المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هكذا حج النبي صلى الله عليه وسلم

صالح بن صويلح الحساوي

صفحة ١٦ من ١٨

255 أَمَــا عَلِمْــتَ أَن « :ﭬ لعمــرو بــن العــاص وقــول النبــي ﷺ الإِْسْــلاَمَ يَهْــدِمُ مَــا كَانَ قَبْلَــهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْــرَةَ تَهْــدِمُ مَــا كَانَ قَبْلِهَــا؟ .(١»وَأَنَّ الْحَــجَّ يَهْــدِمُ مَــا كَانَ قَبْلَــهُ؟ كما أن من التقوى ترك سؤال الناس. كان أهــلُ اليمــن يحجــون ولا يتــزودون، «قــال ابــن عبــاس ويقولــون: نحــن المتوكلــون، فــإذا قدمــوا مكــة ســألوا النــاس، .»﴾ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ فأنــزل الله تعالــى: ﴿ قال المهلب: ترك السؤال من التقوى. ويؤيده أن الله مدح ﴾ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ من لم يسأل الناس إلحافًا فإن قوله: ﴿ .(2(أي تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك .ومنها: تحقيق التقوى فعلــى قلــة عــدد آيــات الحــج إلا أن الله تعالــى أكثــر فيهــا مــن ﲠ الوصيــة بالتقــوى؛ ففــي ســورة البقــرة مــن قولــه تعالــى: ﴿ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﴾ إلــى قولــه تعالــى: ﴿ ﲡ ﲢ ﲣ ثمــان آيــات؛ أمــر بالتقــوى وحــث عليهــا خمــس ﴾ﱆ مسلم (١( ١( .(فتح الباري( 2(

عدد الصفحات ٢٥٥

256 ﱙ﴾، ﴿ ﳪ ﳫ ﳬ ﳭ ﳮ ﳯ ﳰ مــرات: ﴿ ﱏ ﴾، ﴿ ﱡ ﱟ ﱠ ﴾، ﴿ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﴾، ﴿ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖ ﴾.ﱜ ﱝ ﱟ ﱞ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ونحو ذلك في سورة الحج: ﴿ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﴾، ﴿ ﱡ ﱠ ﴾؛ مما يدل على أهمية تحقيق هذه الأمر القلبي. ﲾﲿ التَّقْــوَى هَــا هُنَــا؛ وَيُشِــيرُ إِلَــى صَــدْرِهِ « :وقــال النبــي ﷺ . (١»وفي روايــة: وَأَوْمَــأَ بِيَــدِهِ إِلَــى الْقَلْــبِ (ثَــلاَثَ مَــرَّاتٍ وفي أمــره تعالــى أولــي الألبــاب بتقــواه؛ يــدل أن أهــل العقــول والألبــاب ينبغــي عليهــم - وقــد أكرمهــم الله بالحــج - أن يجعلوا تقوى الله ۵ من أكر مقاصدهم في حجهم. فما أجمل أن يعود الحاج من حجه متزودًا بهذا الزاد العظيم. . ﴾ﱡ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ ﱟ ﱠ وفي قوله تعالى: ﴿ : الوقــوف بعرفــة مــن $قــال محمــد بــن أبــي موســى شــعائر الله، وبِجَمْــعٍ مــن شــعائر الله، والجمــارُ مــن شــعائر الله، مسلم (٨٥) واللفظ لأحمد( ١(

عدد الصفحات ٢٥٦

257 والبُــدْنُ مــن شــعائر الله، والحلــق مــن شــعائر الله، فمــن يعظمهــا .(١(فإنهــا مــن تقــوى القلــوب .ومنها: إقامة ذكر الله تعالى وهــذا مقصــد في الحــج وفي كل طاعــة لله؛ فالصــلة مــن ﴾ بــل ﱏ ﱐ ﱑ مقاصدهــا الذكــر قــال تعالــى: ﴿ الصــلة كلهــا أذكار. ﱬ ﱭ ﱮ وخُصَّ الحج بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴﱵ ﱶ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ﴾، وقال سبحانه: ﴿ ﱷ ﱸ ﲎ ﲏ ﲐ ﴾، وقال: ﴿ﲅ ﲆ ﲇﲈ ﴾، وقال: ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﲘ ﲆ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﴿ ﴾.ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ إِنَّمَــا جُعِــلَ الطَّــوَافُ، وَالسَّــعْيُ بَيْــنَ « :- وقــال النبــي ﷺ .(2(»الصَّفَــا وَالْمَــرْوَةِ، وَرَمْــيُ الْجِمَــارِ؛ لإِِقَامَــةِ ذِكْــرِ اللَّهِ ۵ ابن أبي شيبة( ١( . وحسنه الأرناؤوط.أحمد (٤( 2(

