المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من الفساد المالي ببينتها السنة النبوية

محمد عودة الحوري

صفحة ٢ من ٤

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 3 قال محمد بن إسحا- رحمه الله-: معنى: «لا جَلَ َ»: لا تُجْلَ ُ الصدقاتُ إ المصدِّ . و«لا جن»لا ينزِلُ المصدِّ بأَقصى موابع أصحاب الصدقة، فَتُجنَ ُ إِليه، ولكن تؤخذ من الرَّجُل في موبعه(42) . يقول الخطابي- رحمه الله-: "لا ينبغي للمصد أن يقيم بموبع، ثـم يرسـل إلى أهل الميال فيجلبوا إليه مواشيهم، فيصدقها. ولكن؛ ليأتهم على مياههم حتى يصدقهم هناك(43) " .وقال ابن الأث-رحمه الله-: " فنُهِيَ عن ذلك، وأُمِـر أن تُؤخَـذَ صَـدَقَاتُهم على مِيَاهِهم وأماانهم "(44) . ساببا: استغلال الساعي على الزكاة وظيفته لتحقيق مكاسب شخصية. ومن صور هذا الاستغلال: 1- قبول الهدية التي تهدى بسب الوظيفة. وهذا جلي فيما روال أبو حميد الساعدي -ربـي الله عنـه -: قـال : «اسـتعمل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-رجلا من الأَزدِ -يقال له: ابن اللُّتْبِيَّـة - علـى الصـدقة ، فلما قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، قـال : فقـام رسـولُ الله -صـلى الله عليـه وسلم-، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ، فإِني أستعمل الرجـل مـنكم علـى العمل مما ولّاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدَّيةٌ أُهديت لي، أفـلا جلـس في بيت أبيه، وأُمه، حتى تأتيَه هَدِيَّتُهُ إن اان صادقا؟ واللهِ لا يأخذ أَحدٌ منكم شـيئا بغـير حَقِّه؛ إِلا لَقيَ الله يحمله يوم القيامة...؟»(45) . فهذا " الحديث يدل أن ما أهدي إلى العامل في عمالته، والأمير في إمارته؛ شكرًا لمعروف صنعه؛ أو تحببًا إليه، أنه في ذلك اله اأحد المسلمين، لا فضل له عليهم فيـه ؛ لأنه بولايته عليهم نال ذلك، فإن استأثر به؛ فهو سـحت ، والسـحت اـ ل مـا يأخـذل

عدد الصفحات ١٩

4 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ العامل والحاام على إبطال حق أو تحقيـق باطـل ، واـذلك مـا يأخـذل علـى القضـاء بالحق"(46) . 2- اتمان بعض أموال الزااة. يعد اتم بعض الزااة خيانة، وهو غلول؛ النار أولى به وصاحبه. قـال : رسـولُ الله -صلى الله عليه وسلم-«من استعملنال منكم على عملٍ، فَكتَمَنَا مِخْيَطا فما فوقه، اان غُلُولا، يأتي به يوم القيامة... من اسـتعملنال مـنكم علـى عمـل فَلْيَجـيءْ بقليلـه واثيرل، فما أُوتيَ منه أَخذَ، وما نُهيَ عنه انتهى»(47) . قال القرط- رحمه الله- يذار فوا د الحديث: "يـدلّ علـى أنـه لا يجـوز لـه أن يقتطع منه شيئًا لنفسه، لا أجرة ولا غيرها، ولا لغيرل، إلا أن يـأذن لـه الإمـام الـذي تلزمه طاعته"(48) . ثامنا: الرجوع بالصدقة رجوعا كليا أو جزئيا. ومن صور الفساد في الصدقات رجو صاحبها بها: اليا أو جز يـا ، أمـا دليـل النهي عن الرجو اليا في الصدقة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-«لَيْسَ لَنـا مَثَلُ السَّوء، الذي يعود في هبته؛ االكل يرجع في قيئه»(49) . وأما صورة الرجو الجز ي عن الصدقة ما روال عمر بن الخطـاب-ربـي الله عنه -: قال: «حَمَلْتُ على فر في سبيل ا، فأباعه الذي اان عنـدل ، فـأردتُ أن أشتريَهُ، وظننتُ أنَّهُ يبيعه بِرُخْص، فسأَلتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-؟ فقـال : لا تشترِ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وإِن أعطااـه بـدرهم ، فـإِن العا ـد في صـدقته االعا ـد في قَيْئه»(50) .

