المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية العزيف عمر المنوفي

غير معروف

صفحة ١٥ من ٢٦

- 118 - وموت وخلافه، والحسد لا يقتصر على البشر فقط، بل يمتد للحيوانات والنباتات. الأسماك فقط هي المحصنة لأن الماء يغمرها. وكانت تخبر النساء اللائي على وشك الوضع أن يرتدين التمائم الزرقاء و(الخمسة وخميسة ) وهي قلادة على شكل كف بها عين كبيرة في المنتصف وهي عين الإله حورس الفرعوني، وأيضًا (الماشاء الله) وهي قلادة من ذهب أو فضة كتب عليها بالعربية ما شاء الله لتخطف بصر الحاسد فيتم اتقاء شره. هذا غير إطلاق البخور الجاوي، وصنع العروسة الورقية، وثقبها بإبرة حادة كل ثقب يمثل اسم لحادث متوقع. كانت جدتي رحمها الله تنهر ني بشدة لو اكتشفت أني لا أرتدي ثيابي الداخلية بالمقلوب، أو أن الحجاب المعلق في صدري غير موجود، إنني منذ صغري وأنا معرض للحسد، فقد ولدت ووزني أربعة ونصف كيلو جرام، وعيناي الخضراوان التي حصلت عليها من خالي عبر الجينات كانتا مسارًا آخر للحسد. نهمي للرضاعة والذي أجبر أمي على إطعامي مبكرًا جدًا كان سبيلاً آخر للحسد. كما كانت جدتي تحرص على عدم ارتدائي لأي ملابس جديدة أو ملفتة وهي من أطلقت علي اسم شحتة، كي تقيني من العين.

عدد الصفحات ٢٢٧

- 119 - أخشى العيون.. وخاصة العيون الزرقاء، لأنها عيون غير أصيلة، أتت عبر البحار، ومن نسل الأجانب، وهذه العيون شرها مستطير ولا يمكن مقاومته. في السابق كنت أزور الشيخ ياسين مع جدتي، طلبًا للبركة، ولأن جدتي كانت تشعر في بعض الأوقات بأن روح جدي قلقلة وغير مستريحة، فكانت تأتي للشيخ ياسين لتطلب منه النصح والإرشاد. وذات مرة طلبت تحضير روحه، ولكن الشيخ ياسين نهرها، وأخبرها أن الروح القلقة لا يجب إزعاجها أكثر، وقال لها إن هناك روحًا نجسة تسكن القبر الذي د فن فيه جدي، إما أن ت نقل عظام الجد لمدفن آخر أو تن قل الجثة النجسة من هذا القبر. لم يكن الأمر بالسهولة المتوقعة، وهذه لعنة المقابر المشتركة، أنت لا تنتهك مقبرة عائلتك فقط، بل مقبرة عائلة أخرى، وهذه الأمور لا تفاهم فيها، فعائلتنا لم تواري أحدًا التراب منذ زمن، فالجثة المقصودة تخص العائلة الأخرى، وبالتالي لا يمكنك أن تمس جثة لا تخصك، ناهيك عن حرمة الميت والقبر. لا أعرف ماذا فعلت جدتي في هذه المعضلة تفصيلاً ! فكل تحركاتها اتسمت بالسرية والغموض، ولكنها عادت ذات مساء ووجها مبتسم، وساطع من الفرحة وأخبرتني أن روح جدي لابد وأنها استراحت أخيرًا.

