المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مسارات البحث العلمي في السنة النبوية دراسة وصفية استشرافية

خالد عبد العزيز أبا الخيل

صفحة ٢٤ من ٢٨

إكرام بسيوني عوداو صناب 358 والاختصاص القضائي تتعدد أنواعه فهناك الاختصاص الولائي أو الوظيفي، ويقصد به " القواعد التي تحدد أنواع المنازعات التي تختص بها كل جهة من جهات القضاء، إذا ما تعددت هذه الجهات في الدولة "(الشواربي(1985م): 27.) كما يوجد ما يعرف بالاختصاص المحلي أو المكاني أو الجغرافي ويقصد به "تحديد المحكمة التي سترفع إليها الدعوى من الناحية المكانية أو الجغرافية أو المحلية" (عمر، 2011م 111) وإ جانب الاختصاص الولائي والمحلي يوجد ما يعرف بالاختصاص النوعي ويقصد به " سلطة الفصل في المنازعات بحسب نوعها أو طبيعتها" (عمر، 2011م 87.) وتتبع بعض الأنظمة القضائية ومنها النظام القضائي المصري نوعاً من الاختصاص يسمي الاختصاص القيمي بل ويعتبر الأصل في توزيع القضايا بين المحاكم القضائية المصرية، ويقصد به" تحديد قيمة معينة أو مبلغ معين يتم بناء عليه توزيع المنازعات بين محاكم الموضوع إذا تعددت درجاتها، أو تعددت الطبقات في كل درجة" ( عمر(2011م): 99.) وإذا كان المعنى السابق يعبر عن المعني الإصطلاحي القانوني العام لمفهوم الإختصاص القضائي فهل ينطبق هذا المعنى الإصطلاحي العام على الاختصاص القضائي في المجال الإداري أم لا؟ يرى الباحث أن هذا المصطلح ينبغي أن يصطبغ بصبغة ذاتية تميزه في مجال القضاء الإداري تلك الصبغة ينبغي أن تعكس الطابع الإنشائي لهذا النوع من القضاء باعتباره لا يخضع لتنظيم قانوني في جانب كبير من أوجه ممارسة القاضي لوظيفته القضائية، بمعنى أن القاضي الإداري يستطيع أن يخلق قاعدة قانونية جديدة لتطبق على

عدد الصفحات ٣٦٩

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 359 نوع معين من المنازعات الإدارية المعروضة عليه في حال عدم وجود قاعدة قانونية منظمة للنزاع هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن المنازعات الإدارية والتي هي موضوع القضاء الإداري الأهم متعددة ومتنوعة ولا تخضع لحصر، لذا فإن حصر وتحديد الاختصاص بنظرها في إطار القواعد القانونية يصبح في ظل هذا التطور ضرباً من خيال. لذا يرى الباحث أن الولاية القانونية الممنوحة للقاضي الإداري (الاختصاص) بنظر المنازعات الإدارية يتعين أن تكون إما ولاية عامة بنظر كافة المنازعات الإدارية لجهة محددة داخل إطار الت نظيم الداخلي للقضاء الإداري ذاته أو محددة على سبيل الحصر. وانطلاقًا مما سبق يمكن لي أن أعرف الاختصاص القضائي الإداري بوجه عام بأنه " الولاية الممنوحة للقاضي الإداري كقاضي القانون العام المختص بالفصل في كافة المنازعات الإدارية، أو كصاحب اختصاص قانوني محدد على سبيل الحصر". ويرى الباحث أن الولاية العامة للقاضي الإداري كقاضي القانون العام في المنازعات الإدارية ينبغي أن تقتصر فقط على المحاكم الإدارية (للأسباب التي سيرد ذكرها في البحث)، أما المحاكم الأخرى داخل التنظيم القضائي الإداري فينبغي أن يكون اختصاصها محدد على سبيل الحصر. ومن هنا يمكن لي تعريف اختصاص المحاكم الإدارية بأنه " الولاية العامة الممنوحة لها كقاضي القانون العام في المنازعات الإدارية". ثانيًا: الحدود القانونية للاختصاص: أقصد بالحدود القانونية للاختصاص النصوص القانونية المنظمة لاختصاص المحاكم الإدارية في الأنظمة القانونية الثلاث ؛ تلك النصوص التي ترسم حدود هذا

