سورة البقرة الجزء الأول 12 (١) ﴿ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜ﴾ لما ذكر خاصة عباده وخلاصة أوليائه بصفاتهم التي أه لتهم للهدى والفلاح عق بهم بأضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر. (7) ﴿ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ ﭥﭦ﴾ تعليل للحكم السابق وبيان لما يقتضيه. ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، وأسماعهم ت عاف استماعه، فتصير كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنها غ طي عليها وحيل بينها وبين الإبصار. ﴿ﭨﭩﭪ ﭫ﴾ وعيد وبيان لما يستحقونه. (1) ﴿ﭬ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ﴾ لما افتتح سبحانه وتعالى بشرح حال الكتاب وساق لبيانه ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله تعالى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثن ى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ولم يلتفتوا لفتة رأساً ، ثل ث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للتقسيم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله تعالى، لأنهم مو هوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً ، ولذلك طو ل في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم (أي: ضلالهم) وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم: ﴿إِن ال م نَ افِقِيَ فِ ال ر كِ س فَلِ الْ َ مِنَ ال ارِ ﴾ [النساء: 145] ﴿ﭴﭵﭶﭷ﴾ إنكار ما اد عوه ونفي ما انتحلوا (أي: اد عوا) إثباته. والآية تدلي على أن من اد عى الإيمان وخالف قلب ه لسان ه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً . (٩) ﴿ﭸﭹﭺﭻ﴾ وخداعهم مع الله سبحانه ليس على ظاهره لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولأنهم لم يقصدوا خديعته، بل المراد إما مخادعة رسوله ﷺ، أو على أن معاملة الرسول عليه الصلاة ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ
عدد الصفحات ١٦سورة البقرة الجزء الأول 13 والسلام معاملة الله سبحانه وتعالى من حيث إنه خليفته، كما قال تعالى: ﴿مَ ن ي طِعِ الر س ولَ فَ قَد طاعَ َ أ اللَ ﴾ [نساء: 11]. وقال: ﴿إِن ِ الَّ ينَ ي بايِع ونَكَ إِن ما ي بايِع ونَ اللَ ﴾ [الفتح: 11]. وإما أن صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله تعالى معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده جل وعلا أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار، استدراجاً لهم، وامتثال الرسول ﷺ والمؤمنين أمر الله تعالى في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم، مجاراةً لهم بمثل صنيعهم، صورة صنيع المتخادعين. ﴿ﭼﭽﭾﭿ﴾ المعنى: أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم ﴿ﮀﮁ ﮂ﴾ لا يحسون بذلك لتمادي غفلتهم. (11) ﴿ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ﴾(فائدة: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل، فإنه للبهائم والأموات، بل المراد به معنى آخر يسمى بالقلب أيضاً ، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحل ه، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف [حاشية الجمل على الجلالين].) والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن حد الاعتدال الخاص به، ويوجب الخلل في أفعاله؛ ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخلي بكمالها، كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعة من نيل الفضائل، أو مؤدية إلى زوال الحقيقية الأبدية؛ والآية الكريمة تحتملهما، فإن قلوبهم كانت متألمة تحريقاً على ما فات عنهم من الرياسة، وحسداً على ما يرون من ثبات أمر الرسول ﷺ واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وزاد الله سبحانه وتعالى غم هم بما زاد في إعلاء أمره وإشادة ذكره عليه الصلاة والسلام؛ ونفوسهم كانت موصوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي ﷺ ونحوها، فزاد الله سبحانه وتعالى ذلك بالطبع، أو بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر ﴿ﮊﮋﮌ﴾ أي: مؤلم ﴿ﮍﮎﮏﮐ﴾ أي: بسبب كذبهم. والكذب: هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به؛ وهو حرام كله لأنه ع لل به استحقاق العذاب حيث ر تب عليه. (11) ﴿ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ﴾ فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخلي بنظام العالم؛ والقائل هو الله تعالى، أو الرسول ﷺ، أو بعض المؤمنين ﴿ﮘﮙﮚﮛ ﮜ﴾ وإنما قالوا ذلك: لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى: ﴿فَمَن َ أ ز ي نَ لَ س وء عَمَلِهِ فَرَآه حَسَنا ﴾ [فاطر 1]. (12) ﴿ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ﴾ رد اد عوه أبلغ رد . (13) ﴿ﮥﮦﮧﮨ﴾ من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين: الإعراض عما لا ينبغي، وهو المقصود بقوله: ﴿لَ ت ف سِد وا ﴾، والإتيان بما ينبغي، وهو المطلوب بقوله: ﴿آمِ ن وا﴾ ﴿ﮩ
