المجرَّد المختصر من تفسير القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى
عدد الصفحات ١B 6341هـ ـ 4163م
عدد الصفحات ٢المجرَّد المختصر من تفسير القاضي البيضاوي تَعََالَىَ فضيلة الشيخ أحمد فتح الله جامي
عدد الصفحات ٣q مختصر البيضاوي أ ¬ q فضيلة الشيخ أحمد فتح الله جامي حفظه الله تعالى هو الإمام العارف بالله تعالى، المجد د المربّ سيدي الشيخ أحمد بن فتح الله جامي، شيخ الطريقة الشاذلية القادرية، الموشي مولداً، الخالديي نسباً، الشافعي مذهباً . نشأ في أسرة شريفة، اشتهرت بالتقوى والصلاح والعلم، إضافة إلى الشجاعة وإغاثة الملهوف. وكان جدي ه الشيخ عبد الله جامي رحمه الله تعالى من العلماء البارزين في وقته، وهكذا أجداده من الشيخ إسماعيل إلى الشيخ ملا جامي رحمهم الله تعالى. أما والد شيخنا ـ فتح الله جامي ـ رحمه الله تعالى فكان معروفاً بشجاعته وإقدامه، وكان حريصاً على أن يكون ولد ه طالب علم ويسلك طريق العلماء، فجعله عند من يعل مه العلم الشريف، وهو الشيخ حق شوناس رحمه الله تعالى. توفي والد شيخنا حفظه الله تعالى وشيخنا لم يتجاوز من العمر ثماني سنوات، فكان هو القائم بتربية أخيه محمد وأخواته، ولما تم له من العمر عشرون عاماً بدأ بتحصيل العلم بشكل جد ي دائم، وفي نفس الوقت بدأ بالسير والسلوك في مجاهدة النفس في الطريقة النقشبندية، وتابع سيره وسلوكه وتحصيله في طلب العلم، وطلب ه الوحيد البحث عن الأستاذ التقي النقي لتحصيل العلم على يديه، وأكرمه الله تعالى بذلك، فجميع أساتذته من أهل التصوي ف الخالص. فأخذ علم الفقه واللغة العربية عن الشيخ عبد الهادي العمري البوطي رحمه الله تعالى، وهو مأذون في الطريقة النقشبندية، وتابع ذلك على يد الشيخ عبد الرحمن العمري البوطي رحمه الله تعالى، وأخذ منه الكثير من العلوم الأخرى، وكذلك أخذ العلوم عن الشيخ محمد ظاهر الملاذكردي، فهو أستاذ أستاذه الشيخ عبد الرحمن العمري رحمهما الله تعالى. وكان حفظه الله تعالى متوك لاً على الله تعالى معتمداً عليه، لم يتعلق بأسباب العيش، وإنما هي ه الاجتماع بالعلماء الأتقياء الصادقين. قال حفظه الله تعالى عن هذا الجانب: (أخذت علومي من المتقين، وتأد بت بآدابهم، حتى أجازوني بالإجازات العلمية، وهذا من فضل الله تعالى. لقد عشت مع المتقين، وأخذت الطريق من الصادقين)، ولقد بلغ من محب ته للشرع الشريف الدرجات العالية ، فكان غيوراً على شرع الله تعالى.
عدد الصفحات ٤q مختصر البيضاوي ب وقال أيضاً : (الشريعة حبل الله تعالى النازل من السماء إلى الأرض، وهو الطريق الوحيد للخلاص من الغرق في بحر الدنيا، ومن اد عى طريقاً آخر لذلك ضل وأضل )، وسلوك هذا الطريق هو ات باع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وات باع من ات بع رسول الله هو ات باع لشرع الله عز وجل، كما يؤك د على أهية الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة، وات باع المذاهب الأربعة، ويوج ه المسلمين عامة وأهل الطريق خاصة لكثرة الذكر، وقراءة القرآن الكريم بالتدبي ر، والإخلاص في العبادة. أخذ الطريقة النقشبندية عن سيدي إبراهيم حقي رحمه الله تعالى، ولازمه فترة طويلة من حياته، ويقول حفظه الله تعالى: (ر ب يت على يد الشيخ إبراهيم حقي رحمه الله تعالى، وبقيت معه حتى آخر لحظة من حياته، حيث غس لته وكف نته بيدي رحمه الله تعالى)، وبعد وفاته أخذ يبحث عن مرشد له، وبقي سبعة عشر عاماً على هذا الحال. وخلال هذه الأعوام كان مجاهداً لنفسه على طريقة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، وكان يكثر من خلواته، حتى تعر ف على شيخه في الطريقة الشاذلية القادرية سيدي الشيخ عبد القادر عيسى الحلبي تَعَالَ، ودخل الطريقة، وأدخله خلوة لمدة عشرة أيام، ثم أذن له بالورد العام، وبعد أعوام أعطاه الإذن بالورد العام والخاص، وهو الخليفة للشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى. يقول حفظه الله تعالى: طوال هذه الأعوام بعد وفاة شيخي الأول وأنا أبحث عن