المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تدبر القرآن وتطوير مناهج التربية والتعليم في الجامعات الفلسطينية بغزة

ناهض صبحي فورة

صفحة ٢ من ٣

16 والمتأمل في القرآن يجده زاخراً بجوامع الكلم، وجواهر الحكم، وكنوز المعارف، وحقائق الوجود، وأسرار الحياة وعوالم الغيب، وذخائر القيم، وروائع الأحكام، وعجائب التوجيه، وغرائب الأمثال وبينات الآيات، وسواطع البراهين، وبالغ النذر ؛ ولذا قالوا: إن في القرآن علم الأولين والآخرين .. وإنما ت درك هذه الأمور بطول التأمل والتدبر، لا بالخطف والاستعجال ، وإذا لم يتمكن القارئ من التدبر في الآية إلا بتر ديدها، فليرددها، وهذا ما كان يفعله رسول الله  وصحابيه والصالحون من سلف الأمة: يرد دون بعض الآيات تدبراً وتأثراً (1). وسبق وأن مرت رواية أف ذر  :قام رسول ا  بنا ليلة بآية، فقام يرددها وهي ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ [المائدة112.] وقام تميم الداري  بآية يكررها حتى أصبح أوكاد، وهي قوله تعا (2):ﭽﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ [الجاثية21.] وقد جاء نحو ذلك من ترديد الآيات عن ابن مسعود وعن عائشة وأسماء ابنتي أف بكر (3). روى إبراهيم عن علقمة قال: صليت إلى جنب عبد الله (يعني ابن مسعود) فافتتح سورة (طه) فلما بلغ: ﭽ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ [طه111 ]قال: (رب زدني علماً ) (رب زدني علماً )(1). وعن عروة بن الزبير قال : دخلت على أسماء بنت أف بكر (يعني أمه) وهي تصلي، تقرأ هذه الآية: ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭼ [الطور: 27 ]فقمت: فلما طال على ذهبت إلى السوق، ثم رجعت، وهي مكانها، وهي تكرر الصلاة(2) يعني الآية. ور وى نحوه يعني الآية عن عائشة -رضي الله عنها -(5). وروي أن عامر بن عبد قيس قرأ ليلة سورة (المؤمن) وهي المعروفة بسورة (غافر) فلما انتهى إلى هذه الآية: ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ [غافر 12 ]لم يزل يردد ها حتى أصبح(7). "وقد ورد نحو ذلك عن عدد من التابعين، و عن سعيد بن جبير والربيع بن خثيم وغيرهما". (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، د . يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص 171. (2) رواه أبو عبيد في الفضائل، وابن أف داود في الشريعة والطبراني في الدعاء (الإتحاف 1/215.) (3) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، مرجع سابق، ص 171. (1) رواه ابن أف داود بسند صحيح عن إبراهيم . انظر الإتحاف 1/215. (2) رواه أحد ورجاله ثقات من رواه الصحيح . المصدر السابق. (5) رواه ابن أف داود عن القاسم بن محمد. المصدر نفسه، ص217. (7) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن عن امرأة من آل عامر – انظر (الإتحاف) مصدر سابق.

عدد الصفحات ١٧

17 "وقال بعضهم: إني لافتتح السورة، فيوقفني بعض ما أشهد فيها من الفراغ منها، حتى يطلع الصبح ". "وكان بعضهم يقول : كل آية لا أفهمها، ولا يكون قلبي فيها، لا أ عد لها ثواباً "(1)، وعن أف سليمان الداراني قال : " إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال، وخمس ليال، ولولا أني أقطع الفكر فيها، ما جاوزتها إلى غيرها" (2)، ولم يأذن عليه السلام لعبد الله بن عمرو بن العاص بقراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال وقال: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث (3)، ولم يقتصر التركيز على التدبر وحده في الانتقال من آيات لأخرى أثناء التلاوة، بل كان هذا المنهاج التربوي في الحفظ والتثبيت .. بحيث يتلازم العلم والمعنى والعمل. كما ي لاحظ أن ابن عمر قال: تعل م عمر البقرة في اثن تي عشرة سنة، فلما ختمها نحر ج زوراً (1)، كما بينا بي نا قبل ذلك ، والمؤكد أن طول المدة ليس عجزاً من عمر  ولا انشغالاً عن القرآن، لكنه التدبر. أما الخوارج الذين يقرأون القرآن، لكنه لا يجاوز ت راقيهم، فكانوا وبالاً على الأمة . وقال الحسن أيضاً : نزل القرآن لي تدب ر وي عمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً (2)، أي أن عمل الناس أصبح تلاوة القرآن فقط بلا تدبر ولا عمل به . كما لم تكن مدرسة النبوة تعمل عند لقاء المسلمين لرسولهم  فحسب، وإنما كانت تظل عاملة ح حين ينقلب المسلمون إلى بيوتهم أو حياتهم الخاصة، كانوا يقومون على ما تعلموه وفقهوه أثناء الصحبة، كانوا يقومون الليل بالقرآن، أو يجلسون في المسجد يتلون كتاب الله ويذكرون الله ويدعونه، أو كانت تضمهم مجالسهم يذك ر بعضهم بعضاً ، ولم يكن يمنعهم الكسب والسعي في الحياة عن صحبة نبيهم، أو عن مجالسهم ، أو عن مصاحبة منهاج الله. وكان أصحاب رسول الله يبيتون مع كتاب الله –سبحانه- ، وعندما ق تل السبعون من الصحابة الذين كانوا يبيتون مع كتاب الله وكان يقال لهم القراء ظلت مدرسة النبوة تخ ر ج قراء وعلماء(5) كما كان أهل الصفة –من أصحاب رسول الله - وهم لا منازل لهم .. ينامون على عهد رسول الله  في المسجد ويظلون ، وكانوا مع إق امتهم هذه في الصف ة شد يدي الصحبة لرسول الله، فكانوا أقرب إلى الأخذ والسماع، وإلى التدبر والتذكر، حتى إذا خ ل وا تذك روا وتذاكروا. (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، مرجع سابق، ص 171. (2) فضائل القرآن، انظر الإتحاف مصدر سابق (1/215-217.) (3) رواه الدارمي والترمذي برقم 2271 وصححه. (1) نزهة الفضلاء، تهذيب سير أعلام النبلاء (1/32/أ). (2) مدارج السالك (1/122.) (5) دور المنهاج الرباني في الدعوة الإسلامية، عدنان علي رضا النحوي، ص211.