عدد الصفحات ١٧سورة البقرة الجزء الأول 14 ﮪﮫ﴾ والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل. والمعنى: آم نوا إيماناً مقروناً بالإخلاص، متمح ضاً عن شوائب النفاق، مماثلاً لإيمانهم. واست دل به على قبول توبة الزنديق، وأن الإقرار باللسان إيمان (أقول: بشرط أن يوافق القلب) ﴿ﮬﮭﮮﮯﮰﮱ﴾ وإنما س ف ه وه م لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي: كصهيب وبلال؛ أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. والسفه: خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل، والحلم يقابله ﴿ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ﴾ ر د ومبالغة في تجهيلهم. (14) ﴿ﯛﯜﯝﯞﯟﯠ﴾ بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار ﴿ﯡﯢﯣ ﯤ﴾ المراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشيطان في تمردهم، وهم المظهرون كفرهم ﴿ﯥﯦﯧ﴾ أي: في الدين والاعتقاد ﴿ﯨﯩﯪﯫ﴾ لأن المستهزئ بالشيء المستخف به م صر على خلافه. (15) ﴿ﯬﯭﯮ﴾ يجازيهم على استهزائهم؛ س م ي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئةً ، إما لمقابلة اللفظ باللفظ، أو لكونه مماثلاً له في القدر؛ أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ﴿ﯯﯰﯱ﴾الطغيان تجاوز الحد في الكفر ﴿ﯲﯳ﴾ يترد دون تحيرياً . (أقول: الله سبحانه وتعالى يجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين ويمدهم بالقوى والطاقات ضمن سننه الثابتة لاستكمال ابتلائهم في الحياة الدنيا). (١) ﴿ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ﴾ المعنى أنهم أخلي وا بالهدى الذي جعله الله تعالى لهم بالفطرة التي ف ط ر الناس ع ل ي ه ا محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها، أو اختاروا الضلالة واستحبي وها على الهدى.
عدد الصفحات ١٨سورة البقرة الجزء الأول 15 (17) ﴿ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ ﭡﭢ﴾ وظلماتهم: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة ﴿يَو مَ تَرَى ال م ؤ مِنِيَ وَال م ؤ مِنَ اتِ يَس عَ ن ور ه م بَي َ ي دِيهِم َ أ ي مَ َ وَبِأانِهِم ﴾ [الحديد: 12]. أو ظلمة الضلال، وظلمة سخط الله تعالى، وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة. (11) ﴿ﭣﭤﭥ﴾ لم ا سديوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصر وا الآيات بأبصارهم، ج ع ل وا كأنما أ ي فت مشاعرهم (أي: أصابتها آفة) وانتفت قواهم ﴿ﭦﭧﭨﭩ﴾ لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه، أو عن الضلالة التي اشتروها. (٩ـ21) ﴿ﭪﭫﭬﭭﭮﭯ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ﴾ شبه في الأول ذوات المنافقين بالمستوقدين، وإظهارهم الإيمان باستيقاد النار وما انتفعوا به من حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك بإضاءة النار ما حول المستوقدين، وزوال ذلك عنهم على القرب بإهلاكهم وبإفشاء حالهم وإبقائهم في الخسار الدائم والعذاب السرمد بإطفاء نارهم والذهاب بنورهم. وفي الثاني أنفسهم بأصحاب الصيب، وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصي ب (أي: سحاب كثيف) فيه ظلمات ورعد وبرق، من حيث إنه وإن كان نافعاً في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة عاد نفعه ضراً ، ونفاقهم حذراً عن نكايات المؤمنين وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت، من حيث إنه لا يرد من قدر الله تعالى شيئاً ، ولا يخلص مما يريد بهم من المضار ، وتحيري هم لشدة الأمر وجهلهم بما يأتون ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة (أي: لمعة) انتهزوها فرصة مع خوف أن تخطف أبصارهم، فخطوا خطً ى يسيرة، ثم إذا خفي وفتر لم عان ه بقوا متقيدين لا حراك بهم. وقيل: شبه الإيمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالص ي ب الذي به حياة الأرض. وما ارتكبت بها من الشبه المبطلة واعترضت دونها من الاعتراضات المشككة ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ
عدد الصفحات ١٩سورة البقرة الجزء الأول ١ بالظلمات. وشبه ما فيها من الوعد والوعيد بالرعد، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق، وتصام هم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنيه عنها، مع أنه لا خلاص لهم منها وهو معنى قوله تعالى: ﴿ﭻﭼﭽ﴾. واهتزاز هم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد (أي: نصيب) تطمح إليه أبصارهم، بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم، وتحيرهم وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة أو تع ني (أي: تعرض) لهم مصيبة، بتوقي فهم إذا أظلم عليهم. ونب ه سبحانه بقوله: ﴿ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ﴾ على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصار ليتوصلوا بها إلى الهدى والفلاح، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة، وسدي وها عن الفوائد الآجلة، ولو شاء الله تعالى لجعلهم بالحالة التي يجعلونها لأنفسهم، فإنه على ما يشاء قدير. (21) ﴿ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ﴾ لما عد د ف ر ق