المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من مفاخر القضاء في الإسلام

محمد علي عباد حميسان

صفحة ٥ من ٦

65 عنقحطبة بن حميد بن الحسن بن قحطبة قال: كنت واقفا على رأس المأمون أمير المؤمنين يوماً وقد قعد للمظالم فأطال الجلوس حتى زالت الشمس، فإذا امرأة قد أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم فأقبل يحيى عليها فقال: تكلمي، فقالت: يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبين ضيعتي وليس لي ناصر إلا الله تبارك وتعالى، فقال لها يحيى بن أكثم: إن الوقت قد فات ولكن عودي يوم المجلس، قال: فرجعت ، فلما كان يوم المجلس قال المأمون : أول من يُ دعى المرأة المطلوبة، فدعي بها فقال لها : أين خصم ك؟ قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبينه، وأو مأت إلى العباس ابنه، فقال لأحمد بن أبي خالد: خذه بيده وأقعده معها، ففعل فتناظرا ساعة حتى علا صوتها عليه، فقال لها أحمد بن أبي خالد: أيتها المرأة، إنك تناظرين الأمير أعزه الله بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فاخفضي عليك ، فقال المأمون : دعها يا أحمد ، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه، فلم تزل تناظره حتى حكم لها المأمون عليه وأمر برد ضيعتها وأمر ابن أبي خالد أن يدفع إليها عشرة آلاف درهم. (تاريخ دمشق 33/308) وذكرها القاضي الماوردي في (الأحكام السلطانية 139) فقال حكي أنّ المأمون -ر حمه الله تعالى-كان يجلس للمظالم في يوم الأحد فنهض ذات يومٍ من جللسٍ نظره فلقيته امرأةٌ في ثيابٍ رثّةٍ فقالت:

عدد الصفحات ٦٥

66 يا خير منتصفٍ يهدى له الرّشد ،،، ويا إمامًا به ق د أشرق الب لد تشكو إليك عميد الملك أرملةٌ ،،، عدا عليها فما تقوى به أسد فابتزّ من ها ضي اع اً بع د منعت ها ،،، ل مّا تفرّق عن ها الأهل والولد فأطرق المأمون يسيرًا ثمّ رفع رأسه وقال: من دون ما قلت عيل الصّبر والجلد ،،، وأقرح القلب هذا الحزن والكمد هذا أوان صلاة الظّهر فانصرفي ،،، وأحضري الخصم في الي وم الّذي أع د المجلس السّبت إن يقض الجلوس لنا ،،، أنصفك منه وإلاّ المجلس الأحد فانصرفت وحضرت يوم الأحد في أوّل النّاس، فقال لها المأمون: من خصمك؟ فقالت: القائم على رأسك العبّاس بن أمير المؤمنين، فقال المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم وقيل لوزيره أحمد بن أبي خالدٍ : أجلسها معه وانظر بينهما ، فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون وجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجّابه، فقال له المأمون: دعها فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه، وأمر بردّ ضياعها عليها. ففعل المأمون في النّظر بينهما حيث كان بمشهده، ولم يباشره بنفسه لما اقتضته السّياسة من وجهين: أحدهما: أنّ حكمه ربمّا توجّه لولده وربمّا كان عليه وهو لا يجوز أن يحكم لولده وإن جاز أن يحكم عليه.

عدد الصفحات ٦٦

67 والثّا أنّ الخصم امرأةٌ يجلّ المأمون عن محاورتها وابنه من جلالة القدر بالمكان الّذي لا يقدر غيره على إلزامه الحقّ ، فردّ النّظر بمشهدٍ منه إلى من كفاه محاورة المرأة في استيفاء الدّعوى ، واستيضاح الحجّة، وباشر المأمون -ر حمه الله تعالى -تنفيذ الحكم وإلزام الحقّ. 64 – القاضي يحيى بن أكثم والخليفة المأمون تقدم المأمون بين يدي القاضي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه بثلاثين ألف دينار، فطرح للمأمون مصلى يجلس عليه فقال له يحيى : لا تأخذ على خصمك شرف المجلس، ولم يكن للرجل ب َ يّنة، فأر اد أن يحلف المأمون فدفع إليه المأمون ثلاثين ألف دينار وقال : والله ما دفعت لك هذا المال إلا خشية أن تقول العامة إني تناولتك من جهة القدرة ثم أمر ليحيى بمال وأجزل عطاءه. (المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي 109) 65 – القاضي أحمد بن أبي محرز الكناني وكبير الوزراء في أيام المأمون كان الأمير على القيروان الأغلب، وكان قاضي القيروان أحمد بن أبي محرز الكناني، وكان كبير الوزراء عند الأمير زيادة الله بن الأغلب الوزير المشهور علي ب ن حميد، وصادف أن تخاصم رجلان على دار من أفخم دور القيروان، فر أى القاضي أحمد أن يعلق هذه الدار