عدد الصفحات ٢٠

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري ٥٥ وبين ابن حجر – رحمه الله- صورة ذلك الرجو مع أن ظاهرل البيـع فيقـول : "الْعَادَةُ تَقْتَضِي بَيْعَ مِثْلِ ذَلِكَ بِرُخْصٍ لِغَيْرِ الْمُتَصَدِّ ِ، فَكَيْفَ بِالْمُتَصَدِّ ِ! فَيَصِيرُ رَاجِعًا فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ فِيهِ"(51) . تاسبا: صور من الفساد المالي قد تُلحق بالصدقات . ومما قد يلحق بالفساد المالي المتعلق بالصدقات لقربه منه في المعنى: أولا: الكسب المالي الناتج عن الجور في البطية. تعدّ العطية من وسا ل الكس المشرو ، إلا أن بعض النا يتعدى في أعطيته، ومن صور التعدي في فيه والتي منعتها السنة النبوية أن يعطي الوالد بعض ولـدل دون بعض. اما في خ النعمان بن بشير -ربي الله عنهما -قال: إِن أبالُ أتى بـه رسـولَ الله - صلى الله عليه وسلم-. فقال: إِني نَحَلْتُ ابني هذا غُلاما اان لي. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: (أالَّ ولدك نحلته مثل هذا؟) فقـال : لا، فقـال رسـولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: (فأرجعه)(52) . وقد جمع ابن القيم ألفاظ الحديث وعلق عليها قا: "وَفِي لَفْظ هَذَا جَوْر أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي. وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ قَوْله أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي لَيْسَ إِذْنًـا ؛ بَـلْ هُـوَ تَهْدِيد لِتَسْمِيَتِهِ إِيَّالُ جَوْرًا. وَهَذِلِ اُلّهَا أَلْفَاظ صَحِيحَة صَرِيحَة فِي التَّحْرِيم وَالْبُطْلَان مِنْ عَشَرَة أَوْجُه تُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث"(53) . ثانيا: الوصية بأكثر من الثلث. حثت الشريعة على الت بالمال، ورغبت ببذله في أبواب الخير، إلا أنها نبهـت على أن التطو لا ينبغـي أن يخـل بـالفروض ، أو أن ينـتقص مـن حقـو أصـحاب الواجبات، ويتجلى هذا المعنى فيما روال سعد بـن أبـي وقـ اص - ربـي الله عنـه -

عدد الصفحات ٢١

6 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ قال: «جاءني رسول ا-صلى الله عليه وسلم-يعودني، عامَ حَجَّة الودا ، من وجع اشتدّ بي. فقلتُ: يا رسول الله، إِني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مـال ، ولا يَرثُنِي إِلا ابنة لي، أَفأَتصدَّ بثلثي مالي؟ قال: لا. قلتُ: فالشَّطْر يا رسول الله؟ فقال: لا. قلتُ: فالثلث؟ قال: فالثلث، والثلث اثير-أو ابير -إنك أن تَـذَرْ ورثتـك أغنيـاء خير من أن تَذَرهم عالَة يَتَكَفَّفُون النا َ، وإنك لن تُنفقَ نفقة تبتغِي بهـا وجـه الله إِلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعلُ في فِيِّ امرأتك...»(54) . فمنْعُه صلى الله عليه وسلم سعدا من الت بكل ماله جـاء معلـلا ، قـال ابـن هبيرة- رحمه الله- معلقا: "خير دليل على أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير من تـراهم فقراء إذا أمكنه؛ لأن الخلق عيال الله، وهذا المتصد (فإنما) يخر ماله إلى بعض عيال الله عز وجل، وورثته (فهم) من بعض عيال الله عز وجل، فإذا عزم علـى التصـد ، فالأولى أن يبدأ بمن يجمع بين الصدقة عليه وبين صـلة الـرحم فيـه مـن ورثتـه ؛ ولأن الرجل ااس لورثته في حال حياته، فقد سعي لهم مدة حياته؛ فإذا ترك لهم بعدل شيئًا اان أيضًا االساعي لهم بما ترك لهم من ماله في أيديهم"(55) . المطلب الثاني: صور الفساد المالي التي تقع في الجهاد. يعد الجهاد من أعظم فرا ض الإسلام؛ بل هـو ذروة سـنام هـذا الـدين ، ومـع ذلك فقد يشوبه ما يعكر صفول، ويؤثم صاحبه، ويوقعه في معصية، فيسيء؛ وهو يظن أنه محسن. وأاثر ما يعكر صفو الجهاد -بعد الرياء- الفساد المالي الذي قـد يقـع فيـه المجاهد؛ لذا حذرت السنة النبوية أن يبتغي الغازي الفساد في الأرض. روى معاذ بن جبل - ربي الله عنه -: قال: قال رسـول الله صـلى الله عليـه وسلم: «الْغَزْوُ غزْوانِ، فأمَّا من اْبتَغَى وجْهَ اللهِ، وأَطا َ الإمامَ، وأنْفَقَ الكَريمة، وياسَـرَ