المكل فين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات ه ز اً للسامع وتنشيطاً له، واهتماماً بأمر العبادة وتفخيماً لشأنها، وجبراً لكلفة العبادة بلذة المخاطبة. و«يا» حرف وضع لنداء البعيد، وقد يناد ى به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد. إما لعظمته كقول الداعي: يا رب، ويا الله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، أو للاعتناء بالموعود له وزيادة الحث عليه. وكلي ما نادى الله تعالى له عباده من حيث إنها أمور عظام من حقها أن يتفطنوا إليها ويقبلوا بقلوبهم عليها، وأكثرهم عنها غافلون (أقول: بلاؤنا مصيبتنا الغفلة عن رب نا جل وعلا، وهو معنا بعلمه سبحانه وتعالى) ﴿ﮥﮦ ﮧ﴾ كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين جوار الله سبحانه وتعالى. نب ه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهو التبري من كل شء سوى الله تعالى، إلى الله تعالى، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء، قال تعالى: ﴿يَد ع ونَ رَب ه م خَو فا وَطَمَعا ﴾ [السجدة: ١]، ﴿يَر ج ونَ رَحْ َتَه وَيََاف ونَ عَذابَه ﴾ [اسراء: 57] (أقول وهذا يحصل بطريق الطريق، وصحبة أهل الحق، اللهم ارزقنا ات باع نبي ك وسننه عليه أفضل الصلاة والسلام). والآية تدلي على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثواباً ، فإنها لما وجبت عليه شكراً لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل. (22) ﴿ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡ﴾ المعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله تعالى أنداداً . واعلم أن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، والنهي عن الإشراك به تعالى، والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى. وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعاراً بأنها العلة لوجوبها، ثم بين ربوبيته بأنه سبحانه وتعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من الم ق ل ة (أي: الأرض، لأنها ت ق لي ما عليها أي: ترفعه وتحمله) والم ظ ل ة (أي: السماء، لأنها ت لقي ظ ل ها على ما تحتها) والمطاعم والملابس، فإن الثمرة أعمي من المطعوم، والرزق
عدد الصفحات ٢٠سورة البقرة الجزء الأول 17 أعم من المأكول والمشروب. ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته سبحانه وتعالى، رتب تعالى عليها النهي عن الإشراك به؛ ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة ـ مع ما دل عليه الظاهر وسيق فيه الكلام ـ الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل، فمث ل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحص لة بواسطة استعمال العقل للحواس وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتول دة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهراً وبطناً، ولكل حد مطلعاً . (23) ﴿ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ﴾ لما قر ر وحدانيته تعالى، وبين الطريق الموصل إلى العلم بها، ذكر عقيبه ما هو الحجة على نبو ة محمد ﷺ، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي غلبت فصاحة كل بليغ، مع كثرتهم وإفراطهم في المضاد ة وتهالكهم في المغالبة. والحكمة في تقطيع القرآن سوراً : تنشيط القارئ، وتسهيل الحفظ، والترغيب فيه ﴿ﯪﯫﯬﯭ﴾ أي: بسورة كائنة من مثله (أي: مثل سور القرآن الكريم) ﴿ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﯶ﴾ المعنى: و اد ع وا للمعارضة من حضكم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجن كم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله سبحانه. فائدة: إذا تجاوزت وقاية الله تعالى فلا يقيك غير ه (آمنت بالله تعالى). (24) ﴿ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ﴾ الحجارة: وهي جمع حجر، والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعاً في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضار لمكانتهم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِن ك م وَما تَع ب د ونَ مِن د ونِ اللِ حَصَب جَهَن مَ ﴾ [ 1]. عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكانزون بما كنزوه. أو بنقيض ما كانوا يتوقعون زيادة في تحسرهم. وقيل: الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها ويغترون بها. وفي الآيتين ما يدلي على النبو ة من وجوه: الأول: ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن، ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا لمعارضته، والتجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج. الثاني: أنهما يتضمنان الإخبار عن الغيب على ما هو به، فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه عادة، سيما والطاعنون فيه أكثر من الذاب ين عنه في كل عصر. الثالث: أنه ﷺ لو شك في أمره لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة، مخافة أن يعارض فتدحض حجته. وقوله تعالى: ﴿ﰃﰄ﴾ دل على أن النار مخلوقة معد ة الآن لهم (لمن مات على الكفر).
