82 فهذهالصورة الأولى: وهي نزول الصائل، كما رأينا في الأدلة أنه مُوجِب للقتال، بقيت مهمتنا أن نُثبت لكم أن الصائل موجود، والقواعد موجودة، وهذا نشرحه في فصل آخر. الأمر الثاني الموجب للقتال -وسيفصّله معكم الشيخ عيسى- هو دون أن ينزل صائل أجنبي من الكفار؛ لو كفر إمام المسلمين؛ كان مسلماا يُكمنا بالشريعة ثم كفر وترك الحكم بالشريعة، أو تولىَّ الحكم رجل كافر مرتد لً يُكم بالشريعة أصلاا، هذا موجب للقتال وللخروج عليه وخلعه، وأيضاا نُقل في هذا الإجماع. ذكره القاضي عياض ونقله النووي، وهذا موجود في كل كتب الجهاد؛ أن الإمام لو كان كافرًا أو طرأ عليه الكفر وِب خلعه والقيام عليه. وهناك كتاب مهم لخَّص هذه المسائل اسمه (الإمامة عند أهل السنة أصله رسالة ماجستير، فيه باب اسمه: (باب: الخروج على الحكام ، وفي كتاب (العمدة باب اسمه: (باب: الخروج على الحكام . ومدار كل ذلك قوله تعا وَلَنْ يجَْعَلَ اللََُّّ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاا }50؛ فلا يجوز أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، والسبيل هو الطريق والقوة والسلطة، وأعظم سبيل لشخص على شخص أن يكون حاكماا له، فهذا غير مسموح به. وكفر الحاكم ورّدة الحكومة وعمالتها لليهود والنصارى ودخول الصائل هي في حقيقتها شيء واحد، ولكن لنفرض أنه جاء إنسان وأثبت زوراا أنه لً توجد قوة أجنبية ولً يوجد صائل، نقول له حتى لو كان كذلك، إذا كان الحاكم كافراا فهذا موجب للخروج والقتال. بل قال الرجل في كتاب (الإمامة أن قتله ليس من باب الخروج بل من باب قول الرسول ﷺ: (من بدَّل دينه فاقتلوه 51، حاكماا أو محكوماا، فما بالك أن يكون حاكماا ويتعدَّى كفرهإلى الناس؟! فهذا من الأبواب التي يثبُت فيها شرعاا وجوب حمل السلاح من أجل قتال هؤلًء. وأريد أن ألفت النظر إلى هذه النقطة اللطيفة المهمة جداا -وإن شاء الله نتكلم عنه في قضية العلماء-؛ أن جماعات الجهاد من ثلاثين سنة وهي تقول: يجب أن نحمل السلاح لأن الحاكم كفر ... 50 سورة النساء، الآية141. 51 صحيح البخاري3017.)
عدد الصفحات ٨٢83 *52 فكان المتَّكأ الذي اتَّكأت عليه كل جماعات الجهاد، حديث عبادة بن الصامت لما سأل الرسولﷺ في قضية الخروج فقال: (.. إلً أن تروا كفراا بواحاا عندكم من الله فيه برهان 53، هذا متفق عليه. هناك بعض علماء المسلمين والتابعين خرجوا وحملوا السلاح ليس للكفر بل لز يدة الظلم والجور، ولزيدة الًنحراف، وسيدهم ورأسهم الإمام الحس ين -رضي الله عنه - خرج مع بني أمية، ومنهم ابن الأشعث خرج على الحجَّاج، ومنهم عبد الله بن الزبير خرج على الأمويين ولم يكونوا قد كفروا. فهناك طائفة من أئمة الإسلام يرون الخروج بغير الكفر، وأنا على هذا المذهب وأدلّته قوية جداا، إذا بلغت المظالم حداا أصبح غير محُتمل، وتعطيل مصالح الناس أصبح غير محتمل، لم يكفر الإمام الأكبر ولكن بلغت الأمور حداا غير معقول، فهناك طائفة من علماء الإسلام غير قلائل يرون الخروج على الحاكم . وهناك كتاب للشيخ علي بن حاج - الله يفرّج عنه- اسمه: (فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام ، جمع أدلة أهل السنة، وأفعال الأئمة الذين رأوا الخروج بدون كفر . وفي هذا الباب فتاوى مهمة جداا للْمام ابن حزم، لكن لأن علماء المسلمين لهم مواقف من الإمام ابن حزم اختفى هذا الرأي، وابن حزم من خيار أئمة السيا سة الشرعية، من أفضل ما كُتب في السياسة الشرعية في أبواب الجهاد في (المحلَّ ى فيه كثير جداا من هذه اآخراء. ولكن لخّص هذه الأقوال رجل من علماء المسلمين عاش قبل ألف سنة، وكان له عقل من العِظم والكِبر متقدّم عن مرحلته وهو الإمام الجويني، إمام الحرمين الجويني عاش في أواخر القرن الخامس أو أول القرن السادس، عاش في زمن السلاجقة قبل الطوائف وقبل سقوط بغداد بقليل. كتب كتاباا اسمه (غياث الأمم في التياث الظلم؛ إذا خلا الزمان عن حاكم يُكم بشرع الله أو عالم يفتي لدين الله ، كتب كتاباا يتخيّل فيه حاكماا لً يُكم بشرع الله، وكان هذا قبل ألف سنة خيالًا، ويُدث ذلك في غياب الحاكم أوغاب العالم، فكتب هذا الكتاب في هذه السنين لينير السبيل في هذه الظلم من غياب الحاكم والعالم، كتاب عظيم جداا جداا في السياسة الشرعية، وبوبه بأرقام إلى مسائل، فيه مسألة رقم 154 انتصر فيها الإمام الجوي للخروج على الحاكم ولو لم يكفر، قال الرسول ﷺ (.. إلً أن تروا كفراا بواحاا وهذه الحالة ليس فيها خلاف أصلاا . بعض العلماء ومنهم الإمام الجويني قال لً يُشترط الكفر للخروج، أما مسألة الكفر فهذا أمر مفروغ منه. قال: "فالأصل في الإمام حفظ الدين والدنيا فإذا أصبح الإمام موئلاا للفجّار، وتعطَّلت السبل وقام النَّهب والسلب، وصار 52 بداية تفريغ الملف الْامس 53 صحيح البخاري7056)، صحيح مسلم1709.)
