- 161 - استجمعت قوتي، وانتقيت قميصًا حريريًا واسعًا لن يتسبب في أي احتكاك مع جلدي المحترق وارتديته بسرعة، ثم فتحت الباب متوقعًا أن أراها لأشعر بأني لست الوحيد في هذا الكون. ولم أجد أحدًا.. المكان أمام الباب كان خاليًا.. والدتي في الصالة غير منتبهة لي تعد مائدة الإفطار، هل كنت واهمًا ؟! صفعة من الألم تجبرني على غلق الباب من جديد.. صفقت الباب ثم استدرت متوجهًا صوب الدولاب، أحتاج لجوارب نظيف كي أغادر.. الساحر الأفريقي هو الحل .. أو يعرف ما هو الحل للنجاة من هذا الفخ الشيطاني. ماذا كان اسمه ؟ ! (ريحان). نعم هو (ريحان). أحضرت الجوارب وعندما هممت بارتدائها، خيل إلي أني لمحت بطرف عيني وجهًا يطل عبر المرآة.
عدد الصفحات ٢٥٩- 160 - استدرت بجذعي في نصف دورة، وحدقت في المرآة بذهول، وهالني ما رأيت. كانت سهيلة هناك .. تنظر لي عبر المرآة.. وعلى وجهها إمارات خوف مروع . لم يستوعب عقلي الأمر لأول وهلة فالتفت إلى الجهة المقابلة للمرآة متوقعًا وجودها.. دون أن أعرف كيف دخ لت إلى الغرفة وكيف لم أشعر بها، ولكن لاشيء.. المكان خال . والصورة عبر المرآة ليست انعكاسًا لجسد حقيقي بداخل الغرفة. إنها هناك. خلف المرآة.. بل هي بداخل المرآة. أي جنون هذا.. !!
عدد الصفحات ٢٦٠- 161 - تجمدت أمام المرآة للحظات.. لا يمكن أن يكون ما أراه حقيقيًا.. إنها سهيلة دون شك.. ولكن كيف عبرت إلى هناك .. هل يوجد بالفعل عالم آخر خلف المرآة ؟. المشهد يفوق كل تخيلاتي، وينافي كل منطق، ورغم ذلك أبصره، وأوقن من وجوده. إنها سهيلة بكل تأكيد - إذا لم تتلف شبكيتي أو أصاب بالهلاوس- تقبع هناك عبر المرآة كسمكة باهتة بداخل حوض زجاجي يخلو من الماء. المشهد كله يدير الرؤوس . لذلك لا يمكن أن يكون حقيقيًا. أما الأمر الذي أثار ذهولي أكثر من وجود سهيلة أو وجود طيفها بداخل المرآة، هو ما يوجد وراءها، ذلك العالم المخيف الذي يمتد إلى مالا نهاية عبر طبقات متتالية من الظلام. لا أعرف كيف أصف الأمر ، ولكن الظلام خلفها كان متدرجًا إلى ما لانهاية، مع وجود وجوه ضبابية معذبة تتماوج عبر الظلام، ووجوه مخيفة لزبانية تنهمك في تعذيب أصحاب هذه الوجوه المتألمة .. والمشهد كله يظهر كلقطات متتابعة من فيلم رعب قديم، تم التقاطها بكاميرا عتيقة تستخدم تقنية اللونين الأبيض والأسود. صورة سلبية للجحيم ولكنها برغم كل شيء مخيفة .. جحيم خالص من اللونين الأبيض والأسود.
