تدبر القرآن الكريم وتطوير مناهج التربية والتعليم في الجامعات الفلسطينية بغزة إعداد الباحثين د. ناهض صبحي فورة أستاذ المناهج وطرق التدريس جامعة الأقصى د. طلال محمد خلف أستاذ أصول التربية المساعد
عدد الصفحات ١1 بسم الله الرحمن الرحيم ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ [الكهف: 1-2.] والصلاة والسلام على م ن كانت معجزته القرآن، وكان خ لقه القرآن ، وربيع صدر ه ، ونور قلبه وجلاء حزنه القرآن وتدبره ، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الذين ات بعوه ، واتبعوا النور الذي أ نزل معه ، وتدب روا آياته أولئك هم المفلحون، فهم م ن ترب وا على موائد القرآن والحكمة (السنة المطهرة ).. وتخر جوا من مدرسة معل م البشرية وهاديها بأمر ربه . فقادوا البشرية بهذا المنهاج الرباني وأخرجوها من الظلمات إلى النور .. بعد أن فهموا القرآن وتدب روه وآمنوا وعملوا به.. فكانوا وبكل جدارة مصاحف تمشي على الأرض .. وكانوا خير أمة أ خرجت للناس . لقد كان أصحاب رسول الله يعيشون مع هذا المنهاج في صحبة رسول ا أو في حياتهم الخاصة والعامة، ومع أن الوحي انقطع والنبوة قد انقضت إلا أن منهاج ا لله بقى يحمل خصائصه ؛ ليكون لي نا على قلوب المؤمنين.. م يس راً للذكر بي ناً متكاملاً .. ولأنه النظام والمنهاج الإلهي الذي ختم الله –تعالى- به الشرائع وجعله النظام والمنهاج الكامل لجميع نواحي الحياة .. وللبشرية جمعاء لقوله تعالى : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ [المائدة: 3 ]ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ [الإسراء9 ]ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ [الأعراف 22.] فكان المنهاج رباني المصدر والمنبع، رباني الوجهة والغاية .. أصوله مستمدة من الوحي الإلهي الوارد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة . وامتاز هذا المنهاج بأنه قائم على التوحيد ؛ لكونه المقو م الأول للنظام الإسلامي وهو أساس العقيدة، وبه يتفرد المنهاج الإسلامي من بين سائر النظم والمناه والفلسفات ؛ ولذلك يقوم على أساس ألوهية الله – تعالى- ، وعبودية العباد جميعاً ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ [الذاريات 25]. كما كان هذا المنهاج للناس جميعاً عالمياً وثابتاً في مقو ماته الأساسية.. وفي ق يمه التي لا تتغير كما امتاز هذا المنهاج بالشمول والتوازن والإيجابية والواقعية .. ومواكباً للفطرة الإنسانية ويعمل على تزكيتها وح ف ظها من الانحراف ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ [المائدة12-15.]
عدد الصفحات ٢2 وكان المنهاجق قاً لهدف التربية الأساسي وهو (إخلاص الطاعة والعبادة لله) ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ [البينة2]، كما كان موافقاً-في تدر جه ومستواه في كل جزء من ه - المرحلة التي يعالجها للصغار والكبار، وعلى اختلاف الأجيال وتنوع البلدان والأمصار، ومدارس التربية والتعليم منها.. من مدرسة ابن الأرقم إلى كل مدارس المسلم في مختلف الأزمان .. ومن الكتاتيب إلى المدارس بكل مستوياتها والجامعات .. والأجناس من صغار وكبار .. ذكور وإناث .. وبلا تعارض من النواحي الجسمية والعقلية والانفعالية والأخلاقية والاجتماعية، وبما يتناسب مع التقدم العلمي.. والتطور المعرفي الإنساني لكل إنسان في المجتمع. لقد تمي ز المنهاج الرباني عن كل ما يمكن أن يضعه البشر من مناه وضعية .. بع لو ه وربانيته ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ [النساء171 ]لقد خر ج هذا المنهاج الخالد خ أمة عبر التاريخ عندما تمس كت به وفه مت ه وحف ظت ه وتدب رته .. ونقلها من أمة أمية جاهلية لأمة تقود البشرية .. فإن خير الناس عبر الزمان كله الأنبياء والمرسلين -عليهم أزكى الصلاة والتسليم - ، ثم الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين - .. الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .. حتى