مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 23 الألفاظ، فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة، فيفهمها على غير وجهها؛ والخبرة بمدلولات الألفاظ؛ ولاسيما العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحاً ، وفي بعضها ذماً ، أمر شديد، لا يدركه إلا قعيدٌ بالع لم"(52) .وقال المعلمي: "صيغ الجرح والتعديل، كثيراً ما تطلق على معانٍ مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك؛ تتوقف على طول الممارسة، واستقصاء النظر" (53) . وهذا يعني أن الباحث في هذا الحقل لا غنى له عن دراسة تطبيقات الأئمة المتقدمين لهذه المصطلحات وملاحظة سياقات الاستعمال والتوظيف لهذه المصطلحات، كما أنه لا غنى له أيضاً عن تحرير هذه العبارات تحريراً علمياً صحيحاً، وقد أشار السخاوي إلى ضرورة تحرير هذه الألفاظ، كما أشار إلى أن هذه كانت أمنية للحافظ ابن حجر ، قال السخاوي: "من نظر كتب الرجال، ككتاب ابن أبي حاتم المذكور، والكامل لابن عدي، والتهذيب، وغيرها، ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها، ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها، مع شرح معانيها لغةً واصطلاحاً؛ لكان حسناً، ولقد كان شيخنا –يعني ابن حجر - يلهج بذكر ذلك، فما تيسر؛ والواقف على عبارات القوم، يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك"(54). ويلتحق بهذا المسار دراسة سياقات أقوال أئمة النقد في الجرح والتعديل، إذ إن هذه السياقات لها أهمية كبيرة من جهة دلالاتها على مراد الناقد من إيراده لهذا المصطلح وهذه العبارة، ومن جهة اختلاف النقاد في سياقاتهم، فهذا الناقد كثيراً ما (52) راعدفي ه الجر والتعدي ص 45. (53) مقدمة تحقيق لل وائد المجموعة للشوكاني ص 9. (54) ،تو المغيث2/114. ورد أشار أبو الحسا المأربي ه مقدمة كتاب لش ا ء العلي ل لم أن هذا الكتاب الذي أل جاء استجابة ذا المقتر ما الإمام السخاوي.
عدد الصفحات ٣٤خالد با عبد العثيث أبا الخي 24 يستعمل بعض العبارات في سياق المبالغة، وخاصة عند إيرادها في سياق المقارنة، وهكذا، فدراسة هذه السياقات تكشف عن مناهجهم الدقيقة في هذا الحقل. المبحث الرابع: مسار الدراسات التاريخية ونعني بهذا المسار هو الدراسات التي تبحث في تاريخ السنة من جهة كتابتها، وتدوينها، ومناهج التصنيف فيها، ورغم أهمية هذا اللون من الدراسات فقد انصرف عنه الكثير من الباحثين؛ لأسباب كثيرة، من بينها خلوه من الجانب التطبيقي، وتقاطعه بشكل مباشر مع علم التاريخ ، لكن رغم وجاهة هذا التفسير إلا أنه لا ينبغي أن يخلو هذا العلم من البحث العلمي للمتخصص بالسنة، كما أنه لا يمكن لأي باحث في غير حقل السنة أن يؤدي الدور المطلوب فيه؛ لأن دراسة هذا التاريخ قائمة بشكل أساسي على التصور الدقيق لهذا العلم، وهذا لن يكون إلا للمشتغل بالسنة. وباطلاع سريع على عامة الدراسات التي كتبت في هذا المسار نلاحظ أنها تتجه إلى حجية السنة، وتأصيل هذه المسألة من جهة التعامل مع السنة كدليل من أدلة التشريع في أصول الفقه، من مثل كتاب: " حجية السنة" لعبدالغني عبد الخالق، وكتاب "دلائل توثيق السنة" لامتياز أحمد، وكتاب "توثيق السنة" لفوزي عبد المطلب، وهذا حقل مهم بالتأكيد ولا غنى لنا عنه، لكن مازال هذا الحقل –برايي- يحتاج إلى المزيد من الدراسات حوله، من مثل: دراسة جهود الإمام الشافعي في تأصيل الاحتجاج بالسنة، وهذا ـ في رأيي ـ حقل مهم جداً ـ لم ينل نصيبه من الدراسة، ويكفي ـ لبيان أهميته أن نعلم أن الكثير من الذين كتبوا في مخاصمة السنة والتشغيب على الاحتجاج بها ك انوا يجعلون الشافعي هو رأس الحربة في مقاومة منهاجهم
