الحديــثثانياً
عدد الصفحات ١المالي صورٌ من الفساد بيّنتها السنّة النّبويّة أستاذ مشارك –تخصص الحديث الشريف وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية –قسم أصول الدين جامعة اليرموك
عدد الصفحات ٣صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 139 صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّ ة ملخص البحث: قمت في هذا البحث بتتبع الأحاديث النبوية التي تضمنت بيانا لسـلواات تعـدّ تعديا على المال العام أو الخاص، وتمثل صورة من صور الفساد المالي في شئون الحياة المختلفة في مجالي: العبادات والمعاملات، مما يؤثر سلبا علـى اسـتقرار الأمـة وقوتهـا . فبيّنت صور الفساد المالي التي تقـع في العبـادات : في الصـدقات ، وفي الجهـاد ، وهمـا عبادتان تقومان على البذل والعطاء، إلا أنه قد يقع فيهما ما يعكر صفوهما، ويقلـ غايتيهما. اما بيّنت صورا مـن الفسـاد المـالي الـذي يقـع في المعـاملات : في البيـو ، والدَّين، ومسـ ألة النـا ، والأطعمـة ، والوظيفـة . ولا يخفـى أن بـبه هـذل الصـور المختلفة، والعمل على منع وقوعها، يسهم في تحصين المجتمع، ويعزز استقرارل وأمنه.
عدد الصفحات ٥140مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68محرم1438 هـ Abstract The images of financial corruption showed by prophet's sunna In this research I Followed the prophet's speeches which contained evidence for some behaviors that considered abuse in public or private money, and represented an image of financial corruption in different life issues in both worship and dealings, that has negative effect on the nation stability and str ength: so, it showed the images of financial corruption in worship in charities and fighting, which based on giving, but they may faced something wrong. Also, it showed some image of financial corruption in dealings in sales, debt, foods, and employment. It's clear that controlling these different Images, and preventing them contributing in preventing. Society, and motivating it's stability. Dr. Mohammad odeh AL-Hawari … Participant teacher … Holly Hadith and it's science.
عدد الصفحات ٦صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 141 المقدمة: الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الـدين ، الـرزا العلـيم ، والصـلاة والسـلام على النبي الأميّ الأمين، وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان أجمعين، أما بعد: فإن الحق تبارك وتعالى يقول: ﭽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭼ الروم: 41،وظهور الفساد هو الجريمة الأبرز لمن أُمر بالإصلاح، ونهي عن الإفساد؛ اما في قوله تعالى: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭼ الأعراف: 6 وسنن الله في إهلاك المفسدين ثابتة، وآياتها شاهدة. ويقع الفساد في شئون الحياة المختلفة، وصورل المتنوعة، وأبرارل على الأفـراد والمجتمعات غير خافية، وقد طالت برورات الحياة سـيّما المـال ، وعـلا المعضـلات يحتا إلى مراحل، وأَولى المراحل وأُوّلها تشخيص المعضلة والوقوف عليها. وإن العقل ليحار حين يستشري الفساد في خير أمة أخرجت للنا ، وأاثر أمم الأرض مصادر ثروة، فصيّرها في ذيل الأمم مكانة، وجعل شعوبها من أاثر الشعوب فقرا. فكان من الأهمية بمكان معرفة صور الفساد الـتي تلحـق بالمـال ، وتُلحـق الأذى بالنا ، فتُشيع الجريمة وتَعْدم الأمن. مشكلة الدراسة: تتلخص مشكلة الدراسة بالأسئلة الآتية: 1. هل بينت السنة النبوية مكانة المال في الإسلام؟ 2. ايف ببطت الأحاديث الشريفة العلاقة بين الإنسان والمال؟
عدد الصفحات ٧142 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ 3. هل نصت الأخبار الصحاح على صور الفساد المالي المختلفة؟ 4. ما هي مجالات الفساد المالي التي حذرت منها السنة النبوية؟ أهداف الدراسة: تهدف هذل الدراسة إلى: 1. بيان مكانة المال في الإسلام. 2. ببه العلاقة بين الإنسان والمال وفق ما أمر الشار الحكيم. 3. جمع أمهات الأخبار الصحاح التي نصت على صور الفساد المالي المختلفة. 4. توبيح صور الفساد المالي المختلفة، وإبراز مجالات الفساد المالي التي بينتها السـنة النبوية. أهمية الدراسة: تكمن أهمية هذل الدراسة في بيانها لصور الفساد المالي المختلفة، والتي تقـع في العبادات والمعاملات، وتلحق بررا بالمال العام والخاص. منهج البحث: اتبعت في هذا البحـث المـنها الاسـتقرا ي : وذلـك لجمـع المـادة العلميـة مـن مظانها، ثم المنها التحليلي فالاستنباطي: لتحليل النصـوص واسـتنباا المعـاني منهـا والفوا د.