عدد الصفحات ٨٣84 الحاكم هو رئيس العصابة ومنظّم السَّارقين، فإذا صار هذا الأمر فقد انتفى الأصل من الإمام، وإنَّا وُضعت الإمامة لحفظ الناس". فقال كلاماا عظيماا جداا: "فخير للناس أن يغدو ا بلا إمام يأكل أقويؤهم ضعفاءهم، من أن يكون الإمام الفاجر هذا موئلاا للأقويء ليأكلو ا الضعفاء"54. يعني أفضل للناس أن يكونوا بلا حكومة القوي يأكل الضعيف وينتشر قطّاع الطرق، يبقى هذا أقل فساداا من أن يكون الفساد منظَّماا بقوة الجيش والمخابرات والحكومة فيسيطروا على الناس، لأنه في حالة الفوضى الأولى يستطيع الضعيف أن يجد سلاحاا ويدافع عن نفسه؛ أمّا في حالة الفوضى وقطع الطريق المنظَّم من قِبل الحكومة لً يستطيع الإنسان أن يدافع عن نفسه، فهو لصّ لكن يلبس بدلة ومعه قوّة القانون ومعه شرطة ويقول لك ادفع كذا. فعندما تتنظم الجريمة ويتنظم الكفر ويتنظم النهب فقال الإمام الجويني أن يبقوا بدون إمام أفضل. بعض العلماء قالوا بهذا الرأي، وهم ليسوا بقليل، الإمام حسين -رضي الله عنه - خرج وبنو أمية لم يكفروا، وابن الأشعث سمّيت ثورته (ثورة القرَّاء ، لكثرة من فيها من القرّاء، أي فقهاء الأمة كالشعبي وسعيد بن المسيب ضد بني أمية وهم لم يكفروا. وكذلك العلماء الذين أفتوا بني العباس بالخروج على بني أمية وتغيير النظام دون أن يكفروا. لكن علماء أهل السنة نتيجة المفاسد التي حدثت من الثورات والحركات أصدروا رأيا، الجمهور -أي: الغالب وليس الكل، وأنا لست على مذهب الجمهور في هذه المسألة-، قالوا لً يخُرَج على الحاكم إلًّ بعد الكفر، لقول الرسول ﷺ: (..إلً أن تروا كفراا بواحاا 55، أما المظالم والجور فاستدلوا بحديث الرسول ﷺ: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسمَْعْ وَأَطِعْ 56. أريد أن أُوصل لكم بعد هذا التَّفصيل: أنهناك مسألة لم تختلف عليها الأمة منذ عبادة بن الصامت إلى يومنا هذا، وهي: أن الْروج بالسلاح واِب أو ِائز حسب القدرة إذا كفر الحاكم ، وهذا متَّكأ جماعات الجهاد: إذا كفر الحاكم يجب نخرج عليه. 54 يقول الإمام الجوين في كتابه (الغياثي) ص 106: " فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الْيانة، واستجرأ الظلمة، ولِ يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الْلل والْطل إلى عظائم الأمو ر، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم - إن شاء الله عز وِل - وذلك أن الإمامة إنَّا تعنى لنقيض هذه الحالة. فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه ل محالة، وترك الناس سدى، ملتطمين ل ِامع لِم على الحق والباطل أِدى عليهم من تقر يرهم على اتباع من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الِاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين " اه . 55 صحيح البخاري7056)، صحيح مسلم1709.) 56 صحيح مسلم1847.)
عدد الصفحات ٨٤85 فاآخن العلماء وجدوا أن هذه أصبحت مشكلة لأن كفر الحاكم أصبح ظاهراا، فخرج علينا سيدنا ابن عثيمين السنة الماضية بفتوى نُشرت في (مجلة الشرق الأوسط ، قال بالحرف الواحد: "هب أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس موجباا لأن نوغِر عليه الصدور وأن يخرج عليه الناس وتحصل الشرور"!. هذه انفرد بها ابن عثيمين، وصنعت جدلًا في الصحافة ثم نامت. ثم فسَّ ر كلامه حتى لً يَظنّ الناس أنه يتكلم عن السعودية، فقال: "ولً يظن الرجل أني أتكلم عن حكومة المملكة، فنحن بلادنا محكومة بالشريعة والحمد لله، ولً أتحدث عن بلادنا، فقال أتكلم عن باقي ممالك المسلمين"!. طامة أكبر، هب أن باقي بلاد المسلمين حكامها كفروا فهذا ليس سبباا لتحمل عليهم الأسلحة، ليس هذا بل مسألة أقل، قال: "أن نوغر عليه الصدور"؛ لً تتكلم عنه شيئاا أصلاا ! يقول بعد ذلك: "اتفق العلماء أنه إذا تفرّقت الممالك يجوز أن يكون هناك عدة أمراء، فأرى أن طاعة كل حاكم اليوم في بلده واجبة على شعبه"، انظر هذه ثلاثة بنود في فتوى واحدة: 1- ردّ حديث عبادة بن الصامت المتَّفق عليه، وهو إجماع الصحابة وإجماع الأمة1400 سنة، أن الحاكم إذا كفر وَجبَ الخروج عليه، بينما هو قال لً تتكلم عنه . 2- قال هذا ليس عند-السعودية- فنحن دولة توحيد . 3- يجب على أهل كل بلدة طاعة حكامها، وعلى هذا طا عة القذافي واجبة على أهل ليبيا، وسألوه عن يسر عرفات فأوجب له الطاعة وقال هو ولي أمر الفلسطينيين، طبعاا لم يقل: "نُطيع إلياس سركيس في لبنان لأنه ولي الأمر وهو نصراني"، فأهل كل بلد تطيع الذي عليها، وأهل فلسطين يُطيعوا حنَّا عشراوي، وأهل باكستان يُطيعوا بناظير بوتو، وهكذا. وأرجع لأقول أن : الموِب الأول لحمل السلاح هو: دفع الصائل، وسنثبت أنه قد نزل . الموِب الثاني لحمل السلاح هو: ردَّ ة الحاكم. الموِب الثالث لحمل السلاح -وهو محل خلاف- هو: بلوغ الظلم والجور حدًا تتعطَّل فيه مصالح الناس، والتي هي من مقاصد الإمامة. هناك مجموعة من الأدلة، وهذا الأمر نتركه للشيخ عيسى، الأمر اآخخر أن هناك قضاي تُوجب الخروج، وهي من قضاي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس فقط وجود الكفر ودفع الصائل، ( من رأى منكم منكراا فليغيره بيده أو بلسانه