عدد الصفحات ٣٥مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 25 وفلسفاتهم! فيصفونه بالأوصاف الشنيعة (55)، بل وبعضهم يؤلف الكتب المخصصة لنقض فلسفاته وتتفكيكها! (56) وحضور الشافعي عند هؤلاء يقابله خفوت الدراسات على الجانب الآخر، إذ لم نجد دراسة واحدة تجلي دور هذا الإمام سواء في جمع تأصيلاته واستدلالته على الاحتجاج بالسنة، أو في طريقته ومنهجه في هذا التأصيل، وهذا باب عظيم جداً يحتاج إلى استقراء دقيق لتراث هذا الإمام. وهذا التأصيل للعلوم والمعارف في الشريعة من الصناعات الدقيقة التي اشتهر بها الشافعي، بل لا تكاد توجد عند غيره، كما في تأصيله للسنة هنا وكذلك لعلم المصطلح وعلم أصول الفقه. ومن الدراسات التاريخية التي نحتاجها في هذا المسار: الدراسات التي تتناول تاريخ الإسناد ونشأته، فهذا جانب في غاية الأهمية؛ لأن الإسناد من أهم أركان توثيق النصوص وضبطها في السنة، والتصور السائد لدى الكثير من الناس ـ وخاصة غير المتخصصين بالسنة ـ أن الإسناد هو مجرد سلسلة رواة يتناقلون المتن فيما بينهم، ويرويه كل واحد عن الآخر، وانتهى الأمر! وهذا غير صحيح من جهة معناه الموضوعي، إذ الإسناد نظام شامل ومتكامل للرواية لا يمكن لأي راو أن يتجاوز هذا النظام، مهما كان هذا الراوي ومهما علا في رتبته، إذ وضع المحدثون الكثير من القواعد لهذا النظام حتى يحقق غايته وهدفه. ولا يمكن للباحث أن يقدم هذا التصور المهم للقارئ حتى يدرس تاريخ الإسناد، أو نظام الرواية. (55) ما ذلم مةلاً وع بال قية الأرثودكس كما ،عل ناجي الوريم ه مق دمة كتابها لا ئتلاف وا ختلاف ثنائية السائد والمهمش ه ال كر الإسلام القدةل واعتبرت نصوص الشا،ع ه الرسالة بأنها تأسيس لمنهج أعولي أرثودكس ! . (56) ما ذلم مةلاً كتاب نصر حامد أبوزيد لالشا،ع وتأسيس الأيدولوجية الوس،يةل
عدد الصفحات ٣٦خالد با عبد العثيث أبا الخي 26 ومن الدراسات المهمة في هذا المسار: الدراسات التي تتناو ل كتابة السنة وتوثيقها، لكن ثمة اعتقاد شائع لدى بعض الباحثين بأن استقرار الإجماع على كتابة السنة يعني إقفال الحديث عن هذا الجانب، وهذا غير دقيق؛ وذلك لأن الكثير من الإشكالات التي تطرح اليوم في مواجهة السنة النبوية والتوهين من قدرها تعود في جذورها إلى إشكالية التدوين، وإذا كانت أراء بعض المستشرقين ركزت بشكل كبير على هذه القضية بالتحديد، وحاولوا إعادة إنتاج هذا الإشكال بطريقة جديدة لكنها ـ مع ذلك لا تكاد تتجاوز هذه القضية؛ فهذا يعني ـ باختصارـ مركزية قضية التدوين وحاجتها إلى دراسات علمية من واقع عمل المحدثين، وأذكر هذا المثال ـ لأؤكد أهمية الموضوع ـ عمل المستشرق جولد زيهر، وهو من أبرز المستشرقين الذين تناولوا تاريخ السنة، والأمر اللافت في الموضوع أنه نقل الإشكال من كونه قضية علمية إلى قضية مذهبية، حيث ـ كما يرى ـ تم توظيف هذا الخلاف بين القائلين بالكتابة وبين القائلين بمنعها، حيث قرر أن أهل الرأي يدعون عدم كتابة الحديث، فيضعون من الأخبار ما يثبت دعواهم، وأهل الحديث يرون جواز تقييد العلم، فيضعون ما يثبت دعواهم، ليحتجوا بصحة ما لديهم من أحاديث في خلافاتهم الفقهية(57)، لكن هذا الإشكال كشف زيفه المحقق الكبير يوسف العش، حيث نشر كتاب الخطيب البغدادي "تقييد العلم" وصدره بمقدمة نفسية، وأبان أن الإشكال في أصله قائم على فكرة فاسدة، إذ قال: "فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين؛ لأن من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة كعيسي بن يونس (187هـ) وحماد بن زيد (179هـ) وعبد الله بن إدريس (192هـ) وسفيان الثوري (161هـ) وبينهم من أقرها كحماد بن سلمة (167هـ) والليث بن سعد (175هـ)، وزيد بن قدامة (161هـ) ويحيى بن اليمان (189هـ) وغيرهم، ومن (57) ينقر كتاب علوم الحديث ومص،لح لصبح الصالح ص 37 .