المرشد، كنت في معية سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى بروحاني ته، وكنت أرى الذي أراه، ولكن ليس طلبي كشفاً ولا كرامة، طلبي غير هذا، حتى أكرمني الله تعالى بسيدنا الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى. وكان له اهتمام بمسلك الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى ورسائله (رسائل النور). ويقول كذلك: طريقة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى سلوكي، وطريقة الإمام الشاذلي رحمه الله تعالى مشربّ، فالأولى في الرياضات، والثانية في الذكر. وهو حفظه الله تعالى كثير الشفقة على خلق الله تعالى، فكلي من خالطه عرف مدى رحمته بالخلق، وكثيراً ما سمعنا منه حفظه الله تعالى: (سعادة المرء في شيئين: التعظيم لأوامر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى)، وخصوصاً على الأيتام والمساكين، وكذلك على المهاجرين الذين تركوا أوطانهم، وتأثي ره الشديد بأحوال المسلمين وما يصيبهم، وكثرة دعائه لهم، وتحذيره من إهراق دماء المسلمين المعصومين، والانجراف وراء الفتن والقتل، وتحذيره من أهل العقائد المنحرفة والمذاهب الباطنية وأفكار الخوارج وأعمالهم. أما عن تعلي قه بالقرآن الكريم وعشقه لكلام رب نا جل وعلا فكان يقول حفظه الله تعالى: (القرآن روحنا، القرآن شرفنا، القرآن عزي نا)، ودائماً يوج ه أحبابه ومريديه إلى كثرة قراءة القرآن بالتدبي ر، مع الرجوع للتفاسير
عدد الصفحات ٥q مختصر البيضاوي ج المختصرة لفهم معاني القرآن الكريم، وكان توجي هه إلى القرآن منذ بداية حياته، فكان من ثمار ذلك كتاب: «نداء المؤمنين في القرآن المبين»، و«صفات المؤمنين في القرآن المبين»، وكتاب «تنزيه القلوب»، و«منتخبات من آيات القرآن الكريم»، وتو ج هذا الاشتغال بالقرآن وتفاسيره باختصار الكتاب الذي بين أيدينا، وهو تفسير الإمام القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى، مجرداً عن النحو والصرف واللغة ليستفيد منه الناس، ويكون تسهيلاً على القارئ ليفهم ويتدب ر معاني القرآن العظيم، فجزاه الله تعالى عنا وعن المسلمين خيراً ، وجعل عمله هذا في ميزان حسناته، وأدخل به السرور على قلب سيدنا محمد . وقد انتشر الطريق بفضل الله تعالى وبركة أهل السلسلة، وصدق شيخنا وتجري ده الكامل عن نفسه، في أرجاء الأرض شرقاً وغرباً، فقد وصلت آثار توجيهاته ووصاياه وحكمه إلى دول شتى وبلدان عدة، من ماليزيا إلى مصر وتونس والجزائر، حتى وصلت إلى المسلمين في كندا وأمريكا وأوربا، وكذلك إلى غير المسلمين حتى دخل بعضهم في الإسلام، وتأتيه الأسئلة من كل بقاع الأرض من عامة المسلمين وعلمائهم، فيجيبهم بقدر الإمكان، ويبين لهم وجوب اتباع الشريعة، وأن الشريعة أصل ، والطريقة فرع ، ويبين لهم اعتقاد أهل السنة والجماعة وآداب الطريق. ونختم بوصية كان لها أثر بالغ بين المؤمنين، وهي من الوصايا المهم ة التي كثيراً ما يوصي بها سيدنا الشيخ حفظه الله تعالى: (لا بد عليكم أن تتفك روا بالمعبود قبل العبادة، أي: تتفك روا في عظمته وربوبي ته ووحداني ته جل وعلا، وهو بعلمه جل وعلا معنا، ينظر إلينا ومط لع على خفايا صدورنا، يعني لا بد من التعلي ق بالمعبود قبل الدخول في العبادة، لا تتفك روا في ذاته جل وعلا، نحن بين يديه ولكن بدون تشبيه، فهو جل وعلا كما قال تعالى: ﴿لَيۡسََ َكَمِثۡلِهِۦَشََۡء َ َوَهُوَََٱلسَّمَِ يعََُٱلَۡۡصِيَُ َ١١﴾ [ 11]). وص الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. ** ** **