عدد الصفحات ٨٥86 أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان 57، فيمكن أن يغيرّ المنكر بالجريدة، أو يغيرّه بلسانه، أمّا قضية التغيير بالقلب فهي إذا كان الفساد قد بلغ من الحالة أن قطعت كل المسالك . وهذه المسائل سنرجع إليها -إن شاء الله-، والشيخ سيذكر لكم أبحاثاا مهمة جداا في دفع الصائل عن المال والعرض، وهذا إذا كان الصائل مسلماا صالحا ا، ولكن جاءته ساعة جنون واعتدى علينا، حتى أن ابن حزم استدلّ في كتابه (المحلّى بانّه في زمن معاوية جاء عامل الخليفة إلى أحد الصحابة وأظنه عبد الله بن عمرو بن العاص، جاؤوا ليحوّلوا ساقية عن بستان عبد الله بن عمرو، فقام وأمر أولًده أن يُملوا السلاح وقال: "أم نعكم وإن قُتلنا عن آخرنا". وكادت أن تقع مذبحة بين الصحابة وجنود الخليفة، فخرج رجل من الصحابة -وهذا استدل به الإمام بن حزم - وقال لهذا العامل: "والله إنك تعلم أنك إن قتلته فهو شهيد وإن قتلك فأنت في النار لقول الرسول ﷺ: (ومن قُتل دون ماله فهو شهيد "58، فالرجل فقيه ويعلم لمَ لبس هو وأولًده السلاح. ولذلك عرف الكفار الخطة، فتسترَّ الصائل تحت المرتدين، وذهب المرتد إلى صلاة العيدين، وجاءنا ببعض المشايخ قالوا نُطيعه. فحتى لً نقع في هذه القضية نقوم أمرين: نُظهر الأحكام الشرعية، ونُظهر التوصيف السياسي، هذا الجزء أحببت أن يكون في الشريط، والتفصيل يكون لكم في الجزء اآخخر من الكورس . ننتقل اآخن إلى الفصل الثالث وهو جزء أساسي عنوانه : (مسار الصراع من ق ابيل إلى كلينتون . 57 صحيح مسلم49.) 58 يقول ابن حزم في (المحل ى11/335: " كَمَا رُو ينَا م نغ طَر يق عَبغد الر زَّاق عَنغ مَعغمَرٍ عَنغ أَيُّوبَ عَنغ أَبي ق لاَبَةَ قَالَ: «أَرغسَلَ مُعَاو يَةُ بغنُ أَبي سُفغيَانَ إلىَ عَام لٍ لَهُ أَنغ يأَغخُذَ الغوَهغطَ ف َب َلَغَ ذَل كَ عَبغدَ اللََّّ بغنَ عَمغر و بغن الغعَاص ف َلَب سَ س لاَحَهُ هُوَ وَمَوَال يه وَغ لغ مَتُهُ ، وَقَالَ: إني َُ عغتُ رَسُولَ اللََّّ ﷺ ي َقُولُ: (مَنغ قُت لَ دُونَ مَال ه - مَظغلُومًا- ف َهُوَ شَه يدٌ). وَم نغ طَر يق عَبغد الرَّزَّاق عَنغ ابغن ُِرَيغجٍ أَخغب َرَني عَمغرُو بغنُ د ينَارٍ، قَالَ: «إنَّ عَبغدَ اللََّّ بغنَ عَمغر و بغن الغعَاص ت َ يَسَّرَ ل لغق تَال دُونَ الغوَهغط ، ثَُُّ قَالَ: مَالي لَ أُقَات لُ دُونَهُ وَقَدغ َُ عغتُ رَسُولَ اللََّّ ﷺ ي َقُولُ: (مَنغ قُت لَ دُونَ مَال ه ف َهُوَ شَه يدٌ).." اه .
عدد الصفحات ٨٦87 الفصل الثالث: مسار الصراع من ق ابيل إلى كلينتون بداية الصراع قابيل هو ابن آدم الذي قتل أخاه، وشعار هذا العمل كان: (لأقتلنك ، قال تعا إِذْ ق َرَّباَ ق ُرْباَناا ف َت ُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهمَِا وَلمَْ ي ُت َقَبَّلْ مِنَ اآخخَرِ قَالَ لأَق غت ُلَنَّكَ قَالَ إِنَََّّا ي َت َقَبَّلُ اللََُّّ مِنَ الْمُتَّقِينَ }59، مهما تكن الروايت؛ سواء المذكورة القرآن وهي الصحيحة وهي أن السبب أنهما قرَّبا قرباناا فتُقبّل من أحدهما و لم يُتقبَّل من اآخخر، أو المذكور في بعض التفاسير كالجوزي وغيره، المهم أنه كان هناك سبب من الأسباب سوّل لأخ قتل أخيه، وهي أول جريمة قتل ارتُكبت في تاريخ البشر، أن يُمل السلاح ويقول لأخيه: (لأقتلنك ، ومن ذلك الوقت وحتى اآخن وشعار الكفر مع الإيمان: (لأقتلنك ، وهذا يقتضي منا أن ننظر في التاريخ . وأقول لكم اختصاراا، أن كل مشاكلنا الحالية هي من نفس نوع مشاكل الأنبياء الممتدَّة في التاريخ، وكل أساليب المؤمنين في الدفاع متشابهة، وكل أوامر الله -سبحانه وتعالى- لهم واحدة، وكل أساليب الكفر على اختلاف الحضارات من المدفع إلى العصا والحجر هي واحدة . وهناك قصص كثيرة معروفة من السيرة ، لكن سنقف عند بعض المحطات للْيضاح، أبونا آدم -عليه السلام- نزل إلى الأرض في القصة المعروفة التي تعرفونها، وكان عنده في ال بداية ولدان: قابيل وهابيل، وحسب بعض الروايت أن هابيل هو الصالح وقابيل هو الطالح، فاختلفا على مسألة وذكر القرآن طرفاا من الخلاف، فقال الطالح للصالح: (لأقتلنَّك ، يجب أن أتخلص منك. ونستفيد من هذه القصة، أن الكرة الأرضية واسعة لً حصر لها كان فيها هذان الشخصا ن، لم يقل له ي أخي خذ لك قارة وأنا قارة، لم تتسع لهما الأرض، لم يجد له مكاناا بجواره في كل هذه الأرض الكبيرة، بل قال: لأقتلنك حتى أتخلص منك، وأبقى أنا -الباطل- لوحدي . وهنا نستفيد أن الباطل من طبيعته -وهذا ما كتبه الله تعالى للبشر - أنه ل يقبل أن يجلس بجانبه حق، ممكن الحق في مرحلة من المراحل يقبل بسبب الضعف، إنَّا الباطل فلا . 59 سورة المائدة، الآية27.