عدد الصفحات ٢٦١- 161 - إنها تحدي جديد لفنان مثلي، ربما لو جاءتني هذه الأفكار أو الهلاوس في وقت مختلف، لأصبحت (جويا) العربي، ولفقد جمهوري رغبته في النوم لمجرد أن طالع أعمالي. المشهد كله كان مروعًا لدرجة غير معقولة، ورسخ بداخلي ذلك الرأي الذي تبنيته والذي يقول أن أفلام الرعب الأبيض والأسود أكثر إفزاعًا من الملونة. ندت مني صرخة لا تخرج من فم مراهقة اكتشفت أن اليد التي تداعب قدميها أثناء نومها هي أهداب فأر. ارتجفت.. احتبست أنفا سي للحظات .. ثم تراجعت مبتعدًا عن المرآة .. إنها المرة الأولى التي أتمنى فيها لو لم أر وجه سهيلة في حياتي قط. وجه سهيلة الذي لم يغادر أحلامي منذ رأيتها للمرة الأولى . وجه سهيلة الذي يطالعني عبر المرآة وهو يحمل أعنف المشاعر وأكثرها حدة.. الرعب. كيف يسقط المرء منا في الحب ؟! سؤال يحتاج لعشر مجلدات على الأقل ؟! خاصة وأن الحب الحقيقي لا يأتي إلا في الوقت غير المناسب، وربما أيض ا للشخص غير المناسب، إنه
عدد الصفحات ٢٦٢- 161 - المعضلة الكبرى التي تمنح الحياة نكهتها أو تحرمها منها .. وديدنه أن يختار أصعب الأوقات وأكثرها تعاسة ليظهر. أعترف أن سهيلة ليست فاتنة ولا تمتلك ذلك الجمال الملفت الذي يجعل الرجال يتقاطرون عليها، ولكن لها وجهًا مريحًا ورائحة عذبة، وروحًا متمردة تستفزني.. في عينيها ذلك الشعور بالقلق الذي يشعل مشاعري. إنها اللوحة الحية التي لن أجرؤ يومًا على تقليدها بفراشاتي. سهيلة الآن محتجزة في عالم غريب، عالم مخيف، عالم يتمتع بفيزياء خاصة وقواعد فوق الطبيعية. محتجزة وتعاني. محتجزة وتطلب مني أن أسمح لها بالدخول إلى غرفتي. تقنيًا هي بداخل الغرفة ولكنها أيضًا ليست داخلها، فهل حقًا سأخالف حدسي وأسمح لها . إن عبارة بكامل إرادتي الح رة، تتخذ بعدًا مخيفًا ومقلقًا. قد لا تكون هذه سهيلة بالفعل، وقد تكون مخلب قط لاجتذابي نحو طريق الهلاك. كم من أحمق خالف حدسه وفتح للموت بابه.. إن كتب التاريخ تعج بقصص الحمقى .. حتى لتعتقد أن التاريخ البشري قصة ممتدة للحماقة التي لا علاج لها.
عدد الصفحات ٢٦٣- 165 - ولكني لم أكن أحمق لهذه الدرجة . ففي اللحظة التي قررت فيها دعوة سهيلة لدخول غرفتي عبر المرآة، قمت بأغرب تصرف قد يقوم به عاشق على مر التاريخ يرى حبيبته في محنة وتستنجد به. لقد سحبت أحد الكراسي، وأدرت ظهره للمرآة ثم جلست عليه وأشعلت لفافة تبغ، وأخذت أغني وأدمدم. سلوك غير مبرر ولا مفهوم، ولكنه بدى لي وقتها منطقيًا إلى أقصى حد. لماذا ؟! بلا سبب. إنني على وشك الموت، فأي شيء آخر سأخسره. ثم إن سهيلة لم تكن من السبعة المبشرين بالموت. لذا فوجودها في هذا المكان المخيف مريب. إن أكثر صفة تمتاز بها الشياطين هي التقمص واتخاذ هيئة البشر والحيوانات، فلماذا يكون الأمر مختلفًا ؟ عشر لفافات تبغ استهلكتها، مئات من الأغاني والألحان رددتها، وضعت سدادات الأذن الشمعية، أشعلت جهاز الإستريو بصوت مرتفع، وكل ذلك كي لا أسمع صوتها. السؤال هنا لماذا لم أترك لها الغرفة وأغادر ؟!
عدد الصفحات ٢٦٤- 166 - والجواب بسيط أن باب الغرفة اختفى، الغرفة نفسها تلاشت ولم يبق إلا المقعد الذي أجلس فوقه وسط ستار كثيف من اللون الأحمر . خاطر سخيف يطارد عقلي، وكأنني أجلس بقلب بطيخة .. هذه الكثافة من اللون الأحمر مفزعة. وبرغم كل هذا تمالكت أعصابي وأعملت عقلي في الأمر ..فلا داع لأن أتهور أو أنجرف. فأنا ذلك الأحمق الذي يحذرون الجميع منه، ويطالبونهم بألا يثيروا غضبه لأن ردود فعله قد تفوق بكثير ما هو متوقع مما يجعل كل خطوة يخطوها تتسبب في كارثة . اتق شر الحليم إذا غضب.. لأن غضبه عات .. غضب غير مروض.. غضب مستعر لا قيد عليه. الغشيم يكون أكثر خطورة في المشاجرات من الشخص المحترف.. لأنه لا يعرف نهاية لغضبه أو اندفاعه. وأنا لا أريد أن أغضب أو أتهور.. لأن الوضع سيكون مؤذيًا.. لي بالطبع.. إن آخر مرة فقدت فيها أعصابي تسببت في تحطيم ذراع ذلك الطفل الذي لم يتجاوز التاسعة والذي نسي علبة الألوان ثم لم يتوقف عن مضايقة زملائه.