عدد الصفحات ١٨

18 وأخرج الطبراني في الأوسط عن كليب بن شهاب، قال : سمع علي بن أف طالب  ضجة في المسجد يقرءون القرآن ويقرئونه فقال: طوبى لهؤلاء ! هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله (1). وروي عن أف هريرة  أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: "يا أهل السوق ما أعجزكم؟ " قالوا: "وما ذاك يا أبا هريرة؟ " قال: " ذاك ميراث رسول الله  يقسم وأنتم ههنا : ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا وأين هو ؟ قال: "في المسجد" فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: "ما بالكم؟" فقالوا: "يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فلم نر فيه شيئاً يقسم!" فقال أبو هريرة : "وما رأيتم في المسجد أحداً " قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون وقوفاً يقرءون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلا ل والحرام، فقال لهم أبو هريرة : وبحكم فذاك ميراث محمد (2). فاستمر الصحابة بعد رسول ا  يعيشون مع منهاج الله، كما كانوا يعيشون أيام رسولهم : دراسة وتدبراً، وعملاً وتطبيقاً، وانتشروا في الأرض ينقلون هذا المنه النبوي بمعظم خصائصه وميزاته، ينشرون النور والخير والعلم والبركة، وتابع ذلك أئمة وعلماء إلى أن وهن حال المسلمين والعلماء الذين يتخرجون من هذه المدرسة .. حتى أخذت معالمها تختلط. وملامحها تبهت وطغت أهواء ونزعات . (ب) تعظيم القرآن .. واستشعار عظمة مُ نزله –سبحانه- والخشوع والبكاء عند تلاوته : كان أصحاب رسو ل الله  ومن تبعهم بإحسان يعظمون القرآن .. ويعيشونه حياً ويتأدبون بآداب التلاوة.. من خشوع وبكاء و حزن ويستشعرون قوله تعالى: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ [الحشر: 21.] وهذا مطلوب لمن يقرأ ا لقرآن، فإن لم يجد له قلباً يخشع، ولا عيناً تدمع، ولا نفساً تحزن فليتكلف ذلك وليحاوله ما استطاع .. ذلك ليتشبه بأولئك الصالحين.. عند التلاوة أو الاستماع يقول تعالى : ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ [الحديد: 15.] قال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال : [أَلَم يَأ نِ لِلَّذِينَ آمَنُوا] الآية(3). قال ابن كث : " نهى الله –تعالى- المؤمنين أن يتشب هوا بالذين حلوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد، بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء (1 )دور المنهاج الرباني في الدعوة الإسلامية، عدنان علي رضا النحوي مرجع سابق، ص 212. (2) أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن أف هريرة رضي الله عنه . (3) تفسير ابن كث (2/19. )

عدد الصفحات ١٩

19 ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلو بهم بوعد ولا وعيد "(1)، وكانت ال قساوة بسبب نقص العهود كما قال تعالى : ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﭼ [المائدة: 13.] وقال تعا : ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ [الزمر : 23 ]وهكذاكان حال أصحاب رسول الله ومن تبعهم فوصفهم تبارك وتعالى (الذين أوتوا العلم) بالخشوع والبكاء عند استماع القرآن فقال تعالى : ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ [اسراء: 115-119]. فهكذا كان ذلك الجيل وتجاوبه مع القرآن : خرور لله وسجود، وذ كر لله ودعاء، وبكاء وزيادة خشوع . بل مدح القرآن آخرين من النصارى عند سماعهم للقرآن ، فقال : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭼ [المائدة23-21.] وعن ابن مسعود أنه قرأ مع الن  سورة النساء وفيه : فإذا عيناه تذرفان (2). وعن سعد بن أف وقاص أن رسول ا قال: ( اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا )(3) أي تكلفوا البكاء. وعن ابن عباس: " إذا قرأتم سجدة (سبحان) يعني آخر سورة الإسراء، فلا تعجلوا بالسج ود حتى تبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه " (1) وبكاءالقلب : حزنه وخشيته . قال الإمام الغزالي : " وإنما طريق تكل ف البكاء أن يح ضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء ، قال النبي  :إن القرآن ن زل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا "(2). (1) انظر تفسير ابن كثير، ج 1/311. (2) متفق عليه(اللؤلؤ والمرجان : 513.) (3) رواه ابن ماجة بإسناد جيد وهو فيه برقم (1195.) (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص 173. (2) رواه أبو نعيم في الحلية بسند ضعيف، وأبو يعلى عن سعد.