عدد الصفحات ٣٧٠

إكرام بسيوني عوداو صناب 360 الاختصاص ومداه النوعي المحدد لنوع المنازعة القضائية الإدارية المعروضة على القاضي، أو المحدد ة لطبيعة ما يصدر عن ه من أحكام نهائية أم قابلة للطعن فيها بالإستئناف...الخ. وفي إطار تلك الحدود تتبين وتتضح مظاهر التوسع ، أو التقييد في منح هذا الاختصاص للمحاكم الإدارية في الأنظمة القضائية الإدارية الثلاث. وتحقيقًا للهدف من البحث فسوف أقسمه بمشيئة الله تعالي للمباحث التالية: المبح الأول: التعريف بالمحاكم الإدارية الفرنسية والمصرية والسعودية. المبح الثاني: الحدود القانونية لاختصاص المحاكم الإدارية الفرنسية والمصرية والسعودية. المبح الثال : التنظيم الأمثل لاختصاص المحاكم الإدارية. المبح الأول: التعريف بالمحاكم الإدارية الفرنسية والمصرية والسعودية أتناول في هذا المبحث التعريف بكل محكمة من المحاكم الإدارية الثلاث محاولاً إبراز مراحل نشأتها وبدايتها الأولى حتى وصلت لوضعها الحالي التي هي عليه الآن على النحو التالي: أولاً: المحاكم الإدارية الفرنسية: تعد مجالس المديريات الفرنسية هي الأصل التاريخي للمحاكم الإدارية الفرنسية والتي كانت تشكل بواقع مجلس لكل مديرية "department"، وكان يرأس كل مجلس مدير"préfet" ويتو سكرتير المجلس صفة مفوض الدولة أمام هذا المدير، لذا كانت تلك المجالس تابعة لجهة الإدارة ولا تتمتع بالاستقلال اللازم لممارسة مهامها (Debbasch(1978):4).

عدد الصفحات ٣٧١

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 361 ولقد كان اختصاص تلك المجالس منذ نشأتها محددًا على سبيل الحصر إلا أنها كانت تتمتع بصفة القضاء المفوض منذ نشأتها (1). وظهر مصطلح " المحاكم الإدارية" في النظام القضائي الإداري الفرنسي لأول مرة في قانون 30 سبتم 1953م حيث تم تعديل مسمي مجالس الأقاليم إلى مسمي "المحاكم الإدارية"، كما أسند هذا القانون لتلك المحاكم مهام الولاية العامة في نظر كافة المنازعات الإدارية أبو راس (1981م/1401هـ): (109-110) و الطماوي (1955م): (36) وFoignet (1921: 605) . ثانياً: المحاكم الإداريةالمصرية: اعتنقت مصر في أول الأمر نظام القضاء الموحد ذلك النظام الذي يقوم على وحدة القواعد القانونية ووحدة القاضي فالقاضي يجلس لنظر جميع القضايا سواء أكانت إدارية أم غير إدارية. ولقد كان القضاء العادي في مصر يضم نوعين من المحاكم إحداهما: المحاك م المختلطة ( 1875م)، والأخرى: المحاكم الأهلية ( 1883م)، ورغم وجود جهتين قضائين إلا أن اختصاصهما بنظر المنازعات الإدارية كان مقيداً في تناول المنازعات الإدارية، ومن مظاهر هذا التقييد ما أكدت عليه صراحة المادة الحادية عشرة من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة على أنه " ليس لهذه المحاكم أن تفصل في ملكية الأموال العامة، أو أن تفسر أمراً يتعلق بالإدارة، أو توقف تنفيذه، ولكن يسوغ لها في الأحوال التي وردت في القانون المدني أن تفصل في الاعتداء على حق مكتسب لأحد الأجانب متى كان ناشئاَ عن عمل إداري ". (1 )يقصد بالقةاء المصوض هو ذل القةاء الط لا نتاج إلى تصدي علا أهكامه القةادية با تعد أهكامه نافطه بمجرد ةدوحها، ويةاد هطا المصنلح مصنلح " القةاء المقيد"، وهو ذل القةاء الط نتاج إلى تصدي علا أهكامه القةادية ما سلنة أصر .