عدد الصفحات ٢٢٨

- 111 - لا أعرف التفاصيل الكاملة لنبش القبر ولا أي الجثتين ن قلتا خارج القبر ولا مصير الجثة المنقولة. والعجيب أن ما فعلته جدتي، جعل الكوابيس تنقطع عنها وتوقف جدي عن إزعاجها في المنام، وصار نومها أكثر هدوءًا، وإن لم تتوقف عن زيارة الشيخ ياسين تمامًا. هذه الزيارات المتكررة للشيخ ياسين، كانت سببًا لأعرف الشيخ ياسي ن وكراماته، وأ صبح من مريديه طلبًا للبركة وعدم زوال القوة، خاصة وأن جسدي الضخم، مسار لحسد الجميع. **** عندما أ صيب أخي الصغير بالمس، وأصبح يصاب بحالات صرعية عنيفة، لا يتوقف فيها جسده عن الارتجاف وفمه عن إفراغ الزبد، ومع الصراخ والألم الشنيع الذي كان يجعل وجهه يتقلص وكأنه في النزع الأخير، لم أجد يومها إلا الشيخ ياسين لينجدني، صحيح أنه طلب مبلغًا فادحًا لأن الجن الذي مس أخي من قبيلة الجن الأزرق، وسيحتاج لمجهود مضاعف وأنواع معينة من البخور والزيوت والعقاقير، إلا أني لم أفكر مرتين، فالجن الذي مس أخي قادر أيضًا على مسي، وهذا ما لن أقبله أو أتحمله أيضًا. جلسات العلاج امتدت لخمس جلسات كاملة، حضرت الأولى ولكني لم أتحمل أن أحضر التاليات.

عدد الصفحات ٢٢٩

- 110 - إن مشهد انقلاب عين أخي وتحولها للون الأحمر، وتساقط الزبد من بين شفتيه، مع ذلك الصوت الغليظ القادم من أعماق الجحيم الذي كان يجيب به على تساؤلات الشيخ ياسين، وسط البخور الكثيف، ومع حركة الموجودات من حولي، كاد أن يوقف قلبي، إن هذا ليس مضماري، العالم الذي تفصله عنا الطلاسم والتعاويذ هو عالم لا يمكن أن أطرق أبوابه، أنا لا أخشى الموت ولكني أخشاهم، أخشى سكان هذا العالم الذين يتعايشون على عظام الموتى وروث الحيوانات. بعد شفاء أخي التام، ذهبت للشيخ ياسين لأشكره ولأمنحه الدفعة الأخيرة من المبلغ، وفي هذا اليوم قابلت أمجد. شيء ما كان يدفعني للتقرب منه برغم سنه الصغير، إنه مغرور، ومشاكس وعنيف ولا يأبه بكبر أو صغر من أمامه، لهذا راق لي، أو هكذا خيل لي وقتها، فلحظات التعارف والتقارب بيننا مشوشة في ذاكرتي. تعرفت على أمجد وعلى نجيب في لقاء واحد، ثم عرفنا نجيب على خليل وخليل على رشاد وأمجد عرفنا على أمين، وأمين على زياد. شلة غريبة متباينة، لا تعرف ما الذي يجمعهم حقًا للوهلة الأولى، لو كنا أقارب لغ فر لنا فارق السن وتباين الثقافات، ولكن يبدو أن الموت هو من جمعنا، خطايانا هي التي لضمتنا في خيط واحد.

عدد الصفحات ٢٣٠

- 111 - ربما جمعتنا في وقت لاحق جلسات المزاج وتدخين الحشيش . ولكن البداية كانت مريبة، لقد كانت هناك قوى جهنمية تعدنا لنصبح مخلب القط الذي سيقضي على الشيخ ياسين، ثم تستعملنا في وقت لاحق كقرابين بشرية، لذلك وفي وقت قياسي ارتبطنا جميعًا، ولا أعرف كيف تحول أمجد الصغير لقائد للشلة، يحركنا كما يريد . لم تكن عيون أمجد زرقاء ولكنها كانت مخيفة ككل شيء يخصه، شيء ما بداخلها كان يجبرك على عدم إطالة النظر إليها وطاعتها . عندما قرر أمجد اقتحام غرفة الشيخ ياسين، كنت من أشد المعارضين له، وحاولت التملص بأكثر من طريقة، ولكنه استعمل سحره، فقط طلب لقائي وعندما نظرت لعينيه لم أستطع المقاومة. إن عينيه شريرتان.