عدد الصفحات ٦٧

68 حتى يتم القضاء في أصل النزاع مقرباً من كبير الوزراء، فذهب إليه مستنداً ، فبلغ الخبر خصمه فذهب إلى القاضي وأخبره وهو في جللس قضائه في جامع القيروان، فثار القاضي لهذا التحدي، ومضى إلى قصر الأمير زيادة الله، وكان الوقت بعد الظهر، وكان الأمير نائماً ، فمنعه كبير الحجاب، فردّ عليه القاضي بأنه قد منعه من باب الأمير، وقرع باب القصر، فخرجت أم الأمير فازعة، فقال لها القاضي: أحمد يستأذن على الأمير لأمر دهمه، فذهبت الوالدة إلى مقصورة زيادة الله بن الأغلب، وهو نائم على سريره، فحركت حلقة الباب، فقال الأمير: من الطارق؟ فقالت: الوالدة. قال: وما جاء بك؟ فقالت: القاضي في الباب لأمر دهمه، فأذن له بالدخول وقصّ القصة، وطلب إعفاءه من منصبه، فتلطف معه الأمير، وأمره بالانتظار، ثم اغتسل ولبس ثيابه، وركب و معه القاضي إلى الدار المتنازع عليها التي طبعها القاضي، فطبعها الأمير بطابعه الملكي، ثم التفت إلى القاضي وقال له: هل أرضيناك أيها القاضي العادل؟ وعاد إلى قصره، وسمع كبير الوزراء ابن حميد، فندم وودّ أنه مات قبل أن يتحرج مركزه عند الأمير. (نظام القضاء في الإسلام للعمراني ص 123-124 نقلاً عن كتاب "القضاء والقضاة" لمحمد شهير أرسلان ص 28 بالمعنى نقلا عن كتاب "مثل عليا في قضاء الإسلام" تأليف محمود الباجي ص 166) 66 – القاضي إسماعيل بن إسحاق والخليفة المعتضد

عدد الصفحات ٦٨

69 كان للمعتضد حظية يحبها، ولها ابن أخت حَ جَ رَ عليه إسماعيل القاضي بعد موت والده، فشكت أمه ذلك الى أختها، ورغبت سؤال المعتضد، ليأمر القاضي بفكه من الحجر، فلما جاء المعتضد الى حظيته، سألته في ذلك، فكتب رقعة بخطه الى إسماعيل يأمره بفك الحجر عن الغلام، وختمها ووجهها مع وزيره إليه، فعظم ذلك على الوزير، وكتمانه عنه، فلما وصل به إسماعيل، فكه، وكتب على ظهره، وختمه ورده مع الوزير ، فكان ما فعله إسماعيل أشد على الوزير. فلما وصل به الخليفة، وفتحه ونظر فيه، بكى، وكان بعيد الدمعة. ثم رمى به إلى الوزير، وقال: انظر بما كتب إلينا إسماعيل. فإذا هو قد كتب إليه، بسم الله الرحمين الرحيم: " يا داود إناّ جعلناك خليفةً في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق " الآية. وقال: قل لإسماعيل يعمل ما يرى، فلا أعترض عليه. (ترتيب المدارك وتقريب المسالك 1/307) 67 – القاضي ابن شداد والناصر صلاح الدين الأيو حدث أن ادعى تاجر يدعى (عمر الخلاطي) على صلاح الدين أنه أخذ منه أحد مماليكه ويدعى "سنقر" ، واستولى على ما كان لهذا المملوك من ثروة طائلة بدون وجه حق، وعندما تقدم التاجر المدعي بظلامته إلى القاضي ابن شداد، أظهر صلاح الدين حلماً كبيراً ورضي أن يقف موقف الخصم من صاحب الدعوى، وأحضر كلّ من الطرفين من لديه من شهود وما لديه من أدلة يثبت بها رأيه، حتى اتضح في النهاية - عند القاضي- كذب الرجل وإدعاءه الباطل على صلاح الدين

