المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تأصيل الموازنات بين الأحكام المتعارضة من خلال السنة النبوية

محمد سيد شحاته

صفحة ٢ من ٣

(16) فقد أعطى الرسول  المشركين كل ما سألوه من الشروط وتساهل معهم في أمور ظنها الصحابة شيئاً كبيراً حتَّ استبد بِم الضيق ، ولكن الرسول كان أبعد نظراً من الصحابة فقد كان صلح الحديبية فتحاً كبيراً للإسلَم والمسلمين حيث سادت اله دنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضاً، مما أتاح للناس أن يلتقوا ويناقشوا ولم يكلم أحد عن الإسلَم وعقل شيئاً منه إلَ دخل فيه ولذلك فقد دخل في الإسلَم - بين صلح الحديبية وفتح مكة - مثل من كان في الإسلَم قبل ذلك أو أكثر كما أن هذا الصلح ق د أوجد هدنة جعلت المسلمين يأمنوا شر قريش ، فتهيأت لهم بذلك الفرصة إلى أن يخلصوا الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي الذي كان يتمثل في حصون خيبر القوية التي تُدد طريق الشام ، ففتحها المسلمون وغنموا منها غنائم ضخمة وبذلك انتهى ما بقي من خطر لليهود بعد أن سبق قبل ذلك التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة · كما أن صلح الحديبية قد جعل قريشاً تعترف بالنبي والإسلَم وقوتُما وكيانهما وأن الن والمسلمين أنداد لها ، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن كما قوي المسلمون في عيون القبائل وبادر المخلفون من الأعراب إلى الَعتذار وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتاً وشأنهم ضآلة ، وصار العرب يفدون على النبي  من أنَاء قاصية وتفرغ المسلمون لنشر الدعوة الإسلَمية في الجزيرة العربية وخارجها ، فأرسلوا الدعاة والسفراء إلى الأمراء والرؤساء والملوك يدعوهم بدعوة الإسلَم وقويت شوكة المسلمين واستطاع ال نبي  وصحبه بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحوها ، وكان في ذلك النهاية الحاسمة إذ جاء نصر الل والفتح ، ودخل الناس في دين الل أفواجاً، وبذلك فقد كان صلح الحديبية -كما سماه القرآن- فتحاً مبيناً قال تعالى:إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ، ليغفر الل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً ، وينصرك الل نصراً عزيزاً (سورة الفتح : 1 :3)(1)· كما قال الزهري رحمه الل عن صلح الحديبية : " فما فتح في الإسلَم فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وآم ن الناس 1) بسط ابن كثير فوائد صلح الحديبية فمن شاء فليراجعها في تفسير ابن كثير / دار طيبة - (ج 7 / ص 325)، وانظر: شرح النووي على مسلم - (ج 12 / ص135 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨

(17) بعضهم بعضاً ، والتقوا ، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد بالإسلَم يعقل شيئاً إلَ دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلَم قبل ذلك أو أكثر "(1.) فهذه بعض الأمور الي جاءت فيها مصلحتان فقدم مصلحة راجحة لأي سبب على مصلحة مرجو حة. الفصل الثاني : الموازنة بين المفاسد المتعارضة. كما رأينا في الفصل السابق أن هناك مصالح متعارضة، فسنرى إن شاء الل في هناك مفاسد متعارضة، فيأخذ بأقل مفسدة إذا كان لَ بد من الأخذ بأحدهما ، أما إن لم يكن مضطراً إلى أحدهما فلَ شك أن ترك المفسدتين أولى، ولك ن هنا أبين ما إذا كان لَ بد من الأخذ بأحدهما . و المفاسد أقسام: (أحدها) ما هو مفسدة خالصة لَ يتعلق بِا مصلحة سابقة ولَ لَحقة ولَ مقترنة، فلَ تكون إلَ منهياً عنها، إما حظراً، وإما كراهة. (القسم الثاني) ما هو مفسدة راجحة على مصلحة أو مصالح وهي منهية. (القسم الثالث) ما هو مفسدة مساوية لمصلحة أو مصالح، فإن أمكن درء المفسدة وجلب المصلحة أو المصالح قلنا بذلك وتركنا المفسدة وأثبتنا المصلحة أو المصالح. وإن تعذر الجلب والدرء ففيه نظر. ( القسم الرابع) ما هو مفسدة مساوية لمفسدة أو مفاسد فإن أمكن درء الجميع درأناه 1) سيرة ابن هشام3/322 . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٩