عدد الصفحات ٢٠

20 وذلك بأن يتأمل القارئ ما في القرآن من التهديد و الزجر و الوعيد.. و المواثيق و العهود.. ثم يتأمل المرء تقصيره عن تلك الأوامر والزواجر فيحزن لذلك ويبكي ، فإن لم يحضره حزن وبكاء، كما يحضر أصحاب القلوب الصافية.. فليبك على فقدان الحزن والبكاء فإن ذلك من أعظم المصائب (1). وكان أولئك الصالحون يخشعون ويتدربون في صلاتهم ويستحضرون عظم ة الله –سبحانه- ، ر وي عن عمر  أنه حد ث: "كان رسول الله  لا يزال يسمر عند أف بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله  وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي المسجد، فقام رسول الله  يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول ا  " :من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أ نزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ". قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله يقول له: "س ل تعطه، سل تعطه"، قال عمر: والله لأغدون إليه فلأبشرن ه، قال : فغدوت إليه لأبش ره، فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبش ره، ولا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه (2). انظر كيف كان أصحاب رسول الله يعيشون القرآن رطباً حياً.. يستشعرون معانيه ويستحضرون هيبته ووع ده ووعيده.. وإذا كان قائدهم وقدوتهم عليه الصلاة والسلام كما وصفته السيدة عائشة -رضي الله عنها- : " كان خ لقه القرآن "3 ..فكان أتباعه مصاحف تمشي على الأرض.. فغير وها وزرعوا النور والخير في ربوعها قاطبة. (ج) بالعمل به وتطبيقه: لقد اتخذ الصحابة  القرآن منهاجاً لحياتهم، منه يستمدون، وإليه يرجعون ، وعليه يعتمدون.. وكلما نزل شيء منه سارعوا إلى تنفيذه والعمل به، دون إبطاء أو تلكؤ أو تردد . وكان هذا مما يمي ز هذا الجيل الأول ، جيل الصحابة ، الجيل القرآني الفريد ، كما قال الشهيد سيد قطب -رحه الله- : " فلم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع، بل يتلقى أحدهم القرآن ليعمل به فور سماعه، وهذا ما شهدت به وقائع شتى "(1). ويقول ابن مسعود :كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن(2). (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، المرجع السابق، ص 173. (2) أخرجه أحد (1/319 )رقم 172. 3 - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/317 ، وعبد الله بن وهب" الجامع في تفسير القرآن " (2/125 )رقم (322 )، وابن أف شيبة 11/211 ، والحاكم2/199 ، وابن جرير 23/121 ،121. (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم، مرجع سابق، ص 112. (2) تفسير الطبري(1/51،21 )وتفسير ابن كث (1/11.)

عدد الصفحات ٢١

21 ويقول أبو عبد الرحن السلمي (من كبار التابعين ): "حدثنا الذين يقرئ و ننا : عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي  عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً "(1). ويقول رحه الله : كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم تتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها (2). وكان للسلف تفاعل عجيب مع آيات القرآن ؛ لأن قلوبهم مفتوحة لها، فتؤث ر فيهم كما يتأث ر الم حب بكلام حبيبه، ويتلقونها كما يتلقى الجندي أوامر قائده، ويستجيبون لها كما يستجيب العبد لسيده، لقد كانت نفوسهم ملؤها التحفز، والخوف والوجل، والحب والرجاء والتعظم لما تقر ره نصوص الآيات، لقد كان لهم مواقف يطول لها العجب تجد هذا التفاعل الحي (3) ..من تلك المواقف على سبيل الأمثلة: قال أبو هريرة  :لما نزلت : ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ [النساء: 123 ]بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً فقال الن : (قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصيب المسلم كفارة، حتى النكبة يكباها، والشوكة يشاكها )(1). ولما نزل قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ [آل عمران : 92 ]قال أبو طلحة :"إن أحب أموالي بيرحاء ، وإنها صدقة لله، أرجو ب ر ها وذ خرها عند الله"(2). وقال زيد بن حارثة  " :اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه، فجاء بها إ النبي  فقال: هذه في سبيل الله "(5). وليس بالإمكان حصر هذه النماذج الرا ئعة للتطبيق لأوامر الله ورسوله ؛ لأن الأمر لم يكن محصوراً في عدد من الصحابة -رضي الله عنهم جميعاً - ، بل في المجتمع القرآني كله رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً، فعن عائشة -رضي الله عنها - قالت: والله، ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أ نزلت سورة النور ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ [النور: 31" ]انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما (1 )تفسير الطبري(1/22 )وتفسير ابن كث (1/11.) (2) الجامع لأحكام القرآن : القرطبي (1/39.) (3) أحوال السلف مع القرآن : سلمان بن عمر السنيدي، هدى للناس، مجلة البيان، مرجع سابق، ص 51. (1) رواه مسلم(5731.) (2) أخرجه البخاري (2722 )ومسلم(992 )وأحد كما ذكر ابن كثير ج 1/321 (بأكثر من لفظ). (5) تفسير الطبري(5/292.)

