16 ويفيد التعريف أننا ننطلق للقياس من معلوم أول لمعلوم ثان وذلك بعد تحقق السماع الصحيح, ثم يصار إلى الحكم فيكون إثباتا أو نفيا, وأخيرا يتم ت حديد الجامع بين الأمرين , الذي قد يكون أمرا حقيقيا , وقد يكون حكما شرعيا أو لغويا .(1) ويعد د. تمام حسان أن استصحاب الحال يجب أن يسبق القياس, "لأن القياس لا يكون إلا بعد أن يتضح الأصل والفرع ويعرف المطرد من الشاذ ."(2) وعليه فإن القياس يتم تطبيقه على ظواهر لغوية واضحة المعالم, إذ لا خفاء, وذلك بعكس التأويل الذي ينطلق الفقيه أو اللغوي إليه من ظاهر النص الذي يحتوي على غموض أو خفاء يحت اج إلى إجلاء بمعونة القرائن . فالتأويل "هو حرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك , وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه كثير من الأمور الخبرية والطلبية , فالتأويل الصحيح منه : الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة, وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد"(3) وا ذا كان كل من القياس والتأويليحتاج إلى عمليات عقلية لتحققهما, فإن التأويل يمثل عملية أكثر تعقيدا, لأن القياس بين المثلين أسهل من الانتقال إلى معرفة الغامض وكشفه . والجدير بالذكر أن للقياس أركان أربعة هي المقيس والمقيس عليه والعلة الحكم, حيث يصار إلى تعيين المقيس والمقيس عليه بعد السماع , ثم يعلل القياس, وأخيرا يطلق الحكم حسب القرائن . التأويل النحوي لعل الهاجس الأكبر لدي النحاة الأوائل كان طرد القواعد على وتيرة واحدة بعد تحقيق السماع ثم القياس الذي يعد التعليل أحد عناصره الأساسية, ثم يصار إلى الإجماع واستصحاب الحال, وعندما كانت القواعد تصطدم بجدار الواقع , واللغة في الاستعمال وخاصة حين يجد النحويون صيغً ا ينبغي بمقتضى تلك الأحكام النحْويَّة الشاملة أن تعمل, ومع ذلك ليس ثمة معمول لها, أو يجدون صيغا تتغيَّر حركتها دون أن يكون وراءها عامل أحدث هذا التغيير, نراهم يلجأون إلى اتباع خطوات كانت في غاية المنطقية والذكاء , حيث عمدوا إلى رد ما خالف القاعدة إلى اللغات. - للمزيد انظر : المحصول في علم أصول الفقه , الإمام فخر الدين الرازي , تحقيق د. طه العلواني , مؤسسة الرسالة , ط1 ,بيروت, 111م. ص1. 1 - الأصول, د- تمام حسان , دط , عالم الكتب , القاهرة , 1000م, ص 07. 1 - قانون التأويل, للإمام أبي حامد الغزالي , قرأه وعلق عليه : محمد بيجو , دن , ط1 ,1883م, ص7
عدد الصفحات ٢٨17 يقول صاحب الاقتراح : "أما إذا كان لغة طائفة من العرب , لم تتكلم إلا بها , فلا تأويل"(1)؛ أي أنه إذا أمكن نسب الظاهرة للغات العرب , فلا يصح التأويل . وهذا يعني أن التأويل يصح فقط عند تعذر نسب الظواهر إلى اللغات, فإن تعذر التأويل, قالوا بالشذوذ . "ولا يتكلف التأويل في النصوص الشاذة, ولا اللغات فإنها لا تحتمل تأويلاً؛ لأنها لغة قوم بأعيانهم فهي الأصل عندهم وا ن كان غيرهم يتكلم بخلافها ولكلِ قوم لغتهم ولس انهم, وليس من الصواب أ ن نت اول لغة قوم لحساب لغة قوم آخرين "(2 )وعليه فإن فكرة التأويل النحوي قد نبعت من فكرة الاتفاق بين النصوص الفصيحة والقواعد النحوية, مما شكل ظاهرة نحوية في تراث النحويِين والمفسرين . أما عن انتقال المصطلح إلى علم النحو فيذكر د.الحموز أنه لم يقف "على نص في مظان النحو المختلفة أو إعراب القرآن يبين كيفية تسرب هذه اللفظة إلى مؤلفات النحو , وا نني لأذهب في هذه المسألة إلى أن الكلمة انتقلت من المفسرين وكتبهم إلى النحويين وكتبهم ."