(18) وإن تعذر تخيرنا ومهما تمحص ت المفاسد درأنا الأرذل فالأرذل والأقبح فالأقبح"( 1.) ونظراً لصعوبة الترجيح بين المفاسد المتعارضة سطر لنا كذلك علماء القواعد والفقه قواعد فقهية تساعد على الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارض، يحفظها الفقيه ليفتي بِا ويحفظها غيره ليتزن على وفقها، ومن أمثال هذه القواعد: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح - تفوت أدنى المصلحتين لحفظ أعلَهما - المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف - الضرر لَ يزال بمثله - يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام- الضرورات تبيح المحظو رات - الضرورات تقدر بقدرها - إلى غير ذلك من القواعد التي وضعها الفقهاء(2.) وقد وردت في الموازنة بين المفاسد المتعارضة إذا اضطر إلى إحداها، عدد من الأحاديث منها: عَنْ أَبيِ هُرَيـْرَةَ  قَالَ: قَامَ أَعْرَابيٌِّ فـَبَالَ فيِ الْمَسْجِدِ فـَتـَنَاوَلَهُ النَّاسُ فـَقَالَ لهَُمْ النَّبيُِّ  دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بـَوْلِهِ سَجْلًَ مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ فَإِنمََّا بُعِثـْتُمْ مُيَس ِرِينَ وَلمَْ تـُبـْ عَثُوا مُعَس ِرِينَ)( 3.) هذا الحديث قد تضمن موازنة بين مفسدت - مفسدة بول الأعرابي في المسجد . - و مفسدة ترويع الأعرابي الذي قد يؤدي إلى نفوره عن الدين . وبما أن مفسدة ترويع الأعرابي أكبر من مفسدة بوله فقد درأت المفسدة الكبرى بما هو 1) قواعد الَحكام في مصالح الَنام ص 56 . 2) ينظر: الموافقات- (ج 3 / ص190)، غاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص126 .) (3) أخرجه: البخاري -كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد - 1/ 89 ح217)، وانظر1/89 (216)و5/2270ح5777.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٠

(19) أدنى منها ، لذلك فقد نهى الن أصحابه عن زجر الأعرابي اتقاء ودرءاً لمفسدة الترويع · لم ينكر الن  على الصحابة ولم يقل لهم لم نهيتم الأعرابي بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال ايسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك ايسرهما( 1.) فالمفسدة هنا محققة لَ محالة لَ سيما وقد بال الأعرابي في المسجد، فبقي طريقة دفع هذه المفسدة بأحد أمرين أمر فيه ترويع، وأم ر فيه تأليف، فاختار ما فيه تأليف على ما فيه ترويع، ذلك أن المصلحة هنا له خاصة، وتعليم للأمة من بعده. فالنبي  نظر في عواقب الأمور وأن الأمر يدور بين احتمالين إما أن يمُنع الرجل وإما أن يُترك . وأنه لو مُنع فإما أن ينقطع البول فعلَ فيحصل على الرجل ضرر من اح تباس بوله وإما أن لَ ينقطع ويتحرك خوفا منهم فيزداد انتشار النجاسة في المسجد أو على جسد الرجل وثيابه فرأى النبي  بثاقب نظره أن ترك الرجل يبول هو أدنى المفسدتين وأهون الشرين خصوصا وأن الرجل قد شرع في المفسدة والنجاسة يمكن تداركها بالتطهير ولذلك قال لأصحابه : دعوه لَ تُزرموه أي لَ تحبسوه . فأمرهم بالكف لأجل المصلحة الراجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما . ففي الحديث مفسدتان ومصلحتان : فالمفسدة الأولى : مفسدة تلويث المسجد بِذا الأذى والقذر . والثانية : مفسدة تنفيره عن الإسلَم وإيغار صدره على من اعتدى عليه وتلويث مواضع من المسجد ، ولَشك أن المفسدة الثانية أشد من المفسدة الأولى فروعيت المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى ، فقال : ( دعوه ) أي لَ بأس أن يرتكب هذه المفسدة ، ولَ تضربوه حتَّ لَ يقع في المفسدة الكبرى . وأما المصلحتان : فالأولى : مصلحة صيانة المساجد من البول والأذى ، وهي الصغرى ، ومصلحة تأليفه على الإسلَم ، بل ومصلحة المحافظة على نفسه من تأذيه باحتباس البول ، بل ومصلحة عدم انتشار البول في أكثر من بقعة في المسجد بسبب هروبه منهم ، فهذه المصالح روعيت جميعها بتفويت المصلحة 1) فتح الباري - ابن حجر - دار المعرفة - (ج 1 / ص324 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢١