عدد الصفحات ٨٧88 ومنا هنا نلفت النظر أن من يتصور أنه يمكن للحق والباطل أن يجتمعا تحت قبة برلمان هو مجنون ومخبول، الأرض كلها لم تتَّسع لأخوين أحدهما على الحق والثاني على الباطل، فكيف يتَّسع البرلمان لحزبين أحدهما حق واآخخر باطل؟ أحدهما يريد أن يسهر ويخمر بالليل واآخخر يريد أن يصلي الصبح؟! فلا يمكن أن يجتمعا مع بعض . حتى النصارى في هذا الوقت فهموا ذلك، وهذا ما ذكرته آخر فلسفات الغرب -لو تملكون بعض الثقافة، وللأسف كثير من الجهاديين لً يعتبر الثقافة مهمة-، آخر النظريت في أمريكا اآخن بدأت محاضرة وأصبحت كتاباا، أشهر محاضرة في العالم في السنتين الماضيتين وهي تحت عنوان (صراع الحضارات . كتب فيلسوف أمريكي كتاباا أسماه (نهاية التاريخ ، وذلك بعدما سقط جدار برلين، وزال الًتحاد السوفييتي، وانتصرت أمريكا، وفرضت حضارة ال صليب نفسها، وحضارة الصليب لها رسالتان: النصرانية المشوَّهة كدين، والديمقراطية التعدُّديَّة كمذهب للحكم، والرأسمالية كاقتصاد. هذه رسالة أمريكا ورسالة الغرب كله. الديمقراطية ليست وليدة سنتين، بل نشأت حوالي ألف سنة قبل الميلاد، واآخن نحن في نهاية الألفية الثا نية للميلاد أي أنّ لها 3 آلًف سنة، قام كل تاريخ روما على النظام الديموقراطي، ولما قام النظام الغربي (الروم الحديثون ورِثوا نظام آبائهم وأجدادهم، فنظام الروم وحضارتها تقوم على الرأسمالية والديموقراطية والصليبية، هذه هويتهم. فلما انتصروا وأزالوا الروس، كتب كاتب أمريكي من أصل يباني كتاب (نهاية التاريخ ، انتشر في العالم وطُبعت منه ملايين النسخ، التاريخ هو صراع الأمم والحضارات، فقال أنّه بعد الصراع وانتصار الصليب والديموقراطية هيمنَّا على الأرض وصرنا لوحدنا، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَن َّهُمْ قَادِرُونَ عَلَي ْهَا}60، ولم تعد هناك قوة غيرهم على الأرض. فلما انتبهوا أنهم ليسوا وحدهم -بعد أن أزالوا الروس -، وأن أمامهم عدو آخر، فاجتمع الصليبيون فيما بينهم على مستوى الرؤساء، اجتمعوا بالرئيس الأمريكي، واجتمعوا على مستوى كبار الكتَّاب، يُريدون عدواا، فتلفَّتوا يمينا وشمالًا فو جدوا العدوَّ التاريخي هو الإسلام وأهل الإسلام. فاختفت نظرية (نهاية التاريخ ، وظهرت نظرية جديدة في كتاب جديد اسمه (صراع الحضارات ، ملخصها أن الأرض لً تتَّسع لحضارتين، روس وأمريكان لً يجوز، أمريكان وإسلام لً يجوز، يجب أن تكون الحضارة واحدة هي حضارة الصليب الديموقراطية الرأسمالية ورأسها أمريكا والناتو، والذي يقف بوجهنا نسحقه، وهذه خلاصة نظرية (النظام العالمي الجديد . 60 سورة يونس، الآية24.
عدد الصفحات ٨٨89 خلاصة نظرية النظام العالمي الجديد قائمة على صراع الحضارات، وصراع الحضارات صحيح وبدأ من عند قابيل وهابيل، لأن قابيل وهابيل لم يبقيا على الأرض الواحدة، وهذه النظرية تحسُّ بها نوعاا من الهيمنة، لكن أول من قال بصراع الحضارات هم المسلمون أصلاا، نحن حضارتنا الإسلامية تقوم على أن العالم ثلاثة أجزاء : - ِزء نسيطر عليه ونحكمه بشرع الله ، أعجبهم أو لم يعجبهم نحكم بشرع الله، و( من بدَّل دينه فاقتلوه ، ليس هناك حرية أدين بالنسبة لنا، فنحن نقول بدين واحد، الله خلق البشر فيجب أن يعبدوه، قوله تعا وَللََِِّّ يَسْجُد مَنْ فيِ السَّمَوَات وَالأَْرْض طَوْعاا وَكَرْهاا}61. - وِزء ل نحكمه فنحن نحاربه،قَاتِلُوا الَّذِينَ لً ي ُؤْمِنُونَ باِللََِّّ وَلً باِلْي َوْمِ اآخخِ رِ وَلً يَُُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللََُّّ وَرَسُولُهُ وَلً يَدِينُونَ دِينَ الحَْقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتىَّ ي ُعْطُوا الجِْزْيَةَ عَنْ يَدٍّ وَهُمْ صَاغرون }62، إما أن تُسلموا أو تدفعوا الجزية أو أن تحَُ اربوا ، اآخن بسبب حالة الضعف خرج فلاسفة مسلمو ن ينكرو ن هذا، كما قال سيد قطب: "ليت هؤلًء المهزومون من المسلمين نسبوا هزيمتهم إلى أنفسهم وقالوا نحن ليس عندنا هجوم نحن دين دفاع، ولم ينسبوها إلى دين الله، وقالوا الجهاد أصلاا دفاع"، الله أمرنا بالجهاد حتى ندافع عن أنفسنا، ثم أمرنا أن نُدخل الناس في دين الله حتى نخُرجهم من الظلمات إلى النور . فنحن نقول بعدم وجود حضارات غير حضارة الإسلام، ويجب أن نقاتل حتى تسود حضارة الإسلام الأرض فقط، وسوف تسود حضارة الإسلام الأرض. فإما نحكمهم، أو نحاربهم، أو نتّكهم ونأخذ منهم ِزية . هذه هي الحالت الثلاثة. هذا الكلام يُتا ج لفعل، يُتاج لناس قادرين على هذا الفعل، أما اآخن المسلمون هم الذين يدفعون الجزية نتيجة الًستضعاف!. ولو تنظر إلى هذه الأحكام في كتب أهل العلم -وليس موضوعنا اآخن- تعجب!، حتى قال العلماء في تفسحَتىَّ ي ُعْطُوا الجِْزْيَةَ عَنْ يَدٍّ وَهُمْ صَاغرون}63 قيل: يُؤتى بالذميّ فيُجرّ جراا ويُدفع دفعاا ويُؤخذ من عنقه ويُسلسل سلسلة ثم يقال له ادفع الجزية ي كافر، ليس مجرد أن يذهب للبنك ويدفع شيكاا، يجب أن يدفع بهذه الصورة. وعند الأحناف الحالة كذلك، يجب أن يُهان ويُضرب بالنعال أثناء دفع الجزية، وإلً كيف يكون هناك صَغَار؟! في حين قال الشافعية فقط يدفع المال؛ لأن دفع المال صَغَار. 61 سورة الرعدة، الآية15. 62 سورة التوبة، الآية 29. 63 سورة التوبة، الآية29.