اصطفاهم الله بصحبة نبيه وحلهم للدين فكانوا الجيل القرآني الفريد، ولما تركت كتاب ربها تلاوة وتدب راً وعملاً وتحكيماً وصلت إلى ما و صلت إليه اليوم. وإن كان لا يستطيع البحث أن يعد د أو يذكر مآثر ومناقب وخصائص ذلك الجيل العظيم لكن يمكن القول عن واحدة وهي أنهم أحيوا ليلهم بالقرآن العظيم، واعتنوا به تلاوة وحفظاً، تدبراً وفهماً، علماً وعملاً .. وكان لهم نصيب وافر من قوله تعالى : ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ [السجدة5 ]أو قوله سبحانه : ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ [الزمر 9.] فكانوايعظ مون القرآن ، وي عطونه ما يستحق من الإجلال والقدر والتأمل والتفكر، والنظر والتدبر ؛ لأن الغاية الأساسية من إنزاله هو التدبر ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [ص22 ]أما نحن اليوم فقد هجرنا القرآن وتدبره والعمل به . مشكلة الدراسة.. إن ذلك يقودنا للسؤال الرئيس: ما ضرورة تدبر القرآن الكريم وأهمية ذلك في تطوير المناه الفلسطينية؟ ويتفرع م ن ذلك الأسئلة التالية: 1. ما هو التدبر وحقيقته ، ووسائل تدبر القرآن الكريم؟
عدد الصفحات ٣3 2. ما هي أحوال السلف الصالح مع القرآن ومنهجهم في التدبر؟ 3. كيف نوظف مناه التدبر في تطوير المناه الفلسطينية (بالدراسات القرآنية )؟ وسينه الباحثان المنه الوصفي التحليلي للوصول لنتائ البحث. وللإجابة على تساؤلات الدراسة . ستتكون الدراسة من ثلاثة مباحث o المبحث الأول: التدبر .. تعريفه .. حقيقته .. وسائله وأهدافه. o المبحث الثا: أحوال السلف في تدبر القرآن ، وأثر ذلك في نهضة الأمة وخيريتها. o المبحث الثالث: تعزيز المنه التربوي للتدبر في المنهاج الفلسطيني بالجامعات الفلسطينية – رؤية تربوية . o الخاتمة. o النتائ والتوصيات.
عدد الصفحات ٤4 المبحث الأول ما هو التدبر ، وحقيقته ، وسائله ، وأهدافه أولا : التدبر في القرآن الكريم : تدل مادة "دبر" على آخر الشيء ، ومنه دبر الشيء ، أي آخره كأدبار الصلوات . والتدبر: النظر في أدبار الشيء، والتفكير في عاقبته، وقد است عمل في كل تأم ل يقع من الإنسان في حقيقة الشيء أو أجزائه أو سوابقه أو لواحقه أو أعقابه(1). وجاء في صيغة التفعل، ليدل على تكلف الفعل وحصوله بعد جهد . والتدبر: حصول النظر في الأمر المتدبر مرة بعد مرة . وقال البغوي(2) عند قوله: " ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ [النساء: 22] يعني أفلا يتفكرون في القرآن والتدبر"هو النظر في آخر الأمر، ودبر كل شيء آخره ". والمراد بالتدبر: هو التأمل والتفكر والنظر في مآلات الآيات ودلالاتها وآثارها، وهو في الحقيقة اس تخدام للعقل والفكر أثناء القراءة ؛ ليتواطأ اللسان مع القلب والعقل مع التفكير وبهذا نصل إلى الغايات التي من أجلها أ نزل القرآن، وهو ارتباط مباشر بين تلاوة الآية ودلالتها وآثارها دون دخول في تفاصيل الأحكام (3) ويفهم من ذلك .. جم ع الفكر على تدب ر وتعق ل معانيه .. أو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الآيات ومراميها . ومع ضعف الأمة في العصور المتأخرة تراجع اهتمامها بالقرآن وانحسر حتى اقتصر على الحفظ والتجويد والتلاوة فقط بلا تدبر ، ولا فهم لمعانيه ومراداته ، وترتب على ذلك ترك العمل به أو التقصير .. فالله – سبحانه- أمرنا بتدب ره وتكف ل لنا بحفظه فانشغلنا بحف ظه وتركنا تدب ره.. والمراد بالتأكيد: التوازن بين الحفظ والتلاوة والتجويد من جهة وبين الفهم والتدبر، ومن ثم العمل من جهة أخرى .. مع الاهتمام بالحفظ والتجويد.. وليس إهمال التلاوة والتجويد أو الهجر -والعياذ بالله - إن لم يكن التدبر. (1) ينظر: روح المعاني : للألوسي (2 :92.) (2) معالم التنزيل: الحسين بن مسعود البغوي (تفسير البغوي)، المجلد الأول، ص255. (3) القرآن بين القراءة والتدبر والعمل : أ.د. ناصر العمر (برنام الشريعة والحيااة – فضاائية الجزيارة (مقابلاة وحاوار معاه الأحد 11/2/2113.))