عدد الصفحات ٢٢

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 7 الشَّريكَ(56)،واْجتنَ َ الفَسادَ، فإنَّ نَوْمَهُ ونُبْهَهُ أْجرٌ اُلُّهُ، وأَّما من غَزَا فَخْـرا ، ورَيِـاءَ ، وسُمْعَة، وعَصَى الإمام، وأفسد في الأرضِ، فإنَّهُ لم يرَجِعْ بالكَفافِ»(57) . ومعنى قوله (وَاجْتَنَ َ الْفَسَادَ): " أَيِ: التَّجَاوُزَ عَـنِ الْمَشْـرُو ِ : قَتْلًـا ، وَبَـرْبًا ، وَتَخْرِيبًا، وَنَهْبًا، عَلَى قَصْدِ الْفَسَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَـالَى : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ البقرة: 60؛ أَيْ: لَا تُفْسِدُوا فِيهَا حَالَ اَوْنِكُمْ قَاصِـدِينَ الْفَسَـادَ ، بَـلْ مُرِيـدِينَ صَـلَاحَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ "(58) . ومن أبرز صور الفساد التي نبهت إليها الأحاديث الشريفة: أولا: الغلول. " وَأَصْلُ الْغُلُولِ الْخِيَانَةُ مُطْلَقًا، ثُمَّ غَلَ َ اخْتِصَاصُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْخِيَانَةِ فِـي الْغَنِيمَةِ"(59). فكان من هديه صلى الله عليه وسلم حينما يسير جيشـا أو سـرية أن يحـذرهم من الغلول، ويوصيهم بتراه. يدل على ذلك ما روال بُرَيْدةُ - ربي الله عنـه - قـال : (اان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّرَ أميرا على جيشِ، أو سـريَّةٍ ، أوْصَـالُ في خاصَّته بتقْوى الله، ومَنْ معهُ من المسلمين خيرا، ثم قال: اغْـزُوا باسْـمِ الله في سـبيل الله، قاتِلوا مَنْ افر بالله، اغزوا، ولا تغُلُّوا،...)(60) . ويؤاد صلى الله هذل الوصية لأصحابه ببيان عظيم شأن الغلـول، امـا صـرح أَبُو هُرَيْرَةَ -ربي الله عنه – قَـالَ : قَـامَ فِينَـا الـنبي -صـلى الله عليـه وسـلم -فَـذَاَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَلُ، قَالَ: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَاُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِـهِ شَـاةٌ لَهَـا ثُغَاءٌ (61) عَلَى رَقَبَتِهِ، فَرَ ٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ(62)، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أغثني. فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ...»(63) .

عدد الصفحات ٢٣

8 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ ويستوي في هذا الأمر قليل الغلـول واـثيرل ، فربمـا يتسـاهل بعـض الغـزاة في يسيرل: لا يتفطن له، أو يهتم به، فجاء الحديث مبينا لخطورة ذلك فيما روى عَبْدُ اللَّـه بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: اَانَ عَلَى ثَقَلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ يُقَالُ لَـهُ اِرْاِـرَةُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «هُوَ في النَّارِ» .فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا)(64) . وفي حديث آخر: أَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْ ِ(65) .- يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ- لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -غُلاَمًا - يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ-، فَوَجَّهَ رَسُـولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا اَانَ بِـوَادِي الْقُـرَى بَيْنَمَـا مِـدْعَمٌ يَحُهُّ رَحْلاً لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -إ ِذَا سَهْمٌ عَا ِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّـا ُ : هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَـدِلِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَـارًا » . فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النا ُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَااَيْنِ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسـلم -، فَقَالَ: "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ" أَوْ "شِرَااَانِ مِنْ نَارٍ"(66) . قال ابن عبد ال-رحمه الله-: "وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: شِـرَاكٌ أَوْ شِـرَااَانِ مِـنْ نَارٍ.. فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُلُ فِي الْغَزْوِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ"(67) . ثانيا: تقسيم كل ما يُغنم . ودليل هذا ما روال أسلم مولى عمر -ربي الله عنه -: أنَّهُ سَمعَ عمـر يقـول : (أمَا والذي نفْسِي بيدِلِ، لَوْلا أن أتْرُكَ آخِرَ النَّا بَبَّانا، ليس لهم من شيءٍ، ما فُتِحَـتْ عليَّ قَرْيةٌ إلاَّ قسَمْتُها، اما قسَم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خي َ، ولكني أتْرُاُهَا خِزانة لهم يقْتَسِمُونَهَا)(68) .