عدد الصفحات ٨٩90 فالخلاف هل نهُينه عندما يدفع أم فقط يدفع؟ أما اآخن نحن ندفع ونهُان، بالمقلوب يعني، ندفع البترول والنفط ليلاا ونهاراا. فنظرية (صراع الحضارات قامت يوم قال قابيل لأخيه هابيل: (لأقتلنَّك ، وهي نظر ية صحيحة، ولكن المغفّلين من المسلمين ظنوا أنه يمكن أن نعمل برلماناا، البرلمان في أوروبا صحيح، أنا درست تاريخ الرومان في الجامعة، الرومان تُناسبهم الديمقراطية، فهم كفّار يتقاسمون حقوقهم في البرلمان بين بعضهم، كفار في نفس الحالة من الزنا والفجور والًحتيال، فتعارفوا على نظام وجلسوا فيه. لذلك قال تشرشل: "النظام الديموقراطي هو أفضل الطرق السيئة للحكم"؛ أي كل الطرق سيئة لكن أقلها سوءاا الديموقراطية، لأنه أفضل من الديكتاتوري. فهو يناسب حضارة الروم لكن أن يكون هناك مسلمون وكفار وملحدون وشيوعيون، مثلما قال الغنوشي: يجب أن أتركه يقول لً يوجد الله، ويتركني أقول بوجود الله -جل جلاله-، وأنا أصلي في المسجد، وعاهرة ترتكب جريمة الزنا، وكله يجلس في مكان واحد! ، =فهذا منقوض من عند قول قابيل: (لأقتلنك ؛ فالحق لً يقبل باطلاا والباطل لً يقبل حقاا، هذه القاعدة تقرَّرت منذ البداية. نشوء وبدايات الحضارات والممالك: اآخن قابيل وهابيل واحد قتل اآخخر، وجاءهم إخوة، تزوجوا وتفرَّقوا حتىّ ضاقت الأرض، شربوا الماء وقلَّ الزَّرع فأخذ كل منهم أولًده وذهب، فصاروا قبائل، والقبيلة هي أب وطبقة أولًد. واآخخر أصبح له أولًد أيضاا، فصاروا تنظيماا، هؤلً ء إخوة، وهؤلًء أولًد عم، وهؤلًء أولًد أولًد العم، فنشأت العشيرة وتقسَّمت الناس على النظام القبلي. وكان الًقتصاد رعويا زراعياا بسيطاا، تصطاد الحيوانات وتزرع الأرض، وتختلف النظريت وأبسطها أن آدم لما نزل علَّمته الملائكة علوماا بدأ بها الحضارة، في حين تقول نظريت أخرى أنه نشأ بعيداا، وأكل الحشيش، ثم تعلَّم بالحجر، ثم اكتشف النار، وبعد مليون سنة تعلم كل شيء. المهم أنهم عملوا حضارات، والبنية الًجتماعية كانت القبيلة، والنظام الًقتصادي زراعي إقطاعي، وإقطاعي يعني أن الجد الكبير أخذ بعض من عنده وجعلهم حرساا، فبدأ يتكوَّن شيء من السلطة. والله -عز وجل - يقولوَإِنْ مِنْ أُمَّةٍّ إِلًَّ خَلاَ فِيهَا نَذِير }64، بعث الله في كل تجمّع من هذه التجمعات رسولًا نذيراا، في بعض الأثار أن عدد الأنبياء الذين نزلوا 125 ألف نبي ورسول، منهم 25 ذُكروا في القرآن، لكن المذكور 64 سورة فاطر، الآية24.
عدد الصفحات ٩٠91 القرآنوَإِنْ مِنْ أُمَّةٍّ إِلًَّ خَلاَ فِيهَا نَذِير } ما تعرفونه من نشوء الشرك . فحتى يتم الحكم وحتى تتعبَّد الناس وتحل مشاكلها وتحس أنها يجب أن تطيع شيخ العشيرة نشأ بجوار السلطة رجل الدين، فهذا يتولى الحكم وهذا يتولىَّ دين الناس وتعليمهم وعبادة الأصنام والً ستقسام بالأزلًم والتمائم، هناك صالحون وهناك منحرفون، فصار هناك جهاز يتولىَّ الدين، فنشأ الجهاز الديني . ولكن هناك مجموعة لً تنصاع للدين، فنشأت مجموعة من الأعوان يتولَّون عملية القمع والضرب، فنشأت هنا السلطة بالسيف، وهنا سلطة بالدين، وهنا سلطة بالذهب؛ إما أن تعطي مالًا أو تضرب عنقه أو تأتي له بشيخ يقنعه؛ وبهذه الطريقة يُكمون . فنشأت القبائل وأخذت الأراضي وب َنَت المدن والحضارات الكثيرة، كبرت القبائل فأصبحت القبيلة على حدود قبيلة ثانية، وتعاركوا، مع أن كلهم أولًد آدم، وبدأ القوي يبتلع الضعيف، وقبيلة تبتلع قبيلة، وبدأت الحرب على الدنيا غالباا من الأراضي والمزارع، وقليل من الصراعات قامت على الدين والمبادئ. فنشأ من هذا أن هناك شيخ قبيلة كبيراا ابتلع حوالي 500 قبيلة، فنصَّبوه ملكاا، فمن القبيلة نشأت املكة. إذاا من القبيلة نشأت المملكة، فصار هناك ملك، والملك يملأ مركزه يصبح له أملاك، ويوزّع الأراضي، ويكون عنده سلاح، ونشأت أجهزة الملكية، ونشأ نظام اقتصادي وعسكري وحضارة وعمران، وجهّز مهندسين ليصمّموا له القصور الكبيرة، والراقصين والراقصات حتى يرقصوا، وتف رَّعت الحضارة ومشت في هذه الصورة. ثم كبرت الممالك وحصل لها ما حصل مع القبائل ؛ أنّ المملكة وصلت حدودها للملكة الأخرى فبدأ النزاع. ونتيجة الًبتعاد تغيرَّت اللهجات وتشوَّهت ثم تحوَّلت وتبدَّلت حتى صارت لغات أخرى، فبدأ الإنسان يشعر بالغربة عن اآخخر، وأنه ليس أخاه من أبيه آدم. وصارت ممالك؛ هنا روم، هنا فرس، ثم جاءهم أنبياء، ثم انحرف وا عن الدين. فصار هناك تباينهم في المسكن وفي الدين وفي اللغة وفي الأشكال؛ فهذا طويل، وهذا عيونه سوداء، والله -سبحانه وتعالى- لما خلق آدم أخذ قبضات متفرَّقة من طين الأرض ولهذا خرج أولً ده بأشكال متفرّقة، أصولهم ملوّنة، فصارت الشعوب متفرّقة ومختلفة في اللغة، في الدين، في الحكم، في الحضارة، في كل شيء. فأصبحوا يشعرون أن هناك حالة عداء، فتحاربت الممالك، ابتلعت ممالك ممالك أخرى، ونشأت إمبراطورية -ممالك كبيرة-، فنشأت القبيلة، فالمملكة، فالإمبر اطورية. ونشأت الحضارات القديمة. سنتحدث عن نظرية (توينبي وهو مؤرخ إجاليزي توفي سنة 1965م، وعن نظرية ابن خلدون في القرن السابع في قضية نشوء ودمار الأمم. هذا سنرجع له.