(3) ولعل المتأمل لطبيعة تطور علوم اللغة وعلومالقرآن , يجد أن العالِ م العربي قد نظر إليها بشكل يحقق التكامل, فعلوم اللغة إنما نشأت لغرض ديني إلى جانب الغرض اللغوي , والمهتم باللغة هو ذاته عالم الفقه أو المفسر, فأول النحويين كان ابن أبي اسحق من القراء وكذلك تلامذته الذين جمعوا بين القراءة واللغة والفقه مثل عيسى بن عمر وابن العلاء , وعليه لا عجب أن نجد معظم المصطلحات الفقهية, تشكل عصب المصطلح في علوم اللغة وخاصة علم النحو. فإذا ما تتبعنا أوائل القضايا المؤولة نجد أن التأويل قد بدأ مبكرا في علم النحو , حيث يورد صاحب مجالس العلماء مناظرةً بين ابن أبي اسحق والفرزدق , يدل مضمونها على قدرة العالم النحوي التأويلية, حيث انتقد ابن أبي اسحق الفرزدق عندما رفع (فعولان ) في قوله: وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر - الاقتراح في علم أصول النحو , جلال الين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي(ت1 ه) ,قرأه وعلق عليه : د. محمد سليمان ياقوت , دار المعرفة الجامعية , القاهرة , 116ه, 1006م. ص 19 . 1 - التأويل النحوي في الحديث الشريف : أطروحة ماجستير مقدمة من الباحث , فلاح إبراهيم الفهدي , جامعة بغداد, 117هـ, 1006م./ 1. 1 - التأويل النحوي في القرآن الكريم : د. عبد الفتاح أحمد الحموز, مكتبة الرشد, ط , الرياض, 101هـ. ج / 1
عدد الصفحات ٢٩18 وعندما أجابه الفرزدق "لو شئت أن أسبح لسبحت. قال لو قال فعولين: لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما ولكنه أراد : هما يفعلان بالألباب ما تفعل الخمر."(1 )وكلام ابن أبي اسحق الأخير يدلل على قدرت ه على التأويل حيث إنه قاس في المرة الأولى الكلمة نحويا , فوجد أن الظاهر يشير إلى أنه يجب نصبها وعندما سمع رد الفرزدق , أدرك أن المسألة بحاجة إلى عدم معالجة اللفظ حسب الظاهر, فأوّل أن هناك حذف للمبتدأ تقديره (هما فعولان ), وبذلك التأويل استطاع الولوج إلى حقيقة قصد الفرزدق . فإذا ما تتبعنا الآلية التي طورها النحاة لتطبيق التأويل , تطالعنا جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي ,الذي أوردنا تعريفه الدقيق للتأويل , والذي يعبر عن فهم عميق مبكر للمصطلح,(2 ) حيث نقل سيبويه عنه في كتابه العديد من التأويلات الصائبة. كما اقتدي خطى الخليل وسار على منهجه التأويلي.(3) وبعد ارساء منهج التأويل من قبل النحاة الرواد , رأينا النحاة – بصريين وكوفيين- يتبعون الخليل وسيبويه في اعتماد مبدأ التأويل النحوي كاستجابة موضوعية لابد منها لتحليل الظواهر اللغوية التي لا يمكن حملها على المطرد الش ائع, أوالقريب الظاهر . مصطلح التأويل عند النحاة : 1- مصطلح التأويل عند أبي حيان الأندلسي: إن أول من عرف مصطلح التأويل من النحويين هو أبو حيان الأندلسي(ت: 725 ه) حيث يقول في (شرح التسهيل ): "التأويل إّنما يسوغ إذا كانت الجادة على شيء, ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول, أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأويل"( ) وقد يكون السبب وراء عدم عناي ة النحاة بإيجاد تعريفات للمصطلحات النحوية كالتأويل , أن المصطلح قد عولج في نطاق علوم أخرى , كانت علوم اللغة تعتبر امتدادا لها, وهي العلوم الشرعية المختلفة , والدليل على ذلك تقاطع المصطلحات الفقهية واللغوية لدرجة التماهي . - الحلقة المفقودة في تاريخ النحو العربي : د. عبد العال سالم مكرم , مؤسسة الرسالة , ط1 ,بيروت, 1 1هـ , 111م, بتصرف : ص1. 1 - ينظر تعريف الخليل للتأويل( ص 1 )من هذا البحث . 1 - ينظر: الكتاب , كتاب سيبويه , لأبي بشر عثمان بن قنبر (ت0ه) , تحقيق / عبد السلام محمد هارون , مكتبة الخانجي , ط , القاهرة , 20 هـ – 9 م. ج /579 ,وينظر: نفسه, ج5 /72 ,وينظر: نفسه, ج / 72- 7 – 77. 2 - الاقتراح في علم أصول النحو, جلال الدين السيوطي(ت9 هـ) /2 ,وينظر: التأو يل النحوي في القرآن الكريم : ج1/12.