عدد الصفحات ٢١سورة البقرة الجزء الأول 11 (25) ﴿ﭑﭒﭓﭔﭕ ﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ﴾ عطف على الجملة السابقة، والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه، على حال من كفر به وكيفية عقابه، على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطاً لاكتساب ما ينجي، وتثبيطاً عن اقتراف ما يردي. وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء. وإنما أمر الرسول ﷺ، أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم؛ ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأنهم أحقاء بأن يبشر وا ويهن ؤوا بما أعد لهم. وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أ س (أي: أساس)، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأ س لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه. ومقتضى وعده تعالى لا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَر تَدِد مِن ك م عَن دِينِهِ فَيَم ت وَه وَ كَ فِر ولئَِ فَأكَ حَبِطَت ع مَ َ أال ه م ﴾ [البقرة 217]. ﴿ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ﴾ وإن للآية الكريمة محملاً وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها، فيحتمل أن يكون المراد من ﴿ﭦﭧﭨ﴾ أنه ثوابه، ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة. (أقول: والله تعالى إذا عفا وأدخل عبده الجنة لا يكون نعيمه جل وعلا بقدر عمل العبد في الدنيا) ﴿ﭰﭱﭲﭳ﴾ مما يستقذر من النساء ويذمي من أحوالهن ، كالحيض والدرن (أي: الوسخ) ودنس الطبع وسوء الخلق، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ﴿ﭵﭶ ﭷ ﭸ﴾ دائمون. ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ
عدد الصفحات ٢٢سورة البقرة الجزء الأول ٩ واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكح، على ما دل عليه الاستقراء، كان ملاك ذلك كله الدوام والثبات، فإن كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم؛ ب شر المؤمنين بها، ومث ل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذي به منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود، ليدل على كمالهم في التنعي م والسرور. (١) ﴿ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ﴾ أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. والحياء: انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم. وإذا وصف به الباري تعالى كما في الحديث: «إن الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يرد ها صفراً حتى يضع فيهما خيراً » [رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى]. فالمراد به الترك اللازم للانقباض، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما ﴿ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ﴾ إحماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم، وذم بليغ للكافرين على قولهم؛ والح قي الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يعمي الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة ﴿ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ﴾ الإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، وتقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به. ﴿ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ﴾ جواب ماذا، أي: إضلال كثير وإهداء كثير ﴿ﮠﮡﮢﮣﮤ ﮥ﴾ والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة، وله درجات ثلاث: الأولى: التغابّ وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها. الثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. الثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان (أي: عقد الإيمان) من عنقه، ولابس الكفر (أقول: إن لم يتب؛ وإذا تاب إن شاء الله تعالى يرجع إلى الإيمان ويعفو عنه ربي نا تبارك وتعالى بكرمه). وما دام هو في درجة التغابّ أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، ولقوله تعالى: ﴿وَإِن طَ ائِفَتانِ مِنَ ال م ؤ مِنِيَ اق تَتَل وا﴾ [الحجرات: ٩]. (27) ﴿ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ﴾ صفة للفاسقين. وهذا العهد: إما العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله ﷺ، وعليه أ و ل قوله تعالى: ﴿ش هَدَه م َ وَأ عََ ن ف سِهِم َ أ﴾ [ 172] (أقول: أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، منهم إذا خلقوا يتذكرون هذا العهد، ومنهم ينسون هذا العهد، وإذا نسوا هذا العهد يقعون في المخالفات. كلهم كافرهم ومؤمنهم قالوا: بلى، ومنهم نسوا ذاك العهد بإرادة الله تعالى، ومنهم لم ينسوا). أو: المأخوذ بالرسل على الأمم، بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا
عدد الصفحات ٢٣سورة البقرة الجزء الأول 21 حكمه، وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِذ خَذَ َ أ الل مِيثاقَ ِ الَّ ينَ وت وا أ ال كِتابَ ﴾ [ عمران 117] ونظائره وقيل: عهود الله تعالى ثلاثة: عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذه على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه (أقول: سواء أخذوا به أو لم يأخذوا به لأنه يؤدي التبليغ، نحن أ مرنا بالتبليغ). ﴿ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ﴾ يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة (بدون عذر)، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر ، فإنه يقطع الوصلة بين الله تعالى وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ﴿ﯕﯖﯗﯘ﴾ بالمنع عن الإيمان والاستهزاء بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه ﴿ﯙﯚﯛ ﯜ﴾ الذين خسروا بإهال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها، والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتراء النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب. (21) ﴿ﯝﯞﯟ﴾ والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون ﴿ﯠﯡ﴾ أي: أجساماً لا حياة لها، عناصر وأغذية، وأخلاطاً ونطفاً ، ومضغاً مخلقة وغير مخلقة ﴿ﯢ﴾ بخلق الأرواح ونفخها فيكم (وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو موات، وقوله فأحياكم في الأرحام بأن جعل فيكم الأرواح [تفس الوسيط للواحدي]) ﴿ﯤﯥ﴾ عندما ت قضى آجالكم ﴿ﯦﯧ﴾ بالنشور يوم ينفخ في الصور، أو للسؤال في القبور ﴿ﯨﯩﯪﯫ﴾ بعد الحشر، فيجازيكم بأعمالكم. أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب؛ فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! أو الخطاب مع القبيلين، فإنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد والنبوة، ووعدهم على الإيمان، وأوعدهم على الكفر، أك د ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة والخاصة، واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة، فإن عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم. أو مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم، وتبعيد الكفر عنهم على معنى: كيف يتصور منكم الكفر وكنتم أمواتاً جهالاً فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان، ثم يميتكم الموت المعروف، ثم يحييكم الحياة الحقيقية، ثم إليه ترجعون، فيثيبكم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والحياة حقيقة في القوة الحساسة أو ما يقتضيها، وفيما يخص الإنسان من الفضائل، كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة، قال تعالى: ﴿ق لِ الل ي يِ يك م ث م ي مِ يت ك م ﴾ [ ١]، وقال: ﴿اع لَ م وا َ أن اللَ ي يِ الْ َ ر ضَ بَ ع دَ مَ و تِ هَ ا﴾ [ 17]، وقال: ﴿ َ أوَ مَ ن كَ نَ مَ ي ت ا فَ َ أح يَ ي نَ اه وَ جَ عَ ل نَ ا لَ ن ور ا يَ م شِ بِ هِ فِ ال اسِ ﴾ [ 122] وإذا و صف به الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة. (٩) ﴿ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ﴾ بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنه خلقهم أحياء
عدد الصفحات ٢٤سورة البقرة الجزء الأول 21 قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم. ومعنى ﴿ﯯ﴾ لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط (أي: بواسطة) أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها ﴿ﯴﯵﯶﯷ﴾ قصد إليها بإرادته ﴿ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ ﰀ﴾ فيه تعليل ، كأنه قال: ولكونه عالماً بكنه الأشياء كلها، خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع؛ واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليماً ، فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم؛ وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أن الأبدان بعد ما تبددت وتفتتت أجزاؤها واتصلت بما يشاكلها، كيف تج مع أجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذي شء منها ولا ينضمي إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَ ه وَ بِ ك ل خَ ل ق عَ لِ يم ﴾ [يس: ٩]. واعلم أن صحة الحشر مبني ة على ثلاث مقد مات، وقد برهن عليها في هاتين الآيتين: أما الأولى: فهي أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة، وأشار إلى البرهان عليها بقوله: ﴿وَ ك ن ت م َ أم وَ اتا فَ َ أح يَ اك م ث م ي مِ يت ك م ﴾، فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بذاتها، وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير. وأما الثانية والثالثة: فإنه عز وجل عالم بها وبمواقعها، قادر على جمعها وإحيائها، وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه تعالى قادر على إبدائها وإبداء ما هو أعظم خلقاً وأعجب صنعاً ، فكان أقدر على إعادتهم وإحيائهم، وأنه تعالى خلق ما خلق خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت واختلال، مراعياً فيه مصالحهم وسد حاجاتهم. وذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جل ت قدرته ودق ت حكمته سبحانه وتعالى.