عدد الصفحات ٨صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 143 الدراسات السابقة: من خلال التتبع والسؤال لم أقف على بحث علمي، أو اتاب يتصـل بموبـو بحثي من الوجهة التي بحثتها. الجهد مني والله ولي التوفيق. خطة البحث: جاء هذا البحث في تمهيد، ومبحثين، فيهما عدة مطال ، تقفوهما خاتمة، وذلك على النحو الآتي: التمهيد: مكانة المال في الإسلام وعلاقة الإنسان به. المبحث الأول: صور الفساد المالي في الببادات. المطلب الأول: صور الفساد المالي التي تقع في الصدقات. المطلب الثاني: صور الفساد المالي التي تقع في الجهاد: المبحث الثاني: صور الفساد المالي في المباملات. المطلب الأول: صور الفساد المالي التي تقع في البيوع: المطلب الثاني: صور الفساد المالي في الديينن . المطلب الثالث: الفساد المالي في مسألة الناس. المطلب الرابع: صور الفساد المالي التي تقع في الأطبمة. المطلب الخامس: صور الفساد المالي التي تقع في الوظيفة. الخاتمة.
عدد الصفحات ٩144 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ التمهيد: مكانة المال في الإسلام وعلاقة الإنسان به. يعدّ المال عص الحياة، وشريانها الر يس، وهو من أبرز المقاصـد الـتي جـاءت نصوص الشريعة وتشريعاتها للحفاظ عليها. فنجد النصوص الشرعية متوافرة للدلالة على أهمية المال، ومكانته، ووجـوب حفظه، ومنع الاعتداء عليه؛ ومما يدل على ذلك أن أراان الاسلام خمسة أحدها عبادة مالية هي: «الزااة»؛بل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على إيتا ها(1) . ولما قال السا ل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله، آللَّـهُ أمـرك أن تأخذ هذل الصدقة من أغنيا نا، فتقْسِمها علـى فقرا نـا ؟ قـال الـنبي - صـلى الله عليـه وسلم-: «اللَّهم نعم»(2) . وبتتبع نصوص السنة المطهرة نجد أنها قدمت تصورا شموليـا لعلاقـة الإنسـان بالمال: فأادت معنى قوله تعالى: ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ الفجر: 20 بقوله صلى الله عليه وسلم «لَوْ أنَّ لابنِ آدْمَ مِثْلَ وادٍ مِنْ ذَهَ ٍ مَالا لأحَ َّ أَنْ يَكُـونَ إليـه مِثْلـهُ، وَلا يَمْلأُ عَيْنَ ابن آدَمَ إلا التُّرَابُ، ويتوبُ اللَّه على من تابَ»(3) . وحذرت من فتنة المال وسيطرته على العقل، قال رسول الله –صلى الله عليـه وسلم-: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ(4)، إِنْ أُعْطِىَ رَبِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْهَ لَمْ يَرْضَ)(5)،وقال: «وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْـمَ صَـاحِ ُ الْمُسْـلِمِ لِمَنْ أَخَذَلُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَااِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْلُ بِحَقِّهِ فَهْوَ اَالآاِلِ الَّذِى لاَ يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(6) .