(20) الصغرى التي هي صيانة المسجد من الأذى والقذر في هذه البقعة فقط ؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أصغرهما . والل أعلم( 1.) ومنها حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ قـَيْسٍ أَنَّ أَباَ عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبـَتَّةَ وَهُوَ غَائِب فَأَرْسَلَ إِلَيـْ هَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فـَقَالَ وَالِلَِّّ مَا لَكِ عَلَيـْنَا مِنْ شَىْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُولَ الِلَِّّ - صلى الل عليه وسلم- فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فـَقَالَ «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نـَفَقَة »فَأَمَرَهَا أَنْ تـَعْتَدَّ فِِ بـَيْتِ أُم ِ شَرِيكٍ ثمَُّ قَالَ «تِلْكَ امْرَأَة يـَغْشَاهَا أَصْحَابِِ اعْتَد ِى عِنْدَ ابْنِ أُم ِ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُل أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينىِ »قَالَتْ فـَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِِ سُفْيَانَ وَأَباَ جَهْ مٍ خَطَبَانىِ. فـَقَالَ رَسُولُ الِلَِّّ -صلى الل عليه وسلم- «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلََ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوك لََ مَالَ لَهُ انْكِحِى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ »فَكَرِهْتُهُ ثمَُّ قَالَ« انْكِحِى أُسَامَةَ »فـَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ الِلَُّّ فِيهِ خَيرًْا وَاغْتـَبَطْتُ بِهِ(2.) وفي هذا جواز ذكره بما فيه للنصيحة 3 )وهذا من باب الغيبة لَنطباق تعريف الغيبة عليها ، لكن جاز ذلك مع أن فيه مفسدة درءاً للمفسدة الأشد وهي تورط الناس بمن لَ يصلح لهم خلقًا ودينًا، فروعيت هذه المفسدة بارتكاب أدنى المفسدتين( 4.) وعلى ذلك قس بقية ما قال فيه العلماء إنه من الغيبة الجائزة، والل أعلم ومنها : أن النبي  نهى أصحابه عن كثرة سؤاله ففي الصحيحين من حديث أَبِِ هُرَيـْرَةَ قَالَ خَطَبـَنَا رَسُولُ الِلَِّّ  فـَقَالَ«أَيـُّهَا النَّاسُ قَدْ فـَرَضَ ا لِلَُّّ عَلَيْكُمُ الحَْجَّ فَحُجُّوا »فـَقَالَ رَجُل أَكُلَّ عَامٍ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ فَسَكَتَ حَتََّّ قَالهََا ثَلََثاً فـَقَالَ رَسُولُ الِلَِّّ  «لَوْ قـُلْتُ نـَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ - ثمَُّ قَالَ - ذَرُونىِ مَا تـَرَكْتُكُمْ فَإِنمََّا هَلَكَ مَنْ كَانَ قـَبـْلَكُمْ بِكَثـْرَةِ سُؤَالهِِمْ 1) تلقيح الَفهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 3 / ص15 .) 2) أخرجه: مسلم -كتاب الطلَق - باب المطلقة ثلَثا لَ نفقة لها (ج 2 / ص 1114 ) ح1480 .) 3) شرح النووي على مسلم - (ج 10 / ص98 .) 4) تلقيح الَفهام العلية بشرح القواعد الفق هية - (ج 3 / ص15 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٢

(21) َا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نهََيـْتُكُمْ عَ وَاخْتِلََفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذ نْ شَىْءٍ فَدَعُوهُ »(1). مع أن سؤاله عن بعض الأشياء فيه مصلحة لهم ، لكن أيضًا مصلحة إبقاء الذمة بريئة من التكاليف أكبر ، ذلك لأنهم لو أكثروا السؤال لشدد الل عليهم بكثرة التكاليف ، فقال لهم : ( ذروني ما تركتكم ) ففوت المصلحة الصغرى التي هي زيادة علمهم لتتحقق المصلحة الكبرى وهي بقاء ذمتهم بريئة من التكاليف ؛ لأنه إذا تعارض مصلحتان ر وعي أكبرهما بتفويت أصغرهما ، والل أعلم . بل قد يبين للعاصي مضار المعصية والمفسدة المؤدية إليها فينزجر ويعود إلى رشده وتوب. و عَنْ أَبيِ أُمَ امَةَ ، قَالَ : إِنَّ فَتًَّ شَاباا أَتَى النَّبيَِّ  فـَقَالَ : ياَ رَسُولَ الِلَِّّ ، ائْذَنْ ليِ باِلز ِناَ ، فَأَقـْ بَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ ، فـَزَجَرُوهُ ، قَالُوا : مَهْ مَهْ ، فـَقَالَ : " ادْنُهْ " ، فَدَناَ مِنْهُ قَرِيبًا ، قَالَ : فَجَلَسَ ، قَالَ : " أَتحُِبُّهُ لأُِم ِكَ ؟ " ، قَالَ : لََ وَالِلَِّّ ، جَعَلَنيِ الِلَُّّ فِدَاءَكَ ، قَالَ : " وَلََ النَّا سُ يحُِبُّ ونَهُ لأُِمَّهَاتُِِمْ " ، قَالَ : " أَفـَتُحِبُّهُ لَِبـْنَتِكَ ؟ " ، قَالَ : لََ وَالِلَِّّ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ ، جَعَلَنيِ الِلَُّّ فِدَاءَكَ ، قَالَ : " وَلََ النَّاسُ يحُِبُّونَهُ لِبـَنَاتُِِمْ ، قَالَ : أَفـَتُحِبُّهُ لأُِخْتِكَ ؟ " ، قَالَ : لََ وَالِلَِّّ ، جَعَلَنيِ الِلَُّّ فِدَاءَكَ ، قَالَ : " وَلََ النَّاسُ يحُِبُّونَهُ لأَِخَوَاتُِِمْ ، قَال : أَفـَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ " ، قَالَ : لََ وَالِلَِّّ ، جَعَلَنيِ الِلَُّّ فِدَاءَكَ ، قَالَ : " وَلََ النَّاسُ يحُِبُّونَهُ لِعَمَّاتُِِمْ ، قَالَ : أَفـَتُحِبُّ هُ لخَِالَتِكَ ؟ " ، قَالَ : لََ وَالِلَِّّ ، جَعَلَنيِ الِلَُّّ فِدَاءَكَ ، قَالَ : " وَلََ النَّاسُ يحُِبُّونَهُ لخَِالََتُِِمْ ، قَالَ : فـَوَضَ عَ يَدَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنـْبَهُ ، وَطَه ِرْ قـَلْبَهُ ، وَحَص ِنْ فـَرْجَهُ " ، فـَلَ مْ يَكُنْ بـَعْدُ ذَلِكَ الْفَتََّ يـَلْتَفِتُ إِلىَ شَيْءٍ ( 2.) 1) أخرجه: البخاري -كتاب الَعتصام بالكتاب والسنة - باب الَقتداء بسنن رسول الل صلى الل عليه و سلم (ج 6 / ص2658) ح6858)، ومسلم-كتاب الحج - باب فرض الحج مرة في العمر (ج 2 / ص975) ح1337 .) (2) أخرجه: الإمام أحمد في مسنده ج 5/ ص256 ح22265) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، والطبراني في مسند الشاميين - (ج 2 / ص139) ح1066)، ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٣