عدد الصفحات ٣٧مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 27 المحدث من كره الكتابة كابن علية (200هـ) وهشيم بن بشير (183هـ) وعاصم بن ضميرة (174هـ) وغيرهم ، ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (197هـ) وعكرمة بن عمار (159هـ) ومالك بن أنس (179هـ) وغيرهم (6)(58). وهذا مثال يسير أوردته فقط للتدليل على أن إشكالات قضية توثيق السنة وكتابتها تحتاج إلى إيضاح وبيان دقيق كمثل هذا(59) . ومن القضايا التي تتصل بتاريخ علم الحديث قضيةنشوء المدارس الحديثية60)، وسمات هذه المدارس وخصائصها، بل إن معرفة هذه المدارس واستيعابها من قبل الدارس لهذا العلم يختصر عليه الكثير من فهم تطبيقات النقاد وتعليلاتهم للأخبار، وقد أشار الدكتور همام سعيد في مقدمته لـ "شرح علل الترمذي لابن رجب": إلى أهمية معرفة هذه المدارس وعلاقتها بالمنهج النقدي، فقال: "معرفة المدارس الحديثية: نشأتها، ورجالها، ومذاهبها العقدية والفقهية، وأثرها وتأثيرها في غيرها، وما تميزت به عن غيرها. فقد نشأت للحديث مدارس في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن، وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة، فيكشف عن علتها، فإذا كان الحديث كوفياً احتمل التدليس، أو الرفض. وإن كان بصرياً احتمل النصب وتأثير الإرجاء والاعتزال في إسناده. فإذا روى المدنيون عن الكوفيين، فإنها تختلف الاحتمالات عما إذا روى المدنيون عن البصريين، ولذلك نجد الحاكم يقول بعد ذكره (58) ينقر مقدمة قييد العلم للخ،يا، ص 20. (59) هناك بع الدراسات التي أ ا، ذا الحق مة دراسات ه الحديث النبوي لمحمد الأعقم ، وه ما الدراسات المتميثفي، لكا مازال هذا الحق بحاجة لم دراسات ل ا،ية. (60) هنا كتاب أ واء على المدارس الحديةية ، لمص، ى أبوعمارفي، ولكا مازال الحق بحاجة لم بحو أخرا،
عدد الصفحات ٣٨خالد با عبد العثيث أبا الخي 28 علة حديث: والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. أما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف"(61). المبحث الخامس: مسار الدراسات المنهجية المقارنة ونعني بالدراسات المنهجية المقارنة محاولة بناء وتصميم واستخراج مناهج نقدية مستفادة من منهج المحدثين، أو مقارنة منهجهم بالمناهج الأخرى في الدارسات الإنسانية الأخرى، وهذا باب وعر، لا يمكن للباحث أن يقدم فيه أية إضافة حتى يكون على استيعاب دقيق بمنهج المحدثين النقدي من جهة، وعلى استيعاب -بالقدر نفسه- بالمنهج المراد مقارنته، وهذه الدراسات المنهجية يم كن أن نقسمها إلى ثلاثة أنواع: أولاً: الدراسات التكشيفية لمنهج المحدثين، وأعني بذلك الدراسات التي تقوم على استخرج مناهج علمية من منهج المحدثين، وما يدعو إلى ضرورة فتح الأفق العلمي والبحثي لهذا النوع من الدراسات هو أن منهج المحدثين مكتنز بالأدوات المنهجية وا لنقدية، وتحتاج لاكتشافها إلى بصر دقيق بمنهج المحدثين ، وكذلك على وعي تام بالمناهج الإنسانية الأخرى، فمثلاً من أشهر نظري ات النقد الحديث ما تسمى بنظرية "موت المؤلف"(62)، وتقوم هذه النظرية على سلخ النص عن قائله، والتعامل مع النص معزولاً عن مصدره، وقد تمددت هذه النظرية لدى أصحابها لتطبق حتى على النصوص المقدسة ،والمقصود منها: قراءة النص بعيداً عن سلطة مصدره، وحينما نقارن في تعامل المحدثين مع هذه الإشكالية، وأعني بها إشكالية سلطة القائل (61) (1/128). (62) هناك كتا كةيرفي تحدث عا هذر النقرية، منها بحث الدكتور عبد الخالق الع وعنوان لموت المؤل منهج لجرائ أم لشكالية عقائديةل.