عدد الصفحات ٥5 إن القرآن كثيراً ما صرح بأن الغاية منه التدبر، وإن كانت الغاية عن نزوله أبعد وأعظم من ذلك، ولكن كثيراً ما جعلها القرآن غايته لأهميتها ، فتدبر القرآن هو أساس العمل بالقرآن وتحكيم القرآن وتعظيم القرآن، ولا يمكن تلاق أن تعبر إلى تلك المراحل العملية من التطبيق والعمل والتحاكم وغيرها إلا عبر جسر التدبر(1). ثانياا: مواضع الأمر بتدبر القرآن : وقد جاء الأمر بتدبر القرآن في أربعة مواضع .. والعجيب أن آيتين نزلت ا في سياق المنافقين وهما قوله تعالى : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ [النساء22 ]وقوله تعا : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ [محمد21.] وجاءت آيتان في سياق الكفار وهما قوله تعالى : ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ [المؤمنون52 ]وقوله تعا : ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [ص29]. وليس نزول ايات في سياق غير المؤمنين يعني أن المؤمنين لا ي طلب منهم التدبر، بل هم مأمورون به وداخلون في الخطاب من باب أولى ؛ لأنهم أهل الانتفاع بتدبر القرآن (2). وتحتمل آية سورة (ص) أن يكون المؤمنون داخلون في الأمر بالتدبر، ويشهد له قراءة من قرأ "لتدب روا آياته" بالتاء(3)، بمعنى لتدبره أنت يا محمد وأتباعك (1). وقد عاب ا–سبحانه- على المنافقين الإعراض عن التدبر في القرآن، وفي فه م معانيه المحكمة، وألفاظه البليغة ، ففي تدب ره يظهر برهانه ويسطع نوره وبيانه (وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَي رِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخ تِ لاَفاا كَثِيراا) أي لو كان هذا القرآن مختلفاً كما يزعم المشركون والمنافقون لوجدوا فيه تناقضاً كبيراً في أخباره ونظمه ومعانيه ولكنه م ن زه عن ذلك، فإخباره صدق، ونظمه بليغ، ومعانيه محكمة فدل على أنه تنزيل الحكيم الحميد(2). (1) أفلا يتدبرون القرآن : أ.د. ناصر بن سليمان العمر، ط1،1132ها/2111م، دار الحضارة، ص 7. (2) مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفس ر: د. مساعد بن سليمان الطيار، ص125. (3) ينظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن : الطبري (23 :123.) (1) هااي قااراءة أف جعفاار الماادني ماان العشاارة، وقااد ن ساابت إلى عاصاام.. ينظاار تفسااير الطاابري (المرجااع السااابق ) (23 : 123.) (2) ينظر المرجع السابق الصفحة نفسها .
عدد الصفحات ٦6 وقال البغوي: "[فِيهِ اخ تِلاَفاا كَ ثِيراا] :أي تفاوتاً وتناقضاً كثيراً"(1)،"قاله ابن عباس، وقيل : لوجدوا فيه أي: في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافاً كثيراً .. لأن ما لا يكون من عند الله فيه تناقض واختلاف"(2). كما ذكر الصابوني في تعقيبه على قوله تعا: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ: أي أنزلنا عليك يا محمد كتاب اً عظيماً جليلاً : كثير الخيرات والمنافع الدينية والدنيوية [لِّيَدَّب َّرُوا آيَاتِهِ ] أي أنزلناه ليتدبروا آياته ويتفكروا بما فيها من الأسرار العجيبة والحكم الجليلة، [وَلِيَتَذَكَّرَ أُو لُوا الأ َل بَابِ ] أي ويتعظ بهذا القرآن الكريم أصحاب العقول السليمة. قال الحسن البصري : والله ما تدب ره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول : والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً، وقد أسقطه والله كله، ما ي رى للقرآن عليه أثر في خ لق أو عمل(3). وعند قوله تعالى : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ الاستفهام توبيخي أي: أفلا يتفهمون القرآن ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر ؛ حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات (1) .وقد عقب البغوي فقال : " فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه؛.. أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا بشر حدثنا حاد بن زيد، حد ثنا عروة بن هشام عن أبيه قال: تلا رسول الله :[أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ ال قُر آنَ أَم عَلَى ق ُلُوب أَق فَالُهَا] فقال شاب من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به "(2). كما قال ابن كث : " يقول الله –تعالى- آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً عن الإعراض عنه وعن تفه م معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: [أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ ال قُر آنَ ] :فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب "(5). وذكر ابن كثير عن ابن مسعود عند تفسير قوله تعا : ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ [البقرة : 121 ]قال: " والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يح ل حلاله ويحر م حرامه ويقرأ كما أنزله الله "(7)، وقال الشوكا :" [ي َت لُونَهُ] :يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر "(2). (1) صفوة التفاسير، تفسير القرآن الكر : محمد علي الصابوني، المجلد الأول، ص292. (2) معالم التنزيل، البغوي، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 255. (3) صفوة التفاس: الصابوني، مرجع سابق، مجلد 3، ص22. (1) المرجع السابق، مجلد 3، ص212. (2) معالم التنزيل: البغوي، مرجع سابق، مجلد 1، ص151. (5) تفسير القرآن العظيم : ابن كثير، مجلد 3، ص351. (7 )تفسير القرآن العظيم : ابن كثير، مرجع سابق، مجلد 1، ص113. (2) فتح القدير: الشوكاني، مجلد 1، ص132.