عدد الصفحات ٣٧٢

إكرام بسيوني عوداو صناب 362 كماعبرت عن ذلك أيضاً المادة الخامسة عشر من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية حيث قررت أنه "ليس للمحاكم أن تؤول أي أمر إداري، أو توقف تنفيذه، وإنما لها فقط أن تقضي بالتعويض عن الإجراءات الإدارية المخالفة للقوانين واللوائح". ولقد بدأت الإرهاصة الأولى في التحول من نظام القضاء الموحد إلى نظام القضاء المزدوج بإنشاء مجلس النظار(الوزراء) في عام 1878م ؛ ثم صدور الأمر العالي في 23 إبريل 1879م، ولقد كان حكم هذا المجلس نهائيا في شأن ما يصدره في نظر دعاوى إلغاء القرارات الإدارية دون حاجة لتصديق من جهات أخرى، وكذلك كان يختص هذا المجلس بالفصل في الأعمال التي تتخذ في مواجهة الموظفين بناء على طلب رئيس الدولة، أو أحد الأفراد الذي لحقه ضرر من جراء تنفيذ أمر إداري (بدوي:39.) وبصدور قانون مجلس الدولة المصري رقم112 لسنة 1946م، دخلت مصر في نطاق الدول المعتنقة لنظام القضاء المزدوج. ولقد نشأت المحاكم الإدارية المصرية في كنف النظام القضائي لمجلس الدولة المصري نتيجة لضرورة عملية اقتضتها الحاجة عندما تزايدت أعداد القضايا أمام محكمة القضاء الإداري والتى ظلت هي المحكمة الوحيدة في النظام القضائي الإداري المصري آنذاك. وكان لزاماً على المشرع المصري أن يتدخل لمعالجة هذا الوضع، وقد تدخل فعلاً بالمرسوم بقانون رقم 160 لسنة 1952م والذي أنشأ ما يسمي "اللجان القضائية". ولقد كانت تلك اللجان القضائية تشكل برئاسة مستشار من إدارة الرأي بالوزارة المنشأ بها تلك اللجنة، وعضوية نائب من مجلس الدولة وموظف من ديوان

عدد الصفحات ٣٧٣

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 363 الموظف لا تقل درجته عن الدرجة الثانية ويعينه رئيس ديوان الموظفين كما كان يسمي آنذاك. ولقد أنشأت في كل وزارة من الوزارات لجنة قضائية، وانحصر اختصاصاها في بعض منازعات الموظفين العموميين في نطاق كل وزارة من الوزارات، والمنازعات المتعلقة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة للموظفين العموميين، أو لورثتهم، والطعون ضد القرارات الخاصة بالتعيين، أو بالترقية، أو بمنح العلاوات. أما عن الإجراءات المتبعة أمام تلك اللجان فقد كانت بسيطة للغاية تبدأ بتظلم يقدم إلى رئيس اللجنة دون ضرورة مراعاة شكل خاص وبدون رسوم ودون وساطة محام، ورغم أن بساطة الإجراءات وسهولتها ومجانيتها تعد من الأمور الإيجابية اللازمة للعدالة القضائية وضمان تيسير إجراءات التقاضي على المتقاضين إلا أنه قد ترتب على ذلك زيادة أعداد التظلمات إلى حد كبير، كما أن المتقاضون لم يقتنعوا بقرارات تلك اللجان وهو الأمر الذي دفعهم للطعن في تلك القرارات أمام محكمة القضاء الإداري مما أدي لزيادة أعداد الطعون أمامها مرة أخرى. ولقد وجد المشرع المصري نفسه مرة أخرى مضطراً للتدخل لمواجهة الزيادة في أعداد الطعون المرفوعة أمام محكمة القضاء الإداري ضد قرارات اللجان سابق الإشارة إليها، حيث تدخل بصدور القانون رقم 147لسنة 1954م وألغي تلك اللجان وحلت بديلاً عنها "المحاكم الإدارية" والتي بدأت في الظهور لأول مرة في النظام القضائي الإداري المصري. ثالثاً: المحاكم الإدارية السعودية: يذهب رأي في الفقه إلى أن عصر القضاء المزدوج في المملكة العربية السعودية بدأ بصدور نظام المظالم السعودي رقم 51 في17/7/1402هـ، الذي نصت المادة