عدد الصفحات ٣٠19 3- المصطلح عند د. الحموز : كما يورد د . الحموز ما يقترب من التعريف الإجرائي للتأويل عندما يذكر "وتشيع لفظة التأويل في مؤلفات النحو المختلفة وهي تدور في فلك حمل النص على غير ظاهره لتصحيح المعنى أو الأصل النحوي "(1) وهو بذلك يلتزم بما ورد بالتراث من تعريف للتأويل فلا يخرج عن دلالته . 2- المصطلح عند د. أبو المكارم: "إن التأويل يعني تبيين النص بصورة تجعله آخر الأمر متفقا مع القواعد المتبعة , ومن هنا اتخذ التأويل النحوي مفهومه في التراث النحوي , وأصبح يطلق على الأساليب المختلفة التي تهدف إلى إسباغ صفة الاتساق على العلاقة بين النصوص والقواعد , يعني صب ظواهر اللغة المنافية للقواعد في قوالب هذه القواعد "(2) وربما يكون تعريف د. ابراهيم السامرائي : "التأويل وسيلة يذللون بها كل صعب لينسجم النص المروي وقواعدهم المقررة "(3 )قد كرر ما أورده أبو المكارم . 4- وفي نفسالاتجاه نجد التعريف عند د. محمد عيد "أما التأويل فإنه يباين ذلك تماما, لأن مضمونه البحث عن الباطن خلف الظاهر, وافتراض حروف في مادة الكلمة وصيغ لكلمات وجمل كاملة – وكل ذلك من عمل الذهن وعلى أساس القواعد "(2) 2- مصطلح التأويل عند تمام حسان: يربط د . تمام حسان مصطلح التأويل بالأصل اللغوي له, وهو الرجوع والعاقبة , حيث يعرفه بأن التأويل والرد إلى المعنى مترادفإن , فيقول "وأولى بنا أن نقتدي بكتاب الله تعالى فنجعل التأويل والرد مترادفين "(5 ) ويقصد د. حسان بذلك أن المتكلم يقوم بالخروج أو العدول عن هذا الأصل لأغراض متعددة, ويأتي التأويل ليرد اللفظ إلى حقيقة معناه . وهو بهذا يعبر عن فهم عميق لتراث مصطلح التأويل في اللغة والفقه معا. وهو كذلك بتعريفه هذا يبدو متأثر ا بالراغب حين يقول "التأويل من - التأويل النحوي في القرآن الكريم : ج1/11 . 5 - أصول النحو العربي, د. علي أبو المكارم , دار غريب للطباعة والنشر. ط , القاهرة , 500 م. ص5 5. 1 - النحو العربي نقد وبناء: 1 . 1 - أصول النحو العربي في رأي النحاة, رأي ابن مضاء, وضوء علم اللغة الحديث : د. محمد عيد , عالم الكتب, ط1 , القاهرة, 191 .ص9 . 1 - الأصول " دراسة ابستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب النحو –فقه اللغة – البلاغة" د. تمام حسان , عالم الكتب , القاهرة , 100م. ص19
عدد الصفحات ٣١21 الأول؛ أي الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضع الذي يرجع اليه , وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علمً ا كان أو فعلا"(1) 3- السيــــــــــــــــــــــــــاق - السياق لغة : وردت المادة المعجمية للجذر (سوق) بدلالات مختلفة وهي التتابع, وسوق المهر للمرأة , والنزاع ,(2) وسرد الحديث وحسن تتابعه .(3) وا ذا تأملنا مليا , نجد أن المعنى الجامع لهذه الدلالات يتمحور حول تتابع الأمر وتسلسله وانقياده في سبيل ما , ونشعر أن هذا المعنى تخالطه الحركة , فتتابع الإبل, والأصل في المهر عند العرب كان الماشية التي تساق كمهر (2) ,وكذلك تتابع خروج الروح وانقيادها عند النزاع , وتتابع الحديث, وهو محور دلالة السياق اللغوي موضوع بحثنا. 5- السياق اصطلاحا: بين القدماء والمحدثين: "يعد مصطلح السياق من المصطلحات التي لم يتم تحديد ماهيتها في فنون اللغة العربية قديما, فلا تكاد تجد تعريفا صريحا بماهيته جامعا للإفراد مانعا من الأغيار "(5" )بدليل أنه لم يوضع له تعريف معين , ولم يجر له في كتب الاصطلاح ذكر"(2) وعليه فقد استعمل القدماء روح المصطلح دون تحديد لدلالته . ولعل أول من استعمل مصطلح السياق بدلالته الناضجة التي نعرفها اليوم كان الإمام الشافعي (7 )حيث رأى أن السياق هو الذي يوضح المعنى ويجلي غموضه, وهو بذلك إنما يشير إلى دلالة السياق وأهميتها . - المفردات في غريب القرآن , ابي القاسم الحسين بن محمد (الراغب الاصفهاني ) (ت 101هـ) /1 1- معجم لسان العرب: ابن منظور , مادة (سوق) بتصرف. مجلد 1 – ص1 11- 1 11. 1 - معجم صحاح العربية: مادة (هت) 1 - النهاية في الغريب والأثر: ابن الأثير / 111. 1 - نظرية السياق(دراسة أصولية) : د. نجم الدين قادر كريم الزنكي , دار الكتب العلمية ط , بيروت , 1006 .ص11. 6 - دلالة السياق(دكتوراه) مقدمة من الباحث : ردة اله بن ردة الطلحي , إلى جامعة أم القرى , الرياض , 110م. ص1 . 7 - الرسالة:الامام محمد بن ادريس الشافعي(ت101هـ) , دار الكتب العلمية , بيروت . (دت) / 61.