عدد الصفحات ٧7 وبمتابعة العلماء وأقوالهم السابقة من التدبر يمكن أن نخلص للتالي: التدبر هو النظر في عواقب الأمور وما تؤولإليه، ويمكن أن نفهم التدبر بأنه التفكر الشامل الواصل إلى أواخر الدلالات للآيات ، ومراميها البعيدة وآثارها . أن تقد م الأمة وخيريتها كان باهتمامها بكتاب ربها إيماناً وحفظاً وتلاوة وتدبراً وفهماً وعملاً .. وإن تأخرها كان بهجر القرآن أو بعدم تدبره وتطبيقه والعمل به .. والاهتمام بالتلاوة –مع عظيم أجرها - لكن بلا تدبر.. وانصرافها وكأن القرآن العظيم الذي رفع ذ كر الأمة .. جاء للتلاوة في المياتم وافتتاح المناسبات.. أو وض عه للزينة على الرفوف والجدران . وقد عاب الله على المنافقين والكفار عدم تدبر القرآن – وأثبت لهم التلاوة-، وأن نزول الآيات الداعية والآمرة للتدبر – وإن كان في سياق غير المؤمنين .. لا يعني أن المؤمنين لا ي طلب منهم التدبر، بل هم من باب أولى مأمورون به، وداخلون في الخطاب من باب أولى ؛ لأنهم أهل الانتفاع بتدبر القرآن . جاءالأمر بتدبر القرآن ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ أمر صريح بالتدبر ، والأمر للوجوب . أن التدبر يوصل للغايات التي أنزل من أجلها القرآن ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ وأن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر .. لا مجرد التلاوة فقط على ع ظم أجرها . ثالثاا : أهمية التدبر : 1. يحقّق التدبر المتثال لأمر الله –سبحانه- .. فهو أمرنا بالتدبر سبحانه وعدم هجرانه والإعراض عنه، كما يحقّ ق الغاية المقصودة من وراء إنزال القرآن. قال ابن كثير : " يقول الله –تعالى- آمراً عباده بتدبر القرآن ، وناهياً لهم عن الإعراض عنه ، وعن تفه م معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ فهذا أمر صريح بالتدبر للوجوب "(1) وقال أيضاً : " قال الله –تعالى- ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ [الفرقان : 31] . وترك تدبره وتفه مه من هجرانه "(2). وقال ابن القيم: " هجر القرآن أنواع .. الرابع: هج ر تدبره وتفه مه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه "(1) .. ففي التدبر امتثال لأمر الله بالتدبر وعدم الهجران . (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مرجع سابق، مجلد 3، ص351. (2 )تفسير القرآن العظيم : ابن كثير، مرجع سابق، مجلد 5/ص112.
