد لطخت ملابسها الدماء.. وشحب وجهها فصار كوجه الموتى . توقف عقلي للحظات وكدت أفقد الوعي .. ثم أخذت أصرخ. هذا ليس عدلاً ليس عدلاً .. .مازال أمامي يوم آخر.. لن يسلبني أحد يومي الأخير حتى ولو كان الشيطان . هل حدثتكم عن الحماقة ؟! هل حدثتكم عن الغضب ؟! هل حدثتكم عن ذلك الغر الساذج التي يدخل معركة، يعرف دون شك أنه سيخسرها ؟! إذن علمتم من أنا.
عدد الصفحات ٢٧٧- 179 - السكين في يدي، وبكل غضب الدنيا هاجمت سهيلة.. لم أستطع برغم كل شيء أن أهاجم الشيطان. ولم تمنعني سهيلة. السكين في يدي.. أندفع كالمجنون صوب سهيلة ثم أطعنها في قلبها بكل ما في جسدي من قوة.. الدماء تتفجر من موضع الإصابة لتغمر كل شيء، وأنا أقف مذهولاً أتطلع إلى يدي وإلى السكين الذي غرس في صدر سهيلة. يا إلهي.. ماذا فعلت ؟! صرخة أخيرة من سهيلة تهتف باسمي بعد أن انتهى الاستحواذ عليها بالموت، قبل أن يسقط جسدها ليفترش الأرض، في مشهد حطم قلبي وأشعل غضبي.. الشيطان أيضًا صرخ في غضب .. عيونه تشتعل ومن فمه تصاعد بخار ملتهب لفح وجهي .. قبل أن تمزق مخالبه لحم صدري في نفس موقع الحرق ليمنحني ألم مريع . لم ألتفت للألم ولإصابتي الفادحة.. ولا للشيطان الذي يستعد لانقضاضه جديدة.. فقط وقفت أموج بغضب هادر، وأنا أتطلع لجسد سهيلة المكوم على الأرض .. كنت أستمد منها طاقة غاضبة لو لمست قلب الأرض لصهرته ولو لامست مياه البحار لبخرتها.. لا يوجد ألم مثل ألم القلب.. صدقوني.. لا يوجد ألم أقسى من أن تفقد من تحب.
عدد الصفحات ٢٧٨- 181 - وفي لحظة تحولت لليث غاضب .. وانقضضت بسكيني على قلب الشيطان.. الذي يفوقني حجمًا وقوةً وغضبًا.. وكانت هذه هي حركتي الأخيرة، ففي اللحظة التالية لم أشعر إلا بالنيران التي اشتعلت حولي في كل شيء، ثم شعرت بألم هائل في كل خلية من خلايا جسدي . وأظلمت الدنيا للحظات، وعندما عاد الضوء .. وجدت أصدقائي جميعًا أمامي، ورأيت الشياطين التي تعكف على تعذيبهم . والجحيم المستعر الذي يلتهم كل شيء . لم يكن الموت إذن. وأمام عيني تجسد ذلك الشيطان الغاضب من قلب العدم وهو ينفث من منخاريه ذلك البخار الملتهب.. ومن عينيه الغاضبتين عرفت أنه حضر من أجلي. من أجلي فقط.
عدد الصفحات ٢٧٩- 180 - 17 اللعنةالسابعة - الغرور عر فها دانتي : الحب النرجسي للشخص والذي يخالطه كره الآخرين واحتقارهم.. ..كبرى الخطايا السبع وأعظمها، مرتبطة بلوسيفر Lucifer وهو النسخة المسيحية من إبليس عندما كان ملاكً ا.. مرتبطة باللون البنفسجي.. أنا الغرور .. إنني أزدري أن يكون لي أبوان .. فأنا أشبه ببرغوث أوفيد ويمكنني أن أزحف داخل أي ناحية من جسم الفتاة.. أحيانًا.. بصورة شعر مستعار ..أتربع فوق جبينها .. ثم بشكل قلادة .. أتدلى حول عنقها .. وبعدها كالمروحة من الريش .. ألثم شفتيها .. وأخيرًا أتحول إلى دخان م شكل فأفعل ما أشاء.. ولكن.. أف.. ما هذه الرائحة هنا !! لن أضيف كلمةً أخرى ما لم ت عطر الأرض وت كسى بأقمشة مزركشة..