عدد الصفحات ٣٢21 وكذلك الإمام الغزالي الذي أورد في المستصفى ما يدل على فهمه العميق لدلالة السياق وأهميتها في إدراك المعنى الحقيقي للنصوص(1 )كما يوضح الزركشي أهمية دلالة السياق عندما يقول: "إنها ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد , وتخصيص العام, وتقييد المطلق, وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن على مراد المتكلم , فمن أهمله غلط في نظيره وغلط في مناظرت ه"(2 )وهذا يدلل على أن السياق كان من وسائل الترجيح في التفسير القرآن ي.(3 ) وعليه فقد اعتمد قدماء الأصوليين على السياق في بيان معنى النصوص الشرعية , كما استفادوا من قرائن السياق التي تعد من وسائلهم في تحديد المعنى , كما أنهم وعوا أن هناك نوعين من قرائن السياق , الأولى هي القرائن اللفظية (المقالية), والثانية هي القرائن المقامية , كما وقفوا على الأثر البالغ الذي تحدثه هذه القرائن في تكوين الدلالة . ولم يغفل النحاة أهمية دلالة السياق, حيث رأوا أن "أصول النحو العربي في السياقات الخطابية ت بنى أصالةً على مقتضيات منهجية ومنظومات قواعدية غاية في الرفعة والإتقان, حيث تتيح للمتكلم أن يشكِّل السياق نحوياً على وفق مقاصده ومراده, فتتوزع البنى التركيبية على مسار الخطاب اللغوي من منظور دلالي محكوم بقاعدة تضبطه لا يسعه أن يتعداها أو يخرج عليها, ولا يجلى أو يتضح إذا خالفها إذ (ليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها في النطق بل إن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل"(2 )وقد ورد في الكتاب العديد من الاشارات إلى اعتماد القدماء على دور السياق في تحديد القواعد النحوية (5 ) كما أنه من المعلوم أن اللغويين بعد سيبويهقد اهتموا بأثر دلالة السياق في توجيه المعنى, يشهد على ذلك آراء الجاحظ و ابن جني وابن فارس (2) وكذلك في نظرية النظم عند الجرجاني الذي اعتمد كليا على السياق وقرائنه , فيعد أن الدلالة مقترنة بالسياق اللغوي حين - المستصفى من علم الأصول :الإمام أبو حامد . محمد بن محمد الغزالي (ت101هـ), دراسة وتحقيق: د. حمزة بن زهير حافظ, شركة المدينة المنورة للطباعة, جدة بالسعودية , دت. ج / 161. 5 - البرهان في علوم القرآن, بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي(ت729هـ),تحقيق : محمد ابو الفضل ابراهيم , دار المعرفة , ط , , بيروت , لبنان ,7 هـ- 927م. ج5 /500 . - - تفسير البحر المحيط: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت 722ه) , ج – ص07 (الهامش) 2 - مجلة ينابيع, العدد 9 ,ذو القعدة: 25 هـ- سيروان عبدالزهرة هاشم /5 2 - الكتاب سيبويه: ج – ص52. .وينظر: أثر سياق الكلام في العلاقات النحوية عند سيبويه : رسالة ماجستير مقدمة من البحثة : سارة عبد الله الخالدي, إلى الجامعة الامريكية ببيروت . لبنان , 500 م/ . - ينظر الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها / 5 9 .حيث يقسم الخبر على غرار سيبويه إلى ثلاثة أقسام , واجب , وجائز , وممتنع . وما يحدد ذلك قرينة السياق .
عدد الصفحات ٣٣22 يقول: "واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن , كالأجزاء من الصِّبْغ تلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين."(1) وهو بذلك يشير إلى العلاقة الوطيدة بين السياق والمعنى. كما يشير إلى جدلية التفاعل بين العلاقات النحوية والدلالة في إخراج المعنى إلى حيز الوجود. عند المحدثين: يعد مصطلح السياق (Context )من أهم المقولات في علم اللغة والنقد الحديث في أوروبا , حيث دارت حوله العديد من الأفكار والدراسات الجادة , مما أنتج ما يسمى بنظر ية السياق (Context - Theory )أو (Theory of Context ) .وهذا المصطلح في علم الدلالة الغر بي يعم نوعين اثنين هما:(2) 1- السياق اللغوي (أو اللساني أو المقالي) .(Linguistic Context . ) 2- السياق المقامي(أو غير اللغوي أو الحالي أو الاجتماعي).( Context of Situation .) ويذكر فيرث صاحب نظرية السياق وجود ترتيب للحقائق "في سلسلة من السياقات : أي سياقات كل واحد منها ينضوي تحت سياق آخر , ولكل واحد منها وظيفة لنفسه, وهو عضو في سياق أكبر, وفي كل السياقات الأخرى , وله مكانه الخاص فيما نسميه سياق الثقافة."(3 )وهكذا فقد تصور فيرث مجموعة من السياقات تجمع بينها ما يمكن أن نطلق عليه وحدة عضوية لمجموع السياقات العامة في النص . والتي تمثلها تعدد المستويات المختلفة للدرس اللغوي والتي تتدرج من الصوت إلى المعجم . و يذكر أولمان"إن نظرية السياق إذا ط بقت بحكمة تمثل حجر الأساس في علم المعنى, وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة في هذا الشأن , أنها مثلا قد أحدثت - دلائل الاعجاز : ابو بكر, عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني(ت272هـ) , تحقيق: محمود محمد شاكر, مكتبة الخانجي , ط2 ,القاهرة, 5002م. ص 1 - نظرية السياق, د. نجم الدين الزنكي/ 11- 16 (بتصرف) . 1 - دور الكلمة في اللغة: ستيفن أولمان /6 .