عدد الصفحات ٢٢

22 منهن امرأة إلا قامت إلى م رطها (1) المرح ل(2) فاعتجرتبه تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله  الصبح معتجر ات كأن على رؤوسهن الغربان (3) .وكان ذلك في كل مجالات الحياة . "فمن روائع الاستجابة للقرآن : ما سط ره التاريخ لمواقف الأصحاب  حين ناداهم القرآن للجهاد بمثل قوله تعالى: ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ [التوبة: 111 ]فلقد وجدنا الرجل وابنه يتنافسان على الغزو حتى يقترع الرجل وابنه (مثل سعد بن خيثمة وأبيه): أيهما يخرج للجهاد؟ وأيهما يبقى لشؤون البيت والأسرة؟ فإذا فاز الابن بالقرعة قال له أبوه : آثرني بها يا بني! فيقول له: يا أبت! إنها الجنة ولو كان شيئاً غير ذلك لآثرتك. "ونجد شيخاً كعمرو بن الجموح الأنصاري يأبى إلا أن يخرج للمشاركة في غزوة أحد مع أن الله عذره في كتابه حين قال: ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ [الفتح: 17 ]ومع أن له أربعة بنين يشهدون المعارك خلفاً له مع رسول الله  ، ولكنه يسعى وراء أمنية غالية، هي الشهادة، وقد حق قها الله له. ويروي ابن عباس عن أف طلحة الأنصاري في قوله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ [التوبة: 11 ]قال شباناً وكهولاً، ما سمع الله عذر أحد، فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه "(1). وذكر القرطبي في تفسير آية [ان فِرُوا خِفَافاا وَثِقَالا ] من سورة التوبة : فيما رواه ابن مسعود عن أف طلحة الأنصاري في قوله تعالى : [ان فِرُوا خِفَافاا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَم وَالِكُم وَأَنفُسِكُم فِي سَبِيلِ اللّهِ ] [التوبة: 11] فقال: أي بني.. جهزوني (أي بعدة الحرب ) فقال له بنوه : يرحك الله .. فقد غزوت مع النبي  حتى مات، فنحن نغزو عنك.. قال: لا جهزوني، فغزا في البحر فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها، إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها. ولم يقتصر ذلك على أصحاب رسول الله، بل على التابعين ومن تبعهم بإحسان، فعن حيان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، فرأيت شيخاً كبيراً هرماً، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق (1) المرط : الكساء . النهاية في غريب الحديث والأثر (1/319. ) (2) المرحل : ال م ر ح ل ال ذ ي ق د ن قش ف يه ت صاوير الر ح ال . النهاية في غريب الحديث والأثر (2/211. ) (3) ابن كث (5/15.) (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم . د. يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص 111-112.

عدد الصفحات ٢٣

23 على راحلته ف يمن أغار ، فأقبلت عليه فقلت : يا عم لقد أعذر الله إليك . قال: فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي: استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله  (1). وفي مجال احر مات والمنهيات نرى مث لاً من أروع المواقف التاريخية الإنسانية في المسارعة إلى الانقياد لشريعة القرآن ، فعند نزول الآيات الكريمة من سورة المائدة : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ [المائدة: 91-91.] "ومنعجيب أمر الأنقياء لشرع الله أن فريقاً منهم حين بلغته هذه الآية، كان منهم من في يده الكأس قد شرب بعضها، وبقي بعضها في يده، فرمى بها من ف يه، وقال: إجابة لقول الله : [ف َهَل أَنتُم مُّنت َهُو نَ ] قد انتهينا يا رب .. قد انتهينا يا رب (2). وعندما علم القوم بتحريم الله ورسوله شربها وبيعها وإهدائها لغير المسلمين، فما كان من المسلم حينذاك إلا أن جاءوا بما عندهم من مخزون الخمر وأوعيتها، فأراقوها في طرق المدينة إعلاناً من براءتهم منها (3). لقد أحسنالسلف الصالح التعامل مع هذا القرآن العظيم، فه مه وتدب ره وفقه مقاصده والعمل به ، فغير القرآن حياتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور .. هم ومن تبعهم بإحسان من الأجيال القرآنية ثم خلف من بعدهم خلف اتخذوا هذا القرآن مهجوراً .. في تلاوته وتدب ره والعمل به -ولا حول ولا قوة إلا بالله- .. فالسلف الصالح ر زقوا تلاوة القرآن ، وتدبر القرآن ، والعمل بالقرآن .. فرفع الله ذكرهم ..، حر روا العباد والبلاد. ور وي عن ابن عمر -رضي الله عنهما - قال(1) :كان الفاضل من أصحاب رسول ا  في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا بس ورة ونحوها ، ور زقوا العمل بالقرآن ، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن، منهم الصبي والأعمى ، ولا ي رزقون العمل به. وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب العمل به (2). (1) صفوة التفاسير، الصابوني، مرجع سابق، مجلد 1، ص239. (2 )كيف نتعامل مع القرآن العظيم . د. يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص 115. (3) المرجع السابق، الصفحة نفسها . (1) تدبر القرآن لماذا وكيف .. إبر اهيم بن عبد الرحن التركي http://www.islamdoor.com/htm (2) الجامع لأحكام القرآن : القرطبي (1-39،11.)