عدد الصفحات ٢٨٠- 181 -
عدد الصفحات ٢٨١- 181 - - يقظة- "لقد استيقظ المريض أمجد". كان هذا هو صوت الممرضة البارد، والذي صفع سمعي بجفائه، ووشى بطبيعة الممرضة الملول غير المبالية، خاصة عندما بدأت أفيق وأشعر بالعالم الحقيقي يتجسد من حولي من جديد . وبدا وكأنني أعود من نوم عميق لا يفوقه عمقًا إلا نوم أصحاب الكهف. لم تكن العودة هينة بأي حال من الأحوال، وظهر الأمر وكأن روحي التي غادرت جسدي قد ضاقت به، ولا ترغب في العودة إليه مجددًا. فقط هناك من يحاول حشرها حشرًا في جسدي دون جدوى. رؤية العالم الواقعي كانت صادمة، بل أشد وقعًا على أعصابي من صدمة استيقاظي في ذلك الجحيم الجهنمي، الذي قضيت فيه الأسابيع الأخيرة المنصرمة أعاني وأتعذب وأرى أصدقائي يتساقطون في قبضة الشياطين واحدًا تلو الآخر. الفرحة قاتلة كما يقولون . جسدي يؤلمني وكأن قطارًا بكامل عرباته مر فوقه عدة مرات .. عقلي يترجرج وكأن بداخله كرة دوارة لا تتوقف عن هرسه طوال الوقت، عيناي جاحظتان منهمكتان في التهام كل التفاصيل المعتادة من حولي بنهم أعمى يرى الدنيا للمرة الأولى..
عدد الصفحات ٢٨٢- 181 - الدهشة تفوقت على الألم وبجدارة فاحتواني الذهول بالكامل، وإن ظل الألم ينشب مخالبه الحادة في روحي وجسدي كليث تمكن من فريسته التي فقدت كل مقاومة حتى ظننت أن الزمن قد تجمد إلى الأبد . فعودتي لعالم الأحياء كانت مفاجأة لي لم أتوقعها تحدث أبدًا. فاستمرارية التعذيب والمعاناة والألم،جعلت الأمل بداخلي يذوب ويتبخر، بل ويتلاشى من عالمي كله . خاصة بعد أن عاصرت تلك المشاهد المروعة التي دارت أمام عيني بداخل ذلك الجحيم الصناعي الجهنمي، والذي أنشأته تلك الشيطانة الملعونة لإرضاء سادتها من الشياطين لدعمها في صراعها مع ذلك المخلوق الشيطاني الذي استحضره الشيخ ياسين، والذي لا يمت للشياطين التي نعرفها بصلة. هل تفاجأتم ؟! بالتأكيد.. فأنا نفسي تفاجأت.. بل صدمت بهذه المعلومة الرهيبة.. والتي لم ترد من قبل في أي كتاب تاريخ أو خوراق، وكأن هناك من حرص وبشدة على إخفاء كل أثر لهم، لهدف ما في نفسه، وحتى يذوبوا في عوالم النسيان. هناك مخلوقات شيطانية، في ما وراء هذا الكون لا نعرف عنها شيئًا. وهي تتربص بنا. ولولا أن للكون قواعد صارمة في العبور والانتقال، لما كان هنا ك بشري في مأمن منها. لذا فإنني أكررها.. لأني نفسي أصدقها بصعوبة.. إنها
عدد الصفحات ٢٨٣- 185 - نوع من الشياطين لا تمت لجنس الشياطين التي نعرفها بصلة.. ولا تخضع لقواعده. إنها أشد وحشية وقوة، من أي شياطين سمعت عنها من قبل، لأن لديها القدرة على إخضاع الشياطين أنفسها، واحتلال أجساده ا النارية .. بل إن هناك نوع بدائي منها .. يستمتع بالتهام الجن والشياطين. وعن طريق السيطرة على هذه المخلوقات الوحشية، يستطيع الساحر أن يخضع أي جن لإرادته.. التعامل مع هذه الكائنات الجهنمية ليس سهلاً أو هينًا كما يبدو، فهو يحتاج لتضحية عظيمة ولطقوس تصل لحد الكفر .. بل هي الكفر ذاته، وإلى دماء كثيرة تراق، وإلى تنازلات لا مثيل لها ت خرج الساحر بجدارة من عباءة الإنسانية.. والمخيف أن هناك من لا يتورعون عن قضاء ثلاثة عشر يومًا في هذا الجحيم الطقسي من أجل أن يصلوا لمأربهم.. ثلاثة عشر يومًا، كفيلة بأن تهشم روح الساحر وتصيبه بالجنون لو لم يكن بالكفاءة المطلوبة. إن هذه المخلوقات لعنة أبدية، ولولا أنها تقطن في البعد السابع للأرض، ولا تملك القدرة على العبور لعالم البشر دون وسيط، وعن طريق طقوس وكلمات خاصة، عبر درب رهيب من دروب السحر الأسود، لاستعبدت البشر منذ زمن سحيق.
