144 وقد تقاطع هذا الشرط لتقدم المبتدأ وجوبا مع شرطا آخر وهو مما أضافه الأزهري (1 )على ما ورد في الألفية , وهو : أن يقع الخبر جملة: فالملاحظ أن كل مواقع الخبر في الآيات جاء جملة. أما عن ورود شواهد غير التي سبقت عن وقوع الخبر جملة , مما يوجب تقدم المبتدأ فقد ورد في ستة مواضع , وهي: (النبأ:3- النازعات :9 /عبس:11 /المطففين:3-28 /الانشقاق:25) / مثال ذلك في قوله تعالىﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ المطففين:٩٠. (الذين) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ وجملة (يضحكون) خبرا للمبتدأ , وعليه فقد تقدم المبتدأ وجوبا لكون الخبر جملة. يتقدم الخبر وجوبا على المبتدأ في العديد من الحالات, يمكن اجمالها فيما يلي: أولا - أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: وذلك أن يكون المبتدأ نكرة , و الخبر شبه جملة مكونة من الظرف , أو الجار والمجرور. ويمثل ابن هشام في شرح الالفية لذلك مع حالتين أخريين (2 )يحدث فيهما اللبس نحو "(في الدار رجل ) و (عندك مال) و(قصدك غلامه فاضل) و (وعندي أنك فاضل). فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس(أن) المفتوحة بالمكسورة , و(أن) المؤكدة بالتي بمعنى لعل."(3 ) إلا أن ما ورد في جزء عم أمثلة للنوع الأول فقط. وهو إذا كان الخبر شبه جملة والمبتدأ نكرة : حيث التزم في هذه الحالة تقديمه (2 )ويشرح الأشموني سبب تقدم شبه الجملة في هذا - شرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري: ج /5 7. 5 - لم يعثر الباحث على أمثلة لهذا النوع من التقديم في جزء عم. - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك : ج / 5 .وينظر: شرح الأشموني على الألفية : ج /00. 2 - ينظر شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج / 5 7.
عدد الصفحات ١٥٦145 الموضعحيث إنه "ملتزم فيه تقدم الخبر رفعا لإيهام كونه نعتا في مقام الاحتمال؛ إذ لو قلت : درهم عندي, ووطر لي , ورجل قصدك غلامه؛ احتمل أن يكون التابع خبرا للمبتدأ وأن يكون نعتا له؛ لأنه نكرة محضة , وحاجة النكرة إلى التخصيص ليفيد الإخبار عنها فائدة يعتد بمثلها آكد من حاجتها إلى الخبر, ولهذا لو كانت النكرة مختصة جاز تقديمها ."(1 )ففي هذه الحالة توصف النكرة فيصبح الظاهر أن شبه الجملة خبرا لا صفة .(2) ويذكر القاضيأبو السعود: "حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قالوا إن الصفات قبل العلم بها أخبار والأخب ار بعد العلم بها صفات"(3) وقد ورد هذا النوع من التقديم تسعة مواضع في جزء عم توزعت كالتالي : (النازعات :19 / عبس:21 /البروج :8-21 /الطارق :2-11/الغاشية:12-12 /البلد:21) ومما سبق يمكن تسجيل الملاحظات التالية: - لقد وردت شبه الجملة المتعلقة بمحذوف الخبر في كل الآيات مبدوءة بحرف الجر . وعليه لم يتقدم ما هو مبدوء بالظرف . - في الآية الأولى هنالك حالة خاصة , وهي اجتماع الحذف مع تقدم الخبر وجوبا , حيث التقدير (هل لك رغبة أو سبيل )(2 .) - في الآية(2)اجتمع تقديم الخبر وجوبا مع زيادة حرف الجر (من) وعليه فالمبتدأ (قوة) مجرور لفظا مرفوع محلا . - "يكون تقديم ما حقه التأخير لأغراض ودواعي بلاغية معنوية , أو جمالية لفظية,(5) وقد أورد البلاغيون أربعة دواعي لتقديم المسند على المسند إليه , والمتأمل لهذه الأغراض البلاغية يجد أن ما ينسلخ منها على تقديم شبه الجملة على المبتدأ النكرة قد أفاد ما يلي : - ينظر شرح الاشموني على ألفية ابن مالك: ج /00. 5 - ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الانصاري : ج / 5 2. - تفسير أبي السعود: ج2/2 2. 2 - ينظر: الكشاف للزمخشري: ج /0 - 07.وينظر: الدر المصون في علوم الكتاب الكنون للسمين الحلبي: ج0/ 7 . 2 - ينظر: البلاغة العربية اسسها وعلومها و فنونها : عبد الرحمن حسن الميداني, ط - دمشق , 99 م. ج / 2 .