(22) فأمر الن بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي  هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم  لأمته كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولَ سب ٍ ولَ إيذاء ولَ تشديد، وقد كان لهذا الَستئلَف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الشاب وغيره. عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًَ دَخَلَ يـَوْمَ الجُْمُعَ ةِ مِنْ باَبٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبرَِ وَرَسُولُ الِلَِّّ  قَائِم يخَْطُبُ فَاسْتـَقْبَلَ رَسُولَ الِلَِّّ  قَائِمًا فـَقَالَ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانـْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الِلََّّ يُغِيثـُنَا قَالَ فـَرَفَعَ رَسُولُ الِلَِّّ  يَدَيْهِ فـَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ أَنَسُ وَلََ وَالِلَِّّ مَا نـَرَى فيِ السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلََ قـَزَعَةً وَلََ شَيـْئًا وَمَا بـَيـْ نـَنَا وَبَينَْ سَلْعٍ مِنْ بـَيْتٍ وَلََ دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَة مِثْلُ الترُّْسِ فـَلَمَّا تـَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انـْتَشَرَتْ ثمَُّ أَمْطَرَتْ قَالَ وَالِلَِّّ مَا رَأَيـْنَا الشَّمْسَ سِتاا ثمَُّ دَخَلَ رَجُل مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فيِ الجُْ مُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ الِلَِّّ  قَائِم يخَْطُبُ فَاسْتـَقْبـَلَ هُ قَائِمًا فـَقَالَ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ هَلَكَتْ الأَْمْوَالُ وَانـْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الِلََّّ يمُْسِكْهَا قَالَ فـَرَفَعَ رَسُولُ الِلَِّّ  يَدَيْهِ ثمَُّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيـْنَا وَلََ عَلَيـْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآْكَامِ وَالجِْبَالِ وَالآْجَ امِ وَالظ ِرَابِ وَالأَْوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانـْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نمَْشِي فيِ الشَّمْسِ قَالَ شَرِيك :فَسَألْتُ أَنَسًا: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَْوَّلُ قَال:َ لََ أَدْرِي (1). فكأنه  ما منعههذا الرجل من الكلَم أثناء خطبة الإمام لأن الضرر هنا خاص، ومثله يتحمل لدفع الضرر العام وكأن مراد هذا القائل دفع الضرر العام ، فعفا عنه في تحمله الضرر الخاص لأجله والل تعالى أعلم(2). وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد . محقق - (ج 1 / ص155 .) 1) أخرجه: البخاري كتاب الَستسقاء بابُ الَسْتِسْقَاءِ في المَسْجِدِ الجَامِعِ (ج 1 / ص 343 ) ح967 .) 2) حاشية السندى على صحيح البخارى - (ج 1 / ص162 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٤

(23) وفي أحيان أخرى ك ان يدفع المفسدة بالموعظة الحسنة. فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَْكَمِ السُّلَمِي ِ قَالَ: بـَيـْنَا أَناَ أُ صَل ِي مَعَ رَسُولِ الِلَِّّ  إِذْ عَطَسَ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ فـَقُلْتُ: يـَرْحمَُكَ الِلَُّّ فـَرَمَانيِ الْقَوْمُ بأَِبْصَارِهِمْ فـَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُم ِيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تـَنْظُرُونَ إِليََّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَِيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فـَ لَمَّا رَأَيـْتـُهُمْ يُصَم ِتُونَنيِ لَكِني ِ سَكَتُّ فـَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الِلَِّّ  فَبِأَبيِ هُوَ وَأُم ِي مَا رَأَيْتُ مُعَل ِمًا قـَبـْلَهُ وَلَ بـَعْدَهُ أَحْسَنَ تـَعْلِيمًا مِنْهُ فـَوَالِلَِّّ مَا كَهَرَنيِ (قهرني) وَلَ ضَرَبَنيِ وَلَ شَتَمَنيِ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَةَ لَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْء مِنْ كَلَمِ النَّاسِ إِنمََّا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ(1.) وجه الدلَلة: أن الن  دفع المفسدة هنا بدون قهر ولَ ضرب ولَ شتم، وإنما علمه ما يصلح للصلَة وما لَ يصلح. ومن الأمثلة التي أجيز فيها المحظور للحاجة النظر إلى العورات للمداواة ، ويباح النظر للوجه من أجل المعاملة والإشهاد والخطبة والتعليم ونَوها لحاجة الناس إلى التعرف على مواطن الداء وتشخيص المرض، ووصف العلَج المناسب ، أو للتعرف على المرأة المتعامل معها أو المشهود لها أو عليها أو المتعلمة أو المخطوبة ولكن بقدر الحاجة في ذلك · إن المفاسد تتفاوت من حيث رتبتها فأشدها خطراً المفاسد المتعلقة بأمر ضروري ، ثم يليها المفاسد المتعلقة بأمر حاجي ، ثم يليها المفاسد المتعلقة بأمر تحسيني ، فالمفسدة المتعلقة بأمر ضروري أكبر من المفسدة المت علقة بحاجي أو تحسيني ، والمتعلقة بأمر حاجي أكبر من المفسدة المتعلقة بأمر تحسيني · (1) أخرجه: مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلَة - باب تحريم الكلَم في الصلَة ونسخ ما كان من إباحة ج1 / ص381 ح537 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٥