عدد الصفحات ٦٩

70 ومع كل هذا رفض صلاح الدين أن يترك المدعي يخرج من عنده خائباً فأمر له بخلعة ومبلغ من المال ليدلل على كرمه في مواضع المؤاخذة م ع القدرة. (صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس 1/322، نقلا عن كتاب سيرة السلطان الناصر لابن شداد ص 69) وذكر القصة صاحب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة6/10" بطريقة مقاربة فقال: وادعى رجل على السلطان صلاح الدين المذكور بأن سنقر الخلاطي مملوكه ، ومات على ملكه، قال ابن شداد: فأخبرته فأحضر الرجل وقد خرج عن طراحته وساواه في الجلوس، فادعى الرجل ، فرفع السلطان رأسه إلى جماعة الأمراء والشيوخ الأخيار وهم وقوف على رأسه فقال : أتعرفون سنقر الخلاطي ؟ قالوا: نشهد أنه مملوك ك، وأنه مات على ملكك. ولم يكن للرجل المدعي بينة فأسقط في يده. فقلت: يا مولانا رجل غريب وقد جاء من خلاط في طمع ونفدت نفقته وما يحسن أن يرجع خائباً ، فقال: يا قاضي، هذا إنّا يكون على غير هذا الوجه، ووهب له نفقة وخلعة وبغلة وأحسن إليه. 68 -قاضي القضاة جمال الدين عبد الصمد الدمشقي والملك العادل

عدد الصفحات ٧٠

71 كتبالملك العادل إلى القاضي جمال الدين الدمشقي يوصيه في حكومة، فأحضر الخصم وفي يده الكتاب لم يفتحه، وظهر الخصم على حامل الكتاب إلى القاضي، فقضى عليه، ثم قرأ الكتاب، ورمى به إليه، وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب. فبلغ العادل قوله فقال: صدق، كتاب الله أولى من كتابي. و كان يقول للعادل: أنا ما أحكم إلا بالشرع وإلاّ فما سألتك القضاء، فإن شئت، وإلا فأبصر غيري. و جاء إليه شرف الدين ابن عنين، فقال: السلطان يسلّم عليك ويوصي بفلان فإن له محاكمة، فغضب، وقال: الشرع ما يكون فيه وصية، لا فرق بين السلطان وغيره في الحق. (تاريخ الإسلام 44/207 بتصرف 69 – القاضي تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب ابن بنت الأعز

عدد الصفحات ٧١

72 كان الأمير جمال الدينأَ ي دُ غ دِ ي العزيزي يكره قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، ويضع من قدره، ويحط عليه عند السلطان، بسبب تشدده في الأحكام وتوقفه في القضايا التي لا توافق مذهبه. فاتفق جلوس السلطان بدار العدل في يوم الإثنين ثاني عشر ذي الحجة، فرفع إليه بنات الملك الناصر قصة فيها: أن ورثة الناصر اشتروا دار قاضي القضاة بدر الدين السنجار ي في حياته، فلما مات ذكر ورثته أنها وقف. فعندما قرئت أخذ الأمير أَ ي دُ غ دِ ي يحط على الفقهاء وينقصهم، فقال السلطان للقاضي تاج الدين: يا قاض! هكذا تكون القضاة؟ " . فقال تاج الدين: " يا مولانا! كل شاة معلقة بعرقوبها! " قال: فكيف الحال في هذا؟ قال: إذا ثبت الوقف يعاد الثمن من الورثة، فقال السلطان: فإذا لم يكن مع الورثة شيء؟ قال القاضي: يرجع الوقف إلى أصله، ولا يستعاد الثمن. فغضب السلطان من ذلك، وما تم الكلام حتى تقدم رسول أمير المدينة النبوية وقال: يا مولانا السلطان سألت هذا القاضي أن يسلم إليّ مبلغ ر يع الوقف الذي تحت يده، لينفقه صاحب المدينة في فقراء أهلها، فلم يفعل. فسأل السلطان القاضي عما قاله، فقال: نعم. قال السلطان: أنا أمرته بذلك فكيف رددت أمري؟ قال: " يا مولانا ، هذا المال أنا متسلمه، وهذا الرجل لا أعرفه، ولا يمكنني أن أسلمه لمن لا أعرفه، ولا يتسلمه إلا من أعرف إنه موثوق بدينه وأمانته، فإن كان السلطان يتسلمه مني أحضرته إليه. فقال السلطان: تنزعه من عنقك وتجعله في عنقي قال: نعم. قال السلطان: لا تدفعه إلا لمن تختاره. ثم تقدم بعض الأمراء وقال: شهدت عند القاضي فلم تسمع شهادتي في ثبوت الملك وصحته ، فسأل السلطان القاضي عن ذلك فقال: ما شهد أحد عندي حتى أثبته، فقال الأمير: إذا