عدد الصفحات ٨8 والامتثال لأمر الله في التدبر كما ذكر شيخ المفسرين الإمام الطبري : أن المراد بتدبر كتاب الله : "تدب ر ح ج الله التي في القرآن ، وما ش رع فيه من الشرائع للاتعاظ والعمل به "(2). وذكره الشيخ محمد أمين الشنقيطي بقوله : " تدبر آيات هذا القرآن العظيم أي تصف حها، وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها "(3). فالتدبر هو سبب الإيمان والعمل؛ لأنه يحتاج إلى النظر في آيات الله، والتفكر فيها وتفه مها، وإدراك ما فيها ؛ وذلك من أجل الاتعاظ والعمل.. وإلا كيف سيكون العمل بالقرآن دون تدب ره وفه م مراميه وأغراضه ؛ لأننا مأمورون بالعمل بما فيه من الأوامر والنواهي والاعتبار.. ولا يكون ذلك إلا بالتدبر . 2. يحقّ ق التدبر منهج السنة النبوية ؛ لأن التدبر هو منهج النبي : فعن أف هريرة أن رسول ا قال: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسو نه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحة، وحف تهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده "(1) فالسكينة والرحة وال ذكر مقابل التلاوة المقرونة بالدراية وا لتدبر. ونشاهد في واقعنا التركيز على التلاوة دون التدبر . وروى حذيفة :أنه صلى مع الن ذات ليلة فكان يقرأ مسترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سب ح، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعو ذ تعو ذ(2) .فالتسبيح والسؤال والتعوذ ثمرة طبيعية وتطبيق لتدبره عليه الصلاة والسلام. كما نجده عليه الصلاة والسلام يهتم بالتدبر على التلاوة أحياناً أو كثرتها ، فيقرأ آية واحدة في ليلة كاملة، فعن أف ذر قال: "صلى رسول الله ليله فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ [المائدة112]" (5). 3. أن تدبر القرآن ضرورة، وواجب على كل مسلم : "لأنه مصدر عز نا، ولأنه منه النبي ، كما قال الإمام مالك : فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها " (1)، وهل صلحأولها إلا بالكتاب والسنة. (1) بدائع التفسير، ابن القيم، مجلد2، ص292. (2) "تفسير الإمام الطبري": (23/123.) (3) أضواء البيان: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (7/129.) (1) رواه مسلم،(ح/2599.) (2) رواه مسلم،(ح/772.) (5) رواه أحد، (ح/21352.)
عدد الصفحات ٩9 فالتدبر في معانيهما هو السبيل للإصلاح بهما، وهو السبيل لربط واقع الأمة بالكتاب والسنة ، وكما يقول الرسول :"تركت فيكم لن تضلوا ما تمسكتم به كتاب الله وسنة نبيه"(2)، ولا تمسك بلا فهم وتدب ر وهما سبيل الفقه في الدين، وقد دعا النبي ربه لابن عباس -رضي الله عنهما - أن يعل مه التأويل وأن يفق هه في الدين، فكان حبر الأمة وترجمان القرآن . وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: "من يرد الله به خيراً يفقه ه في الدين"(3) ، وتدبر القرآن من أعظم سبل الفقه في الدين"(1). 4. يحقق التدبر الطمأنينة والشفاء والتثبيت: يقول الله تعالى ﭽ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﭼ [الرعد 22 ] ﭽﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ [هود121 ]ﭽﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ [الإسراء 22.] ولن تتحقق هذه الطمأنينة وهذا التثبيت وهذه الرحة وهذا الشفاء، إلا بالاستماع والإنصات والتدبر (2) ، ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ [الأعراف 211.] 5. التدبر من أعظم الوسائل في بيان الفرقان بين الحق والباطل(5):ﭽﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ [ الأنفال22 ] 6. تدبر القرآن هو العاصم من شبهات الطاغين في القرآن الكريم(1): (1) ليدبروا آياته: أ.د. ناصر بن سليمان العمر، الجزء الأول، ص 11، وأورد سماحته في الهامش : "ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 2/22 نصاً للإماام مالاك نقلاه عان كتااب"المبساوط" للقاضاي إسماعيال بان اساحاق الجهضامي المااالكي (ت222هاا) يتضامن هاذه العبااارة بهاذه الصايغة : ولا ي صالح آخاار هاذه الأماة إلا مااا أصلح أولها". (2) الموطأ(3332.) (3) أخرجه البخاري برقم (71 )1/22 ، ومسلم برقم (1137 )2/712 . (1) ليدبروا آياته، أ.د. ناصر العمر، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 11. (2) المرجع السابق، الصفحة 11. (5) المرجع ا لسابق، الصفحة نفسها.