عدد الصفحات ٢٥٧

258 وذكــره ﷺ لهــذه الأمــور الثلثــة: الطــواف والســعي والرمــي؛ ليــس علــى ســبيل الحصــر، بــل علــى ســبيل التمثيــل؛ لأن أعمــال الحــج كلهــا شــرعت لإقامــة الذكــر، ويؤكــد ذلــك الآيــات الآنفــة ففيهــا: ذكــرٌ عنــد الإفاضــة مــن عرفــات، وذكــرٌ عنــد الإفاضــة مــن مزدلفــة، وذكــرٌ عــن نحــر الهــدي، وذكــرٌ عنــد إتمــام المناســك. ؛ فعن وكل عبادة خالطها الذكر كانت أعظم من غيرها ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (أَنَّ رَجُلً سهل بن معاذٍ، عن أبيه أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ سَأَلَهُ فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ قَالَ: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ »وَتَعَالَى ذِكْرًا »لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ »وَتَعَالَى ذِكْرًا .(١»أَجَلْ « :بِكُلِّ خَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أحمــد( ١( مرســلً بســند صحيــح عــن أبــي ســعيد المقــري رواه ابــن المبــارك في الزهــد (٩

عدد الصفحات ٢٥٨

259 فأعظــم الحجــاج أجــرًا أكثــر لله تعالــى ذكــرًا في حجهــم، وأعظــم المعتمريــن أجــرًا أكثرهــم لله تعالــى ذكــرًا في عمرتهــم.. وأعظــم الذكــر مــا تواطــأ عليــه القلــب واللســان. ومــن ثــم تفــاوت الحجــاج في أجرهــم؛ فمنهــم المكثــر مــن ذكــر الله - نســأل الله مــن فضلــه - ومنهــم مــن هــو دونــه، ومنهم المقــل، ومنهــم الغافــل؛ نســأل الله العافيــة. .ومنها: شهود المنافع ﴾، الــلم هنــا لام التعليــل ﲆ ﲇ ﲈ ﴿ قــال تعالــى: أي لأجــل أن يشــهدوا منافــع لهــم، فشــهود المنافــع مقصــودٌ في الحــج؛ وشــهودهم أي حضورهــم المنافــع لتحصــل لهــم وينتفعــوا بهــا. وجــاءت كلمــة منافــع (نكــرة) ليــدل علــى كثرتهــا وتنوعهــا دينًــا ودنيــا، فــكل فضائــل الحــج مــن منافعــه. ﴾ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ وفي قوله تعالى: ﴿ قَــالَ مُحَمَّــد بْــن أَبــي مُوسَــى: لكــم في كل مشــعرٍ منافــعُ، إلــى أن تخرجــوا منــه إلــى غيــره، فالأجــل الْمُسَــمَّى: الْخُــرُوجُ مِنْــهُ إِلَــى غَيْــرِهِ، (ثُــمَّ مَحِلُّهَــا إِلَــى الْبَيْــتِ الْعَتِيــقِ) قــال: مَحِــلَّ هــذه