عدد الصفحات ٢٤

24 كماقال ابن القيم: " ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدب ر القرآن وجم ع الفكر على معاني آياته، فإنها ت طلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها ، وعلى طرقاتها وأسبابها وثمراتها ومآل أهلها، وتضع في يده مفاتيح كنور السعادة والعلوم النافعة، وتثبيت قواعد الإ يمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبرة ، وت شهده عدل الله وفضله ، وتعر فه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وقواطع الطريق وآفاته، وت عر فه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، فت شهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغي به عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتمي ز له بين الحق والباطل في كل ما يختلف فيه العالم ، وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة واسعة ، وانشراحاً ، وبهجة وسروراً ، فيصير في شأن والناس في شأن آخر، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذ ره وتخو فه بوعيده من العذاب الوبيل وتهديه في ظ لم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبص ره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء والطويل، وتبص ره بح دود الحلال والحرام وتوقفه عليها ؛ لئلا يتعداها فتقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته : تقد م الر كب، وفاتك الدليل، فاللحاق اللحاق، والرحيل الرحيل، فاعتصم بالله واستعن به وقل حسبي الله ونعم الوكيل "(1). ولا سبيل إلى إنقاذ الأمة من ضياعها وتمزقها وهوانها على الناس .. إلا بالرجوع إلى هذا القرآن تلاوة وتدبراً وعملاً ومنهاج حياة.. ففيه رفعة الأمة وذ كرها ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ [الأنبياء: 11.] (1) مدارج السالك : ابن القيم، ج1، ص122-125.

عدد الصفحات ٢٥

25 المبحث الثالث تعزيز المنهج التربوي للتدبر في المنهاج الفلسطيني بالجامعات الفلسطينية رؤية تربوية منهج التربية الإسلامية: الجماعة الأولى هي الجماعة التي رب اها الرسول  على عينه، ومنحها كل جهده ورعايته وتوجيهه، والتي اجتمعت لها عناصر التربية الإسلامية بكل تمامها، على يد أعظم م رب في التاريخ . وأنها هي المقصودة أولاً بقوله تعالى: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ [آل عمران: 111.] ولقدكانت خير أمة في تاريخ البشرية كله، وحدت من ألوان العظمة في كل اتجاه ما لم يجتمع لأمة أخرى في التاريخ بهذه الوفرة وذلك التعدد وتلك الآفاق (1). وكان منه التربية الإسلامية (نظاماً ) أي أنه بمفهومه وخصائصه وأسس بنائه وعناصره يكون ك لاً متكاملاً .. كل جزء فيه يتأثر ببقية الأجزاء ولا يؤثر بها فيها . وبما أنه نابع من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة فهو منه رباني في مصدره وغايته ؛ لذلك فهو يزو د الإنسان المتعلم بمجموعة من الخصائص والمعايير والقيم الإلهية الثابتة التي توج ه عمله وتعينه على عمارة الأرض وفق منه الله –سبحانه-. وقد وردت لفظة "منهاج" في قوله تعالى : ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ [المائدة: 12 ]فالش رعة هي الشريعة وهما الطريقة الظاهرة التي ي توصل بها إلى النجاة والمنهاج الطريق البين الواضح المستمر(2)، ويقول ابن كثير : " والمنهاج: هو الطريق الواضح السهل، والسنن والطرائق "(3). وإن منه الإسم سهل وميسر ؛ لأنه منه رباني "ميس ر" للذكر .. ولكل البشرية في المكان والزمان .. وأن المدرسة الحقيقية الأولى هي مدرسة محمد أعظم المرب ين -عليه الصلاة والسلام- ، لكن أعداء الأمة عندما أدركوا خطورة هذه المدرسة .. وكيف صنعت أجيالاً فريدة على مدار التاريخ، ما انفكوا يخط طون بمكر ودهاء ؛ ليبعدوها عن منه الله –سبحانه- من كتاب وسنة فعملت على إضعاف الأمة وعز لها (1) منه التربية الإسلامية: محمد قطب، دار الشروق، ط3، ج2 (في التطبيق)، ص12. (2) جامع البيان من تأويل آي القرآن : الطبراني، مرجع سابق، ج 5، ص259. (3) تفسير القرآن العظيم : ابن كثير، مرجع سابق، ج 2، ص55.