عدد الصفحات ٧٢

73 لم تسمع قولي فمن تريد؟ قال السلطان: لم لا سمعت قوله؟ فقال: لا حاجة في ذكر ذلك. (السلوك لمعرفة دو ل الملوك 2/27) 70 – القاضيعبد الرحمن بن عبد الوهاب، أبو القاسم ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعزّ، والوزير ابن السلعوس راسل الوزيرُ ابن الس ل عُ وس القاضيَ عبد الرحمن بن عبد الوهاب في أمر شخص يقال له نجم الدين ابن عطايا، أن يقرره في بعض الوظائف، وأن يثبت عدالته، وكان غير أهل لذلك، فامتنع. (رفع الإصر عن قضاة مصر 223) 71 – القاضيشمس الدين الحريري والسلطان الناصر محمد، ابن قلاوون لما أخذ السلطان د ار الأمير سلار ودور إخوته وقطعت ه من الميدان، وأنشأ الأمير سيف الدين بكتمر الساقي المظفري قصراً في موضع ذلك على بركة الفيل، أراد السلطان أن يدخل فيه قطعة من أرض بركة الفيل، وهي في أوقاف الملك الظاهر بيبرس على أولاده، فأراد استبدال ما يحتاج إليه منها بموضع آخر، وأراد من

عدد الصفحات ٧٣

74 ابن اريري الحكم بذلك كما هو مذهبه، ف أبى وجرت بينه وبين السلطان مفاوضة قال فيها: لا سبيل إلى هذا، ولا يجوز الاستبدال في مذهبي، ونهض قائماً وقد اشتد حنق السلطان منه. (السلوك لمعرفة دو ل الملوك 2/524) 72 – القاضي سلطان العلماء وبائع الأمراء عز الدين بن عبد السلام، وأمراء الدولة الأتراك رأى سلطان العلماء أن المماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب ودفع ثمنهم من بيت مال المسلمين، واستعملهم في خدمته وجيشه، وتصريف شؤون الدولة، يمارسون البيع والشراء وهو تصرف باطل؛ لأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين ، فبلغهم ذلك فعظم الخطب عندهم فيه وأضرم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً ، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة فاستشاط غضباً ، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم جللساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي، فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث إليه فلم يرجع ، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة حاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار، وأركب عائلته على حمار آخر ، ومشى خلفهم خارجاً من القاهرة قاصداً نحو الشام، فلم يصل إلى نحو نصف بريد إلا وقد لحقه غالب المسلمين ، لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه إليه يتخلف لا سيما

عدد الصفحات ٧٤

75 العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم، فبلغ السلطان الخبر، وقيل له: متى راح ذهب ملكك، فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيب قلبه ، فرجع واتفق معهم على أنه ينادى على الأمراء ، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه ، فانزعج النائب وقال كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض ، والله لأضربنه بسيفي هذا ، فركب بنفسه في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب فخرج ولد الشيخ أظنه عبد اللطيف فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وشرح له الحال فما اكترث لذلك ولا تغير وقال : يا ولدي أبوك أقل من أن يُ قتل في سبيل الله، ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منها وأرعدت مفاصله فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له ، وقال: يا سيدي خبر أيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم ، قال ففيم تصرف ثمننا ؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ قال: أنا، فتم له ما أراد، ونادى على الأمراء واحداً واحداً وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير، وهذا ما لم يسمع بمثله عن أحد رحمه الله تعالى ورضى عنه. (طبقات الشافعية الكبرى 8/216-217 بتصرف