عدد الصفحات ٩١92 لكن على صعيد كل قبيلة لوحدها، وعلى صعيد كل مملكة لوحدها، وكل تجمُّع لوحده نشأت أقدم المشاكل البشرية وهي نشوء رجل الدين إلى جانب الملك . عندما تكلمت مع الأخوة في قضية العلماء، وبفضل الله -عز وجل - أنا أول من تحدَّث في الأوساط في هذه القضية سنة 1990 يوم حرب الخلي =قالوا أنَّنا أحدثنا بدعة في الإسلام وحتى تدخل القضية في عقول الناس يجب أن نبيّنها لهم من أصولها حتى يفهموها، أما أن تقول له آخر جملة: "أن شيخك هذا الذي تصلي خلفه منافق"، فسيقول لك: "أنت تكفيري"، ولً يقبلها منك، فيجب أن نبينّ لهم كيف نشأت هذه المشكلة. مثلث السلطة (الملك- الكاهن- الأعوان): فمع التَّتبع البحثي والفكري لهذه المشكلة (مشكلة ر جل الدين ، وجدت أن القضية قديمة جداا من عند أبناء آدم وهي نشوء ثالوث خبيث اسمه: (السلطة، ورِل الدين الساحر الداعم للسلطة، ثُ الأعوان القائمون على تنفيذ الظلم ، فالسلطة تقوم على هذا منذ أقدم عصور البشرية . وحتى أقرّبها للناس، كان عندنا نشرة تصدر عن (القاعدة -أيم كنا في القاعدة سنة 1990م-، وكنت أكتب لهم في النشرة الأسبوعية، فكتبت لهم مقالًا ثم حولته لمحاضرة اسمه: (سقوط فاتيكان المسلمين ؛ وجدت أن عندنا فاتيكان بنفس نظامهم، وهذا النظام سقط لأنه كان يقول لهم أن احتلال الحرم والمقدسات جائز، فهذه كانت خلاصة المحاضرة، ومع ذلك استكبرتها عقول الناس، فأُرجِعه هنا في هذا البحث إلى أصول أصولها . أصول أصولها -ي أخي الكريم- أنها كانت مملكة، وهذا (قابيل بن يفث بن يوشع 65 كانت عنده قبيلة، وحتى يُكم هذه القبيلة صار رئيس القبيلة، وحتى يُكم نشأ إلى جانب شيخ القبيلة منذ أقدم ال عصور الكاهن، هذا الكاهن مهمته الإشراف على الدين وإعطاء الراحة الروحية لمن يريد أن يتعبَّد. فضمير البشر منذأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنيِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّي َّت َهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَن ْفُسِهِمْ }66 وهناك حاجة إلى عبادة الإله في صميم الفطرة البشري ة، حتى لو لم يجد الإله الصحيح يبحث عن إله خاطئ ليعبده، حتى لو كان الإله من ورق 65 اسم ضُرب للمثال فقط وليس حقيقيًا 66 سورة الأعراف، الآية172.
عدد الصفحات ٩٢93 "الكوتشينة والشدة" ينظر حظه فيه، تلزمه قوة غيبية يعتقد بها، فهناك حاجة فطرية عند بني البشر للدين، إما دين صحيح أو دين خطأ، إما يعبد الله أو يعبد آلهة باطلة. فنشأ الكاهن ليرتب للناس أمور دينها، فاكتشف الملك هذا، لأن أهل السياسة دائماا أذكياء جداا وأذكى من أهل الدين حتى في الإسلام، إلً في النادر تجد أهل الدين أذكياء فيجمعون العلمين معاا؛ مثل ابن تيمية والعز بن عبد السلام، فتجده يفهم في الدين ويفهم السياسية. ولكن على طول التاريخ تجد أهل السياسة يضحكون على أهل الدين في كل الأدين، حتى أنهّا ممّا قرأت في الحرب على فيتنام أنّ الأمريكان لم يستطيعوا أن يرُكِعوا الشعب الفيتنامي حتى استطاع أئمتهم في الدين أن يضحكوا على الناس، وكان العداء الأول بين أهل السياسة وأهل الدين، فكان الحل هو أن تخر ج من الدين حتى تعيش بكرامتك . وكان السبب الأساسي للصد عن دين الله هم أهل الدين المعوّجون، فلما اعوَّجوا لم يترك الناس العوج بل تركوا الدين، وهذا يُدث عندنا في المساجد، وآخر الأخبار التي وصلتني من حلب أنها صارت هناك عادة أنّك إذا أردت أن تجمع تبرعات لمدرسة أ و لمجموعة خيرية أو لأرامل يسمح لك الإمام أن تجمع في المسجد بشرط أن تُعطيه 30%، كما قال تعاإِنَّ كَثِيراا مِنَ الأَْحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ باِلْبَاطِل }67. فدعونا ننظر في هذه القضية وكيف بدأت من البداية؛ عندما رأى رئيس ال قبيلة أنّ هذا الكاهن محترم والناس تسمع كلامه استخدام هذه الطريقة لتطويع الناس للحكم، حتى تجد دكتوراا هنديا محترماا أو عال ماا في الذرة يأتي عند كاهن يعبد البقر فيدخل عليه ويخلع عقله مع حذائه عند الباب، ومخه يعدل نصف الكرة الأرضية!، وهناك من يعبد النساء وهناك من يعبد الفأر. فاكتشف الحاكم أن الإنسان يقف عقله تجاه الدين، فلجأ إلى استخدام هذه الطريقة لتطويع الناس للحكم، فأصبح الكاهن يقول للناس أنّه يجب أن يُطاع الحاكم مقابل العلاقة التجارية بين الحاكم والكاهن، فهذا يُعطيه مالًا وأراضٍّ وأشياء من الدنيا، وهذا يبيع دينه، فيقول لهم: هذا الحاكم ذو القرون أو هذا ابن الشمس أو هذا صاحب الدم الأزرق وغيره مما ذُكر في كتب التاريخ، فرعون كان ابن الشمس وكان مقدَّساا عند المصريين؛ نصفه بشر ونصفه من الشمس !، ونشأ في أوروبا في أيم الملكية أن الملوك من أحفاد اآخلهة. فأصبح الكاهن يُصبغ نوعاا من الشرعية على رئيس السلطة، فأصبح يخرج للناس بكلمتين يقول لهم: "هذا صواب"، فيطيعوه، بينما كان رئيس القبيلة يُتاج حتى يُصل على موافقة الناس إلى جيش من الأعوان والسيوف والضرب والجلد حتى يخرج بنفس النتيجة، في حين بكلمتين من الساحر يُطيعوا، ومن هنا نشأت هذه العلاقة. 67 سورة التوبة، الآية34.