عدد الصفحات ٢٣١

- 111 - - قلب حاقد- شيء ما شرير يسكن عين أمجد ويجبرني على طاعته، أنا الذي أقدس الشيخ ياسين أكثر من أبي، أنا الذي أعتبر منزله منطقه محرمة، أنا الذي أرتدي ثيابي الداخلية مقلوبة إتقاءً للحسد والعين، مطلوب مني اقتحام عرين الشيخ ياسين. الشيخ ياسين الذي استحضر الجن أمامي، وحاوره، ثم هزمه وأخرجه من جسد أخي. فلتحترق سماح وليحترق أمجد ولتحترق الصداقة. لو أنني كنت أكثر حزمًا وصرامة، وأنا أواجه أمجد الذي يماثل أخي الصغير في العمر، لما تورطت في هذا المستنقع الشائك. لا أعرف كيف اقترفت هذه الجريمة الشنعاء، لا أعرف كيف طاوعت أمجد لحظتها، فقط كان هناك شعور طاغ يبث حولنا ويسيطر على عقولنا بأن ما نقوم به مقدس، ربما كان نوعًا من السحر، بل هو السحر ذاته. لم يكن أمجد ساحرًا ولكنه كان ممسوسًا، لقد استغلته تلك الشيطانة التي تجسدت له في شكل سماح، والتي أحمد الله أنه هو الوحيد الذي كان قادرًا على رؤيتها. في النهاية وقعت الكارثة، واحترق منزل الشيخ ياسين، والشيخ ياسين نفسه كما علمت في وقت لاحق، ثم بدأ الانتقام.

عدد الصفحات ٢٣٢

- 111 - الجميع يختفون .. يتلاشون.. وسهيلة تلك المخبولة التي اقتحمت حياتنا دون استئذان، تخبرني أنهم في مكان ما أحياء ولكنهم ي عذبون. سهيلة هذه نذير شؤم هي الأخرى. لا أعرف كيف ظهرت في حياتنا فجأة هكذا، إنها مريبة بما يكف ي لأبتعد عنها، لا يمكن لفتاة عادية أن تقوم بما تقوم به سهيلة بهذه الأريحية. زياد نفسه قبل أن يختفي حاول أن يقتلها، هي أخبرتني بذلك وهي تصرخ لأنها تعتبرني شريكًا معه في الجريمة لأني منحته السلاح الذي حاول قتلها به. تقول إن أمجد يرى كل شيء، وهو من أخبرها عن زياد وعن السلاح، وهو من أخبرها بالمصيبة التالية. أنا القادم : - فالخامس يتلاشى في اليوم الثالث. هكذا أخبرتني وهي تتمنى لي كل شر، إنها شؤم شؤم . لو كانت جدتي حية للجأت إليها، إن لديها الخبرة ولديها المعرفة، ولو لم تكن تعرف الحل لكانت ستعرف من يعرف الحل، ولكني الآن وحيد، لو أخبرت أحدًا من معارفي أو من يتعاملون معي لسخروا من ذلك الثور الذي له عقل العصافير. كل الناس تخشى ما أخشاه بدرجات متفاوتة، ولكنهم ينكرون .

عدد الصفحات ٢٣٣

- 115 - لم يتبق أمامي إلا أمين وسهيلة، رسام خجول وفتاة شؤم، أين يمكن أن أعثر على من يساعدني. هل ألجأ لشيخ المسجد ليحصنني من العيون ؟! هل أسافر إلى بلد بها بحر وأقضي الأيام الثلاثة على ظهر مركب ؟ ! لا أعرف حقًا كيف ستأتي النهاية، هل يجب أن أعترف أنا الآخر بخطيئتي؟! هل يفيد الاعتراف بعد أن صدر الحكم . بالطبع لا شيء سيتغير، وسيمضي نهر الحياة جارفًا ما تبقى لي من ساعات معه. إن خطيئتي هي الحسد. لماذا هذا الذهول. نعم الحسد ماذا توقعتم إذن ؟! ربما أنا لا أملك تلك العين الحارة التي تصيب من تراه بالأذى، ولكني أملك القلب الذي يكره ويحقد ويحسد. لن أخفي عليكم تفاصيل القصة، فإخفاء الأمر لم يعد يجدي، إنني قاتل ويداي غا رقتان في الدماء، لا تتعجبوا وتتسع عيونكم، ألا تعلمون أن الحسد قاتل. هذا ما يعرفه كل من يحيطون بي أو يتعاملون معي، ولا يفصحون عنه، إنها قواعد العالم الذي نعمل به، لا أحد في عالم تجارة المخدرات يشي بالآخر، كما أن القتل يجلب المزيد من الاحترام .