عدد الصفحات ٧٥

76 73 – القاضي عز الدين بن عبد السلام، ومعين الدين بن شيخ الشيوخ قال صاحب ذيل مرة الزمان: و اتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ وزير الملك الصالح نجم الدين بنى على سطح بعض المساجد بمصر بنياناً وجعل فيه طبلخاناة –أي قاعة لسماع الغناء والموسيقى - معين الدين وبلغ ذلك الشيخ عز الدين فأنكره ومضى بنفسه وأولاده فهدم ذلك البناء، وأمر بنقل ما على سطح ذلك المسجد وتفريغه مما فيه ، وعلم الشيخ عز الدي ن أن ذل ك يغضب الملك الصالح ووزيره فأحضر شهوداً وأشهدهم على نفسه أنه قد أسقط عدالة معين الدين، وأنه قد عزل نفسه عن القضاء بمصر وما معها، فعظم ذلك على الملك الصالح، وأبقى نواب الشيخ عز الدين، فقيل للملك الصالح: إن لم تعزله عن الخطابة فربما يبدو منه تشنيع على المنبر كما فعل بدمشق لما سلم الملك الصالح عماد الدين صفد والشقيف، فعزله عن الخطابة، فأقام في بيته بالقاهرة يُ شغل الناس بالعلم. (ذيل مرآة الزمان 2/174، وطبقات الشافعية الكبرى باختصار 8/210- 211) قال التاج السبكي وظن فخر الدين وغيره أن هذا الحكم –إسقاط عدالة الوزير-لا يتأثر به فخر الدين [في الخارج فاتفق أن جهز السلطان الملك الصالح رسولاً من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان ووقف بين يدي الخليفة وأدى الرسالة خرج إليه وسأله هل

عدد الصفحات ٧٦

77 سمعت هذه الرسالة من السلطان ؟ فقال: لا، ولكن حملنيها عن السلطان فخر الدين ابن شيخ الشيوخ أستاذ داره ، فقال الخليفة : إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام فنحن لا نقبل روايته، فرجع الر سول إلى السلطان حتى شافهه بالرسالة ثم عاد إلى بغداد وأداها. ثم بنى السلطان مدرسة الصالحية المعروفة بين القصرين بالقاهرة وفوض تدريس الشافعية بها إلى الشيخ عز الدين فباشره وتصدى لنفع الناس بعلومه. (طبقات الشافعية الكبرى 8/211) 74-عز الدين ابن عبد السلام ورفض شهادة الأمير حسام الدين قال الأمير حسام الدين ابن أبي علي -رحمه الله تعالى-كان عندي شهادة تتعلق بالملك الصالح نجم الدين، فقال لي السلطان والشيخ عز الدين متولي القضاء بمصر: تؤدي الشهادة عنده، فقلت: يا خوند، ما يقبل شهادتي، فألح علي ، فقلت: يا خوند، خذ لي منه دستوراً ، فبعث إلى الشيخ عز الدين في ذلك فقال: ما أقبل له شهادة، فتوقفت القضية إلى أن ولي القاضي بدر الدين السنجاري فذهبت إليه فتلقاني إلى الباب، فشهدت عنده، فقبل الشهادة وانقضى الشغل، فكان الشيخ عز الدين رحمه الله لا يحابي أحداً في الحق. (ذيل مرآة الزمان 2/174)

عدد الصفحات ٧٧

78 75 – القاضي إبراهيم بن إسحاق ورفض شفاعة الأمير اختصم رجلان إلى القاضي إبراهيم بن إسحاق في شيء، فأمر بالكتابة على أحدهما بإن فاذ الحكم، فتشفع المحكوم عليه بابن أبي عون إلى الأمير السري بن الحكم، فأرسل إليه السري أن يتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فإن لم يصطلحا أنفذ الحكم. فجلس إبراهيم في منزله، وامتنع عن القضاء، فركب إليه السري وسأله الرجوع، فقال : لا أعود إلى ذلك المجلس أبداً، ليس في الحكم شفاعة. فلما صمم على الامتناع، ولي السري إبراهيم بن الجراح، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس ومائتين. (رفع الإصر عن قضاة مصر 22) 76-القاضي شمس الدين الفناري والسلطان بايزيد روي عن السلطان بايزيد وهو الذي كان يلقب بالصاعقة لسرعة حركته في مواجهة الأعداء أنه مثل أمام القاضي شمس الدين محمد حمزة الفناري ليشهد في إحدى القضايا ، فما كان من القاضي إلا أن رد شهادته ولم يقبلها ، ولما سأل السلطان عن وجه ردها جاء الجواب الحاسم من القاضي الذي لا يرهبه سلطان: إنك تارك للصلاة مع الجماعة، وكان جواب السلطا ن أن بنى جامعاً أمام قصره، وعين لنفسه موضعا فيه ولم يترك صلاة الجماعة بعدها أبدا.