عدد الصفحات ٢٤

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 9 قال ابن الجوزي-رحمه الله-: "قَوْله: ببانا: أَي شَيْئا وَاحِدًا، اَمَا تَقول: هـ م بـأ وَاحِد، وَالْمعْنَى أَنهم يستوون فِي الْفقر والحرمـان ، إِذْ لَـا شَـيْء لَهُـم يرجعُـونَ إِلَيْـهِ ، وَلذَلِك قَالَ: لكني أتراها خزانَة لَهُم يقتسمونها: أَي يَنْتَفِعُونَ بفوا دها مَعَ بَقَاء أَصْلهَا لَهُم، االعرا ".(69) وقال ابن الأث: (أي أتراُهم شيئا واحدا؛ لأنه إذا قَسم الـبلاد المفتوحـة علـى الغانمين بَقِيَ من لم يَحْضر الغنيمة، ومن يجـيء بعـدُ مـن المسـلمين بغـير شـيء منهـا ؛ فلذلك تراها لتكون بينهم جميعهم)(70) . فظاهر من دلالة الحديث، وفهوم العلماء، أن المانع لعمـر ربـي الله عنـه هـو فساد المال في الم ل، لما فيه من التعدي على حق العامة. ثالثا: أخذ غنيمة غيره. أن يعمد إلى غنيمة غيرل فيأخذها، ثم يطل أن يربّى صـاحبها ، أو أن ينتفـع بشيء من الغنيمة قبل القسمة، ثم يعيدها لتقسم بعد استهلااها، أو جزء منها. ودليل الشق الأول من هذل الصورة: ما روال أَبَو قَتَادَةَ-ربي الله عنه-، قـال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ)، فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي، فَجَلَسْتُ. ثُمَّ بَدَا لِـي فَـذَاَرْتُ أَمْـرَلُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَا ِه: سِـلَاحُ هَـذَا الْقَتِيـلِ الَّـذِي يَذْاُرُ (ذَاَرَلُ) عِنْدِي، فَأَرْبِهِ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اَلَّا، لَـا يُعْطِـهِ أُصَـيْبِغَ (أُبَـيْبِعَ ) مِـنْ قُرَيْشٍ وَيَدَ َ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ؛ يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْـهِ وَسَـلَّمَ . قَـالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّالُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَـالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَام)(71) .

عدد الصفحات ٢٥

160 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ وأما دليل الشق الثاني من هذل الصـورة : فقـول رسـول اللَّـهِ صـلى الله عليـه وسلم: «مَنْ اانَ يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يرا ْ دَابَّة من فَيْءِ المسلمين، حتى إذا أعْجَفَهَا، رَدَّها فيه، ومَنْ اانَ يُؤمِن بـالله واليَـوْمِ الآخـر ، فـلا يَلْـبَسْ ثَوْبـا مـن فَـيْءِ المسلمين، حتى إذا أَخْلَقَهُ، رَدَّلُ فيه»(72) . قال البغوي-رحمه الله-: " ولا يجوز استعمال متـا الغنيمـة قبـل القسـمة ، ولا راوب دوابها، ولا لبس ثيابها إلا لضرورة"(73) . المبحث الثاني: صور الفساد المالي في المباملات. المطلب الأول: صور الفساد المالي التي تقع في البيوع. يعد البيع من أوسع أبواب المعاملات المالية، التي يعتمد عليها قوام الحياة، ولمـا اانت النفس مجبولة على ح المال؛ فقد تطغى على صاحبها، وتنحرف عن السـلوك القويم، رغبة في ربح المال وجمعه، لذا فلا عج أن تكـون الأسـوا -وهـي مجتمـع النا لتبادل البيع والشراء-أبغض الأماان إلى الله تعالى، اما قال رسولُ الله -صلى الله عليــه وســلم -: «أحــ الــبلاد إلى الله مســاجدها، وأبغــض الــبلاد إلى الله أسواقها»(74) . ويعلل هذا البغض نصـيحة سـلمان الفارسـي- ربـي الله عنـه - قـال : « لا تَكونَن- إنِ اسْتَطَعْتَ - أولَ من يدخل السو َ، ولا آخر مَن يخر منها، فإنها مَعرَاَةُ الشيطان، وبها يَنصِ ُ رايتَه»(75) . ولما اانت النفس اذلك، وجدنا الشار الحكيم يوجهها لما يَصلُح لهـا ويُصـلِح حالها: بالترغي تارة وبالترهي أخـرى ، ومـن هـذل التوجيهـات الصـد في البيـو