عدد الصفحات ٣٧٤

إكرام بسيوني عوداو صناب 364 الأو منه على " أن ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة، ترتبط مباشرة بجلالة الملك"، وهنا تم الحديث للمرة الأولى عن مصطلح "القضاء الإداري" في المملكة العربية السعودية (جيره(1409هـ):186). ويرى الباحث أن الأمر الملكي رقم ( 20941) والصادر بتاريخ 28/10/1387هـ الموجه إلى رئيس القضاة متضمناً منع المحاكم الشرعية بصفة عامة من النظر في المنازعات التي تثار بين الإدارة والأفراد هو اللبنة الأولى في بناء النظام القضائي الإداري المستقل في المملكة العربية السعودية ؛ حيث كان هذا الأمر بمثابة إشارة البدء نحو استقلال، وتخصص ديوان المظالم بالمنازعات الإدارية، ومنع الجهات القضائية الأخرى من التصدي لنظر هذا النوع من المنازعات. ثم تطور الأمر بعد ذلك بصدور نظام شعب مجلس الوزراء رقم 1373م ونص في م/ 17 منه على تشكيل إدارة بمجلس الوزراء باسم ديوان المظالم، ولكن تلك الإدارة اقتصر دورها على تلق ي الشكاوى والتحقيق فيها ، واقتراح الرأي الذي يراه الديوان مناسبًا مع بيان أسباب هذا الرأي ، وإعداد تقرير بذلك يعرض على الملك. وتلى هذه المرحلة صدور نظام ديوان المظالم بالمرسوم ( 2/13/87599 ) وتاريخ17/9/1374هـ، ثم نظام ديوان المظالم الصادر في عام 1402هـ، وتحول ديوان المظالم من مجرد وحدة إدارية إلى جهة قضائية مستقلة، وأصبح هناك جهتان للقضاء في المملكة العربية السعودية الأولى: القضاء الشرعي، والثانية: ديوان المظالم كهيئة قضائية إدارية مستقلة. ورغم النص في المادة الأولى من نظام ديوان المظالم السعودي الصادر (1402هـ) على كون ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة إلا أنه لم يبين المحاكم

عدد الصفحات ٣٧٥

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 365 القضائية داخل هذا القضاء مكتفياً بترك السلطة في يد رئيس الديوان لتحديد دوائر المجلس واختصاص كل دائرة منها (م/6 من نظام ديوان المظا1402هـ وبدأت المحاك م الإدارية في الظهور بصدور نظام ديوان المظالم الصادر عام 1428هـ كمحكمة إدارية متخصصة داخل التنظيم الق ضائي ؛ حيث حددت المادة الثامنة منه محاكم ديوان المظالم ومن بينها المحكمة الإدارية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد وفي مجال المقارنه بين الأصول التاريخية للمحاكم الإدارية في الأنظمة القضائية الإدارية الثلاث أن التحول في ها جمعياً قد تم متدرجًا حيث بدأ إسناد الاختصاص للمحاكم الإدارية الفرنسية محدداً على سبيل الحصر ثم تحولت بعد ذلك للولاية العامة، أما النظام القضائي المصري فقد أخذ بالتدرج من خلال توزيع الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية بين كل من جهتي القضاء العادي والإداري (منذ القانون 112لسنة1946م وحتى صدور القانون 47 لسنة1972م). كما أن التحول أيضاً إلى نظام القضاء المزدوج في المملكة العربية السعودية قد جاء متدرجاً حيث لم يمنح الإختصاص العام لديوان المظالم بنظر كافة المنازعات الإدارية إلا في القانون الحالي للديوان (1428هـ، وظلت المحاكم الشرعية هي قاضي القانون العام في نظر كافة المنازعات قبل صدور هذا القانون الأخير. ويرى الباحث أن التدرج في التحول من نظام قضائي إلى نظام قضائي آخر في ظل الأنظمة القضائية الثلاث كان محموداً إذ لا يحبز التحول المفاجيء من نظام قضائي آخر بل يتعين التريث لحين ظهور مزايا وعيوب هذا التحو ل تدريجياً حتى لا ينهار النظام القضائي في حال فشل هذا التحول.

