- 101 - الدماء التي تجري في عروقي أصبحت كالحبر، وأكثر ثقلاًوقتامه من تلك الدماء التي تسيل على الحائط أمامي والتي توقفت عن محاولة إزالتها منذ زمن.. يا للسخرية، حتى شياطين الشيخ ياسين تقوم بعملها بكل ضمير ومستمرة في إثارة ذعري. إن شياطين الشيخ ياسين لا تمزح، فقلبي يكاد يتوقف من الرعب بالفعل، فالحائط ذو الطلاء الباهت، يبدو كجرح مفتوح يلطخ من حولي كل شيء بالدماء، مصحوبًا بتلك الخربشات الحادة التي تأتي من خلف الجدران، ولا شيء ينجح في إزالة هذه الدماء أو يمحو آثارها. شعر جسدي يقف من الرعب، ما هذه الأصوات المخيفة، إنني أكره الفئران وصوتها الباعث على القشعريرة. ألهذه الأصوات علاقة بالفئران حقًا، أم هي صوت مخالب الجني المكلف بعقابي ؟! إنها أصوات مزعجة، وتثير جنوني.. ولكن الوقت مازال أمامي. لا شيء سيحدث قبل ثلاثة أيام. فلتصرخ الفئران ولتغمر الدماء العالم كله . مازال أمامي ثلاثة أيام كاملة .
عدد الصفحات ٢١١- 101 - الصراخ يرتفع، والخمشات تتزايد، والدماء تتلوى كثعابين مفترسة، وبعد لحظات كانت روحي قد بلغت حلقي عندما بدأت الدماء تمارس لع بتها الأثيرة، وتتحول لكلمات. - أنت القادم. الدماء تشكل الجملة على الحائط فتتجمد الدماء في عروقي. - أنت القادم. أعرف أعرف. لا داع لتذكيري في كل لحظة. - أنت القادم. الأصوات المزعجة خلف الجدران لا تتوقف.. أستخدم جهاز التحكم عن بعد لأشعل التلفزيون الملون ذو الأربعة عشر بوصة، الصوت الصادر منه سيمنحني بعض الونس وسيشوش على تلك الأصوات المزعجة التي تؤذي أذني عبر الحائط. لماذا لا أغادر الغرفة ؟! الجواب معروف مسبقًا، لأني مهما غادرتها عائد إليها ولمصيري، ولا فائدة من نقل اللعنة لمكان آخر.
عدد الصفحات ٢١٢- 101 - قناة الإم بي سي، تعرض أفلام رعب مخيفة. إنه الاثنين. ليلة الرعب كما يطلقون عليها .. الأفلام تبدو تافهة جدًا أمام الواقع الأسود الذي أحياه الآن.. إن القاتل ذو المنشار يمزق الضحية، هل تكون هذه نهايتي ؟! المنشار المسنن يخترق أحشا ء الضحية عبر مقعد السيارة من الخلف، ممزقًا في طريقه عمودها الفقري. ثم ينتهي الفيلم. إذن الشر ينتصر في النهاية !! **** اليوم الثاني. لا نية لي للقيام بشيء .. إن روحي نفسها مجمدة .. وأعصابي لم تعد تستجيب لشيء.. ألاعيب الدماء على الحائط أصبحت سخيفة حتى إني التقطت لها عدة صور بهاتفي المحمول. لو أردتم مطالعتها، يمكنكم طلبها من أخي بعد موتي.. لست باردًا، ولكني اعتبرت نفسي ميتًا منذ عجزت عن تحقيق حلم واحد من أحلامي.
عدد الصفحات ٢١٣- 105 - شاب في مثل عمري مازال يأخذ مصروفه من أمه.. الحياء يمنعني من طلب النقود من أبي، يكفيه ما يقاسيه ط وال اليوم من أجل توفير لقمة العيش والدواء لي ولأخوتي. غرفتي أصبحت معبقة برائحة التبغ المحترق، لابد أن رئتاي قد اكتسيتا باللون الأسود، إن خمس علب في اليوم انتقام وليست تدخينًا. بعد موتي ستفاجأ أمي بكل علب السجائر التي طلبتها من البقال على الحساب. إنه الدين الأخير.. وتسديده لن يمثل لي مشكلة وقتها. سهيلة تواصل رجمي بالأخبار السيئة والنصائح، وأنا معتكف في غرفتي لا أقوم بأي رد فعل يوحي بوجود كائن حي بالداخل . ربما لو ظهر حل ما لنفضت الكسل عن جسدي وقاتلت.. ربما.. لقد رفضت أن أتواصل مع الجميع، فقط تلك الحرباء سهيلة هي الوحيدة التي أجيب اتصالاتها لعلها تخبرني في لحظة ما، أن كل شيء قد انتهى . وأنني حر. لم أعد أستجيب لأي اتصال يأتي من أي شخص من أفراد شلتي، فما الفائدة من تبادل كؤوس اليأس والقنوط ؟ كل شيء ثابت منذ ساعات كلوحة في قبو مهجور، لولا أدخنة التبغ لتحو ل المكان لقبر مغلق. التغير الوحيد الذي يتم في الغرفة غير سحب الدخان التي صارت كالضباب، هو حركة الدماء التي لا تتوقف، فها هي الدماء تسيل طامسة لجملة أنت القادم، لتتجمع في بؤرة واحدة.