عدد الصفحات ٢٦

26 عن مصادر عزها ومجدها وذ كرها .. وهذا ما كان ، ولا يصلح حاضر الأمة ومستقبلها إلا بما صلح به ماضيها، إن تمس كت بمنه ربها وعملت على تطبيقه واقعاً في الحياة. وي نظر للتربية الإسلامية على أنها التطبيق التربوي للنظا م الإسلامي، والترجمة العملية الميدانية للفكر الإسلامي في ميدان التربية، وهي تعنى: تنشئة وتكوين إنسان مسلم و متكامل من جميع نواحيه الأخلاقية والإدارية والإبداعية في جميع مراحل نموه في ضوء المبادئ والقيم الإسلامية، وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي جاء بها الإسلام، وأن الغاية النهائية للتربية الإسلامية هي: تحقيق العبودية لله –تعالى- في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية (1). وهذهالغاية لا تتحقق إلا: بإعداد الإنسان الصالح القادر على عمارة الأرض وترقيتها وفق منه الله تعالى(2). كما ينظر إلى التربية الإسلامية وفي ضوء ما ي درس في الجامعات من عناصر المنهاج كالقرآن وعلومه والتوحيد والحديث والفقه والتفسير وغيره . وعليه فإن تدريس القرآن الكريم وعلومه والسيرة النبوية في فلسطين، تعتبر متطلبات أساسية في الجامعات.. وت درس كأمر لازم في جميع مراحل التعليم الجامعي . ومن هنا تنبثق أهمية العناية بطرق التدريس وأساليب التعليم المستنبطة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، مع الاستفادة من الأساليب والوسائل الحديثة التي تحق ق الأهداف المرج و ة من تربيتنا الإسلامية ومن دراسة القرآن وعلومه والسنة المطهرة . كما تكمن أهمية تعزيز وسائل التدبر في ذلك المنهاج، والاستفادة من الوسائل التعليمية، واستراتيجيات التعلم والتعليم في مجال القرآن الكريم ، ولا سيما التدبر ، والذي يحقق الغاية من القرآن الكريم ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [ص:29.] ويهدفالبحث إلى تعزيز المنهج التربوي للتدبر عبر الهتمام: بالمنه .. والمعلم .. والوسائل التعليمية.. ووض ع نماذج للتدبر ويمكن تضمين المنهاج بالتالي: "ما ورد عن حقيقة التدبر في المبحث الأول": أ. التدبر في القرآن الكريم: مواضع الأمر بالتدبر، أهمية التدبر، وسائل التدبر، موانع التدبر، شروط التدبر، مقاييس قرآنية للتدبر . ب. ما ورد في المبحث الثاني عن نماذج تطبيقية "أحوال السلف في تدبر القرآن". (1) أصول التربية الإسلامية وأساليبها: عبد الرحن النحلاوي، ط 2، دمشق،1992، ص112. (2) منه التربية في التصور الإسلامي: علي أحد مدكور، بيروت، ص 332.

عدد الصفحات ٢٧

27 ج. تضمين المنه العلمي للمحتوى الدراسي الجامعي عن التدبر وموضوعاته الأساسية في القرآن : ويسعى الباحثان لتعزيز المنه بتحقيق الأهداف التربوية التالية :  العمل على رفع درجة التغطية لموضوع التدب ر وربطها بالواقع العملي.  الإلمام بالمعارف الأساسية للموضوع .. والمقاييس القرآنية للتدبر .  إعداد المعلم لشرح وتعزيز التدبر للطلاب بالطرق المثلى .  إعداد الطالب لاستيعاب التدبر في المنه الجامعي المستهدف في علوم القرآن. تطبيقات تربوية: الموضع الأول: ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ [محمد: 21] (تدبر الصدق الجتماعي للقرآن..): ففي القرآن دعوة متكررة إلى دراسة الاجتماع الإنساني ابتداءً من الماضي حتى الحاضر ؛ لاكتشاف آثار سنن الله في قيام المجتمعات وانهيارها، ولتدبر صدق هذه السنن الاجتماعي ي ستعان بأسلوب التأويل من خلال دراسة ما آل في الحياة الاجتماعية من تقديرات قرآنية . فإذا أخبرنا القرآن عن سنة من سننه في تكوين الأسر وعلاقات الجنسين مثلاً : بقوله تعالى : ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ [الإسراء: 32 ]فإن تحري واقع المجتمعات التي تهاونت إزاء هذه السنة قد أثبت أن الزنا "فاحشة" نفسية وسبيلاً سيئاً يجلب إلى الأجساد أمراضاً قاتلة مهلكة. الموضع الثاني: ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ [المؤمنون: 52] (تدبر الصدق التاريخي للقرآن) وفي القرآن كذلك دعوة لدراسة تاريخ المجتمعات والأفراد لاكتشاف آثار سنن الله فيمن أ طاعوا وفيمن عصوا ، "ولتدبر" الآيات النفسية والاجتماعية المصدقة لهذه السنن، فحين يخبرنا القرآن أن الله أجاب استغاثة فرعون وإيمانه عند الغرق بقوله : ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ [يونس: 92 ]فإن الفحوصات"التي أجريت مؤخراً " على جثة فرعون موسى (أمنحوتب الثالث ) وجدت الأملاح في جثته أو مومياته وقد مت الدليل الناصع على موته غرقاً، واستمرت جثته آية لمن خلفه في عصرنا هذا "(1). (1) مناه التربيةالإسلامي والمربون العاملون فيها، د .الكيلاني، مرجع سابق، ص 313.