عدد الصفحات ٣٤23 ثورة في طرق التحليل الأدبي , ومكنت الدراسة التاريخية للمعنى من الاستناد الى أسس حديثة أكثر ثباتا. كما أنها قدمت لنا وسائل حديثة لتحديد معاني الكلمات"(1 ) ويفرق اللغويون بين نوعين من السياقات الأسلوبية من حيث الكم: "أولهما السياق الأصغر (Micro Context) ,وهو عبارة عن مجموعة من المكونات اللغوية غير المحددة أو المرسومة أسلوبيا, تعترضها أداة أسلوبية "(2 .)وقصد بذلك "الجوار المباشر للفظ قبله أو بعده . وكيفية التفاعل الأسلوبي بين الكلمات نتيجة هذا الجوار ."(3 )والآخر السيا ق الكبير (Macro Context) ,وهو هذا الجزء من الخطاب الذي يسبق الأداة الأسلوبية وما يليها.(2 ) أما انكفست فيفرق بين اثنتين من الهيئات التي يوج د عليها النص وهما (السياق النصي) و(السياق الخارج عن النص ), وهما المقصود بهما المقال والمقام.(5) "وكلمة السياقContext قد استعملت حديثا في عدة معان مختلفة, والمعنى الوحيد الذي يهم مشكلتنا في الحقيقة هو معناها التقليدي أي؛ النظم اللفظي للكلمة وموقعها من هذا اللفظ, بأوسع معاني هذه العبارة , إن السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل – لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب – بل القطعة كلها والكتاب كله, كما ينبغي أن يشمل – بوجه من الوجوه – كل ما يتعلق بالكلمة من ظروف وملابسات, والعناصر غير اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تنطلق فيه الكلمة لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن "(2 ) إن هذا الفهم للنص لم يكن العلماء العرب بعيدين عنه , حيث يذكر ابن حزم "والحديث و القرآن كله كلفظة واحدة فلا يحكم بآية واحدة دون أخرى , ولا بحديث واحد دون آخر, بل يضم كل ذلك بعضه إلى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى من بعض في الإتباع, ومن فعل غير ذلك فقد تحكم بلا دليل"(7 ) - المرجع نفسه: ص 6 . 1 - اللغة والإبداع الأدبي: د. محمد العبد ,الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي , ط1 ,القاهرة, 1007م ص11. 1 - دلالة السياق(دكتوراه) مقدمة من الباحث : ردة اله بن ردة الطلحي /11 ,(بتصرف) . 1 - اللغة والإبداع الأدبي: د. محمد العبد /11 1 - ينظر المرجع السابق ص11-11 . 6 - دور الكلمة في اللغة: ستيفن أولمان /17. 7 - الإحكام في أصول الأحكام, ابن حزم , ج1 /17 .
عدد الصفحات ٣٥24 السياقالقرآني : يقسم العلماء السياق القرآن ي إلى مستويين أساسين, هما المستوى ال داخلي, والمستوى الخارجي , أما المستوى الداخلي فيتضمن أربع دوائر من السياق يتداخل بعضها في بعض بحيث تتصف بالتكامل. - النوع الأول : سياق القرآن . (النص القرآن ي بكامله) - النوع الثاني : سياق السورة . - النوع الثالث : سياق الفقرة أو المقطع . - النوع الرابع : سياق الآية.(1) أما السياق الخارجي , وهو الذي أشار إليه المفسرون من خلال "مجموعة من القرائن المقامية التي ذكروها في ثنايا كتبهم, ولعل من أبرزها ظهورا في : 1- معرفة أسباب النزول . 2- معرفة المكي والمدني . 3- معرفة زمان نزول الآية باعتبار نزول القرآن منجما. 2- معرفة الناسخ والمنسوخ .(2) إن هذه المستويات في شمولها وتكاملها, تجعل من النص القرآن ي وحدة متكاملة , وتحقق مبدأ التماسك النصي؛ وهذه النظر ة الشاملة للنص, تتماشى مع أحدث ما توصل إليه الغربيون في رؤيتهم للنص كما سنرى لاحقا . بين التأويل والسياق : إن المتتبع لمفهوم كل من السياق والتأو يل, سيجد أنهما مختلفإن تماما من حيث الدلالة اللغوية, فالتأويل كما ذكرنا من الرجوع والعاقبة , والسياق من التتابع والتسلسل والأنقياد. إلا أن المتأمل لدلالة كل من المصطلحين لابد أن يقف على مجموعة من التقاطعات الهامة التي تقرب بين المصطلحين , بل وربما تجعل من دراسة كل منهما بمثابة الوجهان للعملة الواحدة. - ينظر المرجع السايق / 71-71 . 1 - اثر السياق قي توجيه شرح الأحاديث عند ابن حجر العسقلاني , الباحث احمد الاسطل / 71.