عدد الصفحات ٢٦

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 161 والابتعاد عن الكذب، يدل عليه قول رسول اللَّهِ -صـلى الله عليـه وسـلم -: «فـإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن اَتَما واَذَبا، مُحِقَت بَرَاَةُ بَيْعِهِما»(76) . وقد بينت السنة النبوية القضايا التي تفسد البيع وتمحق براة المال. ومن صور الفساد المالي التي حذرت منها الأحاديث النبوية: أولا: الربا. وهو أبلغ صور الفساد المالي التي تقع في البيو خطـورة ، لـذا أبطلـه الإسـلام وعظّم أمرل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اُلَّ ربًا مـن ربـا الجاهليـة موبو ٌ ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ البقرة: 279(77) . وتألّم النبي صلى الله عليه وسلم لحال أمته حينما تعاملت بصـورة مـن الربـا ، يدل على ذلك أن بلالا-ربي الله عنه-جاء إلى النبي -صلى الله عليـه وسـلم -بتَمْـرٍ بَرْنِيٍّ(78)،فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أيُنَ هذا؟ فقـال بـلال : اـان عندنا تمر رَدِيءٌ، فبعتُ منه صاعين بصا لِمَطْعَمِ الـنبي -صـلى الله عليـه وسـ لم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذلك: «أوَّلْ، عَيْنُ الرِّبَا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ فبِعِ التمر بيعًا آخر، ثم اشترِ به»(79) . قَالَ ابن التِّينِ-رحمه الله-: " إِنَّمَا تَأَوَّلَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَقَالَهُ: إِمَّا لِلتَّـأَلُّمِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ، وأما من سوء الفهم.. "(80) . وقال ابن حجر- رحمه الله-: "وَفِي الْحَدِيثِ.. النَّصُّ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ،.. وَفِيهِ أَنَّ صَفْقَةَ الرِّبَا لَا تَصِحُّ"(81) .

عدد الصفحات ٢٧

162 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ وقد بينت السنة المشرفة بعض البيو التي يقع فيهـا الربـا ، ونهـت عنهـا ، مـن ذلك قول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْوَرِ ُ بِالذَّهَ ِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُـرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ(82)، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاء، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)(83) .وقوله: (الذَّهَ ُ بِالذَّهَ ِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّـعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ: مِثْلًا بِمِثْلٍ يَـدًا بِيَـدٍ ، فَمَـنْ زَادَ أَوْ اسْـ تَزَادَ فَقَـدْ أَرْبَـى ، الْ خِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ)(84) . ثانيا: البيوع التي فيها غش للمبتاع. يعدّ الغشّ آفة من آفات البيو ، تستحل به الأموال بغير وجه حق، وبلا عوض مناس ؛ لذلك حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وت أ من فاعله، ونفى عنه امال الإيمان. وصور الغش متعددة، والأحاديث الواردة في النهي عن الغش بدلالة المنطـو أو المفهوم صحيحة، منها ما روال روى أبو هريرة -ربي الله عنه -: أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم-مرَّ في السـو علـى صُـبْرَةِ طعـامٍ ، فأَدْخَـلَ يـدل فيهـا ، فنالـتْ أَصابعه بَلَلاً، فقال: «ما هذا يا صاح الطعام؟»،قال: يا رسول الله. أَصابته السماء، قال: «أَفلا جعلتَه فو َ الطعام حتـى يـرالُ النـا ُ؟ »!،ثـم قـال : «مَـن غَشَّـنا فلـيس منا»(85) .لذا قال عقبة بن عامر-ربي الله عنه-: «لا يَحِلُّ لامْرِىءٍ مسلمٍ يبيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بها داءً إِلا أَخْبَرَ به»(86) . قال ابن هبيرة-رحمه الله-: "وفي هذا الحديث: أن الإمام، أو من استنابه الإمـام ، إذا ارتاب أو شك؛ أن بعض النا له يد عاديـة في غـض (87) المسـلم، أو اهتضـام لحقوقهم، اان له أن يسأل في ذلك، وأن يبحث، وإن أدى سؤاله وبحثه أن يتصرف في