عدد الصفحات ٩٣94 وحتى يضمن ألًَّ يغير الكاهن رأيه وينازعه على السلطة صنع أعواناا وقوة، فأصبح عنده قوّة فوق الكاهن وفوق الناس، حتى إذا لم يعجبه أرجعه إلى المنبر، وهذه مشكلة بشرية قديمة هذا الخبيث رئيس القبيلة "السلطة"، والكاهن الذي يسوّغ العوج للناس، ثم الأعوان. فأصبح الناس يطيعون السلطة إما بالسيف أو بالذهب؛ كما يقولون: "سيف المعز"-سيف المعز لدين الله الفاطمي-، أو ما شابهه كالعصا أو الكهرباء أو شيء تُرعب به، ما بين السيف والدينار، أو من خرج من عند الشيخ يصبح يفكّر مثل الحمار، فهذه المشكلة مشكلة بشرية قد يمة من عند أبناء آدم إلى يومنا. تطورت البشرية من القبيلة إلى المملكة، كان الكاهن له كوخ صغير، والملك له بيت، فعمل الملك قصراا كبيراا له مداخل وله مخارج، وأراد أن يرقّي حاشيته، فعمل للكاهن معبداا كبيراا له مداخل ومخارج، ومن هنا نشأت المعابد والكنائس ودور العبادة القديمة. وهكذا نشأت المملكة؛ ملك له أتباع وأعوان وإلى جانبه كاهن، والكاهن يُتاج إلى كهنة صغار؛ فهذا يسحر، وهذا يضع التمائم، وهكذا، فنشأت مؤسسة للحكم ومؤسسة دينية. أذكر لكم نَّوذجين؛ قلنا في البداية كان هناك رئيس قبيلة، ثم صار ملكاا، ثم كبرت القضية فصار إمبراطوراا (مثل قيصر الروم ، فكان القيصر بجانبه (البابا ألفين عاماا طوال تاريخ أوروبا في العصور القديمة والوسطى حتى الثورة الفرنسية. ودعونا نقف وقفة مع التاريخ الروماني، لأن هؤلًء هم من نحاربهم، هذا سبب. والسبب اآخخر، أن الرسول ﷺ قال: (لتَّتبعن سَنَن من قبلكم شبراا بشبر، وذراعاا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه، قلنا: ي رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ 68، يعني ستعملون كل ما سيعمله اليهود والنصارى، فمن جملة ما عمله اليهود والنصارى ونتبعهم به نظام (القيصر والبابا ، واآخن أذكر لكم التدرّج التاريخي إلى ما نحن فيه. البابا كانت سيطرته على الناس في العصور الوسطى لدرجة كرّهت الناس في الدين والعبادة، والباباوات غرقوا في الزنا والخمور والفجور وتجارة الأراضي، وأصبحوا مملكة، يجمعون في كل مكان الذهب حتى كانوا سبباا في إسلام سلمان الفارسي -رضي الله عنه -. وقصته أنه ذهب إلى راهب، فلما مات قدَّسه الناس، وسلمان كان يرى أنه يجمع منهم المال، فقال هل أدلكم على كنزه، قالوا: نعم، فأخذهم إلى جرار مليئة بالذهب، فأخذوها وذهبوا إلى قبر ذلك الراهب فنبشوه وحرقوه وصلبوه، لأنه كان طيلة حياته يكذب عليهم، وذهب إلى رجل صالح فدله إلى أقرب صالح ثم دله على الرسول ﷺ. 68 صحيح البخاري3456.)
عدد الصفحات ٩٤95 فهذا من سِير الكهنة أنهم كانوا يجمعون المال، ووصل جمع المال إلى أنهم باعوا كل الأراضي، الإقطاعيات كلها للملك، ووصل الأمر أنه من قتل طير في الأرض الملكية أو الباباوية حكمه الإعدام. أضرب لك أمثلة من الباباوات : البابا باع الأرض كلها ومن عليها، فانتهت الأرض، ويريد المزيد من المال، فأصدر قانوناا ببيع أراضي الجنة، وصار كل واحد يأتي ليشتري قطعة من الجنة، وأخذوا مالًا لبيع أراضي الجنة، وهذا حصل في تاريخ الملوك، هذا على مستوى الباباوات الكبار . نأتي إلى القسيس الصغير أصغر بابا (بابا الحارة ، كان يأخذ النساء، وفي بعض الحضارات كان لً يُدخل على العروس حتى يُباركها البابا!، دخلوا وملكوا كل شيء، الأراضي والأعراض وكل شيء أخذوه بسلطة الدين. إمبراطور ألمانيا في العصور الوسطى كان اسمه (هنري السابع 69، أحسَّ الملك أن البابا يُنازعه على ال مُلك، فأمر الجيش والأعوان بحبس البابا، فالبابا ببساطة أصدر فتوى اسمها (الحرم ان الكنس ي ضد ألمانيا كلها -وألمانيا وقتها كانت نصف أوروبا، كل من يتكلم الألمانية ومن حولها، يعني النمسا، هنغاري، بلغاري، إلى السويد والدانيمارك -، الفتوى مفادها أن كل من يطيع الإمبر اطور هنري السابع فصلاته غير مقبولة عند الله. في اليوم الثاني لً أحد ذهب للوظيفة ولً أحد يؤدي عمله، ولً أحد يدفع الضريبة، الناس تركت الملك، خربت المملكة!، فاضطر الملك أن يذهب للبابا في الفاتيكان في روما والملك كان في هامبرغ في آخر أوروبا، وذهب يقبّل يده حتى يرفع عنه قانون الحِرمان الكنسي -أي: حرمه من رحمة الكنيسة -، فطلب منه أن يُ ّ ماشياا حافياا من هامبرغ إلى البابا ويُقبل يده ورجله ليرجع ملكه، فطاف هنري كل أوروبا ماشيا وقبَّل يد البابا ليعيده ملكاا، ورجع!.. *70 {إِنَّ كَثِيراا مِنَ الأَْحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ }71 رهبان اليهود لما بُعث المسيح-عليه السلام- هم الذين أغروا به إمبراطور الرومان ليقتله ويصلبه، فرفعه الله -سبحانه وتعالى- وصلبوا الشبيه بدلًا منه، ولكن كان اليهود هم سبب المشكلة، لأنهم أرادوا أن تكون لهم السلطة الدينية، فإذا جاء بالدين الصحيح فسيفقدو ن سلطتهم ولم يعد للأحبار قيمة. وكذلك هم الذين أغروا بسيدنا يُيى، وقُدِّم رأسه مهراا لإحدى بغاي بني إسرائيل اسمها (سالومي ، أراد الإمبراطور أن يتزوجها، فطلبت منه رأس النبي الذي بُعث في تلك الأمة، وقبله ذُبح أبوه سيدنا زكري، فنُشر بالمنشار بسبب كيد أحبار اليهود. 69 لعل المقصود هو الإمبْاطور الألماني فريدريك الأول (فريدريك بارباروسا) المتوفي سنة 1190م، والذي حرمه هو البابا الكسندر الثالث 70 بداية تفريغ الملف السادس 71 سورة التوبة، الآية34.