عدد الصفحات ٣٩مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 29 على النص من جهة ثبوته أو من جهة فهمه سنلاحظ أنهم تجاوزوها تماماً عبر منهج الضبط العلمي، فعماد الأمر عندهم على الضبط، والراوي الذي ينجح في تجاوز هذه العقبة الكؤود سيزول بالتأكيد أثره المتوقع على النص، وسيقدم النص بعيداً عن موقفه الفكري، ومن جهة أخرى فالقارئ -مستقبل النص- لن ينظر فيما سوى الضبط، أما العدالة فيحتاجون منها إلى القدر ال ذي يساعد على تمام عملية الضبط لا إلى استقامة الراوي في منهجه وفكره، فآل الأمر عندهم على الضبط ومعاييره لا إلى سواه، وعلى هذا فإذا روى الراوي حديثاً فينظر أولاً في درجة ضبطه ومستوى مخالفته لغيره، فإذا ثبت ذلك لم ينظر إلى سواه، ويؤكد هذا أنهم رووا عن الرواة الموصوفين بالبدعة، بل ورووا لهم أحاديث قد يتوهم متوهم أنها تؤيد بدعتهم (63)، وليس المقصود الاستفاضة بالحديث عن هذه المسألة لكن القصد الإشارة إلى توافر منهج المحدثين على مناهج نقدية عميقة، ومثله منهج النقد الاجتماعي، ومنهج النقد العقلي، ومنهج النقد البنيوي، أو استخراج نظريات علمية في تكوين العقل الناقد، أو في نظريات الاتصال الحديثة، ونحو ذلك، فكل هذه القضايا خصبة وثرية في منهج النقد عند المحدثين، فلا بد لإبرازها وإظهارها من القيام بعمليات تكشيفية علمية لهذا المنهج النقدي. (63) رال ابا حبان لوأما المنتحلون المذاها ما الروافي مة الإرجاء، والتر، ، وما أشبههما، ،إنا نحتج بأخبارهم لذا كانوا ثقات، على الشرط الذي وع نار، ونكِ مذاهبهم، وما قلدور ،يما بينهم وبين خالقهم لم الله -ج وعلا- ل أن يكونوا دعافي لم ما انتحلوا؛ ،إن الداع لم مذهب ، والذاب عن حتى يصير لماماً ،ي ، ولن كان ثقة، ن روينا عن ، جعلنا للا با لمذهب طريقاً، وسوَّغنا للمتعلم ا عتماد علي ، وعلى رول ، ،ا حتياط رك رواية الأئمة الدعافي منهم، وا حتجاا بالروافي الةقات منهم، على حسا ما وع نارل (عحيو ابا حبان 1/160.)
عدد الصفحات ٤٠خالد با عبد العثيث أبا الخي 30 ثانياً: الدراسات المقارنة ونعني بذلك المقارنة بين منهج المحدثين وبين المناهج الإنسانية القائمة، كالمقارنة بين مناهج النقد التاريخي عند المحدثين وبين منهج النقد التاريخي الغربي، فهذا المنهج في الفكر الغربي يقوم على ركنين أساسيين: جمع الوثائق ، ونقدها(64)، وهذان الأمران هما عين ما صنعه المحدثونفي التعامل مع تراث الرواة، وأشير – في هذا السياق – إلى محاولة علمية قام بها أسد رستم في كتابه "مصطلح التاريخ" حيث ألف هذا الكتاب بعدما أوكل إليه تدريس مادة "مناهج البحث العلمي" في جامعة بيروت ، حيث يقول: "وجدت الكثير من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع لكن لم أعثر على كتاب باللغة العربية، فصممت أن أتلافى هذا الفراغ ثم أكتب شيئاً في هذا الموضوع، فاضطررت أن أرجع إلى مصطلح الحديث لأمرين: أولهما: الاستعانة باصطلاحات المحدثين، والثاني ربط ما أضعه لأول مرة في اللغة العربية بما سبق تأليفه في عصور الأئمة المحدثين"، ثم يضيف: "فأكببت على مطالعة كتب المصطلح وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعاً عليها ازداد ولعي وإعجابي بمواضعيها"، ثم ذكر أنه في عام 1936م احتفت الحكومة السورية بمرور ألف سنة على وفاة المتنبي، فذهب لحضور هذا الاحتفال ووفد إلى دمشق، وأقام فيها مدة من الزمن أقلب في اثنائها مخطوطات المكتبة الظاهرية، يقول: "وما إن بدأت بالعمل حتى أيقنت أني أمام أضخم مجموعة في كتب الحديث النبوي في العلم"، ثم قال: "ومن أهم ما وجدت فيها نسخة قديمة من رسالة القاضي عياض المتوفى سنة 544ه، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" .ثم قال: "والواقع أنه ليس بإمكان رجال التاريخ في أوربا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، على الرغم من مرور سبعة قرون عليها"، ثم قال: "والواقع أن المثودولوجية الغربية التي تظهر (64) ينقر كتاب المدخ لم الدراسات التاريخية ل نجلو وزميل .