عدد الصفحات ٢٨

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 163 مال المظنون به الغش من غير إذنه، تصرفا يتوصل به إلى اشف الغش والغل من غـير إبرار، جاز له"(88) . ومنها قول رسول ا- صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصـرُّوا الإِبـلَ والغـنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرَيْن بعد أن يَحْلِبها، إِن شاء أمْسَكَ، وإنْ شاء رَدَّها وصـاعًا من تَمرٍ» .قال البخاري: والمصراة التي صري لبنها، وحقن فيه، وجمع فلم يحل أياما، وأصل التصرية: حبس الماء، يقال منه: صريت الماء إذا حبسته(89) . قال النووي- رحمـه الله -: " وَاعْلَـمْ أَنَّ التَّصْـرِيَةَ حَـرَامٌ ، سَـوَاءٌ تَصْـرِيَةُ النَّاقَـةِ ، وَالْبَقَرَةِ، وَالشَّاةِ، وَالْجَارِيَةِ، وَالْفَرَ ِ، وَالْأَتَانِ، وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَا ٌ"(90) . ومن صور الغش اذلك النجش: " وَالنَّجْشُ: أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَاْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَـا ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا؛ فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ"(91) . قال البخاري: " بَابُ النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ لَا يَجُـوزُ ذَلِـكَ الْبَيْـعُ ، وَقَـالَ ابْـنُ أَبِـي أَوْفَى: النَّاجِشُ آاِلُ رِبًا خَا ِنٌ، وَهُوَ خِدَا ٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ؛ قَالَ النَّبِـيُّ صَـلَّى اللهُ عَلَيْـهِ وَسَلَّمَ: " الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ " وَ" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" عَنِ ابْـنِ عُمَـرَ - رَبِيَ اللهُ عَنْهُمَا-قَالَ: (نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجْشِ) "(92) . ثالثا: بيع المحرمات من الأشربة والأطبمة وغيرهما. منعت الشريعة الإسلامية بيع المحرمات، والتحايل لبيعها، روى جابر بـن عبـد الله - ربي الله عنهما- قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليـه وسـلم - يقـول - عَامَ الْفَتْح بمكة-: «إنَّ ا، ورسوله، حرَّم بَيْعَ الخمـر ، والميْتَـةِ ، والخنزيـر ، الأصـنام » . فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شُحُومَ الميتة؟ فإنَّها تُطْلى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجلـود ، ويَستَصْبِحُ بها النا ؟ فقال: «لا،هو حَـرامٌ »ثـم قـال رسـولُ ا-صـلى الله عليـه

عدد الصفحات ٢٩

164 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ وسلم- عند ذلك: «قاتل اللَّه اليَهُودَ، إنَّ الله لَمَّا حرَّم عليهم شُـحومها أجْمَلـولُ ، ثـم باعول، فأالوا ثمنه»(93) . قال الخطابي- رحمه الله-: "وفي هذا، بيان بطلان ال حيلة يحتال بها، توصل إلى محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته، وتبديل اسمه"(94) . راببا: البيوع التي فيها مخاطرة و غرر. نهت السنة النبوية عن اـثير مـن البيـو فيهـا غـرر أو ـاطرة ؛ لمـا فيهـا مـن استحلال أموال النا بغير حق، قال الباجي-رحمـه الله -: " هَـذِلِ عُقُـودٌ مَبْنِيَّـةٌ عَلَـى الْمَعْرُوفِ(95)، وَالْمُوَاصَلَةِ دُونَ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ؛ الَّتِي لِمُضَارَعَتِهَا مُنِعَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَا ِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُنِعَ لِمُشَابَهَتِهِ الْعِينَةَ؛ فَـإِذَا وَقَعَـ تْ هَـذِلِ الْعُقُـودُ عَلَـى وَجْـهِ الرِّفْقِ، وَعَرِيَتْ مِنْ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ، اَانَتْ مُبَاحَةً"(96) . وقال النووي- رحمه الله-: "وَأَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَـرَر ؛ فَهُـوَ أَصْـل عَظِـيم مِـنْ أُصُول اِتَاب الْبُيُو ؛ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ مُسْلِم، وَيَدْخُل فِيهِ مَسَا ِل اَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة: اَبَيْعِ الْ بِق، وَالْمَعْدُوم، وَالْمَجْهُول، وَمَا لَا يَقْدِر عَلَى تَسْلِيمه، وَمَا لَمْ يَتِمّ مِلْك الْبَا ِع عَلَيْهِ، وَبَيْع السَّمَك فِي الْمَاء الْكَثِير، وَاللَّبَن فِي الضَّرْ ، وَبَيْع الْحَمْل فِي الْبَطْن، وَبَيْع بَعْض الصُّبْرَة مُبْهَمًا، وَبَيْع ثَوْب مِنْ أَثْوَاب، وَشَاة مِنْ شِيَال، وَنَظَا ِر ذَلِـكَ ، وَاُـلّ هَـذَا بَيْعـه بَاطِل؛ لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة"(97) . ومن هذل الأحاديث، الواردة في ذلك: ما روال أبو هريرة - ربي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليـه وسـلم -: (نهى عن بيع الغَرَر)(98) .ومنها قولـه صـلى الله عليـه وسـلم- قـال : «مَـن اشـترى طعامًا، فلا يَبِعهُ حتى يَستَوفِيَه»(99) .وقوله: «لا تَبِيعوا الثَّمَرَ حتَّى يَبْـدُوَ صـلاحُه، ولا