عدد الصفحات ١٥٧146 أبرز ما يفيده هذا اللون من التقديم هو القصر, الذي يقسمه العلماء لنوعين هما "قصر الموصوف على الصفة إفرادا (كقولك) "شاعر هو"لمن يعتقده شاعرا وكاتبا . وقلبا (كقولك) "قائم هو" لمن يعتقده قاعدا. وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا (أنا ك ف يْت م ه مّك )- بمعنى وحدي- لمن يعتقد أنك وغيرك كفيتما مهمه , وقلبا: (أنا كفيت م هِمّك ) – بمعنى لا غيري – لمن يعتقد أن غيرك كفى مهمة دونك ."(1) ففي قوله تعالىﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ البروج: ٩, فقد قدم الخبر شبه الجملة على المبتدأ (شهيد) والمراد تخصيص الله سبحانه بالشهادة , بحيث يحيط علمه كل شيء . كذلك في قوله تعالى ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ البلد: ١٠ قصر صفة على موصوف حيث إن ما يتقدم في هذا الباب هو المقصور عليه(2)فلا تغادرهم صفة النار الموصدة لغيرهم . وكذلك في قوله تعالى:ﭽ ﰖ ﰗﭼ عبس:١٤. وقوله:ﭽ ﭠ ﭡ ﭼ الطارق: ٤ وقوله:ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ الطارق: ١٠. ففي هذه الآيات هنالك قصر صفة على موصوف أيضا فلا تغادرهم هذه الصفة لغيرهم حيث لا تغادر صفة ا لغبرة وجوه الكفار لغيرهم , وكذلك لا تغادر صفة نفي انعدام القوة والنصرة من يتصف بها , و في كل الحالات فقد تخصص المسند بالمسند إليه , فلا يفارقه لغيره . أما الحالة الثانية فهي: تقديم المسند على المسند إليه لئلا يسبق إلى التوهم أن المسند قد سيق على سبيل النعت للمسند إليه, وأن الخبر لم يأت بعد ومن ذلك قوله تعالى:ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ البروج:١٠. وقوله تعالى: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الغاشية: ٣٠. مع ما في هذا التقديم من مراعاة داع جمالي في اللفظ , اقتضته رؤوس الآيات. وخاصة في الآية (فيها سرر مرفوعة ) وقد يكون قوله تعالى ﭽ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﭼ عبس: ١٤, قد أفاد إشعار الكافر بالتشاؤم وهو أحد الأغراض البلاغية لتقديم المسند.(3) - الايضاح في علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع: الخطيب القزويني ,جلال الدين, محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد (7 9هـ) , تحقيق/ أإبراهيم شمس الدين , دار الكتب العلمية , بيروت , 500 م. 05( .بتصرف). 5 - في البلاغة العربية المعاني البيان البديع: عبد العزيز عتيق: 27. - ينظر في توثيق هذه الأغراض: البلاغة العربية اسسها وعلومها و فنونها : عبد الرحمن حسن الميداني: ج / 0.
عدد الصفحات ١٥٨147 ثانيا- أن يكون لازم الصدرية:( ) وذلك أن يكون الخبر أحد ألفاظ الصدارة (2) ,وقد ورد هذا النوع من التقديم للخبر وجوبا في موضعين في جزء عم , وهما : 1- في قوله تعالى: ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ النازعات: ٠٤ 2- ﭽﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭼ الفجر: ٣٠ يذكر ابن يعيش في هذا الصدد " أنه قد التزم ها هنا تقديم الخبر أيضا , وا نما قدم الخبر في هذه المواضع لتضمنه همزة الاستفهام , وذلك أنك إذا قلت : (أين زيد ), فأصله: أزيد عندك؟ فحذفوا الظرف , وأتوا بـ(أين) مشتملة على الأمكنة كلها, وضمنوها معنى همزة الاستفهام , لا لكونها خبرا . وكذلك إذا قلت : (كيف زيد ) معناه: على أي حال زيد . " (3 )وعليه فقد نابت اسماء الاستفهام (أيان) الذي يدل على الزمان و (أنى) الذي جاء بمعنى (إلى أين) بدل همزة الاستفهام التي هي أم الباب , وعليه فقد أصبحت من ألفاظ الصدارة . كما أن كليهما قد تعلق بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ بعده. حيث وقع (مرساها ) و(الذكرى ) خبرين لـ (مرساها ) و(الذكرى ) على التوالي. 2- جواز التقديم والتأخير يذكر السيوطي في الهمع: "الأصل تقديم المبتدأ, وتأخير الخبر؛ لأن المبتدأ محكوم عليه فلا بد من تقديمه ليتحقق. ويجوز تأخيره حيث لا مانع : نحو (قائم زيد ).(2 )وذلك"لأن الخبر يشبه الصفة من حيث إنه موافق في الإعراب لما هو له دال على الحقيقة أو على شيء من سببية؛ ولما لم يبلغ درجتها في وجوب التأخير توسعوا فيه , وجوزوا التقديم إذ لا ضرر في ذلك, نحو - لقد ذكر النحاة حالات أخرى لتقدم الخبر وجوبا لم ترد في جزء عم وهي : - أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر نحو (اين زيد ) أو مضافا إلى ملازمها : نحو (صبيحة أي يوم سفرك) 5- أن يحصر الخبر فيه بإلا أو إنما . .ينظر(اوضح المسالك ٠/ ٥٠٠)- (شرح الاشموني ٠/ ٠١٠) . - أن يكون الخبر هو (مذ أو منذ) نحو قولك (ما لقيته مذ يومان) فمذهب الزجاج أنه خبر مقدم . 2- أن يقترن المبتدأ بفاء الجزاء بعد أما, نحو قولك (أما في الدار فزيد). 2- أن يكون الخبر اسم إشارة إلى المكان نحو(هنا محمد- وهناك علي- وثمة إبراهيم) . - أن بقع في مثل . نحو قولهم (في كل واد أثر من ثعلبة). 7- أن تقترن بالخبر لام الابتداء– على خلاف الصل فيها , فإن الأصل أن تقترن بالمبتدأ – نحو (لقائم زيد) ففي هذا الحالة يتقدم وجوبا . (ينظر أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك : ج / 5 5 الهامش). 5 - لقد فصل الباحث في ذكرها في مبحث تأخر الخبر وجوبا. - شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج / 5 7. 2 - همع الهوامع على جمع الجوامع للجلال السيوطي: ج /59.