عدد الصفحات ٢٥٩

260 .(١(الشــعائر كلهــا؛ الطــواف بالبيــت ومنها: تذكر حال الأنبياء، والقتداء بهم: قــال تعالــى لنبيــه ﷺ بعــد أن ذكــر جملــةً مباركــةً مــن ﴾.ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﴿: الأنبياء فالمشــاعر والمناســك أرضٌ وطأتهــا أقدام الأنبيــاء منذ عهد ، فهــو وابنــه مــن رفعــا القواعــد مــن البيــت؛ وعــاش الخليــل عمــره كلــه، وعــاش فيهــا محمــد ﷺ ثلثًــا فيهــا إســماعيل وخمســين ســنة مــن عمــره؛ عــدا مجيئــه إليهــا بعد ذلــك. وممــن وطئــت أقدامهــم تلــك البطــاح والمشــاعر مــن الأنبيــاء والرســل عليهــم الصــلة والســلم كلُّ نبــي بعــث بعــد لأنهــم أولــى النــاس بإجابــة ندائــه.الخليــل وقــد حفظــت لنــا النصــوص بعضًــا منهــم علــى ســبيل الإجمــال، وبعضًــا علــى ســبيل التفصيــل؛ فممــن أجملــوا في :مراحــل ســيرهم إلــى المشــاعر؛ مــا جــاء في قــول النبــي ﷺ لَقَــدْ مَــرَّ بِالصَّخْــرَةِ مِــنِ الرَّوْحَــاءِ سَــبْعُونَ نَبِيًّــا، حُفَــاةً عَلَيْهِــمُ « ابــن أبــي شــيبة ( ١( (١٦/ ٥٤

عدد الصفحات ٢٦٠

261 .(١»الْعَبَــاءَةُ، يَؤُمُّــونَ بَيْــتَ اللَّهِ الْعَتِيــقَ، مِنْهُمْ مُوسَــى نَبِــيُّ اللَّهِ ﷺ لَقَــدْ سَــلَكَ فَــجَّ الرَّوْحَــاءَ وعــن ابــن عبــاس ﭭ أَنَّــهُ قَــالَ .(2(»سَــبْعُونَ نَبِيًّــا؛ حُجَّاجًــا عَلَيْهِــمْ ثِيَــابُ الصُّــوفِ وقد صلى هؤلاء السبعون أو غيرهم بمسجد منًى؛ ففي .(3(»صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا « :الحديث قال النبي ﷺ وممــن ذكــر مــن الأنبيــاء علــى ســبيل التفصيــل موســى :ويونس وعيسى فعَـنْ ابْـنِ عَبَّـاسٍ ﭭ قَـالَ: (سِـرْنَا مَـعَ رَسُـولِ اللهِ ﷺ بَيْـنَ »أَيُّ وَادٍ هَـذَا؟ مَكَّـةَ وَالْمَدِينَـةِ فَمَرَرْنَـا بِـوَادِي الأَْزْرَقِ فَقَـالَ (أبو يعلى (٥٧( ١( رواه الحاكم (٩٦١٤) وسكت عنه الذهبي.( 2( الطراني في الأوسط (٧( 3( والخيــف: الــوادي. وبجــوار هــذا المســجد أو فيــه نــزل النبــي ﷺ بمنــي في حجــة الــوداع، وكان يصلــي فيــه الصلــوات كمــا تقــدم. وعنــد الفاكهــي مَــعَ مُجَاهِــدٍ نَسِــيرُ حَتَّــى إِذَا خَرَجْنَــا مِــنَ الْحَــرَمِ نَحْــوَ عَرَفَــاتٍ قَــالَ: هَــلْ لَكُــمْ فِــي مَسْــجِدٍ كَانَ ابْــنُ عُمَــرَ ﭭ يَسْــتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّــيَ فِيــهِ، لَقَــدْ صَلَّــى فِيــهِ سَــبْعُونَ نَبِيًّــا «قَــالَ: قُلْنَــا: نَعَــمْ. فَصَلَّيْنَــا فِيــهِ ثُــمَّ قَــالَ .»كُلُّهُــمْ يَــؤُمُّ الْخَيْــفَ