عدد الصفحات ٢٦٥- 167 - بعض الأطفال يستحقون القتل .. ولكن لم يكن هذا رأي مديرة المدرسة التي استفزها الأمر، وخافت أن يصل إلى الوزارة، دون أن تكون قد منحتني عقابًا كافيًا. شهرٌ خصم من الراتب وآخر إيقافٌ عن العمل . أعرف جيدًا أن غضبي يومها لم يكن من أجل علبة الألوان ولا من أجل شقاوته ومضايقته لزملائه.. بل هذا الأمر هو القشة التي أضيفت لما فوق ظهر البعير فقصمته. إن مهنتي.. مهنة غير حقيقة.. لا يعترف بها الآباء.. ولا التقييم.. لا تضيف درجات إلى ا لمجموع الكلي ولا تنقصه .. ولا يأتي لها المريدون ليتلقوا الدروس الخصوصية.. إنها مجرد وقت ضائع في اليوم الدراسي.. مهنة لا قيمة لها ولا تدر أي نقود.. لن يضاف لهذا كله استهزاء الطلبة بها .. لذا كان العقاب أسطوريًا وهشمت ذراع ذلك السخيف.. من حق مدرس الرسم أن يكو ن قاسيًا كأي مدرس آخر.. فلنتوقف هنا.. إن تذكر هذا الموضوع يصيبني بالغثيان . كما أن هذا ليس موضوعنا الآن. المهم أنني أخذت أشغل عقلي بآلاف الموضوعات، محاولاً التغلب على صوتها المستحوذ العذب. .............
عدد الصفحات ٢٦٦- 168 - توسلاتها لا تنقطع. نحيبها لا يتوقف. أنينها يتعالى ليمزق نياط قلبي. ولكني أواصل دندنتي وغنائي وأردد دون توقف وبكافة النغمات : - الأمر سينتهي الآن.. سينتهي. ساعة كاملة ظللت فيها أقاوم تلك السيطرة العقلية المخيفة، حتى كادت روحي أن تزهق، وفي اللحظة التي كدت أن أستسلم فيها . دوت الطرقات من جديد. - طق طق طااااااق. ليظهر الباب من قلب العدم، وتتجسد الغرفة من حولي ويتلاشى الضوء الأحمر الثقيل، وكأن الطرقات أعادت للباب خصائصه الطبيعية ومحت ذلك السحر الذي سيطر على كل شيء حولي، فاندفعت كالغريق لأفتح الباب. انفتح الباب بسلاسة مدمرًا كل توقعاتي بعصيانه.. وعلى عتبة الباب كانت تقف سهيلة بعيون منتفخة وهيئة زرية، وخلفها والدتي تحدجني بنظرات من نار.. إنها لا تسمح بمثل هذه الأشياء أبدًا.. فكيف أقنعتها سهيلة.
عدد الصفحات ٢٦٧- 169 - نقلت بصري بين سهيلة وبين أمي، وبحركة تلقائية جذبت سهيلة من ذراعها وأغلقت الباب في وجه أمي، وفي عقلي تخيلت صورة أمي، والدخان يخرج من أذنيها، ولكن في هذه اللحظة كان غضبها آخر شيء أفكر فيه . لأن بداخل الغرفة أصبح هناك اثنان سهيلة. سهيلة بشحمها ولحمها وقلقها.. وسهيلة أخرى تتعذب خلف المرآة. فياله من وضع مقيت.