عدد الصفحات ١٠10 يعطي تدبر الكتاب أهمية عظيمة ؛ إذ به يعصم الله -سبحانه وتعالى- العبد من الانخداع بشبهات الطاغين في القرآن الكريم، فيعلم أنها أوهى من نس العنكبوت، وبهذا نراها لا تروج إلا على من ق ل علمه بالقرآن الكريم ، وضعف أو انعدم تدبره لآياته . رابعاا : وسائل التدبر : ذكر التويجري (2) عدةوسائل لتدبر كتاب الله وهي "وسائل تذكيرية " نذكرها بتصرف : الوسيلة الأولى: معرفة معنى التدبر. لأن معرفة المعاني يع ين على المعرفة والفهم، وأن التدبر يحتاج إلى النظر في آيات الله، والتفكر فيها، وتفهمها، وإدراك ما فيها، وذلك من أجل الاتعاظ والعمل. الوسيلة الثانية: استشعار أهمية التدبر. وذلك باستحضار الأمور الآتية: - أن التدبر هو المقصود الأعظم من إنزال كتاب الله إلينا . - بركة القرآن حيث وصفه الله بأوصاف عظيمة .. إنه كتاب عزيز ، ومبارك ، ونور ، وفرقان ورحة ، وبرهان . - أن الله جعل القلب حاسة لتدبر كتابه ، وفراغ القلب لا يسده إلا ذكر الله والتلذذ به. - ورود آيات كثيرة للثناء على من تدبر القرآن. - ذم القرآن لمن ترك التدبر. - معرفة أن التدبر من وسائل التفقه في الدين ومعرفة الحلال والحرام، حيث يتبين للمتدبر كثير من الأحكام الفقهية المتعلقة بالحياة، فيعينه ذلك على التزام أمر الله و شرعه في كافة أمور الحياة . الوسيلة الثالثة: تحصيل الأسباب القلبية الباعثة على التدبر. وهي كثيرة ومن أهمها : 1. الإيمان با ومحبته وتعظيمه. 2. الإخلاص في طلب التدبر. 3. طهارة القلب وخشوعه . (1) أفلا يتدبرون القرآن : أ.د. ناصر العمر، مرجع سابق، ص 157. (2) وسااااائل تاااادبر كتاااااب ا : عبااااد اللطيااااف باااان عبااااد الله التااااويجري (هاااادى للناااااس – مجلااااة البيااااان) الرياااااض 1132، ص157-192.
عدد الصفحات ١١11 1. تيقن أن الله ميس ر ذلك لطالبه. الوسيلة الرابعة: تحصيل الأسباب العملية الباعثة على التدبر. ومنها: - الترتيل والتغني بالقراءة . - القراءة في التهجد بالليل . - سلامة التلاوة ومراعاة التجويد . - الاستعاذة من الشيطان الرجيم . - الإنصات عند سماع القرآن . - المداومة على قراءة القرآن. - تكرير الآيات . - فهم الآيات والمعاني، ومما يعين على ذلك : حسن الاستماع . سؤال أهل العمل والذكر . القراءة في كتب المفسرين . معايشة الآيات والمعا. تعلم لغة العرب . الوسيلة الخامسة: الحذر من الوقوع في الأمور التي تصرف عن التدبر . ومن أهمها: - الإصرار على الب غي والمعاصي وأمراض القلوب . - الانشغال بالحياة الدنيا وزينتها. - قراءة القرآن على حرف . - الغفلة والإعراض . - الحرص على تتبع شواذ القراءات. - أن يكون ه م القارئ إتمام السورة دون التدبر والفهم . - الانشغال بتتبع المبهمات التي تصرف عن التدبر النافع. - ترك التدبر من المتمكن بحجة التورع .
عدد الصفحات ١٢12 وينهي التويجري بعد ذكر وسائله المختصرة بالقول : " تبقى وسيلة مقاصدية عظيمة وهي: معرفة ثمار ونتائ تدبر كتاب الله ؛ وذلك لأن فيها المفتاح العظيم لكل خير وصلاح في حياة الأفراد والمجتمعات، ولها نتائ مبهرة في جميع المجالات الإيمانية، والتربوية، والأمنية والنفسية "(1). ثم يردف بالقول : " فإن أردت –يا أخي المبارك - زيادة الإ يمان واليقين، وحصول البركة والأمن، والهداية والتوفيق، ورقة القلب والخشوع، والراحة النفسية، وح سن الخلق، وشفاء البدن والقلب، والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة فالزم يديك بهذا الحبل المتين، وهو تدب ر كتاب الله العظيم، وع ش في ظلاله، وانعم في رحابه، فهذه –والله- هي السعادة الحقيقية والنجاة الأبدية، ولقد أحسن الإمام ابن القيم حين قال: "القرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤه ل ولا ي وف ق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل المتداوى به، ووض عه على دائه بصد ق وإيمان ، وقبول تام ، واعتقاد جازم واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقط عها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحماية منه إن رزقه الله فهماً في كتابه"(2). خامساا: موانع التدبر : ذكر الشيخ العمر أن موانع التدبر كثيرة ومن أهمها (3): 1. أول موانع تدبر القرآن أمراض القلوب : من الرياء والحسد والغ ل والحقد، ولهذه الأدواء أثر عظيم، يحجب القلب ويمنعه التلذذ بالقرآن والتدبر لآياته. 2. اعراض عن تلاوة القرآن : فالتلاوة مفتاح التدبر ومقد مته، وهذا الإعراض قد يكون بسبب انشغال المرء بدنياه عن آخرته، وقد يكون بسبب انشغاله بشيء من أمور الآخرة كطلب العلم والدعوة إلى الله وغير ذلك، ومهما كانت الأسباب فلا شك أن من أعر ض عن تلاوة القرآن الكريم قد غبن نفسه وحرمها من خير كثير . 3. الانشغال بالتلاوة أو الحفظ عن التدبر: بحيث يكون كل هم الإنسان أن يست كثر من التلاوة أو الحفظ دون أن ي لقي بالاً لتدبر ما يقرأ. 1. ما يدعيه بعضهم من أن فه م القرآن الكريم وتدب ره لا يقدر عليه كل أحد : (1) وسائل تدبر كتاب ا .. التويجري، المرجع السابق، ص 191. (2) زاد ا عاد (1/322.) (3) أفلا يتدبرون القرآن : أ.د. ناصر بن سليمان العمر، مرجع سابق، ص 127-151 بتصرف .