عدد الصفحات ١٥٩148 (تميمي أنا) و(مشنوء من يشنؤك), فإن حاصل في التقديم ضرر فلعارض ."(1" )ويذكر ابن هشام أن جواز التقديم والتأخير يكون "فيما فقد فيه موجبهما, كقولك (زيد قائم ) فيترجح تأخيره على الأصل ويجوز تقديمه لعدم المانع."(2 )وعليه فإن مسألة التوسع في تغيير مواقع الكلام داخل الجملة لأغراض خاصة بقصد المتكلم (3) أمر جائز إذا لم يكن هناك مانع يخص الحالة التركيبية . وقد ورد هذا النوع من تقديم الخبر وجوبا في اثني عشر موضعا واحد في جزء عم وه و: (النازعات :23-22 /عبس:37 /الانشقاق:25 /البروج :11-11 /الفجر:5 /الليل:18 /التين:2 / الكافرون:2/القدر:5 /المسد:5) لقد تقدم الخبر جوازا في الشواهد السابقة , التي يمكن تقسيمها لزمرتين : الأولى: وهي الآيات (النازعات :23-22 /البروج :11 /الكافرون:2/القدر:5 )/التي كان المبتدأ فيها معرفة , أما الخبر فكان في الثلاث آيات الأولى محذوفا ومثاله: ﭽ ﮙ ﮚ ﭼ البروج: ٠٠ تعلقت به شبه جملة تقدمت على المبتدأ, وفي الآية الأخيرة ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ القدر:٥. كان الخبر نكرة . الثانية: تتكون من الآيات (النازعات : 22 /عبس:37 /الانشقاق:25 /البروج :11 /الفجر:5 / الليل:18 /التين:2 /المسد:5 )حيث ورد المبتدأ نكرة موصوفة في مثل قوله تعالى: ﭽ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭼ عبس: ٣٣. مما يجيز الابتداء به. وكان الخبر في كل الآيات محذوفا تعلق به شبه الجملة. كما و رد مخصصا بالاضاقة في مثل قوله تعالى: ﭽ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭼ النازعات: ٤٤. إن الأغراض التي يقصد إليها البليغ من وراء هذا النوع من التقديم للخبر لا تختلف عما ورد في مبحث تقدم الخبر وجوبا إذا كان تأخره يوقع في لبس ظاهر . فالغرض الأبرز هو - شرح الاشموني على الألفية : ج / 9 . 5 - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الانصاري: ج / 5 . - ينظر شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج / 5 .حيث يؤكد على إرادة المتكلم التقديم والتأخير.
عدد الصفحات ١٦٠149 التخصيص. مثال ذلك قوله: ﭽ ﮙ ﮚ ﭼ البروج: ٠٠, حيث خص من يعمل صالحا بالجنة فهي مقصورة عليهم لا تتعداهم لغيرهم . كما يذكر ابن يعيش غرض العناية للتقديم في هذا المقام حيث يعلق على التقديم فس (تميمي أنا )" ألا ترى أن الفائدة المحكوم بها إنما هي كونه تميميا لا (أنا) المتكلم."(1) وبالتالي فالاهتمام قد وجه لما ابتدئ به. تقديم معمول خبر المبتدأ على الخبر وقد ورد هذا النوع من التقديم في موضعين في جزء عم وهما : 1- في قوله تعالى: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ البروج: ٦ 2- في قوله تعالى: ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الطارق: ٤ لقد تقدم في الآيتين أعلاه معمول الخبر(عليها) على الخبر (قعود- حافظ). وهذا النوع من التقديم كان جوازا , حيث إنه لا مانع تركيبي يوجب ذلك . كما أن الخبر في كلا الحالتين هو العامل في المتقدم, فـ(قعود) مصدر عمل في (عليها) و (حافظ) اسم فاعل عمل في(عليها) المتقدم عليه جوازا . جواز الابتداء بالنكرة إن الرتب التي يتم الترخص بها في هذا المقام هي للمبتدأ النكرة الذي يتقدم على خبره لأحد الأسباب القياسية, أما ما عدا ذلك فالذي يتقدم هو المبتدأ النكرة الذي يأتي لغرض الدعاء كما لاحظناه في (ويل) و(سلام). وكذلك خبر المبتدأ المعرفة , أو النكرة الموصوفة . وقد ورد هذ النوع من التقديم للخبر جوازا في خمسة مواضع في جزء عم توزعت كالتالي : (النازعات :9 / عبس:39-21 /الغاشية:2-9) وعليه يمكن تسجيل الملاحظات التالية: - شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج /5 2.