عدد الصفحات ١٠صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري ٥ اما بينت أن ملكية الإنسان لهذا المال صورية فقه، حقيقتها الاستخلاف، قال تعالى ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ الحديد: 7. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم«يقُولُ العَبْدُ: مَالي، مَالي، وإنَّما لَه من مَالِهِ ثَلاثٌ: ما أاَلَ فأفْنَى، أو لَبِسَ فأبْلَى، أو أعْطَى فأقْنَى، وما سوى ذلك، فَهُوَ ذَاهِ ٌ وتاراُهُ لِلنَّا ِ»(7) . ويزيد ذلك إيضاحا قوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّكُم مالُ وارِثِه أح ُّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما مِنَّا أحدٌ إلا مالُه أح ُّ إليه، قال: «فإنَّ مَالَـهُ مـا قَـدَّمَ ، مالَ وَارِثِهِ ما أخَّرَ»(8) . وجعلت الأحاديث النبوية الشريفة أمـان النـا علـى أمـوالهم مـن علامـات الإيمان، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «والمـؤمن: مـن أمِنَـهُ النـا ُ علـى دما هم وأموالهم»(9) . حتى أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة– والبيعة شأنها عظيم- على عدم سرقة المال أو نهبه فقال: «تُبايعوني على ألا تُشـراُوا بـالله شـيئًا، ولا تَسْـرِقوا ..»(10) وزاد في رواية: «ولا ننْتَهِ َ..»(11) . وحذر من اثرة المال لمن لا يؤدي حق الله فيه، فعن أبي ذر -ربي الله عنـه - قال: انْتَهَيْتُ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهـو جَـالِسٌ في ظِـلِّ الْكَعْبَـةِ ، فلمـا رآني قال: «هُمُ الأخسرون ورَبِّ الْكَعْبَةِ» .فقلتُ: يا رسول الله فِدَاكَ أبي وأمـي مَـن هُمْ؟ قال: «هُمُ الأاثرون أموالاً، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، - من بَيْنِ يديه- ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله - وقليلٌ ما هم»(12) .
عدد الصفحات ١١146 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن جمع المال ليس مقصدا؛ بل المقصد إنفاقه بما يربي الله، فقال: «لَوْ اان عِنْـدِي أُحُـدٌ ذَهَبًـا، لأحْبَبْـتُ أنْ لا تَـأتِيَ ثـلاثٌ وعِنْدِي منه دينار، لَيْسَ شَيْئًا أُرْصِدُلُ في دَيْنٍ عليَّ، أجِدُ من يَقْبَلُهُ»(13) . وأوبح أن هذل العلاقة بين الانسان والمـال مسـتمرة يـوم القيامـة، فقـال : « لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة، حتى يُسألَ عن أربع:... وعن ماله من أين ااتسبه وفـيم أنفقه؟»(14) . ونصّ على أن أموال النا محترمة لا يجـوز الاعتـداء عليهـا، واـان هـذا مـن وصايال صلى الله عليه وسلم عام حجـة الـودا ، فقـال : «فـإنَّ دمـاءَام، وأمـوالَكم ، وأعرابَكم، عليكم حرامٌ»(15) . وفي سبيل الحفاظ على المال، ومنع التعدي على حقو النا ، نجـد عـددا مـن الأحاديث: منها ما يفيد النهي عموما عن إباعة المال، اقول النَّبِـيِّ صـلى الله عليـه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُو َ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَاَرِلَ لَكُـمْ قِيلَ وَقَالَ، وَاَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِبَاعَةَ الْمَالِ»(16) . اما عدّ القتيل دفاعا عن ماله شهيدا. فعن أبي هريرة -ربي الله عنه -: قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يـا رسـول الله ، أَرأيـتَ إنْ جـاء رجلٌ يريدُ أَخْذَ مَالي؟ قال: «فلا تُعْطِهِ مالَكَ»،قال: أرأَيتَ إنْ قَاتَلَني؟ قال: «قاتِلْـهُ»، قال: أرأيتَ إنْ قَـتَلني ؟ قـال : «فأنـتَ شـهيدٌ»،قـال : أرأَيـتَ إنْ قتلتـهُ ؟ قـال «هـو النار»(17) .