عدد الصفحات ٣٠

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري ٥ تَبِيعوا الثَّمَرَ بالتَّمرِ»(100) .وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم– العلة في هذل الصـورة : «إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟»(101)،ومنها اذلك ما روال أبو سـعيد الخدري - ربي الله عنه- قال: نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-عن لِبْسَتَيْن، وعن بَيْعَتَيْنِ، ونهى عن الملامسة والمنابذة في البيع -صلى الله عليه وسلم-والملامسـةُ : لمسُ الرجل ثوب الآخر بيدل بالليل أو بالنهار، ولا يَقلِبُهُ إلا بذلك. والمنابذة: أن يَنْبِـذَ الرجلُ إلى الرجل ثَوْبَهُ، ويَنْبِذَ الآخر بثوبِهِ، ويكون ذلـك بيْعَهُمَـا عـن غـير نَظَـر ولا تَراضٍ،...)(102) . قال ابن بطال-رحمه الله-: " وهو من بيع الغرر والقمـار ، لأنـه إذا لم يتأمـل مـا اشترال، ولا علم صفته، فلا يدري حقيقته، وهو من أال المال بالباطل"(103) . خامسا: الاحتكار: والاحتكار الشرعي هو الإمساك عن البيع، وانتظار الغلاء، مع الاستغناء عنه، وحاجة النا إليه(104)، وهو سلوك يدل على أنانية مقيتة، وممـا جـاء في النهـي عـن الاحتكار عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: «لَـا يَحْتَكِـرُ إِلَّـا خَـاطِئٌ»(105) . وقوله-: «من احْتكَرَ طَعامًا فَهُوَ خاطئ»(106) . قَالَ الْعُلَمَاءُ: "وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّا ِ"(107) . قال مالك-رحمه الله-: "وأما إذا قلّ الطّعام في السّو ، فاحتا النا إليه، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر بالمسلمين، فليخرجه إلى السو ، وليبعه بما ابتاعه، ولا يزدد فيه، فعلى هذا القول تتفق الآثار، ألا ترى أن النا إذا استوت حـالتهم في الحاجـة ، فقد صاروا شرااء، ووج على المسلمين المواساة في أموالهم، فكيف لا يمنـع الضـرر عنهم"(108) .

عدد الصفحات ٣١

166 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ سادسا: ملحقات بالبيوع ومما قد يلحق بالبيو من صور الفساد المالي لقربه منه في المعنى: أولا: المال المكتسب بسبب الكهانة: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حُلوان الكاهن(109) . والكاهِنُ: "الَّذِي يتعاطى الخ َ عَـنِ الْكَا ِنَـاتِ ، فِـي مُسْـتَقْبَلِ الزَّمَـانِ ، ويـدَّعي مَعْرِفَةَ الأَسرار"(110) . وأبطل أبو بكر- ربي الله عنه- هذا الكس بفعله فيما روت عا شة -ربي الله عنها-: قالت: «اان لأبي بكر غُلام يخر ُ له الخرا َ، واـان أبـو بكـر يأاـل مـن خراجه، فجاء يوما بشيء، ووافق من أبي بكر جوعا، فأال منه لُقمـة قبـل أن يسـألَ عنه، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبـو بكـر : ومـا هـو ؟ قـال : انـتُ تكهَّنـت لإنسان في الجاهلية، وما أحُسِنُ الكهانة، إلا أني خدَعتُه، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أالتَ منه، فأدخل أبو بكر إصبَعَه في فيه، فقاء ال شيء في بطنه».(111) قال ابن هبيرة-رحمه الله-: "في هذا الحديث من الفقه ما يدل على ور أبي بكر -ربي الله عنه- ولا سيما في هذل الصورة؛ فإن أخذ الأجر على الكهانة محرم"(112) . ثانيا: المال المكتسب بسبب القمار: والقمار: "ال لع يشترا فيه غال من المتغالبين شيئًا من المغلوب"(113) . قال عبد الله بن عبا-ربي الله عنهما-: «نهى رسولُ ا- صلى الله عليه وسلم- عن أال طعام المتباريين: السبا ِ، والقمار» .وفي رواية قال: «نهى عـن طعـام المتباريين أن يؤالَ»(114) .