عدد الصفحات ٢٦١

262 كَأَنِّـي أَنْظُـرُ إِلَـى مُوسَـى فَقَالُـوا: هَـذَا وَادِي الأَْزْرَقِ، قَـالَ مَـارًّا بِهَـذَا الْـوَادِي مَاشِـيًا، وَاضِعًـا إِصْبَعَيْـهِ فِـي أُذُنَيْهِ، وَلَـهُ جُؤَارٌ ، ثُـمَّ سِـرْنَا حَتَّـى أَتَيْنَـا عَلَـى ثَنِيَّـةِ هَرْشَـى فَقَـالَ: »إِلَـى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَـةِ كَأَنِّـي أَنْظُـرُ إِلَـى قَالُـوا: ثَنِيَّـةُ هَرْشَـى، قَـالَ »أَيُّ ثَنِيَّـةٍ هَـذِهِ؟ « عَلَـى نَاقَـةٍ حَمْـرَاءَ جَعْـدَةٍ، عَلَيْـهِ جُبَّـةٌ مِـنْ يُونُـسَ بْـنِ مَتَّـى . (١»صُـوفٍ، خِطَـامُ نَاقَتِـهِ خُلْبَـةٌ، مَـارًّا بِهَـذَا الْـوَادِي وَهُـوَ يُلَبِّي كَأَنِّي أَنْظُرُ « :وعن ابن مسعودٍ ﭬ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .(2(»إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فِي هَذَا الْوَادِي مُحْرِمًا بَيْنَ قَطَوَانِيَّتَيْنِ وفي آخــر الزمــان يقصــد البيــت آخــرُ نبــيٍّ يقبــض وهــو :ﷺ؛ قــال عنــه النبــي المســيح وَالَّــذِى نَفْسِــى بِيَــدِهِ لَيُهِلَّــنَّ ابْــنُ مَرْيَــمَ بِفَــجِّ الرَّوْحَــاءِ؛ « .(3(»حَاجًّــا أَوْ مُعْتَمِــرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَــا مسلم (٦٦١)، وابن حبان (٥٥٧( ١( أبــو يعلــى ( 2( بيضــاءُ قصيــرة الخَمْــل. قلــت: أشــبه بثيــاب الإحــرام اليــوم ثُــمَّ لَئِــنْ قَــامَ عَلَــى « :(مســلم ( 3( »قَبْــرِي فَقَــالَ: يَــا مُحَمَّــدُ، لأُجِيبَنَّــهُ أي يقــرن بينهمــا.

عدد الصفحات ٢٦٢

263 فَقَبْلَــكَ في هــذه الأراضــي المباركــة، وفي هــذا النســك الجليــل، وبيــن هــذه الأوديــة والجبــال والبطــاح ســار صفــوة عبــاد الله، فتستشــعر ذلــك، وتعمــق في قلبــك ارتباطــك بتلــك الثلــة المصطفــاة عليهــم وعلــى نبينــا الصــلة والســلم. تطــوف بالبيــت فتتذكــر اللذيْــنِ رفعــا قواعــده، وتســعى فتتذكــر أم نبــي وزوجــة نبــي المــرأة الصالحــة هاجــر ڤ، وســعيها في ذلــك المــكان. وتشــرب مــن زمــزم فتتذكــر قصــة نبعــه، ومــا ورد فيــه، وأنــه . ثمــرة مــن ثمــرات تــوكل الخليــل ﴾ فتتذكر ﲱوتصلــي خلــف المقــام ﴿ مــن وقــف عليــه ليبنــي أعظــم بيــت وضــع في الأرض، ومراجعة عمــر ﭬ للنبــي ﷺ في شــأنه. وتكثــر مــن حمــد الله والثنــاء عليــه أن جعلــك مــن أتبــاع الأنبيــاء ومــن أتبــاع ســيدهم ﷺ. وعلــى إثــر تذكــر الأنبيــاء تتذكــر الصالحيــن مــن عبــاد الله؛ مــن الصحابــة والتابعيــن ومــن ســار علــى نهجهــم مــن أئمــة الإســلم، وكيــف قصــدوا هــذه المشــاعر، وكــم بذلــوا حتــى

عدد الصفحات ٢٦٣

264 وصلــوا، وكــم رفعــوا مــن دعــوات، وكــم ســحوا مــن دمــوع فتتشــبه بهــم في جدهــم واجتهادهــم. .ومنها: أن بقاء المشاعر بقاءٌ للدين إن بقــاء البيــت والمشــاعر يعطــي المؤمــن طمأنينــة ببقــاء هــذا الديــن، وأن العاقبــة لــه؛ مهمــا ادلهمت الأمــور، وأحاطت الفتــن، واســتحكمت الغربــة؛ بــل حتــى لــو ظهــرت أعظــم الفتــن مــن أشــراط الســاعة كالدجــال ويأجــوج ومأجــوج؛ ففــي لَيُحَجَّــنَّ الْبَيْــتُ وَلَيُعْتَمَــرَنَّ بَعْــدَ « :الحديــث يقــول النبــي ﷺ .(١»خُــرُوجِ يَأْجُــوجَ وَمَأْجُــوجَ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ وقبل ذلك قول الله تعالى: ﴿ . (2(﴾ أي بها قوامهم وصلح أمرهم ما دامت باقية ﱞ ﱟ . ومنها: تذكر الآخرة إن جملــة خطــوات الحــج تذكــر بالرحيــل مــن هــذه الدنيــا؛ بــدءًا مــن مغــادرة المــرء داره ومســكنه، يذكــره ذلــك بمغادرتــه هذه الدار. البخاري( ١( الطري (٩/ ٩).( 2(