عدد الصفحات ٣٧٦

إكرام بسيوني عوداو صناب 366 المبح الثا: الحدود القانونية لاختصاص المحاكم الإدارية تتسع الحدود القانونية لاختصاص المحاكم الإدارية في الأنظمة القضائية الإدارية الثلاث وتضيق متخذة مظاهر متعددة لهذا الاتساع، وذاك التضييق في إطار النصوص القانونية المنظمة لإختصاص تلك المحاكم. لذا سوف أتناول هذا المبحث في فرعين على النحو التالي: الفرع الأول: مظاهر التوسع في منح الاختصاص. الفرع الثاني: مظاهر التقييد في منح الاختصاص. الفرع الأول : مظاهر التوسع في منح الاختصاص يظهر التوسع في منح الاختصاص للمحاكم الإدارية بمقتضي النصوص القانونية المنظمة له بأحد وسيلتين إحداهما: إسناد مهام غير قضائية للمحاكم الإدارية، ومن ثم يتم التوسع في الاختصاص الممنوح لها، والأخرى: تتمثل في منحها الإختصاص العام بنظر كافة المنازعات الإدارية التي لا تدخل في اختصاص جهة قضائية إدارية أخرى. ويقترح الباحث إطلاق مصطلح "التوسع الأفقي أو الكمي" على النوع الأول، والنوع الأخر " التوسع الرأسي أو النوعي للاختصاص". أولاً: التوسع الكمي لاختصاصات المحاكم الإدارية: 1- في فرنسا يتم التوسع الكمي في الاختصاصات الممنوحة للمحاكم الإدارية الفرنسية عن طريق منح تلك المحاكم اختصاصات غير قضائية بالإضافة إلى وظيفتها القضائية الأساسية على النحو التالي:

عدد الصفحات ٣٧٧

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 367 أ ) الاختصاصات القضائية للمحاكم الإدارية الفرنسية: تحولت المحاكم الإدارية الفرنسية في مجال ممارستها للوظيفة القضائية من سلطة القضاء المقيد إلى القضاء المفوض (justice déléguée) منذ صدور مرسوم ديسم1953م بمعنى أن اختصاصاها أصبح اختصاص عام بكافة المنازعات الإدارية التي لم يعهد بها القانون إلى محكمة إدارية أخرى أو إلى مجلس الدولة. وقد امتد هذا الاختصاص العام في نظر المنازعات الإدارية إلى أن أصبح اختصاصاً شاملاً لكافة أنواع القضاء إلغاءً، وتعويضاً، وتفسيراً للقرارات الإدارية الداخلة في اختصاصها، وكذلك فحص مشروعية القرارات الإدارية التي يثار نزاع حول مشروعيتها. ولقد اعتنق المشرع الفرنسي مبدأ التقاضي على درجتين فيما يتعلق بكافة الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم الإدارية كقاعدة عامة إلا ما استثني منها بنص خاص، وبحيث تعد المحكمة الإدارية محكمة أول درجة ثم يطعن في أحكامها أمام مجلس الدولة باعتباره محكمة ثاني درجة (محكمة استئناف). وظل مجلس الدولة الفرنسي هو محكمة ثاني درجة بالنسبة لأحكام المحاكم الإدارية حتى تاريخ 31 ديسم1987م وهو تاريخ إنشاء المحاكم الإدارية الاستئنافيه لتخفيف العبء عن القسم القضائي بمجلس الدولة، ومن ثم أصبح الطعن في أحكام المحاكم الإدارية موزعاً بين مجلس الدولة في بعض المنازعات، والمحاكم الإدارية الاستئنافية في منازعات أخرى. وتجدر الإشارة إلى القول بأن المشرع الفرنسي قام بتعديل إجراءات التقاضي أمام المحاكم الإدارية (التي كان معمولاً بها في ظل مجالس الأقاليم) لتصبح قريبة من القواعد والإجراءات الخاصة بالتقاضي أمام مجلس الدولة الفرنسي.