عدد الصفحات ٢٦٨- 171 - - الذي حضر- الوضع المخيف لم يتغير قط، فقط أصبح هناك لغز حقيقي أجج الصراع بداخل عقلي. من هي سهيلة الحقيقية ومن هي الزائفة ؟! أهي التي تقبع خلف المرآة تتوسل، أم تلك الزهرة التي فقدت كل عبيرها ونضارتها والتي تشاركني غرفة نومي . الاثنتان تحملان نفس الملامح، ونفس القلق ونفس الإجهاد ولا يبدو أن أيًا منهما تستمتع بوقتها هذه الأيام. إن لعبة الأبواب المغلقة تغيرت قواعدها تمامًا، الأبواب الآن شفافة وما خلفها معلوم إلى حد ما.. فقط علي أن أختار. بين موت وموت. لابد أن البعض منكم الآن متعجب، ويتساءل كيف أواجه كل هذا الضغط العصبي والأحداث فوق الطبيعية، بهذا الكم المريب من البرود. ولهم أقول: - لا تتعجبوا إنها طبيعتي .. فبرودي وهدوء أعصابي .. هو ميزة اكتسبتها عبر الجينات.. ورسختها سنوات من الروتين والملل والقهر.. وهاهي الميزة تبرز قدرة هائلة مني على التكيف، ومواجهة أصعب المواقف. بعض الأصدقاء وفي محيط العائلة يطلقون علي لوح الثلج، لأن انفعالي دائمًا يكون بعد فوات الأوان أو لا يكون أبدًا.
عدد الصفحات ٢٦٩- 170 - معظمنا تعرض لحادث سيارة أو أكثر في حياته ولكن كم منكم من خرج من السيارة المهشمة ليوقف سيارة أخرى دون النظر لباقي الضحايا أو لطبيعة ما حدث. متوجهًا صوب عمله وكأن شيئًا لم يكن. الصدمة عندي تأتي متأخرة جدًا. لذا فعند غضبي.. لا أنصح أيًا منكم أن يعترض طريقي. لأنني لا أكون أنا.. بل شيطانًا فقد كل ما يمت للبشرية بصلة. أجلست سهيلة على المقعد الوحيد الموجود في الغرفة، ثم أخذنا نتبادل النظرات. قبل أن تنهمر دموعها وينطلق لسانها في الحديث دون توقف. سهيلة رأت الموت بعينيها.. الموت القريب.. القريب جدًا والذي كان يطل من فوهة المسدس الباردة التي حملها زياد. سهيلة لم تعد مستمتعة بما يحدث ولا بكونها وسيطة.. سهيلة خائفة وتبغي الحماية.. سهيلة تموت من منظر سهيلة الأخرى التي تحاول اقتناصها عبر المرآة. سهلية تمنحني خريطة ساذجة يبدو أنها رسمتها بنفسها . تقود نحو مقبرة ما.. وتخبرني أن هناك يكمن جزءًا من حل اللغز. وأن أمجد من ساعدها في رسمها في إحدى رؤاها المشئومة.
عدد الصفحات ٢٧٠- 171 - وأثناء انشغالي بتفحص الخريطة البدائية، قامت سهيلة بأكبرحماقة ممكن أن تقوم بها من في مثل موقفها. لقد لمست سطح المرآة بطرف أناملها.. وفي لحظة واحدة وقعت الكارثة الكبرى. أصابتها تشنجات عنيفة، وكأنها لمست سلك كهرباء عالي الفولت . مع كمية هائلة من الزبد أخذت تتساقط من فمها، صاحبتها كمية هائلة من الصرخات جعلت كل جيرا ننا بقلب شقتنا في لمح البصر. وقبل أن أستوعب ما يحدث.. انتصبت سهيلة على قدميها واقفة وانقلبت عيناها بشكل مخيف.. وتحشرج صوتها في قوة.. وقبل أن تقفز من النافذة قالت كلمتها المخيفة : - أنت التالي. جمدتني الصدمة في مكاني للحظات، بعد أن رأيت كيف استولت شياطين المرآة على جسد سهيلة، وكيف تحو ل شكلها، وانقلبت عيناها، فصارت حمراء متوهجة.. قبل أن أندفع صوب النافذة متوقعًا أن أرى جسدها النحيل متوسدًا الأرض مهشمًا غارقًا في الدماء.. ولكن ما رأيته كان مخيفًا أكثر. فالشارع كان خاليًا من أي جثث، ولا أثر لسهيلة.. لقد م ست واستحوذت عليها الشياطين. وفي لحظة غضب عاتية.. حملت المقعد وهشمت المرآة.. غير عالم أن ما قمت به كان خطأً فادحًا.. لأنني قطعت الصلة التي تربط الشيطانة بعالمها. أو الكيان كما تحب أن تطلق عليه سهيلة . سهيلة أصبحت هي الكيان. ****