عدد الصفحات ٢٦٤

265 مــرورًا بتجــرده مــن لباســه المعتــاد، والتحافــه بــإزار ورداء أبيضيــن همــا للكفــن أقــرب ذكــرى؛ إذ لا يخــرج بغيرهمــا مــن الدنيــا، وهــو هنــا كذلــك. فلباس الإحرام هو أكثر لباس يذكر بلباس الكفن. ومما يذكِّر بالآخرة وقوفهم بصعيد عرفات؛ فيجتمع الخلق من كل الأرض من كل فج قريب وعميق؛ في يوم واحد، وساعة واحدة، يدعون مليكًا واحدًا يرجون فضله وعطاءه. وهــم كذلــك يــوم القيامــة يخرجــون مــن كل الأرض حيــث قــروا أو هلكــوا؛ فيجتمعــون في يــوم واحــد، لمليــك واحــد؛ ينتظــرون فصلــه وقضــاءه. وقــد ذكَّــر النبــيُّ ﷺ النــاسَ بيــوم القيامــة في موقفــه بعرفات؛ فعَــنِ الْمُطَّلِــبِ بْــنِ عَبْــدِ اللهِ، عَــنْ عَبْــدِ اللهِ بْــنِ عُمَــرَ ﭭ، أَنَّــهُ كَانَ وَاقِفًــا بِعَرَفَــاتٍ، فَنَظَــرَ إِلَــى الشَّــمْسِ حِيــنَ تَدَلَّــتْ مِثْــلَ التُّــرْسِ لِلْغُــرُوبِ، فَبَكَــى وَاشْــتَدَّ بُــكَاؤُهُ، فَقَــالَ لَــهُ رَجُــلٌ عِنْــدَهُ: يَــا أَبَــا عَبْــدِ الرَّحْمَــنِ قَــدْ وَقَفْــتَ مَعِــي مِــرَارًا لِــمَ تَصْنَــعُ هَــذَا، فَقَــالَ: ذَكَــرْتُ رَسُــولَ اللهِ ﷺ وَهُــوَ وَاقِــفٌ بِمَكَانِــي هَــذَا فَقَــالَ:

عدد الصفحات ٢٦٥

266 أَيُّهَــا النَّــاسُ إِنَّــهُ لَــمْ يَبْــقَ مِــنْ دُنْيَاكُــمْ فِيمَــا مَضَــى مِنْهَــا؛ إِ « .(١»كَمَــا بَقِــيَ مِــنْ يَوْمِكُــمْ هَــذَا فِيمَــا مَضَــى مِنْــهُ وقــد خُتمــت آيــات الحــج في ســورة البقــرة بخاتمــة ملفتــة ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ وهــي قولــه تعالــى: ﴿ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱘ ﱙ ﴾ إنهــا خاتمــةٌ ربطــتِ الحــجَّ بالمحشــر ﴿ ﱝ ﴾.ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ فمــن علــم وأيقــن أنــه سيحشــر ويجــازى، كان ذلــك عونًــا لــه علــى الصــلح والاســتقامة، وكان عونًــا لــه في حجــه علــى الإخــلص ورجــاء القبــول. . ومنها: تحقيق رابطة أخوة الإيمان أشــار النبــي ﷺ إلــى هــذا في حجــة الــوداع، في وســط أيــام يَــا أَيُّهَــا النَّــاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُــمْ وَاحِــدٌ، وَإِنَّ التشــريق؛ فقــال أَبَاكُــمْ وَاحِــدٌ، أَلاَ لاَ فَضْــلَ لِعَرَبِــيٍّ عَلَــى عَجَمِــيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِــيٍّ أحمــد( ١( والأرنــاؤوط.