عدد الصفحات ١٢صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 147 ونهى رسولُ ا- صلى الله عليه وسلم- عن الـدعاء علـى الأمـوال ، فقـال : «...ولا تَدُعوا على أموالكم، لا تُوافِقُوا من الله عَزَّ وجـلَ سـاعةَ نَيْـلٍ ، فيهـا عطـاءٌ ، فَيَسْتَجي َ لكم»(18) . وغض النبيُّ صلى الله عليه وسلم جدا؛ حينما حاول بعض الصحابة الشفاعة للمرأة المخزومية التي سرقت؛ وعدّ ذلك سببا لهلاك الأمم، فقال رسولُ اللَّه - صـلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ اَانَ قَبْلَكُمْ؛ أَنَّهُمْ اَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَبِيعِ، وَيَتْرُاُونَ الشَّرِيفَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِلِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ لَقَطَعْتُ يَـدَهَا »(19)، حتى نفى صفة الإيمان عن السار أثناء تلبسه بجريمته فقال: « ...وَلَا يَسْـرِ ُ السَّـارِ ُ حِينَ يَسْرِ ُ وَهُوَ مُؤْمِنُ»(20) .
عدد الصفحات ١٣148 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ المبحث الأول: صور الفساد المالي في الببادات. المطلب الأول: صور الفساد المالي التي تقع في الصدقات. تعدّ الصدقات من العبادات المالية، ورأسها الزااة؛ التي هـي راـن مـن أراـان الإسلام العظيم، ولما اانت اذلك وج حفظها من ال ما مـن شـأنه تـأخير تحقيـق المصلحة أو منعها، والمتتبع للأحاديث الواردة في الزااة يجد أنهـا تضـمنت جملـة مـن المبادئ التي تمنع من وقو الفساد المالي فيها: في الحـال أو في المـ ل ، وممـا يميـز المـنها الإسلامي في محاربة الفساد المالي اعتمادل على جان التربية الإيمانية لمنع وقـو هـذل الصور، أو علاجها بعد وقوعها. ومن أبرز صور الفساد المالي التي تقع في الزكاة: أولا: منع الزكاة. منع الزااة أعظم صور الفساد المتعلقة بها؛ فالزااة حق واج في المـال ، وهـي طهرة له، وسب لنما ه، لكن بعض من يجهل أو يتناسى أن المال مـال الله -جـل وعـز -، وأنه مستخلف فيه؛ تغلبه نفسه الشحيحة، فيعمد إلى منع الزااة. ولقد حذر القرآن الكريم من هذا السلوك الخاطئ، وبين عاقبته الوخيمة، فقال جل وعلا: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﭼ التوبة: 34 - ٥. وأادت السنة النبوية صورة هذا العذاب الأليم فيما روال أبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِ ِ اَنْزٍ لاَ يُؤَدِّىزَاَاتَهُ، إِلاَّ أُحْمِىَ عَلَيْهِ في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَا ِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَالُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِلِ في
عدد الصفحات ١٤صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 149 يَوْمٍ اَانَ مِقْدَارُلُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ: إِمَّا إلى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إلى النَّارِ. وَمَا مِنْ صَاحِ ِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّى زَاَاتَهَا، إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَا ٍ قَرْقَرٍ(21) اَأَوْفَرِ مَا اَانَتْ تَسْتَن عَلَيْهِ، اُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِلِ في يَوْمٍ اَانَ مِقْدَارُلُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ...»