عدد الصفحات ٣٧٨

إكرام بسيوني عوداو صناب 368 ب) المحكمة الإدارية الفرنسية مستشار قانوني للجهات الإدارية: تمارس المحاكم الإدارية دور المستشار القانوني لمديري المديريات داخل نطاق اختصاصها الإقليمي بشأن ما يصدرونه من قرارات إدارية، أو غيرها من التصرفات والأعمال الإدارية الأخرى، وهذا الدور الاستشاري غير ملزم لهؤلاء المديرين إلا إذا استلزم القانون ذلك (حكم مجلس الدولة الفرنسي، 27 مايو سنة1932م في قضية Mannesse""، سيري سنة 1932م القسم الثالث: 119). ويلاحظ أن هذا الدور الاستشاري للمحاكم الإدارية يكاد يكون منعدم لسببين: أحدهما أن المشرع الفرنسي نادراً ما يستلزم أخذ رأي المحاكم الإدارية قبل القيام بالتصرف، والآخر: يتمثل في ندرة لجوء مديري الإدارات للمحاكم الإدارية طالبين رأيها الاستشاري. ج) اختصاص المحاكم الإدارية الفرنسية بإصدار القرارات الإدارية: تمارس المحاكم الإدارية أيضاً في حالات استثنائية سلطة إصدار قرارات إدارية "un véritable pouvoir de décision" كسلطة منح الترخيص بالمرافعة لمؤسسات الإحسان "établissements charitables"، وذلك وفقاً لما قرره قانون 8 يناير سنة 1905م في مادته الثالثة، ومنح ذات التراخيص للممولين الذين يتصرفون باسم المدينة أو القرية تطبيقاً لنص المادة الثالثة من قانون 5 إبريل سنة1884م د) المحاكم الإدارية الفرنسية تمارس اختصاص السلطة الإدارية: يحق للمحاكم الإدارية الفرنسية أن تتدخل كسلطة إدارية في الانتخابات البلدية وانتخابات مجالس المديريات إذا رفضت السلطة الإدارية المشرفة على الانتخابات "Le bureau electoral" أن تفحص الأصوات ، أو تعلن نتيجة الانتخاب (الطماوي،1955م 38.)

عدد الصفحات ٣٧٩

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 369 2- في مصر: في ظل قانون مجلس الدولة المصري الحالي 47 لسنة1972م لم يشأ المنظم القانوني المصري أن يوسع من اختصاصات المحاكم الإدارية كمياً فلم يمنحها اختصاصات غير قضائية كنظيرتها الفرنسية على نحو ما سبق. وينبغي الإشارة هنا إلى أن التوسع الكمي بإسناد مهام غير قضائية للمحاكم الإدارية المصرية وإن كان غير متاح لتلك المحاكم إلا أنه ممنوح لمجلس الدولة المصري ككل حيث يضم مجلس الدولة المصري بالإضافة للقسم القضائي الذي تتبعه المحاكم الإدارية قسمي الفتوي والتشريع (2) . ورغم أن اختصاص المجلس العام (غير القضائي) يخرج عن نطاق البحث الحالي إلا أنه يتعين الإشارة ولو بصورة موجزة لهذا التوسع الكمي في اختصاصات المجلس على النحو التالي: - لقد أضاف المنظم القانوني المصري إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى التشريع اختصاصات تخرج عن وظ يفة المجلس كجهة قضاء إداري متخصصة ومنها إبداء الرأي مسببًا في المسائل الدول ية والدستورية والتشريعية وغيرها من المسائل القانونية التي تحال إليها بسبب أهميتها من رئيس مجلس الوزراء أو من أحد الوزراء أو من رئيس مجلس الدولة، كما يجوز لمن طلب الرأي في هذه المسائل أن يحطر بنفسه في جلسات الجمعية عند النظر في تلك المسائل أ ن يندب من يراه من ذوي الخبرة كمستشارين غير عاديين ويكون لهم صوت واحد فقط وان تعددوا في المداولة. (2 )كان مجلد الدولة المصر يةم اافة للقسم القةاد اسم للصتو أو الرأ واسم للتةري ، هتى ةدوح القانون 165 لسقة1955م هيث أدمج هطا اأصير القسمت اسم واهد ا ممد " القسم الاستةاح للصتو والتةري وتوعه ذل القانون 55 لسقة1959م، ثم تم الرجوع إلى التسمية السابقة مرلمح أصر بالقراح بقانون 86 لسقة1969م، وتابعه ذل اانون مجلد الدولة اوالي 47 لسقة 1972م.