عدد الصفحات ٢٥سورة البقرة الجزء الأول 22 (31) ﴿ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ ﭗﭘﭙﭚ﴾ تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس كلهم، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له إنعام يعم ذريته. والملائكة كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تعالى: ﴿ي سَ ب ح ونَ الل ي لَ وَ ال هَ ارَ لَ يَ ف ت ونَ ﴾ [الأنبياء: 21]، وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي ﴿لَ يَع ص ونَ اللّ َ مَا مَرَه م َ أ وَيَف عَل ونَ مَا ي ؤ مَر ون﴾ [ ١]. والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة الله تعالى في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفه الله تعالى في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقي أمره بغير وسط (أقول: أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلهم قابلية لأخذ الفيض من الله تعالى، ولذا خص الله تعالى الوحي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما سائر البشر فيأخذون من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم من جنسهم)، ولذلك لم يستنبئ ملكاً ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَو جَعَل نَاه مَلَك لْ َعَل نَاه رَج لَ ﴾ [ 9]، ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم واشتعلت قريحتهم (والقريحة: ملكة يستطيع الإنسان بها ابتداع الكلام وإبداء الرأي) بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار أرسل إليهم الملائكة، ومن كان منهم أعلى رتبة كل مه بلا واسطة، كما كل م موسى عليه السلام في الميقات، ومحمداً ﷺ ليلة المعراج. وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة (أقول: بهذا يعل منا ربينا جل وعلا المشاورة، ولذا قال جل وعلا: ﴿وَ شَ اوِ ر ه م فِ الْ َ م رِ ﴾ [ عمران ٩])، وتعظيم شأن المجعول، بأن بشر عز وجل بوجوده سكان ملكوته، ولق به بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه، وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. ﴿ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ﴾ تعجي ب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ
عدد الصفحات ٢٦سورة البقرة الجزء الأول 23 بهرت تلك المفاسد وألغتها، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم، كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره، وليس باعتراض على الله تعالى جلت قدرته، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: ﴿بَل عِبَاد مُّك رَم ون * لَ يَس بِق ونَه بِال قَو لِ وَه م م رِهِ َ بِأ يَع مَل ون﴾ [ ١ـ27] وإن عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو تلق من اللوح، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم، أو قياس لأحد الثقلين (الإنس والجن) على الآخر ﴿ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ﴾ والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك! وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة. ونظروا إليها مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلاً عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد؟ وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمر نة على الخير، كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله : ﴿ﭩﭪ ﭫﭬﭭﭮﭯ﴾ والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء والنقصان، وكذلك التقديس، و﴿ﭥ﴾ أي: متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووف قتنا لتسبيحك ﴿ﭦﭧ﴾ نطه ر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. (31) ﴿ﭰﭱﭲﭳ﴾ إما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روعه؛ والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة، مستعد اً لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات، والمتخيلات والموهومات، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها ﴿ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ﴾ تبكيت (أي: توبيخ) لهم وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة ﴿ﭼﭽﭾﭿ﴾ في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة لعصمتكم. (32) ﴿ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ﴾ اعتراف بالعجز والقصور، وإشعار بأن سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً ، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه سبحانه وتعالى ﴿ﮉﮊﮋ﴾ الذي لا يخفى عليه خافية ﴿ﮌﮍ﴾ المحكم لم ُبد ُعاته، الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. (33) ﴿ﮎﮏﮐﮑﮒ﴾ أي: أعل م هم ﴿ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ﴾ فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السموات والأرض، وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة، علم ما لا يعلمون. وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأ ولى، وهو أن يتوق فوا مترص دين لأن يبين لهم. وقيل: ﴿ﮠﮡ﴾ قولهم: ﴿ﭜﭝﭞﭟﭠ﴾، ﴿ﮢﮣﮤ﴾ استبطانهم أنهم أحق اء بالخلافة، وأنه تعالى لا يخلق خلقاً أفضل منهم. واعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة بل العمدة فيها.