(24) الفصلالثالث: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة. وهذا باب أخف من سابقيه إذ في السابق تتعارض مصلحتان أو مفسدتان، أما هنا فتعارض مصلحة مع مفسدة، ولَ شك أن الأخذ بالمصلحة أولى من الأخذ بما فيه مفسدة. "إن الل أمر بالصلَح، ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"(1) ،"والشر يعة مبناها على دفع الفسادين بالتزام أدناهما "(2 .) "ومن أصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما " (3.) "فيجب دفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما، إذ ذلك قاعدة مستقرة في الشريعة "(4 .) والموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة ورد عدد من الأحاديث النبوية: منها عَنْ أَبِِ هُرَيـْرَةَ قَالَ : خَطَبـَنَا رَسُولُ الِلَِّّ  فـَقَالَ: «أَيـُّهَا النَّاسُ قَدْ فـَرَضَ الِلَُّّ عَلَيْكُمُ الحَْجَّ فَحُجُّوا »فـَقَالَ رَجُل أَكُلَّ عَامٍ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ فَسَكَتَ حَتََّّ قَالهََا ثَلََثاً فـَقَالَ رَسُولُ الِلَِّّ  «لَوْ قـُلْتُ نـَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ - ثمَُّ قَالَ - ذَرُونىِ مَا تـَرَكْتُكُمْ فَإِنمََّا هَلَكَ مَنْ كَانَ قـَبـْلَكُمْ بِكَثـْرَةِ سُؤَالهِِمْ وَاخْتِلََفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نهََيـْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَدَعُوهُ »5.) وجه الدلَلة: أن النبي وازن بين مصلحة السؤال، والمفسدة التي قد تترتب على السؤال فقدم المصلحة على المفسدة. 1 ) "الفتاوى لَبن تيمية (31/266.) 2) "الَستقامةلَبن تيمية (1/33.) 3) "الفتاوىلَبن تيمية (20/538.) 4) "الفتاوىلَبن تيمية (29/485)، ينظر: مفهوم أهل السنة والجماعة- (ص 271 .) 5) أخرجه: مسلم - كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر (ج 2 / ص975) ح1337 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٦

(25) فهذا الحديث أصل في الموازنة بين المصالح والمفاسد فإن الشارع إذا نهى عن شيء فلَ بد من الَبتعاد عنه، وإذا أمر بشيء فالمسلم مطالب بأن يأتي بالقدر المستطاع حسب الوسع والطاقة. فقد جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتىن بتفويت أدناهما، وباحتمال أدني المفسدتين لدفع أعلَهما، فمتَّ لم يندفع الفساد الكبير عن هذه الأموال الموقوفة ومصارفها الشرعية إلَ بما ذكر من احتمال المفسدة القليلة كان ذلك هو الواجب شرعًا . و من ذلك ما أخرجه الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الِلَِّّ : أَنَّ رَسُولَ الِلَِّّ  خَرَجَ إِلىَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتََّّ بـَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ( 1) وَصَامَ الناسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الص ِيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يـَنْظُرُونَ فِيمَا فـَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بـَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ َعْضُهُمْ وَصَامَ بـَعْضُهُمْ فـَبـَلَغَهُ وَالنَّاسُ يـَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَفْطَرَ بـ أَنَّ ناَسًا صَامُوا فـَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ.(2.) وهنا أيضاً وازن بين المصلحة في الصيام، و الأثر المترتب على هذه المصلحة قد تترتب عليها مفسدة وهي هلَك الناس فأفطر في السفر الذي أبيح الفطر فيه. (1) بِضَم ِ الْكَافِ وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وهِيَ نـَعْف مِنْ حَرَّةِ ضَجَنَانَ ، تـَقَعُ جَنُوبَ عُسْفَانَ بِسِت ةَ عَشَرَ كَيْلًَ عَلَى الجَْادَّةِ إلىَ مَكَّةَ ، أَيْ عَلَى ( 64 ) كَيْلًَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ، وَتـُعْرَفُ الْيـَوْمَ بِبرَْقَاءِ الْغَمِيمِ ، ذَلِك أَنهََّا بـَرْقَاءُ فيِ تَكْوِينِهَا. وَالْبرَْقَاءُ وَالأَْبـْرَقُ وَالْبرُْقَةُ : مُرْتـَفَع تخَْتَلِطُ فِ يهِ الحِْجَارَةُ باِلرَّمْلِ . (المعالم الجغرافية الواردة في السيرة النبوية 1 388، معجم البلدان4/ 214.) 2)) أخرجه: الترمذي – كتاب الصوم باب ما جاء في كراهية الصوم في السفر ج 3/ص89 ح (710)، وقال: حسن صحيح . وَاخْتـَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فيِ الصَّوْمِ فيِ السَّفَرِ فـَرَأَى بـَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِ ِ  وَغَيرِْهِمْ أَنَّ الْفِطْرَ فيِ الس فَرِ أَفْضَلُ حَتََّّ رَأَى بـَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الإِْعَادَةَ إِذَا صَامَ فيِ السَّفَرِ وَاخْتَارَ أَحمَْدُ وَإِسْحَقُ الْفِطْرَ فيِ السَّفَرِ وقَالَ بـَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِ ِ  وَغَيرِْهِمْ إِنْ وَجَدَ قـُوَّةً فَصَامَ فَحَسَن وَهُ وَ أَفْضَلُ وَإِنْ أَفْطَرَ فَحَسَن . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٧