عدد الصفحات ٩٥96 فعند ظهور نبي جديد يقف له المشايخ والأحبار والرهبان؛ لأن الملك لً يستطيع أن يقول له حلال وحرام. وهذه القصة بتفاصيلها سنمضي فيها برحلة طويلة لًحقاا وسنأخذ منها عبراا؛ وهي: مسار الأنبياء ونشوء الشرك. ونشأ الشرك بأن عملوا للصالحين تماثيل وقبوراا، وصاروا يصلّون بجوارها تقرباا إلى الله -سبحانه وتعالى- وهم يتذكّرون أن الصلاة إلى الله وأن هؤلًء صالحون، فنشأ أولًدهم وأولًد أولًدهم فصاروا يعبدون الصالحين، وصنعوا لهذا الصالح قلعة وكاهناا ليأخذ المال والخيرات وأصبح ضريُاا. والضريح ليس هذه الأحجار وإنَّا هو هذه المؤ سسة الدينية التي أشرفت على نشر الشرك في الناس، وقصص الأنبياء كثيرة لن أتناولها، وفيها كثير من العبر، يعني تقف مع قصة سيدنا نوح -عليه السلام- فتأخذ عبراا كثيرة منها أنه اشتغل كل هذا الزمان وخرج باثني عشر رجلاا. ومنها أن هؤلًء الًثنا عشر رجلاا كان من كرامتهم على الله -سبحانه وتعالى- أن أغرق الأرض ومن عليها من حيوانات وبشريَّة إكراماا لهم، وبدأت الخليقة من جديد -كما قال الشيخ عبد الله عزام رحمة الله عليه -. وحتى نبينّ هذه مشكلة هذا الثالوث الخبيث سنقف مع قصة سيدنا موسى -عليه السلام- وفرعون. وقصة بني إسرائيل وفر عون مذكورة في عشرات السور من القرآن الكريم، وربما تجد الجمل مكرَّرة، لماذا هذا التأكيد؟ كمية كبيرة من آيت القرآن الكريم هي عن قصة سيدنا موسى وقصة فرعون وعِبر بني إسرائيل، والرسول ﷺ أجاز رواية قصص بني إسرائيل، قال: ( حَدِّثُوا عَنْ بَنيِ إِسْرَائِيلَ وَلًَ حَرَجَ 72، لً تصدق ولً تكذب؛ لأن تاريخ بني إسرائيل فيه عبرة مسار البشرية. ومن هذه القصة أقِف وقفات قصيرة؛ عندما جاء موسى -عليه السلام- وجاءهم بالبينات خاف فرعون وخاف أعوانه أن يفقدوا صلاحياتهم في المملكة، فقال أعوان فرعون أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فيِ الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ }73، أي أجِّل الكلام معه. تعالَ اآخن نرسم خريطة هذا الصراع: موسى -عليه السلام- وهارون ومعه مؤمنو بني إسرائيل . وفرعون وهامان وجنودهما، وهناك السحرة رجال الدين. وهناك الناس، هؤلًء هم أطراف المعادلة. فقال هؤلًء الأعوان الذين سمَّاهم القرآن (الملأ وهم حاشية الملك، قالوا له كما ذُكر في القرآن:{قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ 72 صحيح البخاري3461)، صحيح مسلم3004.) 73 سورة الأعراف، الآية111.
عدد الصفحات ٩٦97 وَأَرْسِلْ فيِ الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يأَْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍّ عَلِيم }74، هذه المشكلة لً تستطيع أنت حلها، ولً الشرطة ولً أحد، هذه قضية دينية،فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِ مِيقَاتِ ي َوْمٍّ مَّعْلُومٍّ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مجُّْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا ن َتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ }75، عندما تقرأ القرآن كموحِّد تأخذ دروساا، و عندما تقرأه كعسكري تأخذ عبراا، وعندما تقرأه كسياسي تأخذ أحكاماا.. عندما تقرأ هذا الكلام بعقلية سياسي تستفيد فائدة كبيرة ، وكل القرآن دروس وعبر؛ العبرة هنا: هل قالوا: لعلَّنا نتبع الفرعون؟ لً، بل: (لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالب ين ، فالناس تتبع فضيلة الشيخ لً الملك ولً أمير الدولة. في آية أخرى قال السحرة لفرعون قَالُوا إِ نَّ لَنَا لأََجْراا إِن كُنَّا نحَْنُ الْغَالِبِينَ }76، فالموضوع مقابل أجرة، لم يقولوا أتينا لنصرة الحق ولً لإثبات الدين، ماذا تكسب وماذا نكسب بعد هذه المقابلة. فماذا كانوا يريدون؟ هل يريدون مالًا؟ معهم مال، نساء؟ كل واحد منهم هرِم لً يريد نساءا، فما هو الأجر؟ {قَالَ ن َعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }77، هذا هو الأجر أن يكون مقرَّباا. فقد يتساءل واحد ويقول: على ماذا يُصل الشيخ؟ يُصل على أن يكون مقرباا؛ إذا كتب رسالة لأي أحد يمشي أمره، يطلب أن يوزّع 3 مليون ريل على طلبة العلم في ليلة رمضان، فيقام أمر ه، وهو سيوزّعها كلها ولكن الإنسان يشكر اليد الأخيرة التي أعطته المال، فهم ارتبطوا بالشيخ، يمشي الشيخ ووراءه طلبة العلم، وخشعت الأصوات لً أحد يرفع صوته، ويُقدَّم ويُرفع، وي فضيلة الشيخ، وي جلالة الشيخ، هذا هو الأجر الذي طلبه السَّحرة. اآخن نشأت طبقة علماء السلطان على هذه السنّة فأفرزت في آخرها نَّاذج منها هيئة كبار العلماء، ومنها مشيخة الأزهر، ومنها نظام مفتي الدولة.. إلخ، الهياكل الدينية التي ظهرت في الإسلام، فهذه هي القصة. ولكن فرعون كان أغبى من حسني مبارك مائة مرة ؛ فأتى بأناس غير متوثّق من ضلالهم أولًا، والأمر اآخخر أنه عمل المصيبة كلها أمام الناس. وهذه القضية للغلام لما تشاجر مع الملك قال اجمع الناس لنتحاور، وهذه القضية التي لً يريدون أن نعملها اليوم. فخرج وزير أمن الدولة والإعلام وقال إِنَّ هََٰؤُلًَءِ لَشِرْذِمَة قَلِيلُونَ }78؛كلهم عشرون واحداا، ووَإِ ن َّهُمْ لَنَا 74 سورة الأعراف، الآيات111- 112.) 75 سورة الشعراء، الآيات38- 40.) 76 سورة اعراف، الآية: 113. 77 سورة الأعراف، الآية114. 78 سورة الشعراء، الآية54.
عدد الصفحات ٩٧