عدد الصفحات ١٣13 وإنما هو للمتخصصين فقط، ولا شك أن هذا تلبيس من الشيطان، و فيه حق وباطل، أما الباطل فهو أن هذا ليس في كل القرآن، فإن فيه ما هو واضح جلي لكل أحد. 2. ما يدعيه بعض الناس من خطورة تدبر القرآن الكريم : "يقول الوزير العابد العادل أبو هبيرة الحنبلي -رحه الله - : " من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن ؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول : هذه مخاطرة ، حتى يقول الإنسان : أنا لا أتكلم في القرآن تور عاً "، ثم يضيف الشيخ العمر -حفظه الله- : "أما من يتدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق، وهل أ نزل القرآن إلا لي تدبر ، فكيف يضل قوم تدب روا ما أرسل الله به رسله إليهم ، واتبعوا ظاهر ما جاءهم من ربهم الذي خاطبهم بما يعقلون، وأرشدهم إلى ما يمك نهم"(1). سادساا : شروط التدبر في القرآن : ذكر العمر(2) أن هناك صوارف أو عوائق تصرف القارئ عن التدبر .. منها صوارف أصيلة كالظلم، الكبر، التجبر على الناس، فق دان الإيمان قبل ذلك.. وإن هناك صوارف عارضة كانصراف القارئ بقضية معينة أو أمر طارئ .. ومما يعين على تدبر القرآن القناعة بأهميته –كما أسلفنا- وأنه واجب وم هم ، وسر السعادة في الحياة، كذلك قوة الإيمان وما يورثه من نور في القلب .. والمطعم الحلال .. والابتعاد عن ا لطغيان والظلم والصدق مع الله.. ادعو ا الله وأنتم موقنون في الإجابة. كما بين الكيلاني أنه لكي يكون التدبر في القرآن سليماً ومفيداً لابد من توفر مجموعة من الشروط وهي(3) باختصار: 1. الملاحظة العلمية الدقيقة: إذ أن قسطاً كبيراً من التقدم العلمي الحديث يعود إلى تمت ع الذين ساهموا فيه بمهارات الملاحظة وح سن استعمال أبصارهم وأسماعهم ثم تركيز أف كارهم ؛ ولذلك كان التأكيد القرآني على مس ؤ ولية الإنسان عن سمعه وبصره وفؤاده ؛ لأن مهارات الملاحظة الدقيقة شرط أساس في سلامة التدبر في القرآن ومقدمة للوقوف على لطائف م عانيه. 2. التروي والأناة: (1) انظر: أفلا يتدبرون القرآن : أ.د. ناصر بن سليمان العمر، من ص127-151، بتصرف . (2) القرآن بين القراءة والتدبر والعمل : أ.د. ناصر العمر في لقاء الشريعة والحياة، مرجع سابق. (3) مناه التربية الإسلامية والمربون العاملون فيها : د. ماجد عرسان الكيلاني، ص 311 بتصرف .