عدد الصفحات ٢٣٤

- 116 - أنا لست أحدأباطرة هذا العالم، أو معلميه ولكني أدير الدولاب الرئيسي للمعلم (حسونة العترة )، وأ عتبر أحد أياديه اليمنى، فاليد اليمنى للمقربين وموزعي الصنف، أما اليسرى فهي اليد الباطشة، اليد المختصة بالعقاب، إنها اليد التي تحمل الموت، وأنا لم أكن أنوي أن أنتمي لجماعة الي د اليسرى، فأنا أوزع المخدرات ولا أقوم بعمليات القتل ولكن الحقد يعمي والحسد يفتح هويس الدماء. من يدير الدولاب يعرف أسرار العمل بالكامل وبالتالي سيصير في يوم ما معلمًا يشار له بالبيان، وله صبيانه وأتباعه، وكي تحافظ على مكانتك في هذا العالم، يجب أن تكون قاسيً ا، وغليظًا، أكثر من كونك قويًا، ولكن قلبي لم يكن بالصلابة المطلوبة مما جعل نجم (سماحة الدوجري) يعلوا ويظهر عند المعلم (حسونة العترة). وسماحة الدوجري كان صعيديًا، وسيمًا، غليظ القلب، يعامل الجميع بصلف وتجبر وكأنه يثأر من الدنيا كلها، انتقامًا على مغادرته بلدته هاربًا من الثأر. كنت أكره ملامحه الوسيمة، وعوده الصلب المتوتر، ونشاطه الزائد، لقد حضر إلى هذا المكان وفي نيته أن يصير معلمًا وأن يسحق كل من يقف في طريقه. إن لديه نظرة، تجبر الجميع على احترامه والخوف منه.

عدد الصفحات ٢٣٥

- 117 - إنه يملك ما لا أملك وما يؤهله لأن يستولي على إدارة الدولاب في وقت قياسي، وهذا ما كاد يتم بالفعل . فخلال شهر واحد من التحاقه بخدمة المعلم حسونة أزاحني من فوق عرشي، ورويدًا رويدًا أصبحت الأعمال التي كان يكلفني بها المعلم تنتقل إليه، إنه أكثر قسوة وغلظة كما أنه لا يتشاءم من العمل يوم الثلاثاء. في عالمنا من يرتفع درجة لا يجب أن ينزل عنها، لأن نزوله لن يكون نزولاً سهلاً . بل سقوطًا.. انهيارًا كاملاً . لو أزاحك فلن تنال الاحترام يومًا. لا أعرف اللحظة التي قررت فيها إزاحته من طريقي، ربما عندما أهانني أمام صبياني، ولم يتحرك المعلم حسونة دفاعًا عني. كيف يكره القلب ؟! كيف يتحول في لحظة واحدة ويستحيل حاقدًا وأسود. لا أعرف. كان من الممكن أن أتخلص منه وأقتله برصاصة أو بطعنة ليخلوا لي الجو وأنول الاحترام من جديد، ولكني كنت أنوي أن أجعل منه عبرة كي لا يجرؤ أحد على تكرارها، ولي شفى غليلي يجب عليه أن يتألم حتى يتمنى الموت بنفسه.