عدد الصفحات ٢٧١- 171 - "الشيخ ريحان قتل". ومن قتلته فتاة تحمل كل مواصفات سهيلة، إن الشيطانة تصر على استكمال اللعنة وإغلاق كافة الطرق في وجهي مهما تكلف الأمر . إنها لم تعد تحفل بسرية الأمر ولا عقباته، لذا لم يعد هناك إلا الطريق الآخر المرسوم عبر الخريطة. السؤال هنا : هل أذهب الآن أم أنتظر للصباح.. إن الزيارة الليلية للمقابر شيء غير مريح.. بل هو مخيف لو صدقتكم الرأي.. فقط هو الوقت الذي يجبرني على المخاطرة. الآن أنا وحدي.. وربما أنا الأخير.. سهيلة استحوذت عليها شيطانة .. وأصدقائي قد فارقوا الحياة أو في طريقهم.. والموت متربص بي .. والحل يكمن بقلب مقبرة مجهولة .. لا أعرف كيف سأحمل الجرأة على نبشها، وصدري يؤلمني من أثر الحرق، وأمي غاضبة مني.. أي أن الموت هو أجمل الخيارات المتاحة . ****
عدد الصفحات ٢٧٢- 171 - قبل خروجي من المنزل، عرجت على المطبخ وحصلت منه على سكين حادة واريتها بين طيات ثيابي بالإضافة لكشاف يتم شحنه يدويًا.. وبعض الشموع ونسخة مصغرة من القرآن الكريم . وطوال الطريق لم أتوقف لحظة عن ترديد الأدعية. وعلى مشارف تلك المقابر توقفت. لم تكن تلك المقابر من نوع المقابر الخالية من البشر، بل هي ذلك النوع الحديث الذي تحول إلى سكن يقطنه عشرات الأسر، لا يمكن أن أخترق هذه الحشود دون أن يلاحظوني أو يستوقفوني. راجعت الخريطة عدة مرات وأنا أجلس متواريًا خلف شاهد قبر متهدم، وأصوات لهو الأطفال يصل إلى أذني ويشعرني ببعض الونس. هناك طريق خلفي يمكن أن أسلكه لكي أصل للمقبرة المنشودة، ولكن ما العمل لو وجدتها مسكونة بالبشر هي الأخرى.. ماذا سأفعل وقتها ؟ عبرت من خلف سور المقابر إلى حيث الظلام وأكوام القمامة المتخلفة عن قاطنيها، الرائحة قاتلة.. ولكني استخدمت منديلي وبخطوات سريعة عبرت المنطقة المحتوية على القمامة، ثم سلكت طريقًا بين بعض الأطلال المتهدمة وفي النهاية دخلت إلى المقابر من الجهة الخلفية، وفي مساحة خالية تمامًا وجدت المقبرة، ولا يوجد أثر لكائن حي بالقرب منها.
عدد الصفحات ٢٧٣- 175 - يبدو أنهم عانوا عندما حاولوا سكناها، وفي النهاية تركوها . الآن أقترب من باب المقبرة، والذي يبدو أنه ف تح منذ وقت قريب.. لن أعاني إذن في فتحه، آثار الأتربة من حوله توضح ذلك. أرفع القطعة الرخام التي تسد المدخل وأنظر نحو الظلام ودرجات السلم الهابطة المتآكلة، قدماي لا تطاوعاني على الهبوط، ولكني أضغط على نفسي وأهبط.. فكرة الكشاف ذاتي الشحن سخيفة لأني سأستمر في الضغط المستمر عليه ليظل مضاءً . أهبط الدرجات المتآكلة في تردد ورائحة الموت تصفع أنفي .. الظلام دامس والتوتر يجعل جسدي يرتجف كذيل عقرب تم قطعه .. أغمض عيني ثم أترك المصباح لأشعل لفافة تبغ.. أعيد الضغط على المصباح ثم أواصل الهبوط. رائحة التبغ تطرد من أنفي رائحة الموت والجثث المتحللة إلى حد ما. أتجاهل تلك الأجساد الملفوفة في أكفانها والمرصوصة بجوار الجدران، وأتوجه صوب الجدار الذي توضحه الخريطة. حمدت الله على كون المكان خال ، فلن أضطر لتحريك رفات أي جثة من موضعها.. أشعلت بعض الشموع بعد أن يئست من المصباح ذاتي
عدد الصفحات ٢٧٤