عدد الصفحات ١٦١151 1- لقد تقدم المبتدأ النكرة في كل الحالات , والأصل فيه التأخر , يذكر ابن هشام " لا يبتدأ بنكرة إلا إن حصلت فائدة "(1 )والفائدة المتحصلة كان سببها في الآية الأولى أن النكرة قد خصصت بالوصف, حيث يعرب الزمخش ري هذه الآية : ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ النازعات: 8, "قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها, و(أبصارها خاشعة ) خبرها فهو ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ البقرة: ٠٠٠ (2 )ويذكرالقاضي أبو السعود أن الفائدة المتحصلة في هذه الآية هي ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع للابصار "(3)أماأبو جعفر النحاس فيعربها : " مبتدأ وخبره "(2 )أي أن(قلوب) مبتدأ, وواجفة خبر المبتدأ قد تعلق به الظرف فهو وصف ). وفي هذه الحالة يسأل عن تخصيص الصفة, فما الذي يجعلها تحقق الفائدة ليجوز الابتداء بها؟ حيث يتضح أن ما جوز ابتداء بها أنها ربما يراد بها حقيقة الجنس لا فر دا منه, فقوله: (وجوه) عموم من يندرج في هذا اطار صفة (واجفة) والتي تعني الاضطراب والخوف من العاقبة وهو تعبير عن خيبة الأمل والخسران . فلا تفصيل في هذه الآية. وعليه فالإعراب الأول أرجح وقد قال به الجمهور عدا أبو جعفر النحاس.(5 ) 2- أما في الآية الثانية: ﭽ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﭼ عبس: 8 .فيعرب النحاس (وجوه) على أنه "رفع بالابتداء وا ن كان نكرة للفائدة التي فيه."(2 )ويوضح الشوكاني الفائدة التي جوزت الابتداء بالنكرة "لأنه في مقام التفصيل, وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة ."(7 )ومقام التفصيل يعني "بيان لما آل أمر المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء."(9) 3- أما في الآية الثالثة: ﭽ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﭼ عبس: ١٤ فـ(وجوه ) مبتدأ وجملة (عليها غبرة ) خبر المبتدأ, أما ما أجاز الابتداء بالنكرة دلالة التفصيل التي ظهرت في الآية السابقة . - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الأنصاري: ج / 50 . 5 - ينظر الكشاف للزمخشري: ج / 02 .وينظر: تفسير أبي السعود : ج2 /2 2. ينظر تفسير أبي السعود: ج2 /2 2 2 - إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس: ج2 / 2 . 2 ينظر ايضا إلى جانب الزمخشري وابي السعود: تفسير فتح القدير للشوكاني : ج2 /29 . - أعراب القرآن لأبي جعفر النحاس: ج2 / 22. 7 - تفسير فتح القدير للشوكاني: ج2/2 5.وينظر: تفسير أبي السعود : ج2 /2 . - تفسير أبي السعود: ج2 /2 .
عدد الصفحات ١٦٢151 2- وفيالآية الرابعة : ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ الغاشية: ٠. فـ(وجوه) مبتدأ قد تبعه ستة أخبار, أولها (خاشعة). وهو "مرتفع على الابتداء وا ن كانت نكرة لوقوعه مقام التفصيل " (1) 2- أما الآية الخامسة: ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ الغاشية: 8 . فهناك عطف مقدر على الآية السابقة كما ذكرنا في باب الحذف , و عليه فهناك تشريك بين الآيتين , و لذا ينسلخ عليها ما ذكر في الآية السابقة . التقديم والتأخير في باب الأفعال الناقصة: كما أن الرتبة غير المحفوظة في الجملة الاسمية يتم الترخص بها في الاستعمال , فهي كذلك مع معمولي كان وأخواتها لأن أصلهما المبتدأ والخبر. يذكر المرادي "أن خبر هذه الأفعال أصله التأخير, ويجوز توسطه بينها وبين الاسم في جميعها حتى في ليس ومادام."(2 )ويذكر ابن الحاجب أنه يجوز تقديم أخبار كان وأخواتها "عليها نفسها إلا في ما أوله (ما), فلا تقول: (قائما ما فتئ زيد ), وكذلك أخواتها, ولا تقول (قائما مافتئ زيد ). وجوّ ز ابن كيسان تقديم الخبر على الجميع إلا فيما دام."(3 )وعليه فالرتبة في باب كان وأخواتها ليس من نوع الرتب المحفوظة حيث لاحظ النحاة أحوالا متعددة للتقديم والتأخير في هذا الباب.(2) وقد وجد نوع واحد من هذه الأحوال في جزء عم وهو تقديم الخبر عن الاسم وذلك في موضعين وهما: 1- في قوله تعالى: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ الغاشية: ٦ 2- في قوله تعالى: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الإخلاص: ٤ يتضح من الآيتين السابقتين أن الأفعال الناقصة (ليس وكان) قد توسط خبريهما بينهما وبين اسميهما, وهذه الحالة إحدى حالات تغير الرتبة في هذا الباب . - ينظر: - تفسير فتح القدير للشوكاني : ج2 /27 . 5 - توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك: للمرادي: ج / 292 .وقد أجاز الجمهور تقدم خبر ليس ومنعه بعضهم, كما منع ابن معطي تقدم خبر مادام , وقد خطأه الجمهور , ينظر المرجع نفسه : ج /292 .وينظر: شرح الوافية نظم الكافية لابن الحاجب: ٣٦٣. وشرح ابن عقيل ج٠/ ٠٥٠. - شرح الوافية نظم الكافية لابن الحاجب: ٣٦٣. 2 - لكان مع معموليها ست حالات في التقديم والتأخير منها تقدم الاسم وجوبا, وتقدم الخبر وجوبا , وتقدم الخبر على كان واسمها جميعا , وتقدم الخبر على الاسم جوازا ’ أي التوسط وهو ما نحن بصدده . ينظر: شرح ابن عقيل : ج / 52 (الهامش.). وينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك : ج / 525 (الهامش)