عدد الصفحات ٢٨

28 الموضع الثالث: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [ص:29.] (تدبر الصدق العلمي للقرآن) كذلك يدعونا القرآن إلى ال نظر في الكون وتدبر آيات الكتاب التي تتحدث عن هذا الكون تدبراً يقد م شواهد صدق آيات الكتاب من آيات الآفاق ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭼ [فصلت: 23 ]بحيث يتظافر الأسلوب العلمي مع أسلوب التدبر ؛ لتحقيق غايات التدبر وأهدافه. الموضع الرابع: ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ [النساء: 22] (تدبر التركيب البنائي للقرآن ) وهذا يرتبط (بالظواهر القرآنية ) التي تتناول: 1. معنى الكلمة. 2. تخير الكلمة القرآنية . 3. هدف الكلمة القرآنية . 1. الشكل الخارجي للكلمة القرآنية . ومن الطبيعي أن تكون الخطوة الأولى لفهم القرآن الكريم هي تدبر كلماته . وإذا كان النظام الكوني يمتاز بأن كل ذرة من ذرات الوجود و جدت لحكمة وو ضعت في مكانها الخاص بها .. وهذا النظام الكوني من الذرة إلى المجرة لو اختل أو حدث أي تغيير فيه لاختل جانب من جوانب الحياة.. فإننا نجد أيضاً في النظام القرآني أن كل كلمة في القرآن و ضعت في محلها الطبيعي بحيث لا يمكن أن تس د مكانها أية كلمة أخرى ، ولا أن تعطي نفس الأبعاد والظلال التي تعطيها تلك الكلمة، كذلك في هدف الكلمة، وشكلها الخارجي، والارتباط والتسلسل والتصنيف لها (1). حول تدريس أو تعليم التدبر: حقاً هنالك الآن الكثير من المدارس المختصة بتحفيظ القرآن الكريم، فهل توجد مدرسة واحدة مختصة بتدبر القرآن وتعليمه؟ ! إنه حقاً أمر م لفت للنظر، فإن علمنا أن الهدف الأعظم من إنزال القرآن ه و: أن نتفهم ما فيه من أحكام ؛ لنعمل بها ونطب قها، حتى ولو لم نحفظه ؛ إذ أن الله –تعالى- لم يكل ف العباد بحف ظ القرآن كاملاً، بل يكفيهم من الحفظ ما تصح به صلاتهم، وما يستشفون ويتعو ذون ويتحصنون (1) المرجع السابق، ص 331 بتصرف .

عدد الصفحات ٢٩

29 به، أما تدبر القرآن ومعرفة معانيه فالأمة مأمورة ومطالبة به، والحال كذلك، فإننا مع الأسف نهمل ما نحن م كل فون به، ونكتفي بما لسنا به مكلفين(1). هذا التمهيد يقودنا إلى أهمية وجود مساق في الجامعات الفلسطينية (ضمن منه القرآن وعلومه) يتعلق بالتدبر .. والاهتمام بهذا الموضوع ؛ لما للقرآن وتدبره من فضل في حياتنا كلها ؛ لأن سلفنا الصالح تمس كوا بالقرآن ح فظاً وعملاً وتدبراً، وطب قوه في حياتهم، فكان نبراسهم ، إليه يتحاكمون، وبه يتمسكون، فسادوا وتحقق لهم التمكين في أرض الله –تعالى- ، وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.. فما أحوج الشباب –الجامعي- المؤمن ومعه الأمة كلها بالعودة لكتاب ربها وتدبره والعمل به ولسنة نبيه  . إن ذلك المساق التعليمي بالجامعات حول التدبر.. يتطلب وجود معلمين أكفاء ، وقدوة للمتعلمين تتناسب مع عظمة هذا الموضوع والذي أ نزل القرآن الكريم لأجله .. لذا يجب على المعلم (الذي يقوم بتعليم القرآن وعلومه كالتجويد أو التدبر ) أن يتجاوز عوائق تدريس المادة ومنها:  عدم استشعار الإخلاص والنية لدى المعلم، باعتباره أن تعليم القرآن مجرد وظيفة ليس إ .  أن يتسم بسعة الأفق ويتخطى ضيق الأفق أحياناً.. ويتجلى بالأخلاق الكريمة أمام المتعلمين.  ألا يمتاز بالضعف في شخصيته أو إدارة المحاضرة بشكل جيد .  أن يحب المادة.. ويتجاوز عدم حبه وميله لتدريس هذه المادة لسبب أو لآخر ، ويعلم أن فيها خيري الدنيا والآخرة .  أن ينم ي مهاراته التربوية، ولا يمتاز بافتقاره لتلك المهارات المتعلقة بتدريس مادة التدبر أو مواد القرآن الكريم .  أن يتجاوز قلة الخبرة التربوية، ومخالفة قوله لعمله.  أن ت سند هذ ه المواد لمن يهواها ويكون لها أهل .. فيدر سها وهو غير راغب فينعكس على تدريسه بالسلب . ويمكن تصنيف الصفات المطلوبة لمعلم المواد القرآنية كالتدبر وغيره بصفات أهمها : 1. الصفات الإيمانية: كالإيمان بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وأن يعمل بمقتضى هذا الإيمان من خلال المحافظة على عقيدته وشعائر دينه، وأن يتحلى بالتقوى والثقة بالله والتوكل عليه، والإخلاص وعدم تعارض قول المعلم مع عمله وفكره . 2. الصفات الخلقية: (1) أفلا يتدبرون القرآن : أ.د. ناصر العمر، مرجع سابق، ص 112.