عدد الصفحات ٢٣٦

- 118 - يجب أن ينال عقاب الخائن. المعلم حسونة لا يرحم من يخونه، ولا يتردد مرتين في الفتك به، ولديه طريقة طريفة لمعاقبة الخائن. الجير الحي. طريقة بشعة للموت خاصة عندما يسكب الماء على الجسد العاري، ثم يرش بمسحوق الجير الحي. آلام بشعة تفوق آلام الاحتراق.. عذاب مخيف لم يقم به إلا النازيون. إنه عقاب أسطوري رهيب، لذا لا يجرؤ أحد على خيانة المعلم حسونة. لقد كان (سماحة الدوجري) أقسى مني وأمهر مني في كل ما أسند إليه، كان التلميذ النابغة، الذي فاق جميع التلاميذ الآخرين. لقد أشعل بداخلي شعلة الحقد المقدس، وحو ل الحسد قلبي لمضغة سوداء تفوح بالعطن . إنه يختلف عني في كل شيء، وسيم، ذكي، له سرعة الغزال وخبث الثعلب.. إنه الحظ السيء حين يقابلك .. إنه ما تمنيت أن تكونه ولم تستطع. ساعدني أمين شرطة فاسد في أحباك خطتي، وفي إحدى العمليات الكبرى، هجم رجال الشرطة وقبضوا على نصف رجال المعلم حسونة وأصيب المعلم

عدد الصفحات ٢٣٧

- 119 - حسونة نفسه برصاصة في كتفه، مما جعله بركانًا ثائرًا على وشك الانفجار وإحراق كل شيء. المصادفات التي جمعت أمين الشرطة وسماحة كانت مريبة، وتم رصدها عن طريق عيون الم علم، وجاءت الصفقة لتؤكد الشائعات، هناك عصفورة تنقل الأخبار. ليلتها عقد المعلم المحاكمة على الملأ، وحضرها كل رجاله وأنا أولهم بالطبع . لم أكن قد رأيت تنفيذ هذا العقاب من قبل، وربما معظم من حضر اليوم. كنا جميعًا نسمع به.. نخشاه.. نتقي شره. ولكن اليوم كان ا ليوم الموعود. في البداية قام المعلم حسونة بشرح سبب التجمع، والذي لم يكن يخفى على أحد. صرخ سماحة، أنكر وأقسم، وترجى، وطلب الرحمة، ولكن الغضب المستعر بقلب المعلم حسونة كان يجب أن يلتهم بعض الضحايا . ثم أصدر حكمه. لقد نجحت خطتي تمامًا. فتم تجريد سماحه من ثيابه، إن هذا الوغد يمتلك جسدًا متناسقًا مكتمل العضلات، لابد أن النساء تهيم به حبًا. ثم تم تقييده من يديه وقدميه وإلقاء الجير الحي فوق جسده العاري، ثم سكب عطوة مساعدي سطلاً من الماء فوق الجسد

عدد الصفحات ٢٣٨

- 111 - والجير الحي. وارتفعت سحابه هائلة من الغبار الأبيض القاتل، غمرت ك ل شيء ثم سمعنا الصراخ. أي جزء من جسده ذاب أولاً . هل ظل يصرخ لألف عام. هل كان يستحق العقاب ؟ ! لا أعرف.. المهم أنني في النهاية لم أشعر بالراحة المرجوة، وظل شبحه يطاردني في المنام، ليل نهار، حتى أنقذني منه الحجاب الذي منحه لي الشيخ ياسين. لقد اعتقدت أن جريمتي الكاملة قد تمت، وذاب كل أثر لها بقلب الجير الحي . ولكن الخطايا لا تمحى كما يبدو ولا تمر دون عقاب . وهاهو الذنب يطاردني، ويطلب القصاص. لم أكن أكره سماحة لأنه تفوق علي، بل كنت أحسده لأنه يمتلك كل ما ينقصني، الحسد تحول إلى حقد ثم إلى جريمة بشعة. أنا أستحق العقاب، إن حبل المشنقة لن يثير في جسدي أكثر من الرجفة التي تسببها رياح أمشير الباردة. أنا مستعد تمامًا للعقاب، ولكن فليعاقبني بشري مثلي، لا مخلوقًا قادمًا من أعماق الجحيم.