عدد الصفحات ٢١٤- 106 - هناك شيء جديد سيحدث . بل هو يحدث الآن، فالكلمات تتشكل من جديد. ليست الجملة المعتادة المبتذلة، إنها جملة جديدة ومفهومة، جملة تشكل طوق النجاة. الحل يأتي إلي عبر الدماء. هناك قوة ما تؤازرني، وتطالبني بالتحرك السريع . إنها اللحظة الموعودة . والمهلة ثلاث ساعات. هل استجاب الله لدعائي ؟! أم هي ألعاب الشياطين التي لا تنتهي. ارتديت ملابسي على عجل، ووضعت بجيبي المطواة الحادة التي لم تعد تفارقني بعد أحداث الانفلات الأمني الكبير. نظرة أخيرة للحائط كي أتأكد من عدم كوني واهمًا. أردد العبارة بصوت عال لتلتصق بذاكرتي، إنها عقدي الجديد مع الشيطان. " ا قتل الوسيطة تنجو". لا يوجد أبسط من هذا.. !!
عدد الصفحات ٢١٥- 107 - - جريمة قتل- كي تقتل لابد أن تكون بارد الأعصاب.. تضع خطة جيدة.. تختار الوقت المناسب والسلاح المناسب. ثم تترك توترك خلفك وكل معتقداتك. إنك ستقوم بالجريمة التي يهون أمامها هدم الكعبة، ولكنك منذ زمن لم تعد تتعلق بهذه المبادئ والمعتقدات. أنت شخص نكرة، حجر من تلك الأحجار التي يدهسها حذاء الوقت، فلو تم محوك من المجرى الزمني لن تتسبب في تغير يذكر . وبرغم كل مساوئك وتفاهتك، فأنت تتمسك بهذه الحياة، وتنتظر مارد المصباح الذي سيحقق لك كل أمنياتك . اليوم ظهر لك مارد المصباح في هيئة دماء تنبثق من قلب الحائط، ومنحك الحل السحري، ولكنه يطلب منك أن تقوم بالفعل الإنساني الوحيد الذي تمقته.. أن تعمل. وهذه المرة ستنفض الكسل، ستستعيد حماس المغامرات العاطفية، الشيء الوحيد الذي يجبرك على ترك رداء كسلك في منزلك . تنتهي من ارتداء ملابسك الداكنة، حتى تستطيع الاختفاء والامتزاج بالظلام. فجرائم القتل لا تتم إلا في الظلام.
عدد الصفحات ٢١٦- 108 - كل القتلة يعرفون هذه القاعدة البسيطة وأنا لن أختلف عنهم.. والشمس قد ماتت منذ ساعات. هل أقوم بحلاقة ذقني ؟! لا داعي للمبالغة ولا لإضاعة الوقت. تبقى المشكلة الأخيرة. السلاح. المطواة التي معي برغم كفاءتها وإجادتي لاستخدامها، إلا أنها أداة غير عملية فهي تحتاج لالتحام مباشر مع الهدف، والهستريا قد تجعلني لا أتم مهمتي، وقد أتركها في مسرح الجريمة، فتقوده م إلي . لذا فإن المسدس هو السلاح المناسب للمهمة. التدريب. لا داعي للقلق من ناحيته لأن فترة التجنيد كانت كفيلة بإجادتي للأمر . إذا فالحل عند شحتة. **** لا يوجد شيء في هذا العالم يمكن أخذه كشيء مسلم به .