(26) ومنها أن الن قال مخاطباً عائشةقَالَ النَّبيُِّ  :ياَ عَائِشَةُ لَوْلََ قـَوْمُكِ حَدِيث عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيرِْ بِكُفْرٍ لَنـَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لهََا باَبَينِْ باَب يَدْخُلُ النَّاسُ، وَباَ ب يخَْرُجُونَ، فـَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيرِْ(1.) فهذا الحديث بين أن الن بعد أن فتح مكة وصارت دار إسلَم عزم على تغيير البيت وإعادة بنائه على قواعد إبراهيم ، ولَ شك أن هذه مصلحة غير أنه خشي من أن يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم من تلك المصلحة وهي عدم احتمال قريش لذلك التغيير ، نظراً لقرب عهدهم بالجاهلية ، حيث إنه قد يؤدي إلى ارتداد الداخلين منهم في الإ سلَم · يقول ابن حجر العسقلَني : "إن قريشاً كانت تعظم أمر الكعبة جداً فخشي أن يظنوا - لأجل قرب عهدهم بالإسلَم- أنه غير بناءها لينفرد عليهم بالفخر في ذلك ، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة (2)· نقلابن بطال عن المهلب قال: "فيه أنه قد يترك شيئً ا من الأمر بالمعروف إذا خشى منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلَفه واستبشاعه، وفيه: أن النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه فِ دين الل من غير الفرائض، بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها، قال أبو الزناد: إنما خشى أن تنكره قلوب الناس لقرب عهد هم بالكفر، ويظنون أنما يفعل ذلك لينفرد بالفخر دونهم. "(3.) قال النووي: "فيه أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدأ بالأهم، لأن النبي  أخبر أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم عليه السلَم مصلحة، ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً لما كانوا 1) أخرجه: البخاري في كتاب العلم، باب مَنْ ترك بعض الأخبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه 1/37 ح126)، ومسلم في كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها 2/968 ) ح1333 .) 2) فتح الباري - ابن حجر - دار المعر فة - (ج 1 / ص225 .) 3) شرح صحيح البخارى ـ لَبن بطال - (1 /205 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٨

(27) يرون تغييرها عظيماً فتركها الن ("1.) وفيه فكر ولي الأمر في مصالح رعيته، واجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا إلَ الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحد. وفيه تأليف قلوبِم وحسن حياطتهم وأن لَ ينفروا ولَ يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي( 2.) واعتبر كثير من العلماء هذا الحديث وغيره من أعمدة الموازنة بين المصالح، وأنه لَبد من تقييم قدرة فهم السمع للعلم والدليل خوفاً من الوقوع بما هو أشد لقصور فهمه عنه. ففي هذا الحديث مفسدتان ومصلحتان متعارضتان : فالمفسدة الأولى : ترك البيت على وضعه الراهن . والثانية : افتتان الناس بِدم البيت ،فارتكبت أدناهما وهي تركه على وضعه الراهن . وأما المصلحتان : فالأولى : بناء البيت على قواعد إبراهيم . والثانية : مصلحة عدم افتتان الناس عن الإسلَم وتأليفهم عليه إلى أن يقر الإيمان في قلوبِم ، ولَشك أن المصلحة الثانية هي الكبرى ، فلما تعارضتا روعي أكبرهما بتفويت أدناهما ، فترك البيت كما هو مراعاةً لمصلحة تأليف الناس على الإسلَم ، والل أعلم(3.) وقد كان الن  يخشى أن يمل أصحابه فيتخولهم بالموعظة بين وقت وآخر، لأن الَستمرار في التعليم يدخل الملل إلى النفوس، فتقل الفائدة، فقد كان يتعهدهم ويراعي الأوقات في وعظهم، ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولَ يفعله كل يوم لئلَ يسأم، لأن النفوس تسأم وتمل، فإذا ملت كلت وضعفت، وربما تكره الخير لكثرة من يقوم ويتكلم. و عَنِ ابْنِ مَسْعُ ودٍ قَالَ: كَانَ النَّبُِّ  يـَتَخَوَّلُنَا باِلْمَوْعِظَةِ فِِ الأَياَّمِ ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ 1) شرح النووي على مسلم - (9 /92 .) 2) عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (3 /416 .) 3) تلقيح الَفهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 3 / ص13 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٩