عدد الصفحات ٧٨

79 (الشقائق النعمانية في تاريخ الدولة العثمانية1/19،روائع من التاريخ العثماني 26) وذكر أورخان محمد علي في كتابه "روائع من التاريخ العثماني" ص 26، أن القاضي قال للسلطان: إن شهادتك لا يمكن قبولها، لأنك لا تؤدي صلواتك جماعة، والشخص الذي لا يؤدي صلاته جماعة دون عذر شرعي يمكن أن يكذب في شهادته. قال الإمام الشوكاني معلقاً على هذا القصة في كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" (2/267): فلله در هذا العالم الصادع بالحق مع ما هو فيه من التقلب في نعمة سلطانه التى سمعت بعض وصفها ورُ ب عالم لا يقدر على الكلمة الواحدة في الحق لمن له عليه أدنى نعمة مخافة من زوالها، بل رُ ب عالم يمنعه رجاء العطية ونيل الرتبة السنية عن التكلم بالحق ولم يكن بيده إلا جلرد الأماني الأشعبية ورحم الله هذا السلطان الذي سمع الحق فاتبع ولم تصده سورة الملك وما هو فيه من سلطان الذي كاد يطبق الأرض عن قبول ذلك. 77 -القاضي صار ي خضر جلبي والسلطان محمد الفاتح أمر السلطان (محمد الفاتح) ببناء أحد الجوامع في مدينة (اسطنبول)، وكلّف أحد المعماريين الروم واسمه (إسبلانتي) بالإشراف على بناء هذا الجامع، إذ كان هذا الرومي معمارياً بارعاً . وكان من بين أوامر السلطان: أن تكون أعمدة هذا الجامع

عدد الصفحات ٧٩

80 من المرمر، وأن تكون هذه الأعمدة مرتفعة ليبدو الجامع فخماً، وحدّد هذا الارتفاع لهذا المعماري. ولكن هذا المعماري الرومي -لسبب من الأسباب -أمر بقصّ هذه الأعمدة، وتقصير طولها دون أن يخبر السلطان، أو أن يستشيره في ذلك، وعندما سمع السلطان (محمد الفاتح) بذلك، استشاط غضباً، إذ أن هذه الأعمدة التي جلبت من مكان بعيد، لم تعد ذات فائدة في نظره، وفي ثورة غضبه هذه، أمر بقطع يد هذا المعماري. ومع أنه ندم على ذلك إلا أنه كان ندماً بعد فوات الأوان. ولم يسكت المعماري عن الظلم الذي لحقه، بل راجع قاضي اسطنبول الشيخ (صاري خضر جلبي) الذي كان صيت عدالته قد ذاع وانتشر في جميع أنحاء الإمبراطورية، واشتكى إليه ما لحقه من ظلم من قبل السلطان (محمد الفاتح). فلم يتردّد القاضي في قبول هذه الشكوى، بل أرسل من فوره رسولاً إلى السلطان يستدعيه للمثول أمامه في المحكمة، لوجود شكوى ضده من أحد الرعايا. ولم يتردد السلطان كذلك في قبول دعوة القاضي، فالحق والعدل يجب أن يكون فوق كل سلطان. وفي اليوم المحدّد حضر السلطان إلى المحكمة، وتوجّه للجلوس على المقعد، فقال له القاضي: لا يجوز لك الجلوس يا سيدي ... بل عليك الوقوف بجانب خصمك. وقف السلطان (محمد الفاتح) بجانب خصمه الرومي، الذي شرح مظلمته للقاضي، وعندما جاء دور السلطان في الكلام، أكّد ما قاله الرومي. وبعد انتهاء

عدد الصفحات ٨٠