عدد الصفحات ٢١٧- 109 - وهذه المقولة تنطبق على شحتة وبشدة. فشحتة هو الشخص الوحيد الذي يجب تواجده في كل شلة .. كتلة العضلات المتحركة التي تثير الرعب وتجلب الاحترام. ولأن الظواهر تخدع، فدعوني أحدثكم قليلاً عن شحتة. شحتة طيب القلب، لا يغرنكم هيئته المخيفة، ربما هو سريع الانفعال وهذا مايجعله يبدوا شريرًا، كما أن ملامحه الغليظة تستجلب النفور له . ولكنه برغم كل شيء يتمتع بقلب رقيق يختلف عن هيئته تمامًا. لقد تجاهلت اتصالاته طوال اليومين الماضيين، ولكني أعرف أن مجرد ذهابي له سيمحوا كل جفوة .. يؤمن شحتة بكل الخرافات الموجودة في الدنيا، وإن كان لا يخشى أي كائن حي له وجود وكيان مادي . يخشى أشباح الأماكن المهجورة، وينفر من الكلاب والقطط السوداء، يرتدي خرزة زرقاء وكف ذهبي على صدره اتقاءً للحسد، ولا بأس من إطلاق والدته للبخور في المنزل. صباح كل جمعة مع حرق عروس ورقية تأخذ معها شر العيون. شحتة هو أحد أعمدة الشلة فهو من يوفر لنا المزاج، ورشاد من كان يدفع معظم الوقت ونحن كنا نساهم على فترات بعيدة . إن شحتة هو هدفي الآن. شحتة هو من سيوفر لي السلاح الذي أحتاجه. ****
عدد الصفحات ٢١٨- 111 - - اليوم الثلاثاء. وأنا لا أعمل يوم الثلاثاء.. إنه يوم نحس. كانت هذه هي إجابة شحتة على طلبي، ولكني ألحيت عليه وذكرته بالخطر الذي يحيط بي وبه، وكيف أن هذا السلاح مجرد حماية، وخدمة من أخ لأخيه. - الثلاثاء شؤم .. وأنصحك ألا تقوم فيه بأي عمل كي لا ينقلب إلى العكس، ثم لا أحد يقاتل الجن والعفاريت بالسلاح. قالها ثم تلفت حوله بحثًا عن خطر وهمي. ساعة وعشر دقائق أ هدرت منذ خطت الدماء جملتها الأخيرة، الوقت لن يكفي لهذه المهاترات .. خبطت بقوة فوق المنضدة التي تفصل بيننا في ذلك المقهى الذي جمعنا .. لتسقط الأكواب مهشمة ساكبة كل سوائلها الملتهبة فوق أحذيتنا، ثم نعته بالنذالة والجبن، وكان هذا يفوق تحمله . لكمة هائلة كادت تفتك بفكي . ألم أخبركم من قبل بعصبيته الشديدة ؟ ساعة ونصف تبخرت، حتى انتهت المشادة وتصافينا، وإمعانًا في التصافي ذهب معي إلى صديق آخر قام بالمهمة ومنحني السلاح على سبيل الإعارة. فمن أين لي بثمنه ؟!
عدد الصفحات ٢١٩- 110 - وقبل أن أغادر نصحني ألا أتهور وأثق في السلاح، لأن هذه الأشياء لا تؤثر بها ما يؤثر في البشر . وأنه كان يتمنى خدمتي، ولكن الجن لا يتأثر باللكمات. غادرته ثم انطلقت بعدها لأقابل سهيلة التي حدثتها من تليفون عمومي، وحددت معها الموعد. فأنا لست بهذا القدر من الغباء الذي يجعلني أكون آخر رقم يتصل بها قبل مقتلها. آخر مبلغ معي من المال أنفقته على سيارة الأجرة. التي أقلتني إلى المقطم، وجلست بعدها لأحصي الدقائق المتبقية على حضور سهيلة. إن المقطم هو المكان المناسب لما أرغب في فعله، إنني جاهز تمامًا. النية انعقدت، والمسدس المصنوع يدويا ممتلئ بالطلقات، وهذه المن طقة التي اخترتها مهجورة إلى حد ما. كنت أتمنى الحصول على سلاح بكاتم للصوت لا ضجيج له، ولكن من لا يملك النقود، لا يعتد بأمنياته. دقائق ثم ظهر الكشافان الساطعان.. ثم توقفت السيارة الأجرة على مقربة من المكان، وترجلت منها سهيلة وعلى وجهها تبدو ملامح القلق، لأتوارى أنا خلف تل كبير من القمامة كريه الرائحة والتي ينبعث منه الدخان الأسود الناتج عن الاحتراق..
عدد الصفحات ٢٢٠- 111 - السيارة الأجرة لم تنصرف.. تلك الخبيثة.. أصوب المسدس إلى صدرها بإحكام .. لابد أن تصيب الرصاصة الأولى الهدف، فقد لا يكون هناك مجال لرصاصة أخرى، بعدها سأعدو من هذا الطريق المختصر الذي يقود صوب الطريق الرئيسي وبعدها ليكن ما يكون. المسدس يهتز في يدي.. قلبي لا يطاوعني.. ما ذنب سهيلة حتى تستحق هذا المصير ؟ إنها تقترب وهي تتلفت حولها. المكان الخالي من البشر يثير ريبتها، ولكنها تتقدم صوبي رغم ذلك. أصابعي متجمدة على الزناد. الدخان الناتج من أسوأ طريقة للتخلص من القمامة يتراقص أمام عيني ، ويتحول إلى عد تنازلي يبدأ من الرقم مائة.. تسعة وتسعون. ثمانية وتسعون. .... سبعون.. سهيلة تقترب أكثر، لو خطت سهيلة خطوة أخرى لرأتني..