عدد الصفحات ٣٦25 أول هذه التقاطعات أن التأويل كما ذكرنا آنفا آلية لكشف الغموض , فهو عملية عقلية مفادها العدول عن الظاهر الراجح (افتراضا ), وتخطيه لصالح المعنى المرجوح , الذي يتحول بمعونة القرائن إلى الراجح , فهو مدار قصد المتكلم." فعادة يبذل المفسر كل جهد وحيلة لإخراج النص من الغموض إلى الوضوح , وقد يكون النص غامضا لسبب معجمي يرتفع بشرح غريبه , أو سبب نحوي يرتفع ببيان وظائف عناصر الكلام , أو سبب بلاغي يرتفع ببيان ما في التركيب من مجاز أو دلالات بلاغية في الخبر و الأنشاء وغير ذلك"(1 ) وعليه فإن قول الشافعي"وظاهرا يعرف في سياقه أن ه يراد به غير ظاهره "(2) وربما يكون أفضل ربط بين التأويل والسياق ؛ لأنه قد جمع بين دلالة السياق والتأويل كآلية واحدة لتحقيق الفهم وكشف المعنى. أما التقاطع الثاني وقد يكون الأهم فهو أن التأويل يقسمه العلماء إلى تأويل لغوي , وتأويل مقامي. فالتأويل اللغوي يرتيط ارتباطا وثيقا بتتابع وتسلسل النظم , وهذا يشير إلى السياق. والآلية المتبعة في هذه الحالة هي الكشف عن الغموض وا جلائه بمعونة القرائن اللغوية داخل النص, وما هي في هذه الحالة إلا القرائن السياقية نفسها . مثال ذلك قوله تعالى ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ القارعة: ١٠ - ٠٠. فالحذف هنا جاء لدلالة السياق اللغوي عليه . "وكان سيبويه يعد الموقف الكلامي بملابساته كلا واحدا فيغتفر حذف أحد العناصر من الجملة إذا كان في سياقها الكلامي دليل عليه, ويبلغ سيبويه من اعتبار موقف الاستعمال أن يجعله فيصلا في الحكم بصحة التراكيب اللغوية وخطئها.(3 ) كذلك التأويل المقامي, فإن المقام ليس إلا سياقا آخر كما أشار د. تمام حسان إلى مفهوم الماجريات والتي تعد سياقا خارجيا للنص حسب انكفست , حيث إن "العناصر اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تنطق فيه الكلمة لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن .(2 ) - قضايا اللغة في كتب التفسير: د. الهادي الجطلاوي 1 . 1 - ينظر, الرسالة للامام الشافعي , 61. 1 - النحو والدلالة, د. محمد حماسة عبد اللطيف , 6. 1 - دور الكلمة في اللغة: ستيفن أولمان , 17.
عدد الصفحات ٣٧26 وحسب هذا الفهم فإن التأويل والسياق, يتقاطعان من حيث الاشتراك في البحث اللغوي عن حقيقة الدلالة, ذلك أن هدف التأويل الأسمى كما أشار غادامر هو الفهم, وذلك أيضا ما يوافقه فيه التراث اللغوي والفقهي العربي . أما التقاطع الثالث بين المصطلحين فهو يتمثل بالمصطلح ات المصاحبة المرتبطة ارتباطا وثيقا بهما عدا عن المقام والمقام , مثل (الحال – المشاهدة – الدليل – القرينة – الموقف) وغيرها , والتي تدل على تقارب عميق في غاية البحث العلمي التي تصاحب كلا المصطلحين . كما يجمع التأويل والسياق الغاية التي يتجه إليها المعنى, وهو ما يتمحور حول الفهم, الوعي– بصفة عامة - بالفرق بين المعنى الظاهر والمعنى المراد في الحقيقة . والجدير ذكره في هذا الصدد أننا حين نستخدم السياق و قرائنه , سواء اللغوية أو الحالية, في الكشف عن حقيقة المعنى, فإننا في هذه اللحظة نستخدم التأويل بأوسع وأوضح دلالات ه, وهو الكشف عن غموض اللفظ الظاهر, والبحث في عمق السياق عما يجلي حقيقة المعنى, باستخدام قرائن السياق . 4-المقــــــــــــــــــــــــــــام المقام لغة : إن المعنى اللغوي المعجمي للجذر قوم يشير إلى الحال أو الهيئة الثابتة (1)التي وقع فيها الحدث؛ أي استحضار اللحظة التي وقع فيها الحدث بظروفها وتفاصيلها, لكي يتحقق فهم أفضل للقول أو الحدث. وهذا ما عبر عنه الدسوقي في حاشيته على السعد عندما عرف "مقامات الكلام: الأمور المقتضية لاعتبارات خصوصية ما في الكلام "(2) معجم لسان العرب , ابن منظور الإفريقي, ( مادة قوم) . بتصرف . - حاشية الدسوقي على السعد , المطبعة الكبرى الأميرية ’ القاهرة , 7171هـ . 7/ 7 1 .