عدد الصفحات ٦q مختصر البيضاوي د ¬ q الإمام المفسِّ القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى هو العلا مة المفسر قاضي القضاة، ناصر الدين، أبو سعيد، عبد الله بن عمر بن علي البيضاوي الشيرازي، الشافعي، والبيضاوي نسبة إلى بيضاء، وهي بلدة من بلاد فارس، ولم تذكر المصادر سنة ولادته. قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في «بغية الوعاة»: كان إماماً علا مة، عارفاً بالفقه والأصلين والعربيـة والمنطق، نظاراً صالحاً، متعب داً، شافعي اً. وقال ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى في «طبقاته»: صاحب المصن فات، وعالم أذربيجان، وشيخ تلك الناحية. وقال الإمام السبكي رحمه الله تعالى في «طبقاته الكبرى»: و القضاء بشيراز، ودخل تبريز، ونـاظر بهـا، وقال عنه رحمه الله تعالى: كان إماماً مبرزاً نظاراً خيراً، صالحاً متعبداً . تتلمذ الإمام البيضاوي رحمه الله تعالى على جملة كبيرة من الشيوخ، منهم: والده الإمام أبـو القاسـم عمـر بـن محمد بن علي البيضاوي، والشيخ شرف الدين عمر البوشكاني الزكي، كان مـن أكـابر العلـماء العـاملين، وكـذلك تتلمذ على الشيخ محمد بن محمد الكحتائي، صحبه البيضاوي واقتدى به في الزهد والعبادة، رحمهم الله تعالى. له مؤلفات كثيرة، من أشهرها هـذا التفسـير المسـمى «أنـوار التنزيـل وأسرار التأويـل»، تلق ـ اه العلـماء بالقبول، وذاع ذكره في سائر الأقطار، وسار مسير الشمس في رابعة النهار، واشتغل به العلـماء إقـراءً وتدريسـاً وشرحاً حتى بلغت شروحه وحواشيه زهاء مئة وثلاثين حاشية، وظل ي در س بالأزهر وغيره من معاهد العلم قروناً عديدة، وهو كتاب عظيم الشأن غني عن البيان، يحتوي فنوناً مـن العلـم و ع ـ رة المسـالك، وأنواعـاً مـن القواعد مختلفة الطرائق. وله أيضاً كتاب «المنهاج» مخت من الحاصـل والمصـباح و«شرحـه» في( أصـول الفقـه) وهـو «منهـاج الوصول إلى علم الأصول»، وكتاب «الطوالع» وهـو «طوالـع الأنـوار» في( أصـول الـدين والتوحيـد)، قـال السبكي رحمه الله تعالى: وهو أجلي مختصر أ ل ف في علم الكلام، وغيره الكثير من المؤلفات. ولي القضاء بشيراز، وتوفي رحمه الله تعالى بمدينة تبريز سنة (1 هـ إحدى وتسعين وستمائة. ** ** **
عدد الصفحات ٧G مختصر البيضاوي 4 ¬ G الحمد لله رب العالمين، الذي من علينا بنعمة القرآن العظيم، الذي هو كلام رب نا عز وجل صدقاً وحق اً. والصلاة والسلام على سي دنا محم د رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي أ نزل القرآن العظيم على قلبه الشريف، لي خرج به العباد من الظلمات إلى النور، ويجعلهم يفر قون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح، والرشد من الغي . ورضي الله تبارك وتعالى عن أصحابه الكرام الذين خص هم ربينا عز وجل بتلق ي القرآن من فمه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . أقول مستعيناً بالله تعالى: أما بعد، فإن أعظم نعمة م ن الله عز وجل بها على البشر هي نعمة القرآن، لذلك وجب عليهم الحمد على هذه النعمة، قال الله تعالى: ﴿ٱلَۡۡمۡدَُ َلِلََِِّ َٱلََِّّي َ َنزَلََ َ أَعَََىَ َعَبۡدِهََِٱلۡكِتَىبََ َ وَلَمََۡيََۡعَل َلََُّّۥ َعِوَجَا َ َ١﴾ [ 1]. فالقرآن العظيم كلام رب العالمين، وتفسيره هو من أرفع العلوم قدراً، ومن أجل ها خطراً، ومن أعظمها أجراً، ومن أشرفها ذكراً، لأن القرآن العظيم مصدر الهداية والنور، يهدي به جل وعلا من يشاء من عباده. ومن فضل الله عز وجل علينا أن شغلنا بخدمة القرآن، وتفهيم معانيه وتحصيل علومه؛ ولما كان تفسير القرآن العظيم للقاضي البيضاوي رحمه الله تعالى، المسمى بـ«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» من التفاسير المشهورة، حيث جمع فيه المفسر رحمه الله تعالى بين التفسير والتأويل على مقتضى قواعد اللغة العربية، وذلك أخذاً من تفسير الكشاف للزمخشري رحمه الله تعالى؛ وقر ر فيه الأدل ة على أصول أهل السنة، وذلك أخذاً من التفسير الكبير للفخر الرازي رحمه الله تعالى؛ ومن تفسير الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى ما يتعل ق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات؛ وضم لتفسيره بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، واهتم بذكر القراءات، وتعر ض في تفسيره للنحو والصرف واللغة، كما تعر ض لبعض المسائل الفقهية، وخاض في مباحث الكون والطبيعة، وبذلك قم ص تفسيره باللغة والبيان والنحو والصرف والبلاغة والإعراب والقراءات.