عدد الصفحات ٢٢١- 111 - دموعي تهطل من الضغط العصبي والنفسي. سهيلة رأتني ورأت المسدس المشرع في يدي والموجه لجسدها . تلاقت أعيننا للحظات..كهرباء الرعب تسري في جسدها. عينا سهيلة تتسع في ذهول ويبدو على وجهها آثار الصدمة. سهيلة فهمت ما هي مقبلة عليه.. إنها تتقهقر في خطوات مرتبكة. تهز رأسها غير مصدقة. الوقت يمر وفرصتي تتضاءل. العد التنازلي وصل للرقم خمسة. خمسة.. أربعة.. ثلاثة.. اثنان.. أدير المسدس لرأسي.. صرخة عاتية من سهيلة . تل القمامة يشتعل.. لا.................... ****
عدد الصفحات ٢٢٢- 111 - سهيلة تندفع نحو سيارة الأجرة، والتي لا يبدو أن سائقها قد سمع الصرخة أو رأى ما حدث مع كاسيت السيارة المرتفع . تدخل إلى المقعد الخلفي.. تضع وجهها بين كفيها لتنهمك في وصلة بكاء حار، والسائق ينظر نحوها عبر مرآة السيارة في تعجب، فلم ير ذلك الوجه المخيف الذي صنعه الدخان فوق تل القمامة.. إن بلفيجور لا يمزح حتمًا. وبسلاسة عجيبة خط الدخان ج ملة سرعان ما تلاشت في الهواء بعد انصراف السائق : - الخامس يتلاشى في اليوم الثالث.
عدد الصفحات ٢٢٣- 115 - 15 اللعنة الخامسة - الحسد عر فها دانتي : حب الشخص الطبيعي لنفسه تحو ل لعاطفة آثمة تتمنى زوال الخير عن الآ خرين.. مرتبطة بالشيطان ليفياثان Leviathan شيطان البحار.. واللون الأخضر.. أنا الحسد.. ولدت من منظف مداخن وبائعة محار.. أنا لا أعرف القراءة.. لذلك أتمنى لو تحترق الكتب جميعه ا.. إن رؤية النا س يأكلون تصيبني بالهزال.. آه لو تحل مجاعةً على العالم بأجمعه .. فيموت الناس كلهم وأعيش و حدي.. عندها سوف ترى كيف أ صبح بدينة .. لكن هل يجب أن تجلس أنت وأنا أقف ؟ هيا للانتقام..
عدد الصفحات ٢٢٤- 116 -
عدد الصفحات ٢٢٥- 117 - - العين الشريرة- يقول شحتة : كنت أتمنى لو أن هناك وسيلة مادية، لمقاومة الحسد والعيون الحارة، والتي تكفي نظرة واحدة منها لإلحاق الأذى والضرر لمن يقع في نطاق مداها القاتل. جدتي تخبرني أن اليهود في وقت الإحصاء السكاني كانو ا يدفعون شيكل عن كل فرد من أفراد الأسرة، بديلاً عن كتابة أسمائهم كي لا يصاب أحدهم بالحسد خاصة لو كان تعداد الأسرة كبيرًا، لقد أخبرتها صديقة جورجيت وهي عجوز كانت تقطن حارة اليهود وغادرتها قبل سنوات بعيدة عندما كانت جدتي في شرخ الشباب، وكان اليهود أصحاب ديانة فقط ولم يتحولوا لذلك الإخطبوط المتعصب المسمى الصهيونية . صديقتها أخبرتها أيضً ا أنه من الشائع أن يبصق اليونانيون باتجاه شخص يطري عليهم خوفً ا من الحسد. وأحيانً ا يتكرر البصق عدد مرات بشكل مقزز ! وهي وسيلة لا يمكن أن تنجح في مصر ذات الدماء الحارة، فالبصق قد يمنع الحسد، ولكنه لن يمنع من تبصق عليه من تهشيم وجهك وتحويله إلى عجة. وتخبرني أيضًا أن ارتباط الحسد بالجفاف معروف منذ زمن الأجداد. فالعين الشريرة تصيب الضحية بالجفاف، الذي يتبعه كل شيء سيء من مرض
عدد الصفحات ٢٢٦