عدد الصفحات ٣٨27 المقام اصطلاحا: - عند القدماء : ينقل الجاحظ عن بشر بن المعتمر (ت211")المعنى ليس يشرف بأن يكون من المعاني الخاصة, وكذلك ليس يتضع بأن يكون من المعاني العامة , وا نما مدار الشرف على الصواب, وا حراز المنفعة, مع موافقة الحال, وما يجب لكل مقام من مقال (1 )وهنا يؤكد بشر أن مراعاة المقام تكون من شرف المعنى . ويذكر العسكري "ومن تمام آلة البلاغة التوسع في معرفة العربية ووجوه الاستعمال لها , والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها, ومتخيرها , ورديئها , ومعرفة المقامات وما يصلح في كل واحد منها من الكلام."(2 ) ويورد صاحب المفتاح تحت عنوان لكل مقام مقال : "لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة, فمقام الشكر يباين مقام الشكاية, ومقام التهنئة يباين مقام التعزية , ومقام المدح يباين مقام الذم, ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب , ومقام الجد يباين مقام الهزل , وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الأنكار, ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الأنكار؛ جميع ذلك معلوم لكل لبيب, وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي, ولكل دلك مقتضى غير المقتضى الآخر"(3 ) 5- عند المحدثين: إن فكرة المقام لدى المحدثين كانت بمثابة "المركز الذي يدور حوله علم الدلا لة الوصفية في الوقت الحاضر, وهو الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى الثلاثة , وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال"(2 )أما مفهوم مصطلح المقام"فإننا نعني به مبدئيا الإطار العام للقول الذي يشمل - البيان والتبيين , الجاحظ . ج /16 . 1 - كتاب الصناعتين الكتابة والشعر, أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري , تحقيق على محمد البجاوي وزميله , عيسي البابي الحلبي وشركاه , 17 م. 17. 1 - مفتاح العلوم , أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن على السكاكي(ت 616ه) تحقيق : نعيم زرزور, دار الكتب العلمية , ط , بيروت , 191م. 69 . 1 - اللغة العربية معناها ومبناها , د. تمام حسان , 117 .
عدد الصفحات ٣٩28 زمان القول ومكانه وهوية الباث وهوية المتقبل وعلاقتهما بعضهما ببعض , وكل ما يعرفه أحدهما عن الآخر"(1) ويعرفه د . تمام حسان "فالذي أقصده بالمقام ليس إطارا أو قالبا , وا نما هو جملة الموقف الاجتماعي المتحرك الذي يعتبر جزءا منه , كما يعتبر السامع والكلام نفسه وغير ذلك مما له اتصال بالتكلم (Speech event) ,وذلك أمر يتخطى مجرد التفكير في موقف نموذجي ليشمل كل جوانب عملية الاتصال من الأنسان والمجتمع والتاريخ والجغرافيا والغايات والمقاصد , وعلى الرغم من هذا الفرق بين فهمي وفهم البلاغيين للمصطلح ال و احد , أجد لفظ المقام أصلح ما أعبر به عما أفهمه من المصطلح الحديث (Context of situation) ,الذي يستعمله اللسانيون المحدثون.(2) ويقول د. كمال بشر في كتابة علم اللغة الاجتماعي "المقام أو سياق الحال (Non Linguistic Context )أو ما أسميناه نحن لأول مرة في التراث اللغوي العربي قديمه وحديثة (المسرح اللغوي ) في مقابل سياق المقال أو سياق مكونات النص (Linguistic Context) , يعين الجو الخارجي الذي يحيط بالكلام من ظروف وملابسات , وتتمثل عناصره الأساسية في شخصية كل من المتكلم والسامع والعلاقة بينهما والمكان وما فيه من شخوص و أشياء , ويضيف بعضهم الزمان وما يلفه من عوامل حياتية اجتماعية أو سياسية أو ثقافية , ثم أثر الخطاب الكلامي في المشتركين في الكلام أو الحضور , وواضح أن المقام بهذا المعنى تصاحبه عادة بعض الحركات الجسمية من المشتركين في الخطاب , كالاشارات باليد أو النظرات ذات الدلالة بالعين أو هز الكتفين أو التصفيق .إلخ"(3 ) "والبلاغيون بوجه خاص يستخدمون مصطلحي الحال والمقام للدلالة على ما نسميه سياق الموقف, أي على القرائن الخارجية المتعلقة بالمتكلم أو المخاطب أو الحالة العامة للكلام باعتبار المكانة الاجتماعية لطرفي التخاطب "(2 )"ولقد كان البلاغيون عند اعترافهم بفكرة المقام متقدمين ألف سنة تقريبا على زمانهم ؛ لأن الاعتراف بفكرتي (المقام) و(المقال) باعتبارهما - تعدد المعنى في القرآن , د. الفة يوسف/ 9 . 1 - الأصول: د. تمام حسان , 101 . 1 علم اللغة الاحتماعي, د. كمال بشر , دار غريب للطباعة والنشر , ط , القاهرة , 91 . 1 - دلالة السياق(دكتوراه) مقدمة من الباحث : ردة اله بن ردة الطلحي , إلى جامعة أم القرى , الرياض , 110م./11.