عدد الصفحات ٨G مختصر البيضاوي 5 لذلك عمدنا إلى تفسيره رحمه الله تعالى، واختصرناه تيسيراً على الأمة، فطرحنا هذه الأمور كل ها، وأبقينا على معاني القرآن العظيم المجر دة من هذه الأمور، حرصاً من ا على قارئ القرآن أن يقرأه بتدبير وإمعان وتفكير، حتى لا تغيب معاني القرآن، فأبعدنا في هذا المختصر ما أثبته البيضاوي رحمه الله تعالى من المسائل اللغوية من نحو وصرف وما شابه ذلك، وأبعدنا القراءات التي كثيراً ما يذكرها رحمه الله تعالى، كما أبعدنا المسائل الاعتزالي ة، والقضايا الفقهي ة، إلا ما كان ضروري اً من المسائل الفقهي ة، وهو رحمه الله تعالى كان معتم داً في التفسير والشريعة والاعتقاد؛ ومن أراد الرجوع لليغة والنحو والصرف والبلاغة والإعراب وعلوم اللغة العربية فليرجع إلى مصادرها، كالمتون التالية وشروحها: ألفية ابن مالك، وكتاب قطر الندى، وكتاب شرح المغني للشيخ محمد العمري الميلاني، وكتاب الآجرومية، وكتاب حل معاقد القواعد للإمام التفتازاني، وكتاب عقود الجمان للسيوطي، وغيرها من المتون والشروح. وإذا لم يذكر المفسر رحمه الله تعالى تفسير بعض الآيات بسبب استغراقه في اللغة والقراءات، قمنا بإثبات تفسيرها من كتب التفاسير الأخرى، وعزونا كل كلام لمصدره؛ كما بي ن ا معاني الكلمات المغلقة بالرجوع إلى الحواش ومعاجم اللغة إيضاحاً للمعنى. وإذا أردنا بيان أمر من الأمور التي تتعل ق بالعقيدة أو العبادة أو الأخلاق أو نصيحة للمؤمنين من خلال بعض الآيات الكريمة، صد رنا لذلك بـ(أقول). ولا ننسى دعاءنا ودعاء المسلمين لمن أعاننا على القراءة والترتيب من إخواننا جزاهم الله خيراً. اكتفينا بعدم ذكر أسمائهم بـ«إخواننا» جزاهم الله خيراً، وخصوصاً السيد الشريف خالد الأزهري. نسأل الله عز وجل أن ينو ر بصائرنا بكتابه العظيم، وأن يجعله قائداً لنا إلى جنات النعيم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبي ين والصد يقين والشهداء والصالحين آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. خادم الطريقة الشاذلية القادرية أحمد فتح الله جامي
عدد الصفحات ٩سورة الفاتحة الجزء الأول ١ ¬ سورة الفاتحة مكيَّة، وآي ها سبع آيات (1) ﴿بِسۡمَِٱلِلََِّ َٱلرَّحۡمَٰنَِٱلرَّحِيمََِ١﴾ من الفاتحة، ومن كل سورة، وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤها وابن المبارك والشافعي رحمهم الله تعالى. وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي رحمهم الله تعالى، ولم ينص أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيه بشيء، فظ ن أنها ليست من السورة عنده. وسئل محمد بن الحسن عنها فقال: ما بين الدفتين كلام الله تعالى. وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «فاتحة الكتاب سبع آيات، أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم» [رواه الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى]. والإجماع على أن ما بين الدف تين كلام الله سبحانه وتعالى. والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى (أقول: وفي الحقيقة ثبت عندي أن الاسم عين المسمى [أحمد فتح الله جامي]، إن شئت ارجع إلى المقصد الأسنى لشرح أسماء الله الحسنى للإمام الغزالي رحمه الله تعالى) ﴿ٱلرَّحۡمَٰنَِٱلرَّحِيمَِ﴾ اسمان ب نيا للمبالغة من ر ح م ، و﴿الر ح ـم ن ﴾ أبلغ من ﴿الر حِيمِ ﴾، لأن زيادة البناء تدلي على زيادة المعنى. (2) ﴿ٱلَۡۡمۡدَُ َلِلََِِّ ﴾ (الحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها) ﴿رَب ََِٱلۡعَىلَمِيََ َ٢﴾ الربي في الأصل: مصدر بمعنى التربية؛ وهي: تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً . والعالم : اسم لما يعلم به، غلب فيما ي عل م به الصانع تعالى، وهو كلي ما سواه من الجواهر والأعراض (أقول: وكلي شء يدلي على الخالق سبحانه وتعالى على الإطلاق)، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده وهو الله جل وعلا، وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغل ب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم. (3) ﴿ٱلرَّحۡمَٰنَِٱلرَّحِيمََِ٣﴾ كرره للتعليل (أقول: الرحمن عام يشمل المؤمنين وغير المؤمنين، والرحيم خاص بالمؤمنين). (4) ﴿مَىلِكَِ َيَوۡمََِٱل ِينََِ٤﴾ المالك: هو المتصر ف في الأعيان المملوكة كيف يشاء. والم ل ك: هو المتصر ف بالأمر والنهي في المأمورين. ويوم الدين يوم الجزاء. وقيل: الد ين الشريعة. وقيل: الطاعة، والمعنى: يوم جزاء الدين. (5) ﴿إِيَّاكَََنَعۡبُدََُوَإِيَّاكَََنَسۡتَعِيَُ َ٥﴾ ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تمي ز بها عن سائر الذوات، وتعلق العلم بمعلوم معين، خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصي ك بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على الاختصاص، وللترقي من البرهان (أي: الدلائل) إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، ﮪﮫﮬﮭ ﭕ ﭖﭗﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞﭟﭠ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦ ﭧﭨﭩﭪﭫ ﭬﭭﭮﭯﭰ ﭱﭲﭳﭴ سُورَةَُ َالفَاتَِِةَِ 1 7
عدد الصفحات ١٠سورة الفاتحة الجزء الأول 7 فكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً والغيبة حضوراً ؛ بنى أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه جل وعلا، والنظر في آلائه، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قف ى (أي: أتبع) بما هو منتهى أمره، وهو أن يخوض لجة الوصول، ويصير من أهل المشاهدة فيراه عياناً ويناجيه شفاهاً (أقول: لا تتفك روا بذاته جل وعلا، وتعل قوا بصفاته، وتفك روا بمصنوعاته، الله تعالى يقول: ﴿لَ ي سَ كَ مِ ث لِ هِ شَ ء وَ ه وَ الس مِ يع ال َ صِ ي ﴾ [الشورى: 11]) اللهم اجعلنا من الواصلين للعين دون السامعين للأثر (أقول: الواصلين إلى العين لا يدل على أن يصل لعين الخالق ﴿لَ ي سَ كَ مِ ث لِ هِ شَ ء وَ ه وَ الس مِ يع ال َ صِ ي ﴾، وكلي ما خطر على البال فالله تعالى بخلافه). والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، والاستعانة طلب المعونة. وقد م المفعول للتعظيم ، والاهتمام به، والدلالة على الحصر، ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك، وتقديم ما هو مقد م في الوجود، والتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات، ومنه إلى العبادة، لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه، بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق (أقول: وألا يغتر بعبادته)، فإن العارف إنما يحقي وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه، حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالاً من أحوالها إلا من حيث أنها ملاحظة له ومنتسبة إليه (أقول: على المؤمن أن لا ينظر إلى عبادته، بل ينظر إلى خالقه جل وعلا، وأنه تعالى ناظر إليه، لا يتعلق بالذكر بل يتعلق بالمذكور، يعني التعلق بالمعبود قبل العبادة، هذا مهم، أكثر الناس تعل قوا بالعبادة لا بالمعبود، هذا لا يحصل إلا بكثرة الدوام على ذكر الله تعالى، فيصل بالكثرة إلى المعبود، ولذا قي د الله تعالى الذكر في القرآن الكريم بالكثرة، فقال: ﴿ يَا يُّهَا َ أ ِينَ الَّ آمَن وا اذ ك ر وا اللَ ذِك ر ا كَثِي ا﴾ [ 41]، حتى يصلوا إلى الحقيقة، حينذاك ينسى عبادته ويتعلق بمعبوده، أي: بخالقه، ولذا قال: يناجيه شفاهاً ). (١) ﴿ٱهۡدِنَاَٱلص ِرَىطََ َٱلۡمُسۡتَقِيمََ َ٦﴾ بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: ﴿ٱهۡدِنَا﴾. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم. والهداية دلالة بلطف، ولذلك تستعمل في الخير، وقوله تعالى: ﴿فَاه د وه م إِل صِِاطِ الْ َحِيم ﴾ [الصافات: 23] وارد على التهكي م. وهداية الله تعالى تتنو ع أنواعاً لا يحصيها عد ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَع دُّ وا نِع مَةَ اللِ لَ تُ ص وهَ ا﴾ [: 11] ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة: الأول: إفاضة القوى التي بها يتمك ن المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد (أقول: وهي الشريعة والسنة النبوية، ثم ينتقل هذا إلى القلب، فلا بد للمؤمن أن يستعمل قلبه بمقتضى رضا الله جل وعلا)، وإليه أشار حيث قال تعالى: ﴿وَهَدَي ناه ال ج دَي نِ ﴾ [: 11]، وقال تعالى: ﴿م َ وَأا ثَم ود فَهَدَي ناه م فَاس تَحَبُّ وا ال عَمَ عَََ ال ه دَ ى﴾ [: 17] (أقول: الحمد لله على دين الإسلام، وعلى هداية الله تعالى لنا لهذا الدين القويم). الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها ع ن ى بقوله: ﴿وَجَعَل ناه م ئِم َ أة يَه د ونَ م رِنَ َ بِأا و حَي نَا َ وَأ إِلََ هِم فِع لَ الْ َي َاتِ وَإِقَامَ الص لََةِ وَإِيتَاءَ الز كَ ةِ وَكََن وا لََا عََبِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 73] وقوله: ﴿إِن ه ذَا ال ق ر آنَ يَه دِي لِل تِ هَِ َ أق وَم ﴾ [الإسراء: ٩]. الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر (أقول: القلوب المنغمسة مغلقة، أيي ش متعلق بها