عدد الصفحات ٢٧سورة البقرة الجزء الأول 24 (34) ﴿ﮦﮧﮨﮩﮪ﴾ لم ُا أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له، اعترافاً بفضله وأداء لحق ه، واعتذاراً عما قالوا فيه. والسجود في الأصل تذلي ل مع ت طام ن (أي: انخفاض)، وفي الشرع: وضع الجبهة على قصد العبادة؛ والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى، وج عل آدم قبلة لسجودهم تفخيماً لشأنه، وإما المعنى اللغوي وهو التواضع لادم تحيةً وتعظيماً له كسجود إخوة يوسف له ﴿ﮫﮬﮭﮮﮯ﴾ امتنع عما أمر به استكباراً ﴿ﮰﮱﯓﯔ﴾ أي: في علم الله تعالى. (أقول: وكان من الكافرين لاستكباره على الأمر الوجوبّ، مع أنه في علمه تعالى كان كافراً ). (35) ﴿ﯕﯖﯗﯘﯙﯚ﴾ الجنة دار الثواب ﴿ﯛﯜﯝ﴾ واسعاً رافهاً ﴿ﯞ ﯟ﴾ أي مكان من الجنة شئتما ﴿ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ﴾ فينبغي أن لا يحوما حول ما حر م الله تعالى عليهما مخافة أن يقعا فيه، وجعله سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخلي بالكرامة والنعيم. (١) ﴿ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ﴾ أي: من الكرامة والنعيم ﴿ﯰﯱﯲﯳ ﯴﯵ﴾ والمعنى: متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله ﴿ﯶﯷﯸﯹ﴾ موضع استقرار ﴿ﯺ﴾ تمتع ﴿ﯻﯼﯽ﴾ يريد به وقت الموت أو القيامة. (37) ﴿ﯾﯿﰀﰁﰂ﴾ استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها، وهي قوله تعالى: ﴿رَ ب نَ ا ظَ لَ م نَ ا َ أن ف سَ نَ ا﴾ الآية [الأعراف: 23]، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ﰃﰄﰅ﴾ رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة. ومعنى التوبة: هو الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه ﴿ﰆﰇﰈ﴾ الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة. وأصل التوبة: الرجوع، فإذا وصف بها العبد كان رجوعا عن المعصية، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة ﴿ ﰉﰊ﴾ المبالغ في الرحمة. وفي الجمع بين الوصفين وعد للتائب بالإحسان مع العفو.
عدد الصفحات ٢٨سورة البقرة الجزء الأول 25 (31) ﴿ﭑﭒﭓﭔﭕ﴾ أي: اهبطوا للتكليف (أقول: أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض)، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضل ه هلك ﴿ﭖ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭠﭡﭢﭣ﴾ والمعنى: إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال فمن تبعه منكم نجا وفاز. (٩) ﴿ﭤﭥﭦﭧﭨ ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ﴾ كفروا بالآيات ج ناناً ، وكذبوا بها لساناً. والآية تقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته. والمراد ﴿ﭧ﴾ الآيات المنزلة. وفيها دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن التوبة مقبولة، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿ﭬﭭﭮ﴾. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وعقبها تعداد النعم العامة تقريراً لها وتأكيداً ، فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدلي على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادراً على الإبداء، خاطب أهل العلم والكتاب منهم، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج، ليكونوا أول من آمن بسيدنا بمحمد ﷺ وما أنزل عليه فقال: (41) ﴿ﭰﭱ﴾ أي: أولاد يعقوب ﴿ﭲﭳﭴﭵﭶ﴾ أي: بالتفكر فيها والقيام بشكرها. وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله تعالى على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط، وإن نظر إلى ما أنعم الله تعالى به عليه حمله حبي النعمة على الرضى والشكر. ﴿ﭷﭸ﴾ بالإيمان والطاعة ﴿ﭹﭺ﴾ بحسن الإثابة والعهد؛ فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم، وللوفاء بهما عرض عريض، فأول مراتب الوفاء من ا هو الإتيان بكلمتي الشهادة، ومن الله تعالى حقن الدم والمال، وآخرها من ا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره (أقول: هذا حقيقة التصوف وحقيقة المؤمن وحقيقة عباد الله المخل صين) ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أوفوا بعهدي في ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ
عدد الصفحات ٢٩سورة البقرة الجزء الأول ١ اتباع محمد ﷺ أوف بعهدكم في رفع الآصار والأغلال. وعن غيره: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب. أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيم المقيم (أقول: الطريق المستقيم هو طريق الشريعة والسنة النبوية). والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة ﴿ﭻﭼﭽ﴾ فيما تأتون وتذرون، وخصوصاً في نقض العهد. والآية متضم نة للوعد والوعيد، دال ة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى. (41) ﴿ﭾﭿﮀﮁﮂﮃ﴾ إفراد للإيمان بالأمر به والحث عليه لأنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود، وتقييد المنزل بأنه مصدق لما معهم من الكتب الإلهية من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها، مراعى فيها صلاح من خوطب بها، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لو