عدد الصفحات ١٦٣152 ففي الآيةالأولى تعلقت شبه الجملة (لهم) بمحذوف خبر تقدم على اسم ليس (طعام ), و حيث إنه ليس من الحالات التي يتقدم فيها الخبر وجوبا(1 )فإن هذا التقدم كان جوازا . وكذلك في الآية الثانية حيث تقدم الخبر ومعموله (له كفوا) على اسم كان (أحد ). وهذا التقدم أيضا جوازا . أما الغرض من هذا النوع من التقديم جوازا فلا يختلف عما ورد في تقديم الخبر عن المبتدأ . تقديم معمول خبر كان على الخبر نفسه وقد وجد هذا النوع من الحذف في ستة مواضع في جزء عم وهي : (التكوير:22 /الغاشية:22 / الاخلاص:2 /الانفطار:12م الانشقاق:13-15) لقد تقدم في الأيتين:ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ التكوير: ٤٠ و ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ الانفطار: ٦٠ معمول (ما) العاملة عمل ليس(على الغيب- عنها) على الخبر(ضنين- غائبين). كما يلاحظ اقتران الأخبار بالباء الزائدة . وعليه فإعرابهما الجر لفظا , والنصب محلا. كما يلاحظ أنه في بقية الآيات قد تقدم معمول الأخبار (عليهم- له- في أهله - به) على الأخبار (بمصيطر- كفوا - مسر ورا 1 بصيرا ) . وهذا التقدم أيضا كان جوازا , وقد اقترن خبر ليس(مصيطر) بالباء الزائدة حيث يلاحظ اطراد اقتران أخبار ليس والأحرف العاملة عملها بالباء الزائدة التي تفيد توكيد الحذف . التقديم والتأخير في باب الأحرف المشبهة بالفعل : أولا تقديم خبر الأحرف المشبه بالفعل على اسمها وقد ورد ذلك في عشرة مواضع في جزء عم توزعت كالتالي :(النبأ:31 /النازعات :22/ الانفطار:11/ الغاشية:25-22 /الليل:12-13/ الشرح : 5 – 2 /العلق:9) وعليه يمكن تسجيل الملاحظات التالية: - حيث يتقدم الخبر وجوبا في حالتين وهما : " أن يكون الخبر محصورا في الاسم نحو قولك (ليس قائما إلا زيد ) . والثاني أن يتصل بالاسم ضمير يعود على بعض الخبر كقولك(كان في الدار أصحابها). ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك : تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : ج /525(.الهامش).
عدد الصفحات ١٦٤153 - إن المتقدم في كل الحالات هو شبه الجملة المكونة من الجار والمجروروالمتعلقة بمحذوف الخبر, وقد كان هذا التقدم على وجهين: الأول- تقدم الخبر جوازا في الآيات (النبأ:31/الغاشية:25-22 /الشرح :5-2 /العلق:9 )ففي الآية ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ النبأ: ٠٣. كان اسم (إن) هو(مفازا ) , وشبه الجملة (للمتقين) متعلقة بمحذوف خبر إن, حيث تقدم (متعلق)الخبر جوازا , وذلك لكون الخبر محذوفا تعلقت به شبه الجملة حيث يمكن تقديم الاسم دون وجود مانع لأنه الأصل. وكذلك أخبار (إن) (علينا- إلينا – مع العسر- إلى ربك ) في بقية الآيات, فقد تعلقت بمحذوف أخبار تقدمت جوازا . الثاني- تقدم الخبر وجوبا : وذلك شرط أن يكون مقترنا بلام التأكيد "(1) حيث تدخل اللام المزحلقة (2) على اسم إن "بشرط واحد أن يتأخر إما عن الخبر, نحو: ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ آل عمران : ٣٠.(3 )أو عن معموله, أي الخبر إذا كان المعمول ظرفا : نحو (إن عندك لزيدا جالس)."وقد ورد ذلك الشرط في الآيات ( النازعات :22/الانفطار:11 /الليل:12-13 )حيث تقدم الخبر(في ذلك- عليكم – علينا- لنا-) على التوالي على اسم (إن) الذي اقترن في كل الآيات باللام المزحلقة – وهي لام الابتداء التي تعذر اقترانها بالخبر لتلافي التقاء مؤكين , فانتقلت للاسم. وذلك في قوله (لعبرة - لحافظين – للهدى- لللآخرة ), وفي هذا الاقتران وجوب التأخر للاسم والتقدم للخبر . ولم يعثر الباحث على شواهد لتقدم معمول الخبر على الاسم في جزءعم . أما الغرض من ه ذا التقديم, فهو من باب تقديم المسند على المسند إليه في باب المبتدأ والخبر, حيث يكون للاختصاص , ففي مثل قوله تعالى :( ﭑ ﭒ ﭓ ) فالمتقون هم المختصون بالفوز بالنعيم. وعليه فقد قصر عليهم دون غيرهم . وفي هذا يربط د . عبد المطلب بين الثابت والمتغير في الرتبة ب شكل عام, حيث: يتمثل الثابت في تواجد طرفي الاسناد وما يتصل بها من متعلقات. أما المتغير فيتمثل في تحريك بعض هذه الأطراف من أماكنها الأصلية - ينظر: جامع الدروس العربية للغلاييني: ج5 / 0 . 5 - "والحاصل أن لام الابتداء تدخل بعد إن المكسورة على أربعة أشياء , اثنين مؤخرين, واثنين متوسطين, فالمتأخران أحدهما الخبر إذا لم يكن منفيا ولا ماضيا متصرفا مجردا من قد . .. والثاني الاسم . أما المتوسطان فهما معمول الخبر , وضمير الفصل."ينظر: شرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري: ج /2. - ينظر: شرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري: ج / .