عدد الصفحات ٢٣٩

- 110 - - كلب أسود- يبدو أن الأيام الثلاثة المتبقية لي في هذه الحياة لن تمر على خير، فتلك الشياطين التي أغضبناها بمقتل الشيخ ياسين لا تبدو أنها ستتركني لأموت في صمت ودون عذاب كاف . والدليل على هذا، هو ذلك الكلب الأسود المخيف الذي يتبعني في كل مكان . لا باب يصده ولا حائط يمنعه، أنا لا أحب الكلاب، وخاصة السوداء منها، لأنها دائمًا ما تكون شياطين متجسدة في هيئة كلاب كما أخبرتني جدتي. والكلب الذي لا تلامس قوائمه الأرض والذي يتلاشى الزبد المتساقط من شدقيه في العدم هو كلب غير طبيعي . بل هو شيطان ..جن متحول، إن أعصابي على وشك الانهيار، فهذه الأجواء تدمر روحي. إن هذا الكلب المخيف، يظهر لي في كل مكان، لا أحد غيري يراه، ولكن الكلاب الأخرى تشعر بوجوده، فتضع ذيلها بين فخذيها وتنطلق مبتعدة وهي تعوي. وأنا لا يمكن أن ألازم غرفتي كما فعل زياد، إنني لست ملك نفسي مثله، إن ورائي مسئولية كبيرة ودو لابًا أشرف عليه، ومع سفر المعلم حسونة لأداء العمرة لابد أن أتابع كل دولايب العمل الأخرى، وأ حص ل الإيراد وأسلمه له عند عودته.

عدد الصفحات ٢٤٠

- 111 - كم أنت مسكين يا شحتة حتى والموت متربص بك، لا تستطيع الهرب من مسئولياتك تجاه المعلم حسونة. فالجير الحي لن يرأف بمأساتك، والتهاون في العمل يفوق الخيانة عند المعلم حسونة. **** قبل الفجر انتهيت من آخر أعمالي وانتهى معي يوم كامل، سلاحي لا يفارقني، ورجالي حولي، وانطلقت أخترق الشوارع القريبة من المنزل، وأنا أحمد الله أن ذلك الكلب لم يظهر بعد. الموكب يتحرك ببطء شديد، مع ضيق الشارع وأعمال الحفر التي جعلته أشبه بالفخاخ. أصرخ في عطوة مساعدي : - لتعرف في الصباح من المسئول عن هذه الأعمال وتجبره على إنهائها. إنني متوتر وأحتاج لإفراغ توتري .. الكل يتوقع أنني سأقوم بانقلاب على المعلم حسونة، فمنذ متى وأنا أتحرك بهذا الموكب . وأنا لا أجرؤ أن أخبرهم بحقيقة ذلك الكلب الجهنمي. ولا بحقيقة خوفي.. فالمعلم لا يجب أن يخاف وإلا فقد احترام الجميع. اخترقنا الشارع المظلم، ومن بعدنا كل الأبواب والنوافذ تغلق . لا أحد يجرؤ على تتبع الموكب، فالكل يتوقع الشر . والشر كان متربصًا في كل ركن.

عدد الصفحات ٢٤١

- 111 - كل شيء كان يسير جيدًا حتى ظهرت الكلاب. هذه المرة لم يأتِ الكلب وحده، لقد أحضر معه قطيعًا آخر من الكلاب التي تشبهه تمامًا. يبدو أنها الليلة الموعودة. الكلاب تقطع الطريق بشكل هرمي، كلب يليه كلبان يليه ثلاثة وهكذا. حتى نهاية الشارع والضياء . العيون مشتعلة وتضوي بقلب الظلام. أنظر لمن حولي فلا أشاهد إلا الظلام، أين ذهب رجالي ؟ ! أصرخ وحيدًا بقلب الظلام والكلاب تتقدم وأنيابها الحادة تستولي على كياني، ونظراتها الخرساء تجمدني في مكاني. وفي لحظة واحدة هجمت الكلاب. أغمضت عيني في قوة، لقد طفح الكيل، لن أستطيع التحمل أكثر، وبجسد مرتجف وأقدام مرتعشة انتظرت شعوري بالمخالب وهي تنغرس في لحمي والأنياب وهي تمزقه. الكلاب تقترب بسرعة مخيفة.. أقدامها لا تلامس الأرض.. عيونها تشتعل كالجحيم، تقترب مني فتسحب معها كل لمحة من الضياء، الظلام يطبق على روحي ونباح الكلاب يصير مدويًا كالأجراس.

عدد الصفحات ٢٤٢