(28) عَلَيـْنَا1.) ترجم له البخاري بقوله: "باب ما كان الن  يتخولهم بالموعظة والعلم كي لَ ينفروا فترك مصلحة كثرة الوعظ والتعليم لدف ع مفسدة النفور والفتور والسآمة. و في غزوة بدر -في الأحداث التي سبقتها - أراد مشرك أن يلحق بجيش المسلمين، وطلب من النبي  الموافقة على قبوله معهم، والَشتراك فيما هم ذاهبون إليه فقال :كما في حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِ ِ  أَنهََّا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ الِلَِّّ  قِبَلَ بَدْرٍ فـَلَمَّا كَانَ بحَِرَّةِ الْوَبـَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُل قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَة وَنََْدَة فـَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ الِلَِّّ  حِينَ رَأَوْهُ فـَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ الِلَِّّ  جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ الِلَِّّ  «تـُؤْمِنُ باِلِلَِّّ وَرَسُولِهِ »قَالَ لََ قَالَ «فَارْجِعْ فـَلَنْ أَسْتَعِينَ بمُِشْرِكٍ »قَالَتْ ثمَُّ مَضَى حَتََّّ إِذَا كُنَّا باِلشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فـَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فـَقَالَ لَهُ النَّبُِّ  كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ «فَارْجِعْ فـَلَنْ أَسْتَعِينَ بمُِشْرِكٍ »قَالَ ثمَُّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ باِلْبـَيْدَاءِ فـَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تـُؤْمِنُ باِلِلَِّّ وَرَسُولِهِ »قَالَ نـَعَمْ. فـَقَالَ لَهُ رَسُولُ الِلَِّّ  «فَانْطَلِقْ»2). فقوله«ارجع فلن أستعين بمشرك »يبين أن القاعدة والأصل عدم الَستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الَستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة، أو رجحانها بِذه الَستعانة، وألَ يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلَمية، لَ متبوعًا، ومقودًا فيها لَ قائدًا لها، وألَ تكون هذه الَستعانة. مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الَستعانة وبمن يستعان به، فإذا تحققت هذه الشروط جازت الَستعانة على وجه الَستثناء، وإذا لم تتحقق لم تَز الَستعانة. وفي ضوء هذا الأصل رفض (1) أخرجه : البخاري كتاب العلم - باب ما كان النبي  يتخولهم بالموعظة والعلم كي لَ ينفروا 1/ 38 ح68 . 2) صحيح مسلم- كتاب الجهاد والسير- باب كراهة الَستعانة في الغزو بكافر (ج 3 / ص1449 ) ح1817 . ) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٠

(29) رسول  اشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش إذ لَ حاجة به أصلًَ، وفي ضوء الَستثناء وتحقق شروطه استعان النبي  بالمشرك عبد الل بن أريقط الذي استأجره النبي  وأبو بكر هجرتُما إلى المدينة؛ ليدلهما على الطريق إليها.. وهكذا على هذا الَستثناء وتحقق شروطه قبل  حماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه عليه الصلَة والسلَم من الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤ لَء الأذى عمن أجاروهم. و عن جَابِر  يـَقُولُ غَزَوْناَ مَعَ النَّبيِ ِ  وَقَدْ ثاَبَ مَعَهُ ناَس مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتََّّ كَثـُرُوا وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُل لَعَّاب فَكَسَعَ أَنْصَارِياا فـَغَضِبَ الأَْنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتََّّ تَدَ اعَوْا وَقَالَ الأَْنْصَارِيُّ ياَ لَلأَْنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ ياَ لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبيُِّ  فـَقَالَ مَا باَلُ دَعْوَى أَهْلِ الجَْاهِلِيَّةِ ثمَُّ قَالَ مَا شَأْنهُُمْ فَأُخْبرَِ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِي ِ الأَْنْصَارِيَّ قَالَ فـَقَ الَ النَّبيُِّ  دَعُوهَا فَإِنهََّا خَبِيثَة وَقَالَ عَبْدُ الِلَِّّ بْنُ أُبيَ ٍ بْن سَلُولَ أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيـْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِ لىَ الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَْعَزُّ مِنـْهَا الأَْذَلَّ فـَقَالَ عُمَرُ أَلََ نـَقْتُلُ ياَ رَسُولَ الِلَِّّ هَذَ ا الخَْبِيثَ لِعَبْدِ الِلَِّّ فـَقَالَ النَّبيُِّ  لََ يـَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يـَقْتُلُ أَصْحَابَهُ 1.) فهناتر ك  قتل المنافقين، مع أن في قتلهم مصلحة كبيرة، ثم علل ذلك بقوله " ح يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه". فهنا مفسدتان ومصلحتان : فالمفسدة الأولى : افتتان الناس عن الإسلَم ونفورهم منه . والثانية : الإبقاء على المنافقين وترك قتلهم مع أنهم يستحقون القتل لكفرهم في الباطن ، لكن المفسدة الأولى أشد وقعًا فروعيت بارتكاب المفسدة الصغرى ، دفعًا لكبرى المفسدتين 1) أخرجه: البخاري في مواضع منها كتاب المناقب باب مَا يـُنـْهَى مِنْ دَعْوَةِ الجَْاهِلِيَّةِ - (4 /183 ) ح3518)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما 4 /1998 ) ح2584.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣١