عدد الصفحات ٣٢

صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 167 وعلل الخطابي-رحمه الله-النهيّ، فقال: "لأنه داخل في جملة مـا نهـي عنـه ؛ مـن أال المال بالباطل"(115) . ثالثا: كسب المال بالحلف الكاذب. يسعى الإنسان لكس رزقه ومن يعول، وعليه أن يتحرى الكس الحلال، إلا أن بعضهم لا يبالي ايف اس ، ومن طر الكس الحرام التي تصل لدرجة الكبيرة؛ التكس بالحلف الكاذب، وربما سوذ لنفسه بأنه محتـا ، أو أن مـا حلـف عليـه اـان قليلا؛ لذا جاء التحذير النبوي من هذا العمل بصيغة مرهبة، قال رسـولُ الله -صـلى الله عليه وسلم-: «مَنْ اقتطعَ حَقَّ امرئ مسلم بيمينه؛ حرّم الله عليه الجنـة ، وأوجـ له النار» .قالوا: وإن اان شيئا يسيرا؟ قال: «وإن اان قضيبا من أَراك»(116) . ويعلل القابي عياض-رحمه الله- قا لا: "إنما ا ت هذل المعصية بحس اليمين الغمو ؛ التي هي من الكبا ر الموبقات، وتغييرها في الظاهر حكم الشر ، واستحلاله بها الحرام، وتصييرها المحق في صورة المبطل، والمبطل في صورة المحق؛ ولهذا عظم أمرها"(117) . المطلب الثاني: صور الفساد المالي في الديينن . يعد الدَّين وسيلة لا غنى لفئـة مـن المجتمـع الانسـاني عنهـا ؛ لتيسـير حيـاتهم ، وتسيير معاملاتهم؛ لذا نظمت الشريعة الإسـلامية هـذل المعاملـة ، ووبـعت لهـا مـن المعايير المعنوية والمادية ما يضمن استمرارها، مع حفـظ حقـو النـا ، ومـن صـور الفساد المالي في الدَّين: أولا: الربا. يعد الربا أبشع صور الفساد المالي عموما فهو من الكبا ر، وهو الذن الذي أعلن الله تبارك وتعالى وأعلم بمحاربته صاحبه؛ إن لم يت منه بقوله ﭽ ﮥ ﮦ

عدد الصفحات ٣٣

168 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﭼ البقرة: 278 - 279 وتوعد بمحق الربا فقالﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﭼ البقرة: 276 وجاءت السنة النبوية بلعن آاله ومواله(118) . ثانيا: جحود الديين . قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أخذ أَموال النا يُريدُ أَداءهـا ؛ أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال النا يُرِيدُ إِتْلافها؛ أتلفه الله»(119) . ففي هذا الحديث الشريف بشارة ونذارة: بشارة لمن أراد أن يقـيم حياتـه ومـن يعول واان عاجزا، فله أن يقترض من النا ما يقضي بمثله حاجته، شريطة أن يكون عازما على إعادة ما أخذل، وفيه نذارة لمن يستسيغ أخذ أموال النـا ولـيس في نيتـه إرجاعها. قال ابن بطال-رحمه الله-: في هذا الحديث "الحض علـى تـرك اسـتئكال أمـوال النا ، والتنزل عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة، وقـد حـرم الله في اتابـه أاـل أموال النا بالباطل، وخط النبيّ -عليه السلام-بذلك في حجة الودا ، فقال: (إن دماءام، وأموالكم، عليكم حرام) يعنى: من بعضكم على بعض، وفـى حـديث أبـى هريرة أن الثواب قد يكون مـن جـنس الحسـنة ، وأن العقوبـة قـد تكـون مـن جـنس الذنوب؛ لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له"(120) . فيعد أخذ أموال النا مع تبييت النية بعدم الوفـاء صـورة مـن صـور إفسـاد المــال، "وهــو علــم مــن أعــلام النبــوة؛ لمــا نــرال بالمشــاهدة؛ ممــن يتعــاطى شــيئا مــن الأمرين"(121) .

عدد الصفحات ٣٤