عدد الصفحات ٢٦٦

267 عَلَــى عَرَبِــيٍّ، وَلاَ أَحْمَــرَ عَلَــى أَسْــوَدَ، وَلاَ أَسْــوَدَ عَلَــى أَحْمَــرَ، . (١(قَالُــوا: بَلَّــغَ رَسُــولُ اللهِ.. الحديــث »إِلاَّ بِالتَّقْــوَى؛ أَبَلَّغْــتُ؟ فالحــج مؤتمــر عــام؛ يجمــع المســلمين علــى اختلفهــم بلدانهــم وألوانهــم ولغاتهــم علــى التحــاب والتآلــف، همــوم واحــدة، وآلام وآمــال مشــتركة، وتعــاون علــى الــر والتقــوى. ولا يمكــن أن تجتمــع الكلمــة، ويلتئــم الشــمل، وتتــم الرابطــة إلا بالتوحيــد؛ ولــذا كان شــعار الحــج هــو التوحيــد (التلبيــة) ففــي حديــث جابــر: (أهــل النبــي ﷺ بالتوحيــد). خَيْــرُ الدُّعَاءِ وأعظــم الدعــاء يــوم عرفــة هو كلمــة التوحيــد دُعَــاءُ يَــوْمِ عَرَفَــةَ، وَخَيْــرُ مَــا قُلْــتُ أَنَــا وَالنَّبِيُّــونَ مِــنْ قَبْلِــي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْــدَهُ لاَ شَــرِيكَ لَــهُ، لَــهُ الْمُلْــكُ وَلَــهُ الْحَمْــدُ، وَهُــوَ عَلَــى .(2(»كُلِّ شَــيءٍ قَدِيرٌ أحمــد (٦( ١( الأرنــاؤوط. الترمــذي (٤ ( 2( 3( المشكاة (١

عدد الصفحات ٢٦٧

269 ﷺمِنْ مَقَاصِدِ حَجَّةِ النَّبِيِّ قــد حــج النبــي ﷺ قبــل حجــة الــوداع؛ فعَــنْ بدايــةً: جَابِــرِ ﭬ: (أَنَّ النَّبِــيَّ ﷺ حَــجَّ ثَــلَثَ حِجَــجٍ؛ حَجَّتَيْــنِ قَبْــلَ .(١(أَنْ يُهَاجِــرَ، وَحَجَّــةً بَعْــدَ مَــا هَاجَــرَ..) لكــن لحجــة الــوداع مقاصــد خاصــة؛ منهــا مــا ينــدرج تحــت المقاصــد العامــة ومنهــا مــا يســتقل عنهــا. الترمــذي (٥١٨). وعــن ابــن عبــاس وأبــي ســعيد أنــه حــج قبــل ( ١( الهجــرة ثــلث حجــج؛ قــال الحافــظ: وهــو مبنــى علــى عــدد وفــود الأنصــار إلــى العقبــة بمنــى بعــد الحج؛ فإنهــم قدمــوا أولاً فتواعــدوا، ثــم قدمــوا ثانيًــا فبايعــوا البيعــة الأولى، ثــم قدمــوا ثالثًــا فبايعــوا البيعــة الثانيــة. وهــذا لا يقتضــى نفــى الحــج قبــل ذلــك؛ وقــد أخــرج الحاكــم بســند . »أن النبــي ﷺ حــج قبــل أن يهاجــر حِجَجًــا «صحيــح إلــى الثــوري وقــال ابــن الأثيــر في النهايــة: كان يحــج كل ســنة قبــل أن يهاجــر. الفتــح (٨/ ٤ وقد رآه جبير بن مطعم في إحداها كما سيأتي.