عدد الصفحات ٢٨٤- 186 - إن الشياطين التي نعرفها، تبدو بجوارها كالحملان الوديعة .. ألم أخبركم أنها المخلوقات التي يخشاها الجن والشياطين.. ! إن الجهل بهذه العوالم، جعلنا نضع كل ما هو مجهول في سلة واحدة، فلا نفرق بين الشر والشر الفائق المطلق. الشيخ ياسين، سلك هذا الدرب المشئوم للمرة الثانية، والفترة الأخيرة التي انشغل فيها ولم يعد يغادر غرفته، كان يجهز فيها لاستعباد مخلوق آخر من تلك المخلوقات الجهنمية، سيستدعيه لمساعدته من أشد مناطق ا لكون ظلمة ووحشة، من البعد السابع للأرض. لأنه علم عن طريق بردية قديمة، أن هناك دربًا خاصًا من سحر الظلام قادر على إعادة شبابه إليه وربما منحه الخلود أيضًا .. إن جسده يتداعى ولا سبيل آخر لإيقاف زحف الزمن عليه .. خاض الشيخ ياسين في الأمر، دون أن يضع أي اعتبار ات لقدراته التي وهنت مع زحف الشيب والتجاعيد على وجهه .. خاض في الأمر لأنه يثق أنه قادر على كل شيء وأي شيء .. إنه الغرور البشري الذي لا سقف له، والذي قادنا من البداية لنخوض في هذه الدروب المظلمة.. سلك الشيخ يا سين دربه المظلم، وأراق دم ذلك الرضيع، الذي نتج عن علاقة آثمة كطفل سفاح، وأنهى الثلاثة عشر يومًا، ولكنه مات قبل أن
عدد الصفحات ٢٨٥- 187 - يكمل تعويذته، ويؤدي الطقس الأخير، بعد أن أهدى الأرض هدية ملعونة قد تتسبب خلال مدى قصير في خراب لا أول له ولا آخر. وهذا الأمر لم يتوقف تأثيره عند الشيخ ياسين، بل امتد إلى مدى أوسع وأخطر، فقد أضعف قدرة (سماح) تلك الشيطانة التي استعبدها جدي والتي حاولت الإيقاع بي في وقت سابق، وجعلها لا تستطيع أن تكمل ما خططت له عبر السنوات، فلم تستطع أن تتم تعويذتها لتتحرر وتعود لعالمها .. وفشلت في أن تكمل تضحيتها وتزهق الأرواح السبعة. لم يكن لي فضل في إنقاذ أصدقائي إذن، المخلوق الشيطاني كان هو المسئول ولكني كنت يده التي نفذت الأمر .. المخيف فيما حدث أن الشيخ ياسين استحضر المخلوق الشيطاني إلى العالم ومات دون أن يحكم سيطرته عليه ودون أن ينقل العهد لساحر آخر قادر على إكمال الأمر، مما أفسد خطط تلك الشيطانة، ومنح للكائن فرصة نادرة للانتقام.. وها هو الكائن الشيطاني يعبث بتلك الشيطانة ويفسد لها كل تخطيط تحاول به العودة إلى عالمها الذي منعت عنه .. إنها تجازف في كل مرة تحاول فيها، أن تستولي على جسد أحد الضحايا من أجل إتمام تعويذة العودة، يعاونها بعض شياطين الجن لتحقيق مأربها، دون أن تجرؤ ولو مرة واحدة على إخبارهم بحقيقة هذا المخلوق.
عدد الصفحات ٢٨٦- 188 - أعرف أن الأمر جنوني ولكنه حقيقي.. فأثناء غيبوبتي، وبطريقة ما، عبرت روحي البرزخ الفاصل بين الأبعاد وعرفت كل هذا، هناك صلة ما نشأت بيني وبين تلك الشيطانة دعمها الحب الذي كنت أكنه لها في قلبي، إن للمشاعر الصادقة قوة خاصة، من يملك علمها يملك سلاحًا لا مثيل له، وهي كانت تملك هذا العلم . إن قدرات البشر غير المستخدمة تؤهلهم ليكونوا الجنس الأقوى في هذا الكون ولكن للأسف الغرور والجهل يعمي عيونهم. سمحت لي هذه الصلة بأن أحيط بكثير من هذه الأمور التي كنت أجهلها، والتي تمنيت لو ظللت على جهلي الكبير بها، ولا أخفيكم علمًا أن ما لمسته بداخلها تجاه ذلك المخلوق، أورثني خوفًا يكفي كل سكان الأرض ليجعلهم يغادروا هذا الكوكب البائس في أسرع وقت . فقوة هذه المخلوقات ووحشيتها لا مثيل لها، خاصة وأن الشمس المباشرة تضاعف قوتهم، فيصير المخلوق منهم بقوة مئات الشياطين أو أكثر.. لقد عبث الشيخ ياسين، في أسرار ما كان لبشري أن يحيط بها علمًا، لولا مساعدة الملعون الآخر صديقه الشيخ تهامي الحو، والذي بمساعدته عبرا كل الحواجز، وكسرا أختامًا قديمة قدم الزمن، ما كان لهم أن يقربوها. وها هي ذي النتيجة.. !!