عدد الصفحات ٤٠29 أساسين متميزين من أسس تحليل المعنى يعتبر الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة ."(1)" 2- الحـــــــــــــــــــــــــال إن المتأمل للدلالات التي خرج إليها المعنى اللغوي للحال , يجد أنها قد دارت حول التحول والتنقل والتغير(2) ,وا ذا استعرنا من علم النحو مصطلح الهيئة(3 )التي لازمت تعريف الحال, نقف على أن دلالة الحال:هيئة التنقل والتغير, والتحول التي يكون عليها الإنسان. وقد ارتبط بمصطلح الحال العديد من المصطلحات الأخرى التي أعطت للحال مزيدا من التخصيص والإيضاح والتنوع في الاستعمال ومنها : - دلالة الحال : إن مصطلح دلالة الحال يشير إلى ما يوصلنا إلى معرفة حقيقة المعنى من خلال الهيئة التي يكون عليها الحدث لحظة تشكله. ويذكر صاحب التعريفات أن "الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر . والشيء الأول هو الدال, والثاني هو المدلول."(2 )إن هذا الفهم يقودنا إلى أهمية دلالة الحال ودورها في تظهير المعنى . يقول الجاحظ: "البيان وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام البيان باللسان مع الذي يكون من الدّل والشكل , والتّق تُّل , والتثنِّي , واستدعاء الشهوة , وغير ذلك من الأمور"(5 )والجاحظ بقوله هذا يشيرإلى أن التو اصل الإنساني لا يكون فقط بالرموز المنطوقة فقط بل بوسائل عدة أخرى تغني عن البيان , أو تكون عناصر دلالية تضاف إلى الكلام, فتكمل المعنى وتظهره , ليحسن الفهم. وهذه العناصر هي التي تدل عليها الحال. أما ابن جني فيوضح أثر دلالة الحال في تظهير المعنى حين يقول: "من ذلك أن ترى رجلا قد سدد سهما نحو الغرض , ثم أرسله , فتسمع صوتا فتقول :القرطاس واللهِ . أي أصاب اللغة العربية معناها ومبناها : د. تمام حسان , 117, 1 - ينظر : لسان العرب : مادة (ح.و.ل) . 1 - يعرف الحال بانه" وصف فضلة مذكور لبيان الهيئة " (ينظر : أوضح المسالك: ج1/111-111. 1 الكليات : 01. 1 البيان والتبيين: الجاحظ , ج /71.
عدد الصفحات ٤١31 القرطاس, (فأصاب) الآن في حكم الملفوظ به البتة وأن لم يوجد في اللفظ , غير أن دلالة الحال نابت مناب اللفظ"(1 ) 5- مقتضى الحال: "اقتضاء النص عبارة عما لم يعمل النص إلا بشرط تقدم عليه, فإن ذلك أمر اقتضاه النص بصحة ما تناوله النص"(2 )وهذا يشير إلى الدلالة اللغوية السياقية للنص. فقول الرجل للآخر:اعتق عبدك هذا عني بألف درهم , تأول كأنه قال بع عبدك لي بألف درهم ثم كن وكيلا بالإعتاق.(3 ) يقول السكاكي: "ثم إذا شرعت في الكلام , فلكل كلمة مع صاحبتها مقام, ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام, وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادقة الكلام لما يليق به, وهو الذي نسميه مقتضى الحال"(2) ويشرح السكاكي دلالة مقتضى الحال في موضع آخر(5 )بحيث يشير إلى قدرة الباث والمتلقي على فهم الرسالة . - الحال الشاهدة : إذا تأملنا الدلالة اللغوية للمصطلح (الحال الشاهدة) . يقودنا إلى ما تدل عليه الأحوال من مشاهدة عينية (2) ,أو بالأحرى ما يعكس ه المشهد من حال يتجسد فيه الحدث. ويمثل ابن جني للحال الشاهدة حين يقول "وكذلك تقول:سألناه فوجدناه إنسانا! وتمكن الصوت بإنسان تفخمه, فتستغني عن وصفه بقولك: إنسانا لئيما! وتزوي وجهك وتقطبه , فيغني ذلك عن قولك لئيما أو مبخلا أو نحو ذلك."(7 )وعليه فالحال الذي يشاهد عليهاالأنسان عند الحدث الكلامي أو غير الكلامي, فيها دلالة توضح حقيقة قصد المتكلم . - الخصائص , ابن جني , ج /191 . 1 - نفسه/ 11 1 - نفسه, بتصرف 11. 1 - مفتاح العلوم, السكاكي , 69 1 - مفتاح العلوم, السكاكي , 61. 6 ينظر: لسان العرب , ابن منظور , مادة (ش.هـ.د) . 7 الخصائص, ابن جني , ج , 171
عدد الصفحات ٤٢31 كمايمثل ابن جني لدلالة الحال الشاهدة في حديثه عن حذف الصفة "وقد حذفت الصفة ودلت عليها الحال عليها وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب في قولهم:(سير عليه ليل), وهم يريدون ليل طويل. وكأن هذا إنما حذفت الصفة فيه لما دل من الحال على موضعها, وذلك أنك ت حسّ في كلام القائل لذلك التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله : طويل . أو نحو ذلك, وأنت تحس ذلك من نفسك إذا تأملته "(1) "ويوضح الجاحظ عناصر الاتصال غير اللغوي أو غير اللفظي , أي التواصل الإشاري حيث يذكر أنه يكون: "باليد, وبالرأس , وبالعين, والحاجب, والمنكب, إذا تباعد الشخصان(لا لفظ), وبالثوب وبالسيف , قد يتهدد رافع السيف والسوط فيكون ذلك زاجرا , مانعا, ويكون وعيدا وتحذير"(2 )وكل هذه الدلالات تفهم كلغة مرادفة للكلام , تدل عليها قرينة المشاهدة . الخصائص , ابن جني: ج , 171 1 البيان والتبيين, ج , 9 .
عدد الصفحات ٤٣