عدد الصفحات ٤١مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 31 لأول مرة بثوب عربي ليست غريبة عن مصطلح الحديث، بل تمت إليه بصلة قوية، ولو أن مؤرخي أوربا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجيا حتى أواخر القرن الماضي، وبإمكاننا أن نصارح زملائنا في الغرب فنؤكد لهم بأن ما يفاخرون به من هذا القبيل نشأ وترعرع في بلادنا، ونحن أحق الناس بتعلميه والعمل بأسسه وقواعده"(65). هذا الموقف المليء بالانبهار من باحث تاريخي -غير مسلم - تجاه تراث المحدثين يؤكد أن هذا المنهج العظيم كان منهجاً مؤسساً لكثير من العلوم والمعارف والنظريات لكنه يحتاج -لإدراك ذلك- إلى استعداد علمي من نوع خاص قد لا يكون متوفراً في الكث ير من الباحثين المشتغلين بالدراسات الحديثية، وهو الخلفية الفكرية عن مثل هذه المناهج والقراءة فيها. وهذا البحث لا يدعو إلى استقبال جميع النظريات النقدية الغربية والتكلف بالبحث عن قواعد من منهج المحدثين؛ لأن هذه النظريات قد يكون من بينها ما هو فاسد في أصله، أو أن ظروف تأسيس هذه النظريات مختلفة تماماً عن ظروف النشأة لدينا وفي تراثنا، غير أني –مع ملاحظة ذلك– أدعو الباحثين إلى الاستفادة من هذا المنهج النقدي العظيم ، بالتكشيف في ثناياه عن نظريات علمية أو بناء وتأصيل نظريات علمية منه. المبحث السادس: مسار دراسات الدفاع عن السَّنة من يتتبع الكتب المؤلفة سابقاً هذا المسار سيلاحظ أنها تتوجه إلى دفع الشبه عن حجية السنة، من مثل كتاب "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" لمصطفى السباعي، وكتاب "حجية السنة" لعبد الغني عبد الخالق، وكتاب "دفاع عن السنة ورد (65) مص،لو التاريخ ص15.
عدد الصفحات ٤٢خالد با عبد العثيث أبا الخي 32 شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين" لمحمد أبو شهبة، وكتاب "السنة في كتابات أعداء الإسلام" لعماد الشربيني، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات، وهذه الكتب تتوجه إلى الدفاع عن السنّة من جهة حجيتها في المقام الأول، وقد كانت مناسبة تماماً لظروف المرحلة حيث كان عامة النقد الموجه للسنّة يتجه إلى قضايا الاحتجاج بها كدليل من أدلة التشريع إلا أنه تحول الهجوم في السنوات المتأخرة من نقض الحجية إلى محاولة تفكيك بنائها من الداخل، فهو يتوجه بخطابه إلى مسائل علوم الحديث، ونقض قواعد المحدثين، ومنهجهم في قبول الأخبار، وقواعدهم التي يحتكمون إليها، وعلى وجه العموم فهو يتجه بالنقد إلى تناول أهم مسائل علوم الحديث. كما أنه يستعمل - في بعض الأحيان- طرائق المحدثين ويذكر أقوالهم، ويستند إلى المتشابه منها، ويستعمل مصطلحاتهم، ويوظف بعض الأقوال والقواعد في معارضة أصول منهج المحدثين وقواعده، وهو -من هذه الزاوية - أخفى وأدق مسلكاً من النقد الأول(66). فمثلاً يذكر يحيى محمد في كتابه: "مشكلة الحديث" عند مسألة تنامي الحديث وكثرته قضية مهمة قد تبدو مشكلة لمن ليس له خبرة بمنهج المحدثين، هي أن تعويل العلماء على الأحاديث الحجازية دون غيرها يقتضي الشك بغيرها، وهذه الشبهة تبدو للناظر من أول وهلة أنها فعلاً تستدعي التوقف -على أقل الأحوال- في الأحاديث الحجازية لكن حينما تقرأ سياقات هذا الرأي عند المحدثين ستبدو لك المسألة (66) ومما سلم ذلم على سبي المةال لبراهيم ،وزي ه دويا السنة، وراسم أحمد ه لعادفي قييم الحديث، ومحمد حمثفي ه الحديث النبوي ومكانت ه ال كر الإسلام ، وحمادي ذويا ه السنة بين الأعول والتاريخ، ويحيى محمد ه مشكلة الحديث، وعبد الرزا عيد ه سدنة هياك الوهم، وعبد الجواد ياسين ه السل،ة ه الإسلام، وجمال البنا ه نحو ،ق جديد، وجناية ربيلة لحدثنال، والأعلان العقيمان، والعودفي لم القرآن، وغيرها، ونيازي عث الديا ه ديا السل،ان، وديا الرحما، وعبد المجيد الشره ه الترا والحداثة، وتحديث ال كر الإسلام ، ومحمد الشره ه الحرية ه الإ سلام، وابا ررناس ه سنة الأولين.