عدد الصفحات ١٦٥154 التي اكتسبتها من نظام اللغة إلى أماكن أخرى ليست لها في الأصل . كما يتمثل هذا التغير أحيانا في تثبيت أحد الأطراف في مكانه الأصلي وا عطائه حتمية يمتنع معها نقله أو تحريكه, وهذا يمثل تغيرا؛ لأن اللغة العربية كما قلنا لا تلتزم بحتمية في ترتيب عناصرها . ينتج من هذين العنصرين ما يمكن أن نسميه بالمعنى والدلالة , فالمعنى لا يختلف سواء قدمنا أو أخرنا , في حين يحدث التغير في الدلالة ذاتها."(1 )وهذا التغير إنما ينشأ من المعاني المضافة التي يضفيها الأسلوب على الحالة التركيبية الناتجة عن إزاحة العناصر عن مواضعها . فإذا أخذنا مثلا قوله تعالى: ﭽ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ الغاشية: ٥٠, نجد أن المعنى العام الذي يكون عليه في حالة تقدم الخبر أو تأخره واحد, وهو (عودة البشر لله بعد البعث). أما في الدلالة, فإن تحريك عناصر التركيب قد أضاف إلى البنية الدلالية معاني مضافة , وهي اختصاص الله سبحانه بإياب البشر, وقصره عليه , هذا عدا عن العناية التي حملها التقديم والتشوق للمتأخر. ثانيا - تقديم معمول خبرها على الخبر نفسه: أي أن يتوسط معمول الخبر بين الاسم والخبر. وهو جائز سواء أكان معموله ظرفا أم جارا ومجرورا أم غيرهما ."(2) وقد ورد هذا النوع من التقديم في ستة مواضع في جزء عم وهي : (العاديات:2-7-9 /المطففين:15/الطارق :9 /الهمزة :9.) ففي هذه الآيات ورد معمول الخبر (ﮨ – ﮬ ﮭ - ﮱ ﯓ - ﮆ ﮇ - ﭴ ﭵ - ﮆ ) متقدما على الأخبار (ﮩ - ﮮ - ﯔ - ﮉ - ﭶ - ﮇ ) على التوالي, وهذا التقديم كان لشبه الجملة المكونة من الجار والمجرور, التي جاءت في كل الحالات متعلقة بالخبر, أما حالته فجوازا . المبحث الثاني تأويل الرتبة في الجملة الفعلية تقديم الفاعل على المفعول به وجوبا يتقدم الفاعل على المفعول به وجوبا في أربعة مواضع , وهي : - البلاغة والاساوبية : د. محمد عبد المطلب, . 5 - ينظر: جامع الدروس العربية للغلاييني: ج5 / 0 .
عدد الصفحات ١٦٦155 أو - أن يقع المفعول محصورا في الفاعل: ويكون الحصر بأداتين هما : أ - إنما : وهي الأصل باتفاق النحويين "لأنه لو قدم المفعول على الفاعل لانقلب المعنى المراد , إذ معنى :(إنما تفسد السلطة الحكام)- مثلا- حصر إفساد السلطة في الحكام وحدهم , فهي لا تفسد غيرهم , في حين يجوز أن تكون هناك عوامل إفساد أخرى للحكام غير السلطة , فلو قدمنا المفعول وقلنا (إنما تفسد الحكام السلطة ), لكان معنى هذا حصر إفساد الحكام في السلطة وحدها , ومقتضي هذا أن الحكام لا يقسدهم شيء غير السلطة التي لا يقتصر فسادها عليهم وحدهم. ومكذا ينقلب المعنى المقصود بالنسبة للفاعل والمفعول."(1) ب - الحصر بالنفي والاستئناء : أي بـ(ما) و(إلا) شبيه بالحصر بـ(إنما) عند فريق من النحويين من بينهم أبو موسى الجزولي, وجماعة من متأخري النحاة , الذين أوجبوا تأخير المفعول به المحصور مطلقا, سواء كانت أداة الحصر (إنما), أو(ما وا لا). في حين أجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الانباري تقديم المفعول المقترن بـ (إلا) على فاعله."(2) وقد ورد أربعة مواضع لهذا النوع من التقديم في جزء عم وهي : 1- في قوله تعالى: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ التكوير: ٩٠ في هذه الآية تأخر المفعول (أن يشاء الله) على الفاعل الضمير في (تشاءون) وجوبا , وذلك أن المفعول قد حصر في الفاعل , حيث تعلق نفي المشيئة للبشر بإرادة الله ذلك , واقتصرت عليه سبحانه . ومع أن المصدر المؤول منصوب على نزع الخافض , والتقدير (بمشيئة الله), إلا أن التقدير هو النصب على المفعولية, وعليه فقد تأخر المفعول به وجوبا. 2- في قوله تعالى ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ البروج: 8 لقد حصر المفعول به المصدر المؤول(أن يؤمنوا) في الفاعل الضمير في (نقموا) في هذه الآية , وعليه فقد تأخر وجوبا . فالمصدر المؤول في محل نصب مفعول به للفعل يؤمنوا . 3- في قوله تعالى ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼالأعلى:٦- ٣ - الجملة الفعلية : د. علي أبو المكارم , 9 -95. 5 - الجملة الفعلية: 95( .بتصرف).