(30) بارتكاب أدناهما وأما المصلحتان : فالأولى : تأليف الناس على الإسلَم وهي المصلحة الكبرى . والثانية : إراحة الإسلَم والمسلمين من المنافقين ودفع شرهم وأذاهم بقتلهم وهي الصغرى فروعيت المصلحة الكبرى بتفويت المصلحة الصغرى ، والل أعلم( 1.) وقد كان يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة لأن اهتم ام الشارع بدفع المفسدة أشد من اهتمامه بجلب المصلحة والأساس الذي بنيت عليه هذه القاعدة حديث النـُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سمَِعْتُهُ يـَقُولُ سمَِعْتُ رَسُولَ الِلَِّّ  يـَقُولُ وَأَهْوَى النـُّعْمَانُ بإِِصْبـَعَيْهِ إِلىَ أُذُنـَيْهِ «إِن الحَْلََلَ بَين ِ وَإِنَّ الحَْرَامَ بَين ِ وَبـَيـْنـَهُمَا مُشْتَبِهَات لََ يـَعْلَمُهُنَّ كَثِير مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتـَّقَى الشُّبـُهَاتِ اسْتَبرَْأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِِ الشُّبـُهَاتِ وَقَعَ فِِ الحَْرَامِ كَالرَّاعِى يـَرْعَى حَوْلَ الحِْمَى يُوشِكُ أَنْ يـَرْتَعَ فِيهِ أَلََ وَإِنَّ لِكُل ِ مَلِكٍ حمًِى أَلََ وَإِنَّ حمَِى الِلَِّّ محََارِمُهُ أَلََ وَإِنَّ فِِ الجَْسَدِ َا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَْسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَْسَدُ كُلُّهُ أَلََ وَهِىَ الْقَلْبُ مُضْغَةً إِذ »)(2). والمشتبهات جمع شبه: وهو كل ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة ، وتَاذبته المعاني، – فبعضها يعضده دليل الحرام وبعضها يعضده دليل الحلَل" · وعن أبي الحوارء السعدي قال : قلت : للحسن بن علي : ما حفظت من رسول الل  ؟ قال : حفظت من رسول الل  دع ما يريبك إ لى مالَ يريبك فإن الصدق طمأنينة 1) تلقيح الَفهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 3 / ص14 .) 2) أخرجه البخاري كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (ج 1 / ص28) ح52)، ومسلم– كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلَل وترك الشبهات (ج 3 / ص1219) ح1599 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٢

(31) وإن الكذب ريبة (1.) وهذا أصل في تحقيق المصلحة ودرء المفاسد ولقد بين لنا القرآن الكريم ذلك حين جاءت الآية صريحة في جواز النطق بالكفر لمن أكره على ذلك مع اطمئنان قلبه بالإيمان ، قال تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلَ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليه م غضب من الل ولهم عذاب عظيم· وقد روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتَّ يكفر بمحمد واشتد به الأذى ، فوافقهم على ذلك مكرهاً ، وجاء معتذراً إلى النبي ، فأنزل الل هذه الآية·وقال ابن جرير : أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه عذاباً شديداً حتَّ قاربِم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبي  فقال له : (وكيف تَد قلبك؟) قال: مطمئناً بالإيمان ، قال النبي : (إن عادوا فعد) ، وفيه أنه سب الن وذكر آلهتهم2 ·) ولهذا فقد اتفق العلماء على جواز النطق بالكفر لمن أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان ولَ إثم عليه· بل أباح الكذب في حالَت وقوع مفسدة أكبر، والدليل على جواز الكذب في حالَت ما روي عن أُم ِ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قَالَتْ مَا سمَِعْتُ رَسُولَ الِلَِّّ  يـُرَخ ِصُ فِِ شَىْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلََّ فِِ ثَلََثٍ كَانَ رَسُولُ الِلَِّّ  يـَقُولُ«لََ أَعُدُّهُ كَاذِباً الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَينَْ النَّاسِ يـَقُولُ الْقَوْلَ ُ يـَقُولُ فِِ الحَْرْبِ وَالرَّجُلُ يحَُد ِثُ امْرَأَتَهُ وَلََ يُرِيدُ بِهِ إِلََّ الإِصْلََحَ وَالرَّجُل وَالْمَرْأَةُ تحَُد ِثُ 1) أخرجه: الترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول  باب60 (ج4 / ص668 ) ح2518)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في كتاب الأشربة باب الحث على ترك الشبهات (ج 8 / ص327) ح5711)، وأحمد في المسند (ج 1 / ص200) ح1723 .) 2) أخرجه: الحاكم في المستدرك - (ج 2 / ص389) ح3362) وصححه الحاكم والذه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٣