عدد الصفحات ٢٦٩

270 فمن مقاصدها . إعادة الحج إلى زمنه الذي شرع فيه لقـد أعـاد النبي ﷺ الحج إلى زمنه الذي فرض فيه؛ فالعرب كانـت تُنْسِـئُ الشـهور؛ فيقـع الحـج في غيـر أشـهره، فوقعـت حجـة أبـي بكـر في ذي الحجـة والتـي قبلهـا في ذي القعـدة، ثـم :كانـت حجـة النبـي ﷺ في ذي الحجـة؛ وذلـك قـول النبـي ﷺ »إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ « .(١(فعـاد بالحـج إلى زمانه الذي فرض فيه روى البيهقــي (٨٥ ( ١( ﴾ قــال: ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ في قولــه تعالــى: ﴿ حَجُّــوا في ذي الحِجَّــةِ عَامَيْــنِ، ثــم حَجُّــوا في المحــرم عاميــن، فكانــوا يَحُجُّــونَ في كُلِّ ســنة في كل شــهرٍ عَامَيْــنِ؛ حتــى وَافَقَــتْ حجــةُ أبــى بكــرٍ رضــى الله عنــه الآخــر مــن العَاميــنِ في ذي الْقَعْــدَةِ قبــل حجــةِ النبــي ﷺ بســنةٍ، ثــم حــجَّ النبــي ﷺ مِــنْ قَابِــلٍ فِــي ذِي الْحِجَّــةِ؛ فَذَلِــكَ حِيــن يَقُــولُ رَسُــولُ اللهِ ﷺ فِــي خُطْبَتِــهِ: »إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ « وأردفهــا البيهقــي (٩٥ وقعــت في ذي الحجــة مــن طريــق الزهــري عــن أبــي هريــرة قــال: بَعَثَنِــي أَبُو بَكْــرٍ فِــي تِلْــكَ الْحَجَّــةِ فِــي مُؤَذِّنِيــنَ يَــوْمَ النَّحْــرِ، نُــؤَذِّنُ بِمِنًــى أَنْ لاَ يَحُــجَّ بَعْــدَ الْعَــامِ مُشْــرِكٌ، وَلاَ يَطُــوفَ بِالْبَيْــتِ عُرْيَــانٌ.

عدد الصفحات ٢٧٠

271 . منها: إعادة الحج وفق ملة إبراهيم أَتَــى « :عــن عبــد الله بــن عمــرٍو، قــال: قَــالَ رَسُــولُ اللهِ ﷺ قــال أبــو عبــد الله (الإمــام أحمــد): حديــث الزهــري إســناده إســناد جيــد، وإنمــا كانــت حَجَّــةُ أبــى بكــرٍ رضــى الله عنــه في ذي الحَجَّــة علــى مــا ذكــر الزهــري. قــال أبــو عبــد الله: قــد نزلــت ســورة بــراءة ﱁ ﱂ قبــل حَجَّــةِ أبــي بكــرٍ رضــى الله تعالــى عنــه وفيهــا: ﴿ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﴾ وفيها: ﴿إ ﱃ ﱄ ﱅ ﴾ فهــل كان يجــوز أن يحــج أبــو بكــرٍ علــى حــج ﲚ ﲛ العــرب وقــد أخــر الله أن فعلهــم ذلــك كان كفــرًا؟ اهـــ. قلــت: وهــذا أقــرب لأن حجــة أبــي بكــر ممهــدة لحجــة رســول الله؛ وإن كانــت حكايــة مجاهــد لهــا وجــهٌ وذلــك أنــه في حجــة أبــي بكــر كانــت مظاهــر الشــرك قائمــة وبعــث أبــو بكــر لينهــى عنهــا، أو تكــون حجــة أبــي بكــر في ذي القعــدة هــي التــي كانــت ســنة ٨ هـــ والله تعالــى أعلــم. وقــد جــاء عنــد الطــراني في الأوســط (٩ شــعيب عــن أبيــه عــن جــده قــال: (كان العرب يجعلــون عامًا شــهرًا، وعامًــا شــهرين، ولا يصيبــون الحــج إلا في كل ســتة وعشــرين ســنة مــرة، وهــو النســيء الــذي ذكــر الله عــز و جــل في كتابــه؛ فلمــا كان عــام حــج أبــو بكــر بالنــاس وافــق في ذلــك العــام الحــج فســماه الله الحــج الأكــر، ثــم حــج رســول االله ﷺ مــن العــام المقبــل فاســتقبل إن الزمــان قــد اســتدار كهيئته « :النــاس الأهلــة فقــال رســول االله ﷺ »يوم خلــق اللَّه الســماوات والأرض

عدد الصفحات ٢٧١