عدد الصفحات ١١ِينَ ﴾ [الأنبياء: 73] وقوله: ﴿إِن ه ذَا ال ق ر آنَ يَه دِي لِل تِ هَِ َ أق وَم ﴾ [الإسراء: ٩]. الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر (أقول: القلوب المنغمسة مغلقة، أيي ش متعلق بها يكون مانعاً لنزول الأسرار الإلهية، وآكدها حبي الدنيا وحبي المنصب؛ حبي المنصب كحب الدنيا بل أشدي ،
عدد الصفحات ١١سورة الفاتحة الجزء الأول 1 قال عليه الصلاة والسلام: «إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه» [رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى]، وهو طبيب القلوب عليه الصلاة والسلام لا يعطي لمن يريد، وهو أشفق على العبد من والديه، لئلا يخسر في دينه) ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة، (أقول: ولذا بالجلوس مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستفاد من الوحي، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وبالجلوس مع الأولياء يستفاد من الإلهامات، وهذا لعامة المؤمنين الصادقين الذين غسلوا قلوبهم من حب الدنيا) وهذا قسم يختصي بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله تعالى: ﴿ولئِكَ أ ِ الَّ ينَ هَدَى اللّ فَبِه داه م اق تَدِه ﴾ [الأنعام: 1]، وقوله تعالى: ﴿ِ وَالَّ ينَ جاهَد وا فِينا لََه دِيَن ه م س ب لَنا ﴾ [العنكبوت: ٩١]. فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتبة عليه. فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به: أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا (البشرية)، وتميط (أي: تزيل) غواش أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك (لا بعيوننا) (أقول: من هو العارف بالله تعالى؟ هو الذي آمن بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وتمس ك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، هذا هو العارف المؤمن، والدرجات عند الله تعالى لا تح صى ). والصراط المستقيم: المستوي، والمراد به طريق الحق، وهو مل ة الإسلام. (7) ﴿صِرَىطََ َٱلََِّّينََ َنۡعَمۡتََ َ أَعَلَيۡهِمَۡ﴾ توكيد وتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه؛ لأنه جعل كالتفسير والبيان له (يقول تعالى: ﴿ن َ وَأ هَـذَا صَِِاطِ م س تَقِيم ا فَات بِع وه ﴾ [: 153]). والإنعام: إيصال النعمة، وهي الحالة التي يستلذها الإنسان. ونعم الله تعالى وإن كانت لا تح صى فإنها تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي. والأول (أي: الدنيوي) قسمان: موهبي وكسبي، والموهبي قسمان: روحاني: كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق. وجسماني: كتخليق البدن والقوى الحال ة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي: تزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق السني ة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال. والثاني (وهو الأخروي): أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه، ويبو ئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين. والمراد هو القسم الأخير، وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الآخر، فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر ﴿غَيَِۡ َٱلۡمَغۡضُوبَِ َعَلَيۡهِمََۡوَلََ َٱلضَّآل َِ يَََ٧﴾ والمعنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال. والغضب: ثوران النفس وإرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية، والضلال: العدول عن الطريق السوي عمداً أو خطأً . قيل: ﴿ٱلۡمَغۡضُوبَِ َعَلَيۡهِمَۡ﴾ اليهود، لقوله تعالى فيهم: ﴿مَن لَعَنَه اللّ وَغَضِبَ عَلَي هِ ﴾ [المائدة: 1]. و﴿ٱلضَّآل ِيََ ﴾ النصارى، لقوله تعالى: ﴿قَد ضَلُّ وا مِن قَب ل ضَلُّ َ وَأوا كَثِيا ﴾ [المائدة: 77]. وقد روي مرفوعاً . ويتجه أن يقال: ﴿المَ غ ض وبِ عَ لَ ي هِ م ﴾ العصاة، و﴿الض ال يَ ﴾ الجاهلون بالله، لأن المنع م عليه من وف ق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، والمخلي بالعمل فاسق مغضوب عليه، لقوله تعالى في القاتل عمداً : ﴿وَغَضِبَ اللّ عَلَي هِ ﴾ [ 3]. والمخلي بالعلم جاهل ضال ، لقوله تعالى: ﴿فَمَ اذَ ا بَع دَ الْ َق إِل الض لََ ل ﴾ [يونس: 32]. «آم» اسم للفعل الذي هو استجب .