عدد الصفحات ٤٣مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 33 أخف بكثير مما كان في الصورة الذهنية ، بل وربما لا تكاد تتوقف عندها، أو مثلا ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يبشر به د نصر حامد أبو زيد من قيام عمل علمي جماعي لنقد السنّة سماه: (السنة: النص الشارح)، وهو يعتمد في ذلك على دراسة المرويات دراسة نقدية تاريخية، وذلك يكون بتحديد شخصية الراوي الذي يمثل نقطة التقاء مشتركة في كل الأسانيد الخاصة برواية حديث بعينه، أو واقعة بذاتها، أو قول مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتتبع مرويات كل راوٍ على حدة، وتفحّص طبيعة مرويات هذا الراوي، ومن ثم يتمّ تفكيك سلاسل الإسناد بهذه الطريقة حتى يمكن الوصول إلى تمييز الروايات المنحولة من الروايات الأصلية)(67). والمقصود من ذكر هذه الأمثلة تحديد طبيعة النقد واختلافه عن السابق، كما يمكن أن نلاحظ اختلاف النقد أيضاً من جهة تعيين الشريحة المستهدفة بهذا النقد فبعد أن كانت الشبهة -في السابق- عبارة عن قناعات شخصية يكتبها الكاتب لجمهور القراء، أصبحت اليوم تُكتب بشكل دقيق لتستهدف طلاب العلم والدارسين في علوم الشريعة، حتى ذهب بعضهم إلى التفتيش في تراث المحدثين، وتوظيف بعض القواعد والآراء، وفصلها عن سياقاتها؛ وهذا ظاهر من الأمثلة التي ذكرتها قبل قليل. ولأجل ما تقدم من وجود هذا التحول فيجب أن يصاحب ذلك تحول في الدراسات المعاصرة التي تعمل على هذا المسار، ويجب أن يعتمد -برأيي- على إبراز منهج المحدثين للقراء وكشف أبعاده ومعالمه العلمية، وما دعاني إلى هذا القول هو أن الكثير من الإشكالات التي ترد على منهج المحدثين من قبل خصوم السنة تأتي عادة بسبب مشكلات في تصور منهج المحدثين على وجهه الحقيقي، فهذا الاتجاه في الرد يساعد على تحقيق غايتين مهمتين: أولهما: إزالة الشبه والإشكالات عن منهج النقد، (67) الخ،اب والتأوي ، لنصر حامد أبو زيد، ص265.
عدد الصفحات ٤٤خالد با عبد العثيث أبا الخي 34 وثانيهما: تحصين القارئ وزيادة إيمانه بهذا المنهج النقدي الكبير. ولهذابد ـ لتحقيق هاتين الغايتين أن تكون الردود العلمية على خصوم السنة النبوية مقرونة بالأمثلة التطبيقية من عمل الأئمة النقاد؛ لأن الدخول في صلب عملهم - أثناء الرد - يكشف للقارئ جهل هؤلاء الخصوم بالمنهج الحديثي الذي يسير عليه الأئمة، وفي المقابل يكشف أيضاً دقة منهج النقاد أثناء ممارستهم للنقد . وكذلك من الأفاق العلمية لهذا اللون من الدراسة كشف محاولات التوظيف التي يستعملها خصوم السنة لترويج مشاريعهم في نقض السنة، من مثل ما يردّد بعض هؤلاء بأننا في هذا العصر بحاجة ماسة إلى مواصلة مسيرة عمل الأئمة في فرز الأحاديث وتنقيتها، فإذا كان المحدثون قاموا -في سبيل تنقية الأحاديث- بمرحلتين من مراحل غربلة الأحاديث، الأولى بدأها مالك، وأكملها أحمد، والثانية بدأها البخاري ومسلم؛ ولأنه في هذا العصر توفر من وسائل البحث العلمي ما لم يتوفر للأسلاف من قبل، فإن الحاجة تبدو الآن ملحة؛ لإعلان مرحلة ثالثة(68)، وقد صرح أحدهم بهذا، فقال: (فما نقوم له ليس بدعاً، إنه في حقيقة الحال مواصلة ما قام به مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم واستدراك ما فاتهم، وفوق كل ذي علم عليم )(69)، ويؤكد آخر أنه كما طبق بعض المحدثين منهج الشك على مجموعات كبة من الأحاديث، وفرزوها بهذه الطريقة، فنحن الآن بحاجة لممارسة هذا المنهج مرة أخرى(70) . (68) ينقر أعول الشريعة، لجمال البنا، ص91 و92، ونحو ،ق جديد، ل أيواً،2/263، وهموم مسلم، الت كير بد ً ما التك ير، لنوال عبد القادر الصالح، ص 110. (69) أعول الشريعة، لجمال البنا، ص94 . (70) ينقر سدنة هياك الوهم، لعبد الرزا عيد، ص 32 .