كان موسى حي اً لما وسعه إلا ات باعي» [ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بلفظ قريب تنبيه على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به، بل يوجبه، ولذلك عر ض بقوله: ﴿ﮄﮅﮆﮇﮈﮉ﴾ بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشر ين بزمانه ﴿ﮊﮋﮌﮍﮎ﴾ ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان. قيل: كان لهم رئاسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم، فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله ﷺ فاختاروها عليه ﴿ﮏﮐﮑ﴾ بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الدنيا. (42) ﴿ﮒﮓﮔﮕ﴾ والمعنى: لا تخلطوا الحق المنزل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما، أو ولا تجعلوا الحق ملتبساً بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله ﴿ﮖﮗ﴾ كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال، ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء على من لم يسمعه، أو لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه ﴿ﮘﮙﮚ﴾ عالمين بأنكم لابسون كاتمون، فإنه أقبح، إذ الجاهل قد ي عذر. (43) ﴿ﮛﮜﮝﮞ﴾ يعني صلاة المسلمين وزكاتهم. وإخراج الزكاة يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم، و يطهر المال من الخبث والنفس من البخل ﴿ﮟﮠﮡﮢ﴾ أي في جماعتهم. (44) ﴿ﮤﮥﮦ﴾ تقرير مع توبيخ وتعجيب. والبر: التوسع في الخير، ولذلك قيل: البري ثلاثة: ب ر في عبادة الله تعالى، وب ر في مراعاة الأقارب، وب ر في معاملة الأجانب ﴿ﮧﮨ﴾ وتتركونها من البر كالمنسيات ﴿ﮩﮪﮫﮬ﴾ أي: تتلون التوراة؛ وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ﮭﮮﮯ﴾ ق بح صنيعكم فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته. والآية
عدد الصفحات ٣٠سورة البقرة الجزء الأول 27 ناعية على من يعظ غيره ولا يت عظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته (أي: عزته)، والمراد بها حثي الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقو م فيقي م غيره، لا منع الفاسق عن الوعظ (أقول: لأن منعه مخالف للاستفادة). (45) ﴿ﮰﮱﯓﯔ﴾ والمعنى: استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكي لاً على الله تعالى، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس، والتوسي ل بالصلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب (أقول: لا بد للعبد قبل أن يتلبس بالعبادة أن يتفكر في قرب علم الله تعالى إياه ونظر الله جل وعلا له) روي أنه عليه الصلاة والسلام «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» [الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى]. ﴿ﯕ﴾ أي: وإن الاستعانة بهما، أو الصلاة؛ وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروبا من الصبر، أو جملة ما أمروا به ونهوا عنه ﴿ﯖ﴾ لثقيلة شاقة، كقوله تعالى: ﴿كَ ب َ عَََ ال م ِ ش كِ يَ مَ ا تَ د ع وه م إِ لََ هِ ﴾ [ 12] ﴿ﯗﯘﯙﯚ﴾ المخبتين (أي: المتواضعين). (١) ﴿ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ﴾ (أقول: كلي ظن يأتي في القرآن من المؤمنين بمعنى اليقين، ومن الكافرين بمعنى الشك) أي: يتوق عون لقاء الله تعالى ونيل ما عنده، أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى الله تعالى فيجازيهم. وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها، متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقي ها ويستلذي بسببه متاعب ها، ومن ثمة قال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» [الحديث رواه الإمام النسائي رحمه الله تعالى]. (47) ﴿ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ﴾ كر ره للتأكيد وتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم خصوصاً ، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخل بحقوقها ﴿ﯫﯬﯭﯮﯯ﴾ أي: عالمي زمانهم، يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل أن يغيروا بما منحهم الله تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين. واستدل به على تفضيل البشر على الملك. (41) ﴿ﯰﯱ﴾ أي: اتقوا ما فيه من الحساب والعذاب ﴿ﯲﯳﯴﯵﯶﯷ﴾ لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، أو شيئاً من الجزاء (وفي المدارك للنسفي رحمه الله تعالى: لا تجزي نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئاً ) ﴿ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ﴾ أي: من النفس العاصية (أي: الكافرة) (أقول: يوم القيامة، النفس المؤمنة لا تفيد النفس الكافرة لا شفاعةً ولا فداءً ولا عدلاً ولا هم ينصرون، ولكن هذا لا يدلي على نفي شفاعة المؤمنين الصادقين للمخالفين، فإن شفاعة المؤمنين للعاصين ثابتة، وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي رحمهما الله تعالى: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، نرجو الله تعالى أن يشف ع فينا نبي نا عليه الصلاة والسلام) ﴿ﰀﰁﰂﰃ﴾ ي منعون من عذاب الله تعالى.
عدد الصفحات ٣١