(22) . ويبين العراقي- رحمه الله- سب هذل العقوبة؛ لأن في منع الزااة منعا للانتفا بها وتعطيل للحقو ، فيقول: "لِأَنَّهُ قَصَدَ بِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا الِارْتِفَا َ وَالِانْتِفَا َ بِمَا مَنَعَهُ مِنْهَا؛ فَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي قَصَدَ الِانْتِفَا َ بِهِ أَبَرُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، وَسُلِّهَ عَلَيْـهِ ، حَتَّـى بَاشَـرَ عُقُوبَتَهُ بِنَفْسِهِ"(23)،والأحاديث في هذا الباب اثيرة. وأما عن ايفية محاربة هذا النو من الفساد بعـد التهديـد والوعيـد الأخـروي ، فجاء العلا موازيا للضرر الناتا عن الفعل، فروي عن رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أنه قَالَ: «مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ لِ لِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ»(24) . وهذل العقوبة المادية تعد رادعا لهوىالنفس وشحها، قال ابـن القـيم -رحمـه الله -: "وَفِي ثُبُوت شَرْعِيَّة الْعُقُوبَات الْمَالِيَّة عِدَّة أَحَادِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَثْبُت نَسْخهَا بِحجَّةٍ، وَعَمِلَ بِهَا الْخُلَفَـاء بَعْـدل ،.. فَـإِنَّ الْعُقُوبَـة إِنَّمَـا تَسُـوذ إِذَا اَـانَ الْمُعَاقَ مُتَعَدِّيًا؛ بِمَنْعِ وَاجِ ، أَوْ اِرْتِكَاب مَحْظُور "(25) . ثانيا: إخراج الزكاة من رديء المال دون جيده. يعمد بعض النا إلى تعطيل دور الزااة في بناء المجتمع؛ وذلك بمنع مسـتحقيها من امتلاك حقهم ااملا؛ ولذلك صـور ، منهـا : أن يعمـد إلى الـرديء مـن الأصـناف فيجعله زااة المال؛ ولمنع ذلك حددت السنة النبوية مـا يُخْـر زاـاةً بـأن يكـون مـن
عدد الصفحات ١٥0 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ أوسه المال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأعطى زااةَ ماله طيِّبَـةً بهـا نفسُه رافِدَةً عليه الَّ عامٍ، ولم يُعهِ الهَرِمَة،... ولكن مـن وسـه أمـوالكم ، فـإن الله لم يسألكم خيرل. ولم يأمرام بشرِّل»(26) . ويؤيدل حديث أَنَس، رَبِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدَّثَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَبِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " اَتَ َ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ -صلى الله عليـه وسـلم -، وَلاَ يُخْـرَ ُ فِـي الصَّـدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّ ُ"(27) . وفي منع إخرا الناقص والمعي مراعاة وابحة لمنفعة المسـتحق، امـا أن في منع أخذ التيس مراعاة لمنفعة صاح المـال . قـال الطـ ي -رحمـه الله -: "جعـل الـنبي المشيئة إلى المصد في أخذ ذلك وتراه، فالواج عليـه أن يعمـل بمـا فيـه الصـلاح : لأهل الصدقة، ورب الماشية، بما يكون عدلاً للفريقين"(28) . ثالثا: أخذ الزكاة من أجود أنواع المال دون إذن صاحبه. اما يعد إخرا رديء المال صورة من صور الفساد؛ لما فيه من تعد على منفعة المستحق، فإن إخرا أجود أنوا المال دون إذن صاحبه يعد نوعا من إفسـادل لمـا فيـه من إبرار برب المال، يدل على ذلك صراحة –غير ما ذار آنفا وأوبـح منـه - قـول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لمعاذ-ربي الله عنه-: (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَـرَضَ عَلَـيْهِمْ زَاَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ... فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَ َّ اَرَا ِمَ أَمْوَالِ النَّا ِ)(29) . فهــذا توجيــه نبــوي شــريف بوجــوب مراعــاة مصــلحة رب المــال... يقــول الخطابي- رحمه الله- تعليقا على نهيه صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقات من رابع لبن(30) :" قوله لا تأخذ مـن رابـع: الرابـع ذات الـدر ؛ فنهيـه عنهـا يحتمـل وجهين: أحدهما أن لا يأخذ المصد عن الواج في الصدقة لأنها خيار المال.. "(31) .