عدد الصفحات ٤٥مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 35 وهم يستندون في بناء هذا الإشكال على عمل الأئمة السابقين في فرز الأحاديث، مثل ما فعله الإمام مالك لما صنَّف كتابه الموطأ. قال عتيق الزبيري: (وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه سنة، ويسقط منه، حتى بقي هذا، ولو بقي قليلاً، لأسقطه كله، يعني تحرياً) (71). وقال سليمان بن بلال (لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث، أو قال أكثر، فمات وهي ألف حديث ونيف ، يلخصها عاماً عاماً، بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين ، وأمثل في الدين)(72). ومثل ذلك مناداتهم بعرض الحديث على القرآن ،فهم يرددون-دوماً - أن أفضل طريقة لفرز الحديث الصحيح من غيره هي عرضه على القرآن، فإنه كما يقول أحدهم: "ليس من معيار يمكن أن يُفصِّل لنا في هذا المجال سوى القرآن، فالموضوع هو حديث الرسول، وليس ه ناك ما يسامي هذا في أقوال البشر، ولا بد أن نذهب إلى القرآن رأساً حتى تطمئن القلوب، ويزول ما يمكن أن يعرض لها من غضاضة أو تردد"(73)، ويقول آخر: " وقد قاوم المحدثون فكرة العرض على القرآن، دون أن يكون لذلك أدنى مبرر موضوعي، وتمحكوا بأحاديث مفادها: أن السنة كالقرآن"(74)، وقال أيضاً " وأن إعمال هذا المعيار يجعلنا نستبعد قرابة نصف الأحاديث المتداولة بين الناس"(75). ويحتجون على ذلك بأعمال الصحابة وفعل أم المؤمنين عائ شة رضي الله عنها. (71) ر يا المدارك و قريا المسالم، للقا عياض 1/60 . (72) المرجع السابق، ن س الص حة (73) نحو ،ق جديد، لجمال البنا،2/245. وينقر الحديث والقرآن، با ررناس، ص 29 . (74) نحو ،ق جديد، لجمال البنا، ص245. (75) المرجع السابق، ص 248.
عدد الصفحات ٤٦خالد با عبد العثيث أبا الخي 36 وهذه المحاولات التوظيفية تحتاج إلى معالجة علمية تفك حالة التداخل ال يسعى إليها هؤلاء من محاولة إلباس منهجهم العبثي لباس العلمية والموضوعية بتصويره على أنه امتداد طبيعي لعمل المحدثين. ويتصل بهذا اللون من الدراسة ضرورة أن تتوجه بعض الدراسات الحديثية إلى إظهار واقع الرواية كما كانت في عصرها وتصوير ذلك تصويراً دقيقاً، فهذا الواقع مازال –في تقديري - مستعصياً على القراء وغير المتخصصين من جهة فهمه وتصوره، فلا يعرفون كيف تشكل هذا المنهج، وماهي بذوره وأصوله؟ وما هي مكونات هذا المنهج النقدي والقوانين التي يسير عليها الأئمة؟ المبحث السابع: مسار الدراسات الموضوعية لعل هذا الحقل هو من أكثر حقول السنة ثراء وبحثاً، ويسير العمل في هذا المسار عادة عبر ثلاث خطوات: الخطوة الأولى: تحديد الموضوع المراد بحثه، ويكون هذا التحديد عبر مجموعة من الوسائل، منها: الذهاب إلى الموضوعات الفقهية، عبر فهارس موضوعات كتب الفقه ، ثم يختار الباحث موضوعاً منها ، ويجمع ما ورد في هذا الموضوع الفقهي من أحاديث، كأن يذهب الباحث مثلاً إلى كتاب "أدلة الفقه الإسلامي" لوهبة الزحيلي، وينظر في الفهارس الموضوعية للكتاب، ويختار منها موضوعاً فقهياً ، ويحوله إ لى بحث حديثي، فإذا وقعت عينه ـ مثلاًـ على أحكام الطيب في الفقه الإسلامي حوّله إلى موضوع حديثي ليكون: "الأحاديث الواردة في الطيب: جمعاً وتخريجاً ودراسة"، أو يجد مثلاً أحكام الدَّين في الفقه الإسلامي، فيحوله إلى: "الأحاديث الواردة في الدّين: جمعاً وتخريجاً ودراسة" وهكذا .