عدد الصفحات ٣٨٠

إكرام بسيوني عوداو صناب 370 - كما أضاف المنظم القانوني المصري إلى تلك الجمعية العمومية اختصاص بمراجعة مشروعات القوانين وقرارات رئيس الجمهورية ذات الصفة التشريعية (القرارات بقوانين)، واللوائح التي يرى قسم التشريع إحالتها لأهميتها. - أما قسم الفتوى فيختص بإبداء الرأي في المسائل القانونية التي تهم جهات الإدارة المختلفة، ولا يعد هذا الرأي ملزما لجهة الإدارة حتى في الحالات التي يجب على جهة الإدارة الحصول على هذا الرأي من تلك الإدارة بل يقتصر أثر عدم اللجوء لإدارة الفتوى في حال وجوب اللجوء قانوناً إليها على كون القرار الصادر عن جهة الإدارة في تلك الحالة معيبًا بعيب الشكل. - أما قسم التشريع فيختص بصياغة التشريعات، ومراجعة صياغة مشروعات القوانين كما يجب عرض مشروعات اللوائح على هذا القسم أو الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، وتنصب المراجعة على مشروعية النصوص المعروضة دون ملائمتها أي عدم مخالفتها لقواعد أعلى منها كالدستور، وكذلك صياغة تلك النصوص بطريقة واضحة لا غموض فيها. ويرى الباحث أن المنظم القانوني المصري قد سار على غير هدى وراء نظيره الفرنسي في اسناد مهام غير قضائية للمجلس بوجه عام للأسباب التالية: - 1- التطور التاريخي للنظام القضائي الإداري الفرنسي وما أظهرته الثورة الفرنسية من كراهية للأنظمة القضائية التي كانت سببًا في اندلاع تلك الثورة بل وأطلق على القضاء في تلك المرحلة مسمي " البرلمانات القضائية" أو "حكومة القضاة" " Les parliaments de l'ancien regime"، ومن ثم حاول الثوار الفرنسيين إبعاد كل سيطرة للقضاة في هذا الشأن وهنا دخلت الإدارة لتندمج في الحياة القانونية للدولة، ولا يوجد نظير لتلك الأسباب التاريخية في النظام القضائي الإداري المصري.

عدد الصفحات ٣٨١

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 371 2- لقد أسبغ المشرع الفرنسي المجلس بالصبغة السياسية إلى الحد الذي يتم الخلط فيه كثيراً بين المختصين من الناحية القانونية ، وغيرهم من المعينين من خارج المجلس بقرار من رئيس مجلس الوزراء الفرنسي، وهذا الخلط وذاك الطابع السياسي يجعل بلا شك تدخل الإدارة في أعمال المجلس أمراً وارداً ، ذلك أن ثلث المناصب الشاغرة للمستشارين، وربع وظائف النواب تتمتع الحكومة بسلطة تقديرية واسعة في تعينهم، وقد يترتب حتماً على تلك السلطة التقديرية اختيار بعض العناصر التي لا تتمتع سوى بقبول حزبي أو سياسي على حساب الكفاءات القانونية، ولا توجد مثل تلك الصبغة السياسية في النظام القضائي الإداري المصري. 3- التنظيم القضائي الإداري الفرنسي يسمح بالتداخل العميق بين ال سلطة الإدارية والسلطة القضائية بمجلس الدولة الفرنسي حيث لا ينقطع الاتصال بين المجلس وجهه الإدارة ومن مظاهر هذا الاتصال سماح المجلس بأن يضم بعضويته أعضاء غير قانونيين، كما يسمح بندب أعضائه كلياً للجهات الإدار ية ويطلق على الاعضاء هنا مسمي " خارج الكادر" “Hors Cadres”، كما أن هناك مندوبون عن الحكومة مهمتهم تزويد الأقسام الإدارية بالمجلس بالمعلومات الضرورية لإبداء الرأي القانون، بل ويجوز للوزراء حضور جميع المداولات في المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود في إصدار الحكم القضائي (الحلو (1995 :)84) و (Rivero(1970):178 )، وهذا التداخل بالسماح بالعضوية لغير القانونيين أو حضور الوزراء لمداولات مجلس الدولة الفرنسي هو طابع ذاتي للتنظيم القضائي الإداري الفرنسي لم يكن ينبغي لمجلس الدولة المصري تقليده. 4- التعاون بين الجهة القضائية ا لإدارية والجهات الإدارية في رأي الباحث يتعارض مع استقلال الجهة القضائية الإدارية إذ كيف تراقب تلك الجهة مشروعية ما