عدد الصفحات ١٤14 ويراعى في التدبر التدرج وعدم الاستعجال ؛ لأن في التدرج مراعاة لقوانين التعلم، وهو ما كان عليه تلامذة الرسول ، فقد أتى رجل زيد بن ثابت فقال : كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ قال : ذلك حسن، ولئن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي . وسلني لم ذلك؟ قال: فإني أسألك! قال زيد : لكي أتدبر وأقف عليه(1). ولقد تعلم عمر بن الخطاب سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وعندما ختمها نحر جزوراً، أما ابنه عبد الله فقد مكث على نفس السورة ثمان سنوات (2). 3. رفعة الهدف وص دقه: يراعى في التدبر البحث عن الحقيقة وبلوغ "اليقين" ؛ لأن مستوى قراءة التدبر يتناسب مع الهدف الذي كانت القراءة من أجله، والذي يقرر مستوى الفهم في القراءة هو تدر جه و ص دق الهدف ورفعته، وأ على مستويات أهداف القراءة ما كان "باسم الله" ؛ ولذلك افت تحت كل سورة بالبسملة ، وكان الأمر بالاستعاذة بالله من ال شيطان عند القراءة ؛ لأن الأفكار والظنون والثقافات المنحرفة عن قصد وعمد- تهبط بالقارئ إلى أهداف دنيا تحول بينه وبين تدبر الآيات التي يقرؤها . 1. عدم التسرع في تقبل واردات الفهم : خلال التدبر تتوارد الأفكار وأنواع الفهم ويكون لها في بدايتها بريق خاص لا يقاوم . وهنا يجب الحذر من التسرع في تقبل أفكار الفهم الحاصل إلا بعد التأكد من خل وها من الفهم الذي يصطدم بأصول التوحيد ويتعارض معه، والفهم الشخصي الذي يخدم تحيزات الإنسان ويبر رها، سواء في حالات التحيز القائم على الحب أو التحيز القائم على الكره . 2. الرجوع إلى المصادر ال لغوية والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموثوقة مع التمكن من مناه البحث فيها جميعاً . 5. الثقة بالنفس والاجتهاد ما أمكن: إذ لا يجوز للمسلم وهو يتدبر في القرآن أن يستصغر ما يعل مه الله، ولا يذوب في أفهام الآخرين وتفاسيرهم، صحيح أن تفاسير السابقين تلقي الضوء على الطريق ، ولكنها لا يجوز أن تقفل التفكير وتصيب العقل بالجمود والتحجر، وعلى الإنسان أن يرف عقله على الإبداع في حدود الدين ، وليس خارجاً عنه ؛ حتى لا يقع في البدعة المنهي عنها في الشرع. (1) الجامع لشعب الإيمان: البيهقي، ح2، ص9. (2) الجامع لشعب الإيمان، البيهقي، ج1، ص211-212.
عدد الصفحات ١٥15 المبحث الثاني أحوال السلف في تدبر القرآن الكريم (قراءة وتدبراا وعملاا ) وأثر ذلك في نهضة الأمة وخيريتها (كيف أصبح ذلك الجيل جيلاا قرآنياا فريداا ) من المؤكد أنه كان للقرآن الكريم أبلغ الأثر في نفوس الصحابة -رضي الله عنهم جميعاً -، فلم يكن تلق يهم له بأفواههم فحسب، بل استقر في قلوبهم، ورسخ في نفوسهم، وسما بحياتهم نحو آفاق العبودي ة لله وحده لا شريك له .. فاختارهم الله –سبحانه- لصحبة حبيبه وسيد ولد آدم .فكانوا أهل النصح للقرآن الكريم بتعظيمه، وإعطائه ما يستحق من القدر والإجلال والأدب. وبذل الجهد والطاقة في تحقيق المقصد من إنزاله .. ترى كيف تعامل ذلك الجيل القرآني مع القرآن من حيث تدبره .. وتعلمه وتعظيم أهله.. وتطبيقه؟ فأصبحوا كذلك : (أ) بتدبر القرآن: فكان ذلك الجيل أهل التدبر والتفكر والتذكر .. ونور د أمثله على سبيل المثال لا الحصر. عن علي :ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر! (1) . وقال ابن عباس-رضي الله عنهما - : لأن أقرأ (إذا زلزلت ) و(القارعة ) أتدبرهما، أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيراً (2). وعن زيد بن ثابت :لأن اقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر، و لأن أقرأه في عشر أحب من أن أقرأه في سبع : أقف وأدعو(3). وذلكأن الأناة في القراءة تتيح الفرصة للتأمل والتدبر، وهو الغاية المنشودة من القراءة (1) .والقرآن كما ر وى في الحديث : "لا تنقضي عجائبه.. ولا يخ ل ق على كثرة الرد، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"(2). (1) فضائل القرآن لابن الضريس (ص19. ) (2) ذكره أبو طالب المكي في القوت، و نقله عنه الغزالي الإتحاف شرح الإحياء للزبيدي (1/172.) (3) ذكره الزبيدي في الإتحاف (1/172)، ورواه ابن أف شيبة في المصنف. (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم : د. يوسف القرضاوي، ط 1، دار الشروق، ص171. (2) رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه برقم (2912.)
عدد الصفحات ١٦