عدد الصفحات ٤٧مسارات البحث العلم ه السنة النبوية لدراسة وع ية استشرا،يةل 37 أو يذهب الباحث إلى أدلة كتب التخريج، من مثل كتاب: مفتاح كنوز السنة -حيث صنف جامعوه من المستشرقين الأحاديث إلى موضوعات فقهية وتربوية ونحو ذلك- فيختار منها موضوعاً ويجمع أحاديثه. وقد يذهب الباحث إلى الاستفادة من بعض البرامج الحاسوبية المفهرسة موضوعياً، من مثل برنامج "حرف" للكتب الستة، إذ فهرس مصمموه الأحاديث ورتبوها ترتيبا موضوعياً. الخطوة الثانية: جمع أحاديث هذا الموضوع، إما عبر الجرد اليدوي، فيذهب الباحث إلى مظان وجود هذه الأحاديث في أبوابها من كتب الرواية، أو عبر الحاسب الآلي، بحيث يدخل كلمة الموضوع ومشتقاتها، ويبحث عنها ، كأن يكون البحث عن أحاديث القبور، فيدخل مثلاً كلمة قبر، أو مقابر، أو قبور، ونحو ذلك. وهاتان طريقتان مشهورتان لكن ذكرتهما لأسجل عليهما الملاحظتين التاليتين: الأولى أن الجرد اليدوي هو أدق أنواع الجرد وأوفاه لكن بشرط ألا يقتصر الباحث على مظان حديثه في الأبواب، بل عليه أن يجرد جميع الأبواب، وهذه ملاحظة مهمة جداً؛ لأنه لربما كان موضوعه عن أحاديث الجهاد، فيجد بغيته في كتاب الطهارة!، والسبب في هذا أن المصنفين لكتاب الرواية يضعون الحديث ـ عادة ـ في دلالته الغالبة، ولا يكررونه في باب آخر لوجود ما يغني عنه من الأحاديث، ولعل هذا الإشكال في الجرد يفسر لنا عزوف بعض الباحثين عن بعض الموضوعات نظراً لقلة أحاديثها، والحقيقة أنه لو جرد الباحث على هذا النحو لربما وجد ضعف ما بين يديه من الأحاديث. والملاحظة الثانية على الجمع الحاسوبي: أن الباحث سيفوته لونين من الأحاديث: الأولى، وهي الأحاديث التي تدل بموضوعها لا بلفظها على الموضوع الذي بين يديه. والثانية: الطرق التي تذكر دون متونها، وهذا كثير جداً.
عدد الصفحات ٤٨خالد با عبد العثيث أبا الخي 38 الخطوة الثالثة: تخريج هذه الأحاديث والتعليق عليها يختلف الباحثون في هذا بحسب المنهج المتبع في القسم العلمي التي تقدم إليه الرسالة، ولهذا فبعضهم يكتفي بعزو الأحاديث، ويكون تركيزه على التعليق عليها ودراسة مسائلها دراسة فقهية، وبعضهم يركز على تخريجها ودراسة رجالها وأسانيدها والتفتيش عن عللها، ولا يكاد يعول على دراسة موضوعها إلا ما يتعلق ببيان الغريب وإيضاح المشكل. والمنهج الوسط في هذا أن يكون التركيز في الدراسة أولاً على ما يتعلق بالثبوت؛ لأن الباحث هنا لابد له من تعلم صناعة هذا العلم، ولا سبيل لتحصيل ذلك دون أن يتدرب على التخريج ودراسة الأسانيد، ثم يعلق ثان ياً على الأحاديث بالقدر الذي يجلي الموضوع الكلي لها، وهنا خلل كبير يقع فيه بعض الباحثين، وهو أن يذهب بهم التعليق على الأحاديث مذاهب بعيدة، فيأخذهم تقصي مسائل الأحاديث وفوائده إلى ما يتجاوز به موضوع البحث الأصلي، والتوسط في هذا أن يستصحب الباحث عند تعليقه ع لى مسائل الحديث وفوائده الموضوع الكلي للبحث، فيعرض مسائل الحديث وعينه على هذا الموضوع، فهو يحوم معه ويدور في فلكه، وكل مسالة لا تخدم هذا المقصد فهو يذكرها مختصرة، أو في الحاشية وذلك حتى لا يتحول البحث إلى حديث تحليلي صرف فيخل بموضوع البحث وأساسه. وهذه الخ طوات الثلاث هي -عادة- الجادة التي يسلكها الباحثون عند اختيار موضوع في هذا المسار، وهي خطوات صحيحة، لكن ثمة إشكال يقع فيه بعضهم، وهو غفلتهم عن الوحدة الموضوعية للبحث، إذ يتصور هؤلاء أن وجود مصطلح رابط بين أحاديث الباب كاف في منح هذه الأحاديث لقب الحديث
عدد الصفحات ٤٩