عدد الصفحات ٣٨٢

إكرام بسيوني عوداو صناب 372 يصدر عن الجهة الإدارية من أعمال وفي ذات الوقت تتعاون معه ا وتعمل لديها كمستشار قانوني ؟! لكل الاسباب السابقة يرى الباحث أن التوسع في منح الاختصاص كمياً للمحاكم الإدارية الفرنسية يتسق مع طبيعة مجلس الدولة الفرنسي نفسه والذي يسمح بإمكانية التداخل والاتصال العميق بين جهة الإدارة والمجلس. وإذا كان الانتقاد السابق لما ذهب إليه المنظم القانوني المصري في التوسع الكمي لمجلس الدولة المصري بإسناد مهام غير قضائية له، إلا أنني أستحسن ما قرره من منع هذا التوسع في الاختصاص عن المحاكم الإدارية، وبحيث تتفرغ المحكمة الإدارية كجهة قضاء إداري لوظيفتها القضائية بعيداً عن اختصاصها غير القضائي. ويرى الباحث أيضاً أن هذا التوسع في الاختصاص العام لمجلس الدولة المصري سيلقي بظلاله السلبية على قضاة المحاكم الإدارية بطريقة غير مباشرة، حيث أن أعضاء تلك المحاكم من الممكن أن يكونوا قد سبق لهم العضوية في لجان الفتوى أو التشريع أو تم انتدابهم بإحدى الوزارات أو الهيئات العامة، لذا فهم متأثرون إلى حد كبير بعلاقات شخصية نشأت كنتيجة طبيعة لعملهم لدى تلك الجهات ، ولا يم كن القول أن هذا التعاون يتيح لأعضاء المجلس خبرات إدارية واضطلاع على طبيعة العمل الإداري ومبرراته فتلك حجة واهية في نظر الباحث لأن "درء المفاسد مقدم على جلب المنافع"، ومن ثم فإن دفع الضرر الأكبر والمتمثل في فقدان القاضي الإداري لاستقلاله وحياده أولى من جلب منفعة تتمثل في إكسابه مهارات وتعرفه على طبيعة ما تمارسه الإدارة من أعمال. 3- في المملكة العربية السعودية لقد كان المنظم السعودي يوسع من اختصاصات المحاكم الإدارية السعودية بإسناد مهمة الفصل في طلبات تنفيذ الأحكام

عدد الصفحات ٣٨٣

اودود القانونية لاصتصاص اكاكم ا داحية بت التوس والتةيي ... 373 الأجنبية للمحاكم الإدارية السعودية حيث ورد هذا الاختصاص في الفقرة (ز) من المادة الثامنة من نظام ديوان المظالم السعودي الصادر عام 1402هـ وانتقل هذا الاختصاص بعد ذلك إلى ذات المحاكم بنص الفقرة (ز) من المادة الثالثة عشرة من نظام ديوان المظالم الحالي الصادر 1428هـ ومما لا شك فيه أن اختصاص المحاكم الإدارية السعودية بالنظر والفصل في طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية لا يتسق مع الطابع الإداري لتلك المحكمة فقد لا تكون الدولة السعودية طرفاً في علاقة قانونية مع شخص آخر حتى يسند هذا الاختصاص للديوان باعتباره جهة قضاء إداري متخصصة. ويرى الباحث أن هناك سببًا حقيقياً ومعتبراً لإسناد تلك المهمة للمحاكم الإدارية بديوان المظالم السعودي يتمثل في النظر إلى الأمر من جانبه وش قه الشرعي إستنادًا لما ورد بنص المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الصادر عام 1412هـ والتي قررت أنه " يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة" ، لذا فإن الكتاب والسنة هما المرجع الأعلى للقضاء والحكم ومن ثم حرص المنظم على التأكد من عدم مخالفة الحكم الأجنبي للكتاب والسنة. ولعل هذا النظر يؤيده ما أصدره معالي رئيس ديوان المظالم بالتعميم رقم 7 وتاريخ15/8/1405هـ والذي جاء فيه " أنه لما كانت الشريعة الإسلامية هي الدستور والمرجع الأول للقضاء والحكم بالمملكة العربية السعودية فإنه لا يجوز بحال من الأحوال تصور إمكان إقرار تنفيذ الحكم الأجنبي إذا كان مخالفًا لأصول من الأصول العامة للشريعة".

عدد الصفحات ٣٨٤