عدد الصفحات ٣٠

30 كالصدق والصبر، والعدل والرحة والتسامح والأمانة والتواضع . 3. الصفات النفسية: كالاستقرار ، التوازن، الثقة بالنفس، التكيف النفسي والاجتماعي، والبشاشة . 1. الصفاتالعقلية والمهنية: - كالذكاء : فالمعلم مطالب بإيجاد الحلول للمشاكل المتجددة، والتعامل مع أصحابها بمستوياتهم العلمية والعقلية. - الابتكار وسعة الأفق.. بأن يكون المعلم متحر راً من التقليد متسماً بطلاقة الفكر والقدرة على الإنتاج الجديد ، ومواظبته على المطالعة والبحث بما ينم ي معارفه وقدراته ويوس ع مداركه وهذا يتأتى بالمعرفة الواسعة للمعلم ودرايته واطلاعه على العلوم الأخرى وسعة ثقافته . - وأن يكون مط لعاً على المجالات والأساليب والوسائل والتقنيات التعليمية، واستراتيجيات التعلم والتعليم.. التي تتأتى عن طريق :  الوسائل والتقنيات التربوية المستخدمة في تعليم القرآن الكريم وتدبره، كالتسجيلات الصوتية لسوره وآي اته والأفلام التسجيلية والحاسوب " الكمبيوتر " والصور والخرائط، وكذلك الوسائل التعليمية المختلفة، وتم ثيل الأدوار وضرب الأمثال، كما هو واضح في قصص الأنبياء والأشخاص ، ولا ن غفل دور تلك الوسائل من آثار في تقريب المدركات وتوضيحها وإعطائها صورة حية، فالأفلام التسجيلية مثلاً يمكن أن تفيد في توضيح الآيات القرآنية المتعلقة بمناسك الح وشعائره وأماكنه، وبذلك يتح قق الربط بين الآيات الكريمة وواقع حياة الطلاب، بحيث يتمكن المتعلمون من إدراك الأهداف والأحكام والأفكار العامة والجزئية التي تدل عليها الآيات . القواعد الأساسية التي تتعلق بالمحتوى الدراسي: ذكر الأهدل(1) ست قواعد أساسية لها علاقة مباشرة بالمحتوى الدراسي وهي كما يلي: 1. الاهتمام بالاستعاذة. 2. شرح الكلمات والجمل والآيات . 3. ربط أحكام التجويد بالمعاني. 1. الموعظة والتحذير من الذنوب الصارفة عن التدبر . 2. إدراج حصة التدبر في الدرس القرآ . (1) تعليم تدبر القرآن الكر (أساليب عملية وفرص منهجية) د. هاشم بن علي الأهدل، مرجع سابق، ص 31.

عدد الصفحات ٣١

31 5. التربية على شكر نعمة التدبر. وبين فيها ضرورة البدء في الاستعاذة حين قراءة القرآن ؛ لأن الشيطان يجتهد لصرف العبد عن أنواع العبادة، ، ومن ذلك اجتهاده في صرف القارئ للقرآن عن تدبر وفهم معانيه . كما يساعد على التدبر أن يفهم المتعلم معاني الكلمات والآيات التي يقرؤها ، حيث يوجد في كتاب الله بعض الكلمات التي لا يفهمها الطلاب. كما أن سلامة التلاوة و إتقان التجويد يزيد الفهم، وي كم ل الإدراك و يعين على التدبر. كما أن الانهماك في الذنوب والمعاصي يصرف المترف عن تدبر القرآن .. وحين يتربى الطلاب على حصص التدبر، تصبح جلسات تدارس القرآن ثقاف ة شائعة في المجتمع وأن يتربى المتعلمون على شكر الله –سبحانه- على أن يس ر لهم قراءة كتابه وفهم آياته وتدبرها (1). لذلككله يجب إعادة الاعتبار لمعلم القرآن ، لا سيما وقد دأب الاستعمار والذي حاول جاهداً أن يصرف الأمة عن كتاب ربها وتدبره .. بحيث يبقى القرآن للمناسبات والتعليق على الجدران والمياتم .. كما حاول الاستعمار أن يشو ه صور ة معلم القرآن وقارئه ؛ لدرجة تا ن فر الناس منه وتنف رهم من دين الله – سبحانه- ، فيثير صورة في الإعلام المشبوه بأنه صاحب الأطعمة والقراءة على المقابر والولائم والمياتم . لذا يجب علاج تلك الصورة لمعلمي القرآن على النحو التالي مثلاً : - انتقاء النخبة الممتازة والمؤ ه لة من المعلمين حفظاً لكتاب الله -تعالى - وتطبيقاً لأحكامه وتجويده وتدبره ؛ للقيام بتدريس القرآن الكريم .. لا سيما مساق التدبر. - انتقاء المعل مين الربانيين الذين يكونون قدوة للمتعلمين علمياً وأخلاقياً، بحيث تتوفر في معلم القرآن صفات كثيرة أهمها : إخلاص النية لله –تعالى- ، والتمسك بعقيدة السلف، والالتزام الأخلاقي بأوامر القرآن، واجتناب نواهيه، والإلمام بأساسيات علوم القرآن والشريعة . - أن يكون تعليم القرآن بالاختيار وللمعلم ، ولا يكون تعيينه إجبارياً حتى يبدع في مجال عمله. - إعلاء شأن معلمي القرآن الكريم، وحفظ مكانتهم وإظهارهم بما يليق ومعلم القرآن . - و تحفيز المعلمين مادياً ومعنوياً ؛ لمحو الصورة المشو هة التي رسمها الاستعمار وأعوانه لمعلمي كتاب الله –تعالى-.. سواء في المؤسسات التعليمية.. وخارجها . لأن ذلك كله يحف ز المتعلم و بربط ه بالقرآن حفظاً وتلاوة وتدبراً ؛ لأن الط لبة والمتعلمين هم قادة المستقبل.. ولينصرن الله -سبحانه وتعالى - من ينصره .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ولعل أولئك المعلمون يحق قون من طلبة العلم .. بعد تعليمهم (نظرياً وعملياً ) التدبر وأهميته وأهدافه ووسائله.. واستر اتيجيات التعلم والتعليم للتدبر. (1) انظر/ تعليم تدبر القرآن . د. هاشم الأهدل، بتصرف، ص 12-52.

عدد الصفحات ٣٢