عدد الصفحات ٢٨٧- 189 - - انتقال- لم أكن أتخيل يومًا أن مجرد رؤية غرفة عادية كئيبة الطلاء، وبشر عاديين يمارسون عملهم في روتين ولا مبالاة، قد يمنحني ذلك الشعور المذهل بالراحة، كل تفصيلة صغيرة كانت تعيد تضميد جزء من روحي التي تمزقت، حتى أن طعم الدواء المر في حلقي كانت له نكهة الحياة . الدهشة لم تكن نابعة من وجودي بداخل مستشفى القصر العيني متصلاً بكل تلك الأجهزة المخيفة التي لا تكف عن الهدير، والتي تعتبر الدليل الوحيد على وجودي على قيد الحياة، ولكن بسبب وجود ذلك الشخص الغريب الذي يجلس في أريحية على ذلك المقعد المجاور للفراش، وكأنه امتلك المكان، وعيناه المخيفتان مسلطتان على وجهي ككشافان ساطعان، تحصي علي أنفاسي. كان أغرب شخص من الممكن أن تلتقي به في حياتك .. فهو يمتلك جسدًا ممشوقًا قويًا تشعر فيه بصلابة المعدن، لا تلك الصلابة التي تموج بالحياة في عضلات البشر العاديين .. رأس أصلع لامع وكأنه تم دها نه بملمع ثابت ..عينان يتغير لونهما طوال الوقت ما بين الزيتوني و الأرجواني والأزرق ثم تتوقف للحظات عند اللون البنفسجي.. عينان باردتان خاليتان من أي دفء أو أحاسيس آدمية، و تصيب من يركز فيهما بالدوار ..
عدد الصفحات ٢٨٨- 191 - بشرة مشدودة كسطح طبل أملس مع لمسة غير طبيعية لا تعكس أي مشاعر أو انفعال، تجعله يبدو كتمثال شمعي بارد .. يرتدي رداءً من قطعة واحدة تتصل مباشرة بالحذاء في انسيابية عجيبة، ويغلف كل هذا غموض بلا حدود. إن المعرفة مؤلمة، وكذلك الجهل، ولو تساويا في الألم فإن الجهل يتفوق بكونه غير مريح ويبعث على القلق. لذا كان السؤال ال ذي ظلل يتردد بداخلي كصدىً مستمر .. من هذا الشخص المريب ؟! دقائق قليلة مرت علي قبل أن أ لم بكل ما فاتني، وأجمع قطع البازل التي تتكون منها ذاكراتي، لأوقن تمامًا أنني لا أعرف هذا الشخص العجيب، وأوقن أيضًا أن وجوده بجواري ليس طبيعً يا أبدًا، فلا يوجد بشر طبيعيون يمتلكون هذه الهيئة الباردة وكأن وجهه وجه جثة لشخص مات منذ زمن . تبادلت معه النظرات للحظات قصار فشعرت بغصة في حلقي، وشعرت بعدم راحة.. وتمنيت لو يغادر. إن الأرواح جنود مجندة، ورؤية هذا الشخص آذت روحي بعنف. الشيء الذي جعلني أرتجف، وأتمنى لو تبتلعني الأر ض أو يسقط علي شهاب من السماء ليبخرني، هو تلك اللحظة التي عبرت الممرضة من
عدد الصفحات ٢٨٩- 190 - خلاله لتقيس لي حرارتي.. نعم العبارة صحيحة.. لقد عبرت من خلاله، كأنه طيف غير موجود أو صورة هولجرافية شفافة. إذن فعيناي لا تخدعانني.. لقد حاولت أن أقنع نفسي منذ أول لحظة سقط عليه بصري .. أنها لعبة المخدر والظلال . ولكني لم أكن واهمًا .. كنت فقط مخطئًا في ظني. عبرته الممرضة دون أن تشعر بوجوده ودون أن تراه، وعندما هممت بالتحدث إليها، دوى صوته الحازم في عقلي مقتضبًا ثقيلاً دون أن يصل إلى أذني : - لا تلفت الانتباه. سرى في جسدي تيار كهربي من الرعب، جعل كل جسدي يرتجف، حتى أن الممرضة تساءلت متعجبة وهي تقرأ مؤشر ميزان الحرارة، الذي يخبرها بكون حرارتي في المعدل الطبيعي : - هل أحضر لك بطانية إضافية ؟! شكرتها بصوت خافت واهن لا أعرف إن كانت سمعته أم لا، وعيوني مثبتة على وجه ذلك الشخص المخيف الذي لا يراه سواي، فجمعت أشياءها ورحلت عن الغرفة وأغلقت الباب خلفها .
عدد الصفحات ٢٩٠