عدد الصفحات ١٢سورة البقرة الجزء الأول ٩ ¬ سورة البقرة مدنيَّة وآيها مئتان وست وثمانون آية (1) ﴿ال م ََ١﴾ (وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وهي سري القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ون ك ل العلم فيها إلى الله سبحانه وتعالى [السراج المنير للخطيب الشربيني رحمه الله تعالى].) (2) ﴿ذَىلِكََ َٱلۡكِتَىبَُ ﴾ ذلك إشارة إلى ﴿ال م َ﴾ إن أ و ل بالمؤل ف من هذه الحروف أو ف سر بالسورة أو القرآن. والمراد بالكتاب الكتاب الموعود إنزاله بنحو قوله تعالى: ﴿إِ ن ا سَ ن ل قِ عَ لَ ي كَ قَ و ل ثَ قِ يلَ ﴾ [ 5] ﴿لََ َرَيۡبَ َ َفِيهِ َ﴾ معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحياً بالغاً حد الإعجاز. والريبة هي قلق النفس واضطرابها، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة. وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى] فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة. ﴿هُد َىَل ِلۡمُتَّقِيَََ٢﴾ يهديهم إلى الحق. واختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به والمنتفعون بنصه، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر، وبهذا الاعتبار قال تعالى: ﴿ه د ى لِلن اسِ ﴾ [ 115]. أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه إلا من صقل العقل واستعمله في تدبر الآيات والدلائل والنظر في المعجزات، وتعرف النبوات، لأنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعاً ما لم تكن الصحة حاصلة، وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿وَ ن نَ ل مِنَ ال ق ر آنِ مَا ه وَ شِفَ اء وَرَحْ َة لِل م ؤ مِنِيَ وَلَ يَزِيد الظ الِمِيَ إِل خَسَ ارا ﴾ [الإسراء: 12]. والمتقي في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضي ه في الآخرة، وله ثلاث مراتب: الأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك، وعليه قوله تعالى: ﴿ل زَمَه م َ وَأ كََِمَةَ ال ق وَ ى﴾ [الفتح: ١]. الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، وهو المعنيي بقوله تعالى: ﴿وَلَو ن َ أ ه لَ َ أ ال ق رَ ى آمَن وا وَات قَو ا﴾ [الأعراف: ١٩]. الثالثة: أن يتنز ه عما يشغل سر ه عن الحق ويتبتل إليه بشراشره (أي: بكلي ته) وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: ﴿يَ ا يُّ َ أهَا ِ الَّ ينَ آمَن وا ات ق وا اللَ حَق ت قاتِهِ ﴾ [آل عمران: 112]. (3) ﴿ٱلََِّّينََ َيُؤۡمِنُونَََبِٱلۡغَيۡبَِ﴾ إما موصول بالمتقين إن فسر التقوى بترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية. أو موضحة إن فسر بما يعمي فعل الحسنات وترك السيئات لاشتماله على ما هو أصل سُورَةَُ َالَۡقََرَةَِ 2 ¬ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹﭺﭻﭼ 282
عدد الصفحات ١٣سورة البقرة الجزء الأول 11 الأعمال وأساس الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة، فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصي غالباً (أقول: وإن لم تدخل في مفهوم الإيمان)، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِن الص لََ ةَ تَن هَ عَنِ ال فَح شَ اءِ وَال م ن كَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام» [رواه البيهقي رحمه الله تعالى في شعب الإيمان] (أقول الحديث في فضائل الأعمال ولو كان ضعيفاً يجوز الأخذ به، بل مستحب كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى). والإيمان في اللغة: عبارة عن التصديق؛ وأما في الشرع: فالتصديق بما علم بالضورة أنه من دين سيدنا محمد ﷺ كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء. أو مجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين. فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومن أخل بالإقرار فكافر، ومن أخل بالعمل ففاسق وفاقاً. والذي يدلي على أنه التصديق وحده أنه سبحانه وتعالى أضاف الإيمان إلى القلب، فقال جل وعلا: ﴿و لئَِكَ أ كَتَبَ فِ ق ل وبِهِم الإِيمَانَ ﴾ [المجادلة: 22]، ﴿وَقَل ب ه م ط مَئِن بِالإِيمَانِ ﴾ [النحل: ١]، ﴿وَلَم ت ؤ مِن ق ل وب ه م ﴾ [المائدة: 41]، ﴿وَلَم ا يَد خ لِ ِيمَ الإ ان فِ ق ل وبِك م ﴾ [الحجرات: 14]، وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال تعالى: ﴿وَإِن طَ ائِفَتانِ مِنَ ال م ؤ مِنِيَ اق تَتَل وا﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿يَ ا يُّ َ أهَا ِ الَّ ينَ آمَن وا ك تِبَ عَلَي ك م ال قِصَ اص فِ ال قَت لى﴾ [البقرة: 171]، ﴿ِ الَّ ينَ آمَ ن وا وَلَم يَل بِس وا إِيمَ انَه م بِظ ل م ﴾ [الأنعام: 12]. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ هذه الآية. ﴿وَيُقِيمُونَََٱلصَّلَوىةََ ﴾ أي: يعد لون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها (أقول: هذا صعب حتى على المتقين؛ لأنهم يدخلون الصلاة ولم يتعل قوا بالمعبود، وإذا لم يتفكروا في المعبود يشرد القلب، أما من تعلق بالمعبود فإن المعبود يمنعه عن الوساوس والخطرات، بشرط أن يدوم بقلبه على الحضور مع المعبود، أكثر المؤمنين مع وجود إيمانهم يدخلون في العبادة بدون تعلي ق بالمعبود، حينذاك يفتح باب الوساوس والخطرات للشيطان). فإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق (أي: الرائج) الذي ي رغ ب فيه، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب عنه؛ أو يتشم رون لأدائها من غير فتور ولا توان. والحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى. ﴿وَمِمَّاَرَزَقۡنَىهُمَۡ َيُنفِقُونَََ٣﴾ الظاهر من هذا الإنفاق صرف المال في سبيل الخير فرضاً كان أو نفلاً . (4) ﴿وَٱلََِّّينََ َيُؤۡمِنُونَََبِمَا ََنزِلََ ُ أَإِلََۡكََ َوَمَا ََنزِلََ ُ أَمِنَقَبۡلِكََ﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأضرابه، معطوفون على ﴿ِ الَّ ينَ ي ؤ مِن ونَ بِال غَي بِ ﴾، داخلون معهم في جملة المتقين دخول أخصين تحت أعم، إذ المراد بأولئك الذين آمنوا عن شرك وإنكار، وبهؤلاء مقابلوهم، فكانت الآيتان تفصيلاً للمت قين، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. أو معطوفون على المتقين وكأنه قال: هدًى للمتقين عن الشرك والذين آمنوا من أهل الكتاب.
عدد الصفحات ١٤سورة البقرة الجزء الأول 11 والإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل، ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل بأن يتلقفه الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً (أقول: الملائكة ليسوا عند ربهم جل وعلا وإنما يلهمهم إلهاماً يتلقفونه من الله جل وعلا)، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به فيبلغه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. والمراد بما أ نزل إليك القرآن بأسره والشريعة عن آخرها (أقول: والشريعة مقيدة بنزول القرآن لأن أصحاب المذاهب الأربعة اجتهدوا واستنبطوا الأحكام من القرآن)، وبما أ نزل من قبلك التوراة والإ نجيل وسائر الكتب السابقة، والإيمان بها جملةً فرض عين (عند أهل السنة والجماعة)، وبالأول دون الثاني تفصيلاً من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض ولكن على الكفاية، لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج وفساد المعاش. ﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةََِهُمََۡيُوقِنُونَََ٤﴾ أي: يوقنون إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى. واليقين: إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه نظراً واستدلالاً ، ولذلك لا يوصف به علم البارئ تعالى. (5) ﴿وْلَ َ ُ أئِكَََعَََىَ َهُد َىَم ِنَرَّب ِهِمۡ ََوْلَ ئِكََ ُ وَأَهُمََُٱلۡمُفۡلِحُونَََ٥﴾ كأنه لما قيل: ﴿ه د ى لِل م ت قِيَ ﴾ قيل: ما بالهم خ صي وا بذلك؟ فأجيب بقوله: ﴿ِ الَّ ينَ ي ؤ مِن ونَ بِال غَي بِ ﴾ إلى آخر الآيات. تنبيه: تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله كل أحد، وذلك لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم. وقد تشب ث به الوعيدي ة (وهم فرقة من الخوارج) في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب (أقول: وهذا يدلي على فساد اعتقادهم كالمعتزلة)، ورد بأن المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح له رأساً (قال أولياؤنا رضي الله تعالى عنهم: إن الله تعالى المتعز ز برداء العظمة والكبرياء، المتفر د بالمجد والبهاء، لا يغفر أن يشرك به، أي: لا يستر ولا يعفو عن انتقام الشرك به بإثبات الوجود لغيره، ويغفر مادون ذلك من الكبائر والصغائر لمن يشاء من التائبين وغيرهم).
عدد الصفحات ١٥