عدد الصفحات ١٦٧156 فيهذه الآية (إلا) أداة حصر, و(ما) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به للفعل (سنقرئك ), وعليه فقد تأخر المفعول به وجوبا لأنه حصر في الفاعل وهو الضمير في الفعل العامل (سنقرئك ). 2- في قوله تعالى ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ البينة: ٥, لقد تأخرت شبه الجملة في قوله (ﮛ), والمكونة من المصدر المؤول من الفعل يعبدوا, و(أن) المضمرة جوازا بعد لام التعليل . والواقع في محل جر بحرف الجر (لام التعليل ). تأخرت وجوبا لكونها محصورة في الفاعل وهو الضمير في قوله(ليعبدوا). ومما سبق نصل إلى أن ما ورد في ج زء عم من آيات في هذا الباب قد كان من النوع الثاني للحصر حيث استخدم النفي, يليه أداة الحصر إلا. - من المعلوم أن رتبة الفاعل غير محفوظة مع ما يليه من عناصر لغوية , فيجوز أن تتقدم عليه هذه العناصر, إلا أنه في هذه الحالة قد جرى الخروج عن هذه القاعدة , وذلك لعارض اسلوبي , وهو الحصر, الذي فرض في التركيب تقدم الفاعل على ما يليه من عناصر لغوية . وعليه فالسبب الأساسي لهذا الترتيب هو " التقديم والتأخير كما يقتضيه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه , كتقديم الفاعل عن المفعول , والمبتدأ عن الخبر , وصاحب الحال عليها "(1 ) فالمتقدم في هذا الموضع هو الأصل. وقد حافظ على رتبته لغرض تركيبي – دلالي, وأي إخلال لهذا الغرض يجعل المعنى يختل , فالمعنى والتركيب قسيمان . ففي هذه الحالة يجب حفظ الرتبة غير المحفوظة . - وعلى الرغم من هذا الثبات الظاهر للعناصر اللغوية , فقد فعل القصر في هذا المقام فعله, حيث إنه في الشاهد الأول قد كان هنالك قصر صفة على موصوف, فمشيئة البشر مقصورة على مشيئة الله, لا تتحقق إلا بها. وفي الآية الثانية هنالك قصر صفة على موصوف قصرا حقيقيا, حيث قصر النقمة(من المشركين ) على إيمان المؤمنين, لا تتعداه لغيره . أما في الآية الثالثة فالقصر صفة على موصوف حيث قصر النسيان على مشيئة الله , الذي وعد بحفظ - - دلالات التقديم والتأخير في القرآن الكريم: .وينظر: خصائص التعبير القرآني: ج / 97.
عدد الصفحات ١٦٨157 القرآن . وأخيرا في الآية الرابعة فالقصر صفة على الموصوف , حيث يقتصر الأمر المؤكد على عبادة الله. ثانيا : إذا كان كل من الفاعل والمفعول ضميرا متصلا : لقد ورد هذا النوع من تقديم الف اعل على المفعول وجوبا في أحد عشر موضعا في جزء عم , وقد توزعت كالتالي : (النبأ:9-28-21/النازعات :22-22 /المطففين:3 /الشمس:12/ الليل:12/ القدر:1 /التكاثر:2-7) - إن المفعول به في الآيات السابقة وهو (ضمير النصب المتصل بالأفعال المتعدية (خلقناكم – أحصيناه - أنذرناكم – يسألونك- يسألونك- كالوهم – وزنوهم - كذبوه – أنذرتكم – أنزلناه - لترون - لترونها) قد تأخر وجوبا عن الفاعل, الذي ورد على صورة ضمائر الرفع المتصلة في هذه الأفعال. "وذلك لأن تأخير الفاعل يؤدي إلى انفصال الضمير مع إمكان اتصاله, وذلك غير جائز عند النحاة." (1 ) - في قوله(لترونَّ ), (لترونَّها) حدث اتصال الفعل بنون التوكيد الثقيلة, وحيث إن الفعل معتل الآخر وقد حذفت ألفه عند اتصاله بواو الجماعة, كما لزمت واو الجماعة بعد أن تم تحريكها إلى الضم, في حين حذفت العلامة الإعرابية لرفع المضارع وهي النون لتوالي الامثال, وعليه يعرب هذا الفعل بالرفع على ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال, وواو الجماعة في محل رفع فاعل . - وفي هذا النوع من التقديم حافظ الفاعل على رتبته بحيث أصبحت الرتبة محفوظة استثناء في هذا الموضع وذلك لعلة تركيبية , تتمثل في تراتبية الضمائر , حيث يتقدم ضمير الرفع رتبة على ضمير النصب . - لقد استعمل العرب الضمائر بغرض اختصار الكلام , كما وردت عن العرب بصيغة البناء حيث يذكر بعض النحاة أن "سبب بناء الضمائر هو اختلاف صيغها لاختلاف معانيها واختلاف مواقعها من الإعراب , ونحن نعلم أن السبب الحامل على الإعراب هو الدلالة به على المعاني المختلفة, فلما كانت الدلالة على المعاني من الفاعلية والمفعولية في الضمائر حاصلة بصيغها - الجملة الفعلية : أبو المكارم , 92.