عدد الصفحات ١٦صورٌ من الفساد المالي بيّنتها السنّة النّبويّة د. محمد عودة أحمد الحوري 1 ويلتحق بهذل الصورة أن يطل من المزاي فو ما يج عليـه، أو يطلـ منـه زااة ما لم تج فيه الزااة؛ فجاءت السنة النبوية ببيان أنه لا يؤخذ من المزاي أاثر ممـا وج عليه، أو زااة ما لم تج زااته، ينص على ذلك حديث أَنَس ربي الله عنه أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَبِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اَتَ َ لَـهُ هَـذَا الْكِتَـابَ لَمَّـا وَجَّهَـهُ إلى الْبَحْـرَيْ ن: (بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِلِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِـنَ الْمُسْـلِمِينَ عَلَـى وَجْهِهَـا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْهِ...، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَـعٌ مِـنَ الإِبِـلِ فَلَـيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا...)(32) . قال الطي- رحمه الله-: (إلا أن يشاء ربها) " أي: صاحبها، أن يت ويتطـو ، مبالغة في نفي الوجوب"(33) . وأما ما أخرجه صاحبه، طيبة به نفسه، فيقبل منه، ويرجى له ال اـة ؛ لمـا روى أُبَيّ بْن اَعْ ٍ- ربي الله عنه- أن رجلا أح أن يتصد فو ما يج عليه. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: (هذَا مَا عَلَيْكَ، فَإِنْ جِئْتَ بِفَوْقِـهِ قَبِلْنَـالُ مِنْـكَ ". قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هذِلِ نَاقَةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَمُرْ بِقَبْضِهَا. فَأمَرَ رَسُـولُ الله -صـلى الله عليه وسلم-بقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بِالْبَرَاَةِ)(34) . راببا: الجمع بين مُتَفَرِّق ، أو ُالتفريق بين مُجتمِع خشية الزكاة . وفيه حديث ثُمَامَة بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًـا حَدَّثَـهُ أَنَّ أَبَـا بَكْـرٍ اَتَـ َ لَـهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، (وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّ ٍ، وَلاَ يُفَرَّ ُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)(35) .
عدد الصفحات ١٧2 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد68 )محرم1438هـ فأمر ال واحد منهما أن لا يحدث في المال شـيئًا مـن الجمـع والتفريـق خشـية الصدقة(36)،وفي هذا النص دلالة وابحة على منع الإبرار، قال العيني-رحمه الله-: "وإنما نهي عنه، لأنه هروب عن أداء الحق الواج عليه، وإجحاف في حق الفقير"(37) . وقال ابن حجر– رحمه الله-: " وَقَالَ الْمُهَلَّـ ُ : قَصَـدَ الْبُخَـارِيُّ أَنَّ اُـلَّ حِيلَـةٍ يَتَحَيَّلُ بِهَا أَحَدٌ فِي إِسْقَااِ الزَّاَاةِ، فَإِنَّ إِثْمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَنَعَ مِنْ جَمْعِ الْغَنَمِ أَوْ تَفْرِقَتِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فُهِمَ مِنْـهُ هَـذَا الْمَعْنَـى ، وَفُهِـمَ مِـنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ فِي قَوْلِهِ "أَفْلَحَ إِنْ صَدَ َ" أَنَّ مَنْ رَامَ أَنْ يَـنْقُصَ شَـيْئًا مِـنْ فَـرَا ِضِ اللَّـهِ بِحِيلَةٍ يَحْتَالُهَا أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ، قَالَ: وَمَا أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَصَرُّفِ ذِي الْمَالِ فِي مَالِـهِ قُرْبَ حُلُولِ الْحَوْلِ، ثُمَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّاَاةِ، وَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ عَنْهُ غَيْـرُ سَاقِهٍ" (38) . خامسا: إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها. حددت مصارف الزااة بقوله تعالى ﭽ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ التوبة: 60،وحذرت السنة النبوية أن تعطى لغير مستحقيها، قال رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-«لا تحل الصدقةُ لغ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ(39)»(40) . سادسا: أن تكليف المزكي بدفع نفقات حمل زكاته إلى بيت المال. ومن الصور التي تعد تعديا على المال: أن يكلف المزاي بتبعات ونفقات إيصال الزااة إلى بيت المال، يدل على ذلك قولـه - صـلى الله عليـه وسـلم : «لا جَلَـ َ و جَنَ َ في زااة، ولا تُؤخَذُ زااتهم إِلا في دورهم»(41) .
عدد الصفحات ١٨