عدد الصفحات ١٦٩158 المختلفة لم تحتج إلىالإعراب ."(1 )وعليه فإن قرينة الصيغة قد كانت عاملا هاما في الدلالة على ماهية الضمير. أما بشأن تراتبية الضمائر , فيذكر ابن يعيش في شرح المفصل أن الضمائر المتصلة بالفعل "إن كان أحد المضمرين فاعلا , والآخر مفعولا لزم تقديم الفاعل على كل حال من غير اعتبار الأقرب ... وا نما لزم تقديم الفاعل مع الفعل على غيره من المضمرات, لأنه كجزء منه , إذ كان يغير بناءه حتى يختلط به كأنه من صيغته, كقولك: ذهبت وذهبتما وذهبتم , وذهبتن, فتسكن آخر الفعل وقد كان مفتوحا قبل اتصاله به . وربما اختلط به الضمير حتى يصير مقدرا في الفعل بغير علامة ظاهرة , كقولك (قام زيد ) و(أنت تقوم)."(2 )وعليه فإن معنى الفاعلية قد قدم على المفعولية لانعدام قرينة العلامة الإعرابية حيث "إن الألفاظ المبنية التي تكون – شأنها شأن الألفاظ الأخرى - بينها وبين غيرها رتبة قد ذكرت هنا في مسائل الرتبة المحفوظة, مما يشير إلى أن الرتبة المحفوظة تتجاذب مع البناء أكثر مما تتجاذب مع الإعراب , وتتجاذب من بين المبنيات مع الأدوات والظروف أكثر مما تتجاذب مع أي مبني آخر... فكأن عدم وجود قرينة العلامة الإعرابية في المبنيات قد جنح بها إلى قرينة الرتبة عوضا لها من العلامة الإعرابية ."(3 )ومنهنا فإن تقديم ا لفاعل في هذا المقام قد جاء وفق مبدأ التراتبية المفروضة أو التي تحفظها سياقات اللغة, فلا مكان للقصد أو لأغراض البليغ في هذا اللون من التقديم, حيث إنه يتبع قواعد صارمة للغة لا يمكن الخروج عليها . ثالثا : إذا كان الفاعل ضميرا متصلا والمفعول اسما ظاهرا(2) لقد ورد هذا النوع من تأخير المفعول به وجوبا في اثنين وثلاثين موضعا في جزء عم , توزعت كالتالي : (النبأ : 8- 11- 11- 13- 22- 27 – 35 -37 .النازعات : 21 /عبس 22-27 /الانفطار: 12 /الانشقاق: 7-11-18 /البروج : 11 /الأعلى: 12 /الفجر: 12- 17-18-21-31 /البلدك21 /التين: 2/العلق: 8 /الزلزلة : 2 /التكاثر: 2-5 /قريش :3 / الماعون:7 /الكافرون" 3-5). - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الانصاري: تحقيق / محيي الدين عبد الحميد: ج /7( .الهامش). 5 - شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج5- 50. - الموقعية في النحو العربي: . 2 - هنالك حالة رابعة لتأخر المفعول به وجوبا عن فاعله : وهي: إذا التبس إعراب الفاعل , والمفعول به لانتفاء الدلالة على فاعله الأول , ومفعوله الثاني .نحو : ضرب عيسى موسى , وأكرم أبي صديقي .( ولم يرد في جزء عم مواضع لهذا النوع من الحذف).
عدد الصفحات ١٧٠159 - تأخر المفعول في هذه الشواهد عن فاعل الفعل وجوبا, وذلك لكونه اسما ظاهرا , والفاعل ضميرا متصلا . ففي مثل قوله تعالى :ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ النبأ: ١٠. وقوله تعالى:ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ النبأ: ٠٠. ورد المفعول به (الليل- النهار) في موقع النصب, وعلامة إعرابه الفتحة الظاهرة . أما في مثل قوله تعالى: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭼ الانشقاق: ٣ وقوله تعالى ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ الزلزلة: ٦. فقد ورد المفعول به منصوبا بفتحة ظاهرة و مضافا إلى الضمير. أما في مثل قوله تعالى ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ الانفطار: ٠٠. وفي قوله تعالى ﭽ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭼ الكافرون: ٣ . فقد ورد المفعول به اسما موصولا . وهو في هذه الحالة مبني في محل نصب. ويجعل ابن هشام هذا الترتيب هو الأصل ويعده من أحكام الفاعل حيث يذكر: "إن الأصل فيه أن يتصل بفعله ثم يجيء المفعول."(1 )لذا لا يعده من موجبات تقدم الفاعل على المفعول. كما أن الضمائر في هذا الترتيب لها رتبة التقدم , و يعلل ابن يعيش ذلك بالايجاز: حيث إن رتبة المتصل أسبق لأنه أقل حروفا من الضمير المنفصل لذا فإنه أوجز , لذا لم تستعمل الضمائر المنفصلة في المواضع التي يستخدم فيها الضمائر المتصلة لأنهم يعدلون إلى الأثقل عن الأخف. كما أن ابن يعيش يربط بين الضمير المنفصل والاسم "والمنفصل منفرد عن غيره بمنزلة الأسماء الظاهرة ."(2 ) هذا في الضمائر, أما بين الضمير والاسم الظاهر فهناك معياران , الأول كون الضمير جزء من الفعل لذا يجب التقدم عند الالتصاق به (3) ,وكذلك معيار قرينة العلامة الإعرابية التي يتصف بها الاسم الظاهر دون الضمير المبني, لذا يصار إلى تقديم الضمير وتأخير ما من شأنه أن يتميز بالعلامة. كما أن هذا النوع من التقديم جاء حسب الأصل حيث يذكر السكاكي أن هذا النوع من التقديم قد مثل أصل الكلام "ولا يكون في مقتضى الحال ما يدعو للعدول عنه "(2 )حيث إنه في الوضع الطبيعي رتبة الفعل التقدم على المفعول , إلا أن هذا التأخر للمفعول هنا قد ورد وجوبا , - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الانصاري : ج5 / 9. 5 - ينظر شرح المفصل لابن يعيش الموصلي: ج5 / 7. - ينظر: المرجع السابق: ج5 / 50. 2 - مفتاح العلوم للسكاكي: 5 .
عدد الصفحات ١٧١